رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم ياسمين عادل

رواية ليلة في منزل طير جارح بقلم ياسمين عادل
رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم ياسمين عادل
"بعض الأنقاض تصنعها أيدينا؛ وهنا يكون الإنقاذ مستحيلًا." 
___________________________________
ذلك المشهد المخيف جعل جسدها كله گكتلة من الجليد، ورأسه على حجرها تنظر لوجهه الباهت بنظرات مفجوعة، لقد قتلتهُ حقًا، وهو الآن جثة مسجاه بين ذراعيها.
لم تتحمل أكثر من ذلك، وتلقائيًا دفعتهُ بعيدًا عنها، ومازالت تردد نفس الكلمات، إنها بريئة وإنها لم ترتكب ذلك الجُرم الشنيع، وهي تركض گالمجنونة نحو الخارج، لا تدري إلى أين المفر، وأين ستذهب. خرجت من البوابة الرئيسية وهي تنظر من حولها بذعرٍ شديد، حتى لم تدرك إنها بدون حجاب، خطوات طويلة مُجهدة، ركضتها وهي تضع يدها على بطنها، حتى وجدت سيارة آتيه في إتجاهها، فتوقفت فجأة وأشارت لها كي تتوقف، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة شديدة، تكافح بأشد مجهود كي تحافظ على القليل من الصمود الذي بقى لديها، وقف سائق السيارة إليها وترجل عن السيارة هرعًا، ثم فتح الباب إليها لكي تستقر بالخلف وهو يسألها :
- أوديكي فين يا هانم؟
************************************
طيلة الطريق لم تتوقف دموعها عن الإنهمار، وهي تفرك أصابعها الآثمة بقوة غريبة،كأنها تعاقب نفسها على ذلك التهور الذي لا تدري حتى الآن ما هي عواقبهِ؛ لكن الخيالات التي تهاجمها هي مجرد صور من المستقبل الغامض الذي ينتظرها بعدما صارت قاتلة زوجها.
توقفت السيارة منذ دقيقتين تقريبًا، وأشار لها السائق أكثر من مرة ولكنها لم تكن تشعر بأي شئ، فأُجبر السائق على النزول من السيارة وفتح بابها، لـ تفيق على حين غرة وهي تضم ذراعيها لصدرها وتنظر إليه في هلع، فضاقت عيناه وهو يرنو إليها متوجسًا :
- احنا وصلنا العنوان اللي قولتي عليه.
نظرت للعقار الذي تقطن فيه والدتها بعينان فارغتان، ثم ترجلت في عجالة وأسرعت بالدخول للعقار ركضًا وهي تسحب أنفاسها بصعوبة، استقلت المصعد للصعود، وكأن قلبها يتحرك من مكانه، حتى وصلت أمام الباب، وطرقته بأيادٍ گالحديد، حتى انفتح أمامها فجأة، و "جليلة" ترمقها بذهولٍ قبل أن ترتمي "رحيل" في أحضانها وهي تصرخ مستغيثة :
- ألحقيني ياماما،أنا مقتلتوش.. مقتلتش حـد، أنا مقتلتش حد.
جذبتها "جليلة" للداخل وعلى وجهها علامات الفزع، ثم ربتت على كتفها وهي تحاول تهدئتها:
- أهدي يابنتي في إيـه؟؟.. إيـه اللي حصـلك؟.
كانت أصابعها ترتجف بشدة، غير قادرة على السيطرة على أطرافها التي باتت گالثلج، ووجهها مصفرًا بهتان :
- مـات بس مش بسببي، أنا مقتلتش حـد ياماما، هو.. هـو اللي عمل كده، هو السـبب أنا آ.......
- رحيـل...
قطع كلامها سماع صوتهِ، لوهله ظنت نفسها تعاني هلاوس بسبب الحال الذي أصبحت عليه؛ لكنها سمعت صوته مرة أخرى، يقترب منها، وكأنه آتيًا من الخلف، فـ التفتت ببطءٍ مرتاع، وعيناها تلوذ للنظر إليه، ترجو الله في سريرتها أن يكون صوته حقًا وإنها لا تتوهم، حتى عندما وقعت عيناها عليه لم تصدق، وكيف تصدق وهي التي كانت تحمل تلمس جثمانه منذ قليل!.
