رواية خادمتي الصامته الفصل الثالث والعشرون23 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته الفصل الثالث والعشرون23 بقلم اسماعيل موسي
حين اشتد الليل، نهضت تقى من جوار الشجرة، وقد شعرت أن جسدها لم يعد يملك شيئًا من القوة التي دفعته إلى ذلك المكان، غير أن البقاء فيه كان أشد قسوة من السير، فرفعت نفسها بصعوبة، ومسحت بيديها ما علق بثوبها من تراب، ثم وقفت لحظات لا تعرف أي طريق تسلك، قبل أن تتجه أخيرًا نحو الأضواء البعيدة التي كانت تعرف أنها تقود إلى القصر
كانت السماء قد أغلقت آخر نافذة للنهار، ولم يبق فيها سوى سواد عميق تتناثر فيه النجوم على مسافات متباعدة، بينما كان القمر يظهر أحيانًا بين السحب ثم يختفي، فيترك الحقول مرة في ضوء فضي شاحب ومرة أخرى في عتمة تكاد تبتلع الأشياء، وكانت الريح تمر فوق الزرع فتجعله ينحني في موجات متتابعة، يبدأ انحناؤها من ناحية بعيدة ثم تتقدم نحوها حتى تصل إلى المكان الذي تسير فيه، فتشعر للحظة أن الحقول كلها تتحرك في اتجاه واحد
مضت تقى بين النباتات بحذر، وكانت أطرافها تلامس ساقيها كلما عبرت بينها، فتعلق بها الندى وتترك على ثوبها بللًا باردًا، وكانت تسمع تحت قدميها حفيف الأعشاب اليابسة، وأحيانًا صوتًا سريعًا لحيوان صغير يفر من طريقها، ثم يعود الصمت بعده كما لو أن شيئًا لم يحدث
كانت الهوام قد خرجت من مخابئها مع حلول الظلام، فسمعت طنينًا متقطعًا قريبًا من أذنها، ثم حركة بين الأعشاب جعلتها تتوقف فجأة، وتنظر إلى الأرض تحت قدميها قبل أن تتابع سيرها، وكانت الضفادع تنادي من ناحية الساقية بأصوات متباعدة، فيما كانت حشرات الليل تملأ الفراغ بأصوات دقيقة لا تكاد تسمع منفردة، لكنها حين اجتمعت صارت أشبه بنبض خفي يسري في الحقول
كانت تقى تمشي ببطء، وكل خطوة كانت تحتاج إلى جهد
لم يعد التعب في ساقيها وحدهما، بل امتد إلى ظهرها وكتفيها وذراعيها، حتى شعرت أن جسدها كله صار ثقلًا تحمله بدلًا من أن يكون هو الذي يحملها، وكانت قدماها تؤلمانها من طول السير، ومع ذلك لم تسمح لنفسها بالجلوس، فقد كانت تخشى إن استراحت أن يعجز جسدها عن النهوض مرة أخرى، كانت تسأل نفسها وهي تمضي، إلى أين أذهب؟
ثم يأتيها السؤال الآخر، ماذا بقي لي؟
لم تكن تجد جوابًا
فأبوها تبرأ منها، والعزبة صدقت عنها ما لم تفعله، والقصر الذي ظنت أنه أصبح مأمنها تركته دون أن تعرف هل ما زال بابه مفتوحًا لها أم أن ما قيل عنها قد أغلقه إلى الأبد، وحتى نوح باشا الذي كانت صورته في قلبها مختلفة عن كل الرجال الذين عرفتهم، لم تكن تعرف الآن ماذا يظن بها
كانت تخاف أن تراه، وكانت تخاف أكثر ألا تراه
كلما فكرت في العودة، عاد إليها وجهه وهو يحملها من بين الوحل، ودفء المدفأة، والثياب التي وضعها أمام باب الحمام، والطريقة التي نظر بها إليها دون أن يشعرها يومًا بأنها أقل منه إلا بما تفرضه الحياة من مسافات
ثم كانت صورة محروس تعود فجأة، فتدفع تلك الذكريات بعيدًا
لم تكن تعرف ماذا قال عنها، ولا ماذا وصل إلى نوح، لكنها كانت تعرف أن شيئًا سيئًا حدث، وأنها إن بقيت بعيدة عنه فلن تستطيع أن تعرف الحقيقة أبدًا،لذلك واصلت السير
