رواية خادمتي الصامته الفصل السابع عشر17 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته الفصل السابع عشر17 بقلم اسماعيل موسي
حين اقتربت تقى من القصر، كانت خطواتها أثقل من أن تحملها قدماها، ومع ذلك لم تتوقف، فقد خرجت من بيت أبيها وهي لا تحمل معها سوى ثياب قليلة جمعتها على عجل، وقلبًا لم يعد يعرف إلى أين يذهب
كانت تريد أن ترى نوح باشا، لا لتطلب منه شيئًا، ولا لتشكو إليه ما حدث، وإنما لأنها أرادت أن تقف أمام رجل واحد على الأقل يعرفها كما هي، لا كما وصفها العمدة، ولا كما حكم عليها أبوها في لحظة خوف
لكنها ما إن اقتربت من الطريق المؤدي إلى القصر حتى ظهر محروس أمامها
توقف ونظر إليها من أعلى إلى أسفل، ثم قال بغلظة، رايحة فين يا بنت عويس؟
رفعت تقى عينيها إليه وأشارت ناحية القصر
قال محروس، الباشا مشغول
ظلت واقفة مكانها وأشارت مرة أخرى، ثم وضعت يدها على صدرها وأشارت إلى الداخل، محاولة أن تفهمه أنها تريد مقابلة نوح باشا
فقال، قلت لك الباشا مشغول، ارجعي من مطرح ما جيتى 
لم تتحرك
نظر إليها محروس بضيق وقال، إنتي مش فاهمة الكلام؟
أشارت بيديها بسرعة، ثم حاولت أن تتجاوز المكان
مد محروس ذراعه أمامها ومنعها
قال، ممنوع تدخلي
رفعت تقى عينيها إليه، وفيهما شيء يشبه الرجاء، ثم أشارت إلى القصر مرة أخرى
لكن محروس لم يترك لها مجالًا، ودفعها بيده بعيدًا عن الطريق وقال، امشي يا بنت، متخلنيش أزعق لك
تراجعت تقى خطوتين، ثم نظرت إلى بوابة القصر قبل أن تنظر إليه من جديد
قال محروس بحدة، الباشا مش محتاج يشوفك، روحي بيتكم
استدارت تقى ببطء
مشت قليلًا، ثم توقفت والتفتت إلى القصر مرة أخيرة، وكأنها تنتظر أن يخرج أحد من الداخل ويقول لها إن كل هذا مجرد سوء فهم
لكن البوابة بقيت مغلقة،لم تذهب تقى إلى البيت
سارت بمحاذاة الحقول حتى ابتعدت عن القصر مسافة تكفي لأن تخفيها الأشجار عن عيون محروس، ثم جلست على حافة أحد الحقول، وأسندت ظهرها إلى جذع شجرة صغيرة، وضمت ساقيها إلى صدرها
كان النهار يميل إلى آخره، والضوء يتغير ببطء فوق الأرض
امتدت الحقول أمامها واسعة وهادئة، وقد غسلتها شمس العصر بلون ذهبي خافت، وكانت السنابل تتحرك مع الهواء في موجات متتابعة، تبدأ من ناحية الترعة ثم تمتد حتى آخر الأرض، كأن الحقل كله يتنفس ببطء
بعيدًا عنها كان الماء يلمع بين الخضرة، لا يظهر منه إلا خيط متقطع كلما انخفضت الأرض، وكانت طيور صغيرة تهبط بين الزروع ثم تطير فجأة عندما يقترب منها أحد، بينما أخذت أصوات الفلاحين تخفت شيئًا فشيئًا مع اقتراب المساء
جلست تقى وسط ذلك كله كأنها شيء تركته الحياة على هامش الطريق
لم تبك
كانت قد تجاوزت البكاء منذ وقت، أو ربما صار الحزن أثقل من أن تسمح له بالخروج