تعلقت عينا "رحيل" بـ "هاشم" الذي يقف أمامها سليمًا كاملًا وفي أتم صحته، ثم أطبقت جفونها بشدة وهي تهمس :
- أنا بحلم؟!.
أيقظها صوت والدتها الآتي من الخلف وهي تقول :
- ياحبيبتي إيه اللي صابك بس؟.. طمنيني عليكي في إيه يارحيل؟.
ثم نظرت لملابسها المنزلية وشعرها المكشوف وهي تقول :
- انتي جيتي إزاي بالشكل ده؟.
تمكن الدوّار من رأسها، وكادت تترك نفسها كي تلتقي بالأرضية، في نفس اللحظة التي أمسكت بها ذراعي "هاشم" وهو يهمس بلطفٍ غائم :
- ألـف سـلامة ياروحـي.. مش تحاسبي.
حملها بدون أن يصدر عنها أي حِراك، فـ وجهتهُ "جليلة" للداخل وهي تقول :
- تعالي يابني خليها ترتاح هنا.
مددها على الفراش ووضع عليها الغطاء أيضًا، كانت مستسلمة تمامًا، رجفة عيناها تؤكد إنها شبه واعية؛ لكن الصدمة.. المجهود.. جعلاها غير قادرة على المواجهة الآن. أشار "هاشم" لوالدتها لكي تلحق به، وخرج كلاهما ليبدأ "هاشم" حديثه من حيث انتهى :
- شوفتي ياهانم بنفسك!.. مش أنا قولتلك أعصابها تعبانة ومحتاجة علاج نفسي؟!.. أديكي شوفتي بنفسك، وهمت نفسها إنها قتلتني وكمان جيالك تنقذيها! 
أغرورقت عينا "جليلة" بالدموع، غير قادرة على تحمل رؤية ابنتها الوحيدة في تلك الحالة المزرية :
- أنا مش فاهمه.. إيه اللي وصلها للحالة دي؟؟، دي كانت كويسة وهي معايا!.
- رحيل لازم تبدأ العلاج في أسرع وقت.. دي ممكن تأذي نفسها أو تفكر تجهض الأطفال كمان.
ضاقت عينا "جليلة"، غير متوقعة تلك الكلمة الأخيرة التي وقفت لديها لحظات :
- أطفال!.
- انتي متعرفيش إنهم توأم؟؟.
لم تدري في تلك اللحظة هل تفرح أم أن التعاسة قد خُلقت لأجلهن، غطت وجهها بكفيها للحظات قبل أن توجه نظراتها المعاتبة إليه :
- ولما كل ده حصل ليه مخلتنيش أكلم بنتي وأبقى جمبها!.. ليه خدتها مني بالطريقة دي؟؟.
تابع "هاشم" محاولاته المستميتة في إظهار نفسه ملاكها الحارس :
- خدتها عشان مصلحتها معايا، أمانها جمبي.. انتي نسيتي أنا عملت إيه عشانكم ياهانم؟.
وبدأ يلومها لأنها سمحت بكل ما حدث منذ البداية :
- أنا حافظت على بنتك وعمري ما آذيتها لكن هي دبرت لخطف بنتي وكانت عايزة تحرمني من عيالي اللي في بطنها.. تفتكري مين فينا اللي كان غلطان!.
أشاحت "جليلة" بوجهها بعيدًا عنه وهي تبرر لإبنتها ما فعلته :
- بنتي اتجرحت منك وانت خدعتها وكذبت عليها، متهيألي الأولى تلوم نفسك الأول قبل ما تلومنا.
- ده مش وقته.. أنا جيتلك عشان نلحق اللي فاضل، و تساعديني نرجع رحيل لحياتها الطبيعية من تاني.. أنا مش عايز غير عيالي في حضني وأمهم معاهم بترعاهم.
بسمة ساخرة قفزت على طرف شفتيها وهي تهتف بإستنكار :
- يعني عايز دادة لولادك!؟.
صحح كلماتها - الغير منمقة - من وجهة نظره، مستخدمًا لمحة من الحِدة وهو يقول :
- أنا عايز مراتي تعيش معانا ياهانم.. مش محتاج خدامين تاني.