ظهرت أضواء العزبة من بعيد، صغيرة ومتفرقة، كأنها نجوم سقطت على الأرض، وكلما اقتربت منها بدأت ملامح الأشياء تستعيد حدودها، ظهرت الأشجار الكبيرة ككتل سوداء في الليل، وبدت أسطح البيوت ساكنة تحت السماء، وامتدت الحقول خلفها بلا نهاية،ثم ظهر القصر
كان أبعد مما تذكرت، أو ربما كان التعب قد جعل المسافة بينهما أطول
رأت بعض نوافذه مضاءة، ووقفت لحظة تنظر إليها، وشعرت بشيء يرتفع في صدرها ثم يهبط مرة أخرى، فقد كان القصر هو المكان الوحيد الذي استطاعت فيه، ولو لفترة قصيرة، أن تنسى أنها ابنة رجل فقير وأنها جاءت إلى الدنيا لتدفع أثمانًا لم ترتكبها،لكنها لم تقترب
انحرفت عن الطريق، واتجهت إلى المكان الذي جلست فيه من قبل، بعيدًا عن القصر، حيث تستطيع أن ترى الشرفة دون أن يراها أحد
جلست تحت الشجرة نفسها تقريبًا، وأسندت ظهرها إلى جذعها، ثم مدت ساقيها أمامها وقد أنهكهما السير، ورفعت عينيها نحو الأعلى،كانت شرفة نوح باشا هناك،هادئة، غارقة في ظلال الليل،لم يكن فيها أحد
ظلت تقى تحدق فيها طويلًا، وكأن مجرد رؤيتها يكفي لأن يمنحها شيئًا من الأمان الذي فقدته،كانت لا تزال تتساءل هل سيخرج؟،وهل إذا خرج سيراها؟،وهل إذا رآها سيعرفها وسط الظلام؟،ثم جاءها السؤال الذي كانت تخشاه أكثر من غيره، وإذا عرفها، فهل سيصدقها؟
لم تجد جوابًا
وضعت ذراعيها حول نفسها، وأسندت رأسها إلى جذع الشجرة، وظلت هناك
كانت الريح تمر فوق الحقول، وتحرك أوراق الأشجار، وتدفع السحب ببطء أمام القمر، وفي كل مرة ينفتح فيها جزء من السماء، ينسكب ضوء شاحب فوق الزرع، فتظهر الأوراق مبللة بالندى كأنها مغطاة بطبقة رقيقة من الفضة، ثم يعود الظلام فيبتلعها من جديد،كانت تقى تراقب الشرفة،لم تكن تنتظر شيئًا آخر
لم تعد تعرف إن كانت تريد العودة إلى القصر أم أنها جاءت فقط لتطمئن إلى أن المكان الذي منحها ذات ليلة دفئًا لم يختفِ من العالم
وبينما كانت جالسة في العتمة، بدأت أصوات الليل تهدأ شيئًا فشيئًا، وخفتت حركة العصافير تمامًا، ولم يبق إلا حفيف الزرع وصوت بعيد للماء، ونداء طائر ليلي يأتي من ناحية الحقول ثم ينقطع
أما تقى فظلت في مكانها، صغيرة ووحيدة بين اتساع الأرض وسواد السماء، ترفع عينيها كل لحظة إلى شرفة الرجل الذي لم تعرف هل أنقذها مرة واحدة، أم أنه كان أول إنسان جعلها تصدق أن لها حقًا في أن تختار حياتها
وظلت تنتظر ظهوره، دون أن تعرف أن الليل نفسه كان يخبئ لها لحظة أخرى ستغير كل ما ظنته عن عودتها إلى القصر

لم يكن نوح يعرف لماذا نهض من فراشه في تلك الساعة المتأخرة، ولا ما الذي دفعه إلى فتح باب الشرفة والخروج إلى الهواء البارد، كان هناك شيء غامض يلح عليه من الداخل، إحساس لا اسم له، يشبه نداءً لا يصل إلى الأذن وإنما يضرب في أعماق القلب، وكأن شيئًا ما في الظلام بالخارج يستدعيه دون أن ينطق، وكان ذلك الصوت نفسه الذي يدق داخل تقى، يدق الآن داخل صدره هو أيضًا