رفعت وجهها نحو القصر
كان القصر يبدو من بعيد هادئًا، شامخًا فوق الأرض، وشرفته العالية تطل على الحقول كأنها نافذة مفتوحة على عالم آخر لا تصل إليه تقى
وظلت تنظر إليها
لم تكن تعرف لماذا تنتظر
ربما كانت تريد أن ترى نوح باشا ولو من بعيد
ربما كانت تريد أن تعرف إن كان يتذكرها
ومع مرور الوقت، أخذ الضوء ينحسر عن الحقول شيئًا فشيئًا، وامتدت الظلال بين الأشجار، وصارت رائحة التراب أكثر وضوحًا، واختلطت برائحة الماء والنبات الرطب، بينما بدأت أولى نسمات المساء تمر فوق وجه تقى وشعرها
ومع ذلك لم تتحرك
بقيت جالسة في مكانها، ترفع عينيها بين الحين والآخر نحو الشرفة
حتى ظهر نوح باشا أخيرًا
خرج إلى الشرفة بعد وقت طويل، وقد بدا أنه جاء إليها دون قصد محدد، كما يفعل حين يريد أن يبتعد قليلًا عن ضجيج البيت
وقف ووضع يديه على حافة السور الحجري، ثم ألقى بصره على الأرض الممتدة أمام القصر
كان المساء قد بدأ يفرض سكونه على المكان، والسماء فوق الحقول تتدرج ألوانها ببطء، من زرقة باهتة إلى لون دافئ يميل إلى الحمرة عند الأفق، وكانت آخر خيوط الشمس تستقر فوق رؤوس الأشجار وعلى أطراف الحقول، قبل أن تختفي شيئًا فشيئًا
ظل نوح يطالع المشهد في صمت
ثم رأى شيئًا بين الخضرة
في البداية ظنها شجرة صغيرة أو كومة من الحطب تركها أحد الفلاحين، لكنه حدق أكثر، فرأى جسد فتاة جالسة على الأرض
كانت بعيدة عن الطريق، وحدها، ساكنة إلى درجة جعلته يتساءل كيف لم ينتبه إليها من قبل
ضيق عينيه قليلًا
من هذه؟
كانت الفتاة تجلس بين الزرع بثياب بسيطة، وقد أسندت ظهرها إلى شجرة صغيرة، بينما انسدل شعرها حول وجهها، وكانت لا تفعل شيئًا سوى النظر نحو القصر
شعر نوح بشيء من الاستغراب
لم يكن المكان الذي جلست فيه مألوفًا للخدم، ولم تكن هيئة الفتاة هيئة من ينتظر أحدًا في الطريق
ظل واقفًا يراقبها
ثم لاحظ أنها كلما رفعت رأسها لم تنظر إلى الطريق ولا إلى الحقول، وإنما كانت عيناها تتجهان مباشرة إلى شرفته
تغيرت ملامحه قليلًا
ظل لحظات يحاول أن يتذكر أين رأى تلك الهيئة من قبل
كانت المسافة بعيدة، والضوء يضعف، لكن في جلستها شيء مألوف، شيء مر أمام عينيه ذات يوم ثم بقي في ذاكرته دون أن يعرف لماذا
ظل صامتًا
ثم قال لنفسه، مين دي؟
وفي اللحظة نفسها تقريبًا رفعت تقى وجهها من بين الخضرة
رأته واقفًا في الشرفة
لم تتحرك
كأنها خافت أن تؤدي حركة واحدة إلى اختفائه
أما نوح فظل ينظر إليها، وكلما طال نظره ازداد ذلك الشعور الغامض في داخله
كانت الفتاة تبدو أصغر من أن تحمل كل هذا الحزن، وأضعف من أن تكون قد جاءت إلى هنا لتطلب شيئًا، ومع ذلك كانت تجلس وحدها في الحقول، تحت شرفته تحديدًا، وكأنها انتظرت طويلًا حتى يخرج

 كانت المسافة التي تفصل بينهما أكبر من أن تسمح له بأن يرى وجهها بوضوح، وقبل أن يستطيع أن يحسم شكه تبدل وجه السماء فجأة، وجاءت الريح أولًا من ناحية الحقول البعيدة، باردة ومفاجئة، فانحنت أمامها رؤوس الزرع دفعة واحدة، ثم مرت فوق الأرض كأن يدًا خفية تمشط الخضرة الممتدة حتى الأفق.

رفع نوح رأسه نحو السماء، فوجد الغيوم قد تجمعت دون أن ينتبه إليها، ثقيلة ومظلمة، تزحف فوق بعضها في صمت حتى ابتلعت ما بقي من لون الغروب، ثم دوى صوت بعيد في السماء، وتوقفت أنفاس المكان للحظة قبل أن تسقط قطرة المطر الأولى فوق السور الحجري للشرفة، ثم تبعتها أخرى، وبعد لحظات بدأت السماء تفتح أبوابها.

اشتد المطر سريعًا وتحولت الريح إلى شيء آخر، فلم تعد مجرد نسمة تمر فوق الحقول، بل صارت تصرخ بين الأشجار، تهز الأغصان وتدفع أبواب القصر ونوافذه، وتدخل من الممرات كأنها تبحث عن مكان تختبئ فيه، فتراجع نوح خطوة إلى الخلف بعدما بدأت قطرات المطر تصل إليه تحت الشرفة، وألقى نظرة أخيرة نحو الحقول، لكنه لم يعد يرى شيئًا واضحًا، فقد اختلطت الأرض بالماء واهتزت الأشجار أمام عينيه وصارت الخضرة كتلة داكنة تتحرك تحت ضربات الريح.

أغلق نوح باب الشرفة ودخل إلى القصر، أما تقى فبقيت في مكانها، فلم يكن فوق رأسها سقف يحميها ولا جدار تستند إليه من الريح ولا باب تستطيع أن تغلقه بينها وبين الليل، وكانت الأرض تحتها واسعة ومفتوحة، كأنها لم تعد تخص أحدًا، أرضًا مباحة للمطر والريح ولكل ما يمكن أن يفعله الليل بإنسان وحيد.

في البداية حاولت أن تحتمي تحت الشجرة الصغيرة التي جلست إلى جوارها، لكنها لم تكن أكثر من غصون ضعيفة ترتجف هي الأخرى أمام الريح، وكانت أوراقها تتطاير حولها ثم تسقط فوق الأرض المبتلة، وبلل المطر شعر تقى وثيابها، فتسرب الماء إلى جسدها ببطء حتى التصق القماش بجلدها، وبدأ البرد يتسلل إليها من أطرافها، فأحاطت نفسها بذراعيها وحاولت أن تضم جسدها أكثر، لكن الريح كانت تصل إليها من كل ناحية.

مرت ساعات الليل ثقيلة، ولم تعرف تقى كم مضى من الوقت، فقد اختفت الطرق والبيوت والأشجار خلف ستار المطر، ولم يبق أمامها سوى الظلام وصوت الماء وهو يضرب الأرض، وكانت الحقول التي بدت قبل ساعات دافئة وممتدة تحت الشمس قد تحولت إلى مساحة غريبة غارقة في السواد، كل شيء فيها يتحرك، الأغصان والزرع والماء والظلال التي تصنعها الريح ثم تمحوها.

وفي بعض اللحظات كان القمر يحاول أن يظهر من بين الغيوم على استحياء، كوجه شاحب أطل للحظة من نافذة بعيدة، فيسكب ضوءًا فضيًا خفيفًا فوق الحقول، وعندها كانت الأرض تظهر من جديد، فتلمع المياه المتجمعة بين الزروع، وتظهر الأشجار السوداء واقفة في البعيد، وتبدو الطريق الممتدة نحو القصر كأنها شريط باهت يشق الظلام، ثم تعود الغيوم فتبتلع القمر ويعود الليل كما كان، مغلقًا وثقيلًا
كانت تقى ترتجف، وقد اشتد البرد حتى شعرت بأن أصابعها لم تعد تستطيع أن تتحرك كما ينبغي، فضمت ركبتيها إلى صدرها أكثر وأخفضت رأسها بين ذراعيها، ومع ذلك لم تغادر، فلم تعد تعرف إن كانت تنتظر نوح باشا أم أنها لم تعد تملك مكانًا آخر تذهب إليه.