وقف عند سور الشرفة، وألقى بصره على العزبة الغارقة في السكون، فبدت الحقول تحت ضوء القمر بحرًا واسعًا من الظلال، تتحرك فوقه رؤوس الزرع مع النسيم، وتتخلله أصوات بعيدة لا تكاد تُسمع، ومع ذلك لم يرَ شيئًا، لكنه شعر بشيء يعرفه، شيء مر عليه من قبل في ليلة أخرى، ليلة لم تمحها الأيام من ذاكرته
وفجأة تداعت إلى رأسه ذكريات قديمة، بعيدة كل البعد عن هذه الأرض، فعادت باريس إليه كما لو أنه غادرها بالأمس، عادت لياليها الطويلة التي كان يمشي فيها وحيدًا تحت سمائها الباردة، وشوارعها المرصوفة بالحجارة، ومصابيحها التي تنثر دوائر شاحبة من الضوء فوق الطرق المبللة بالمطر، وعرباتها التي كانت تمر مسرعة فتبعثر الماء تحت عجلاتها، ووجوه الغرباء التي تظهر لحظة ثم تختفي في عتمة الشوارع
تذكر المقاهي التي كان يدخلها في تلك الليالي هربًا من البرد أكثر مما يدخلها بحثًا عن الرفقة، دفء خافت، دخان يتصاعد من فوق الرؤوس، فناجين ساخنة تستقر على الطاولات، وأصوات متداخلة لا يفهم منها أحيانًا سوى نبراتها، كان يجلس طويلًا قرب النافذة، يراقب المارة من خلف الزجاج، ويترك الليل يمضي من حوله دون أن يشعر برغبة حقيقية في أن ينتهي
كانت هناك ليالٍ طويلة لم يكن فيها أحد ينتظره، ولا أحد يسأله أين ذهب أو متى سيعود، فكان يسير بلا غاية، يقطع الشوارع واحدة تلو الأخرى، حتى تتعب قدماه، ثم يجد نفسه في مقهى صغير عند زاوية شارع، يجلس إلى طاولة بعيدة، ويظل صامتًا وهو يسمع المطر يطرق زجاج النافذة، وكأن المدينة كلها كانت تحاول أن تقول له شيئًا لا يفهمه
ظل نوح للحظات غارقًا في تلك الذكريات، ثم انقطعت فجأة، كما ينقطع الحلم حين يستيقظ صاحبه، وعادت أمام عينيه صورة أخرى، أوضح وأقرب وأشد حضورًا من كل ما استدعته باريس
رآها كما رآها في تلك الليلة الممطرة، تقى، واقفة تحت المطر وحدها، ثيابها مبتلة تلتصق بجسدها النحيل، وشعرها غارق بالماء، ووجهها شاحب من البرد والإرهاق، كانت تحاول أن تبقى واقفة رغم أن جسدها لم يعد يطاوعها، ثم تذكر كيف اقترب منها حاملاً مصباحه، وكيف رأى بين ذراعيها ذلك الهر الصغير الذي كانت تحاول حمايته من المطر رغم أنها كانت أحوج منه إلى من يحميها
تذكر اللحظة التي حاولت فيها أن تنهض حين رأته، ثم خانتها قدماها وسقطت في الطين، وتذكر كيف حملها بين ذراعيه، وكيف كان جسدها يرتجف من البرد، وكيف شعر يومها بشيء لم يستطع تفسيره، شيء جعله يمضي بها إلى القصر دون أن يسأل نفسه كثيرًا عن السبب
ظل المشهد عالقًا في ذاكرته بكل تفاصيله، المطر، والظلام، والمصباح المرتجف في يده، ووجهها الصامت، وتلك النظرة التي لم تكن تطلب شيئًا بقدر ما كانت تقول إنها لم تعد تملك مكانًا آخر تذهب إليه
أغمض نوح عينيه لحظة، ثم فتحهما على العزبة من جديد، وكأن الماضي انسحب تاركًا خلفه سؤالًا أثقل من الذكرى نفسها
عندها التفت إلى الظلام الممتد أمام القصر، وشعر بذلك النداء مرة أخرى، النداء نفسه الذي أخرجه من فراشه ودفعه إلى الشرفة دون أن يعرف لماذا، وظل يحدق طويلًا في الحقول، كأنه ينتظر أن يرى شيئًا لا يستطيع عقله أن يسميه
ثم همس لنفسه، وقد عاد إليه مشهد تلك الليلة الممطرة بكل وضوح
هل يعقل أن تتكرر الصدفة مرتين؟