خلفها كان بيت أبيها، وفي ذاكرتها صوت عويس وهو يتبرأ منها، وأمامها كان القصر، ذلك المكان الذي خرجت منه يومًا ثم عادت إليه الآن ولم يسمح لها أحد بالدخول، فبقيت في المنتصف، بين بيت لم يعد بيتها وباب لم يعد يفتح لها
وفي داخل القصر مضى الليل ببطء مختلف، كان نوح قد جلس لبعض الوقت وحاول أن ينشغل بما أمامه، لكن صوت الريح لم يتركه، كانت تهز النوافذ وتضرب الأغصان في الخارج ثم تمر في الممرات الطويلة بصوت يشبه الأنين، وحين هدأ المطر قليلًا وقف نوح دون أن يعرف لماذا، وظل لحظة ينظر نحو باب الشرفة قبل أن يتجه إليه
فتح الباب ببطء، فاندفع الهواء البارد إلى وجهه، وخرج نوح مرة أخرى إلى الشرفة، وكانت السماء قد بدأت تخفف من غضبها، لكن المطر لم يتوقف تمامًا، بل صار ينزل في قطرات متباعدة بينما بقيت الأرض مشبعة بالماء
نظر نوح نحو الحقول، وفي البداية لم ير شيئًا، ثم لمع القمر للحظة من بين السحب، وكان ذلك الضوء القصير كافيًا، فتجمد مكانه،كانت الفتاة لا تزال هناك، في المكان نفسه
لم تتحرك
بدا جسدها صغيرًا وسط تلك المساحة الواسعة، منكمشًا عند جذع الشجرة، كأن الليل ألقاها هناك ونسي أن يعود ليأخذها، وظل نوح ينظر إليها طويلًا، وكان يستطيع أن يعود إلى الداخل، وكان يستطيع أن يقول إن الأمر لا يعنيه، فتاة مجهولة جلست في الحقول ثم اختارت أن تبقى تحت المطر، لكنه لم يتحرك

نظر إليها مرة أخرى، ثم استدار ودخل إلى القصر، ولم يكن قد اتخذ قراره بالكلمات، لكنه حين عاد لم يتجه إلى غرفته، بل تناول قنديل زيت صغيرًا وأشعل فتيله، فارتجف الضوء داخل الزجاج ثم ثبت شيئًا فشيئًا وألقى دائرة صفراء ضعيفة حول يده
بعدها أخذ معطفه الثقيل وتلفح به، ورفع ياقة ثوبه أمام عنقه ليصد ما يستطيع من برد الليل، ثم فتح باب القصر، وفي اللحظة التي خرج فيها ابتلعت الظلمة جزءًا من الضوء القادم من الداخل
مشى نوح فوق الأرض المبتلة، وكان الماء يتجمع تحت قدميه والطين يلتصق بحذائه، فيما ظل القنديل يهتز في يده مع كل خطوة ويرسم أمامه دائرة صغيرة من النور لا تكاد تكفي لتكشف الطريق، وخلفه بقي القصر مضاءً في العتمة، وأمامه كانت الحقول تمتد سوداء وواسعة
غاص نوح في الظلام مستندًا إلى الضوء الضعيف الذي يحمله بين يديه، وكلما اقترب بدأ يرى هيئة الفتاة بوضوح أكبر، كانت ما تزال جالسة في مكانها والمطر يقطر من شعرها والريح تمر فوق جسدها المرتجف، دون أن تعرف أن أحدًا خرج من القصر
وأن خطوات نوح باشا، لأول مرة منذ رحيلها، كانت تشق الحقول في اتجاهها
تعليقات



<>