لم يستطع نوح أن يبقى في الشرفة أكثر من ذلك، كان الهاجس قد تحول في داخله إلى شيء يشبه الصرخة، صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها كانت تضرب رأسه بقوة وتدفعه إلى الحركة، كان يشعر، دون أن يعرف من أين جاءه هذا اليقين، أن تقى لم تبتعد كما يظن، وأنها في مكان ما قريب منه، أقرب مما يتخيل، وربما أقرب مما يحتمل قلبه أن يصدق
أخذ مصباحه وخرج من القصر، وأغلق الباب خلفه في هدوء، ثم مضى عبر الطريق المؤدي إلى الحقول، كان الليل قد استقر فوق العزبة بثقله، والهواء يحمل رائحة الأرض الرطبة وبقايا المطر، بينما كانت الأشجار على جانبي الطريق تحرك أغصانها ببطء، كأنها تتهامس في الظلام، ولم يكن نوح يلتفت إلى شيء، كانت عيناه تتقدمان أمامه، وخطواته تزداد سرعة كلما ابتعد عن القصر
لم يكن يعرف إلى أين يتجه، ومع ذلك لم يتوقف ليسأل نفسه، كان شيء داخله يقوده، شيء أقدم من التفكير وأقوى منه، وكلما قطع مسافة شعر أن تلك المسافة لا تقرّبه من تقى فحسب، بل تكشف له أنها كانت طوال الوقت في الجهة التي لم يبحث فيها
ترك الطريق ودخل بين الزروع، فلامست أطراف ثوبه أوراقها المبللة، وانحنى قليلًا حين اشتدت كثافة النباتات حوله، كان ضوء المصباح يتكسر على الندى، فتظهر أمامه لحظات صغيرة من اللمعان ثم تختفي، ومن بعيد جاءه نقيق الضفادع، وحفيف أوراق الذرة، وصوت ماء الساقية وهو يمضي في مجراه دون اكتراث بما يحدث فوق الأرض
توقف فجأة
كان قد لمح شيئًا عند قاعدة شجرة، كتلة داكنة لا تكاد تنفصل عن ظلال الليل، رفع المصباح وأخذ يقترب، وفي كل خطوة كان قلبه يضرب صدره بعنف، حتى صار يخشى أن يكون ما يراه مجرد وهم صنعه خوفه ورغبته
ثم أضاء المصباح المكان،تجمد في موضعه،كانت تقى هناك
ممددة تحت الشجرة التي عرفها من تلك الليلة الممطرة، جسدها ملتف على نفسه، وثيابها تحمل آثار الطريق والتراب، وشعرها مبعثر حول وجهها، وقد أنهكها التعب حتى بدت كأنها لم تعد تملك القوة لتقاوم النوم أو البرد أو أي شيء آخر، للحظة لم يتحرك نوح، ظل ينظر إليها في صمت، وكأن عينيه تريدان أن تتأكدا من أن هذه الفتاة التي عثر عليها ليست مجرد صورة أخرى من صور الذاكرة
انحنى نحوها ومد يده، ثم توقف قبل أن يلمسها، وقال بصوت خافت يحمل شيئًا من العتاب والارتياح معًا
تقى
تحركت قليلًا، وفتحت عينيها بصعوبة، وحين وقع ضوء المصباح على وجه نوح، ظلّت تنظر إليه للحظات كأنها لا تصدق أنه يقف أمامها مرة أخرى
جلس نوح على ركبتيه إلى جوارها، وتأملها قليلًا، ثم تنفس بعمق، وكأن العثور عليها أعاد إلى صدره شيئًا كان قد فقده منذ خرج من القصر
وقال لها بنبرة حاول أن يجعلها خفيفة، وقد غلبه شيء من المزاح
هيا، انهضي يا تقى، ولا تتوقعي مني أن أحملك مرة أخرى
ظل وجهه جادًا لحظة، ثم ظهرت على فمه ابتسامة صغيرة، وكأنه أراد أن يخفف عنها ثقل اللحظة، أما هي فبقيت ساكنة، تنظر إليه بعينين مرهقتين، وكأنها لا تعرف هل تبكي لأن هذا الرجل وجدها مرة أخرى، أم تبتسم لأن القدر أعادها إلى الشخص الوحيد الذي شعرت في حضرته ذات يوم أنها ليست وحدها
تعليقات



<>