*************************************

كان ينتظر تخطيها للصدمة وعودتها الكاملة لوعيها، متوقعًا رد الفعل الذي سيناله هذه المرة؛ لذلك حاول أن يكون مستعدًا للمواجهة، وأول ما فعله إنه أخلى الغرفة من المزهريات وكؤوس الماء والمقتنيات الزجاجية القابلة للكسر، وحتى الأدوات المعدنية گالمقص وغيره، حتى لا تتسنّى لها الفرصة لفعل أي شئ جنوني من جديد، كفاه محاولتي قتل خلال أسبوع واحد. 
دخل "هاشم" إليها ببطء يستطلع ما إن كانت غافية أم استيقظت، فرآها تتحرك على الفراش گالتي بدأت تفيق للتو، فـ دنى منها ليجلس إلى جوارها وهو يرنو إليها عن كثب، حتى تصادفت العينين ببعضهما البعض. نظر إليها "هاشم" متأهبًا، ينتظر أول كلمة ستتفوه بها، فـ ترآى له لمعة عينيها التي أنذرت ببادرة بكاء، وقبل أن يردف بكلمة واحدة كانت ترتمي في أحضانهِ، وكأنه أنقذها من الموت مرة أخرى، بعدما عاشت لحظات قاسية لا يمكن وصفها، وهي تتخيل نفسها قاتلة مجرمة، والآن هو حيٌ يرزق، حتى وإن كان ذلك ثمنه التلاعب بها وبأعصابها فهي راضية، الأهم الآن إنها لن تتحمل هذا الوزر الثقيل. 
كانت حركة غير متوقعة منها، فاجئتهُ وجعلته يتصلب في مكانه، وعقله يحاول سبر أغوارها؛ ولم يكن بالصعب عليه تخيُل السبب وراء ذلك العناق القوي المفاجئ. ربت على ظهرها ومسح عليه برفق، كأن الحديد في قلبه قد آلان قليلًا، وهو يهمس بصوته الذي افتقدتهُ :
- أهـدي.. انتي بخير. 
ابتعدت عنه وعيناها تنهمر منها الدموع وهي تقول :
- أنا مقتلتكش!؟ يعني أنا بريئة أنا معملتش حاجه!.

—عودة بالوقت للسابق—
أثر الجريمة الذي يتركه السارق والجاني والآثم هو مفتاح حلّ أي قضية جنائية، وهي تركت ذلك الأثر من خلفها بدون أن تدري، وبدلًا من وضع قنينة السم في جيبها أسقطتها بدون أن تشعر من فرط الذعر الذي كانت تعانيه بتلك الآونة، لتجد "ريهام" ذلك الأثر على الفور، وتُطيّر الخبر لرب عملها الذي وكّل إليها مراقبة "رحيل" ليلًا ونهارًا، فـ تُنقذه هو من الموت، وتنقذها هي من الجريمة. 
أمسك "هاشم" قنينة السم وهو ينظر إليها غير مصدقًا تطور الأمر لهذه الدرجة المرعبة، وقرر في نفسه معاقبتها على ذلك التفكير الإجرامي الخطير، عن طريق وضعها في موضع القاتلة بالفعل، لتدرك بحق ما معنى التفكير في إزهاق روح إنسان، مهما كانت درجة بغضها وكراهيتها له، لم يكن عليها أن تفكر في ذلك الحل المميت.. فـ أدعى الموت لكي تراه جثة مقتولة بيديها، وتعيش تلك المرارة التي لن تتحملها مهما كانت تدّعي القوة، وترك لها الساحة فارغة لكي تتحرك بحرية، حتى إنها خرجت من البوابة بدون أن يعيقها حارس، حتى إنه يسّر لها إيجاد سيارة تقلّها إينما تريد بدون أن تشعر إنها مراقبة، ولكي لا يتركها للإجهاد البدني الذي قد يضر بأطفالهِ أيضًا، إلى أن جائت إلى هنا ووجدته ينتظرها على أحرّ من الجمر.

—عودة للوقت الحالي—
لم تنظر إليه وهو يقصّ عليها تفاصيل ما حدث، فقط ظلت عيناها منكسّة على الفراغ إلى أن فرغ من كلامه، ثم سألته بصوت مبحوح :
- يعني كنت بتمثل عليا تاني؟!.
ثم رفعت بصرها إليه وهي تعرض عليه وظيفة تليق به :
- ما تنتج لنفسك فيلم ولا مسلسل طالما عندك هوس التمثيل واللعب بالناس!.
زجرها بنظرة حازمة، بعدما رآها عادت لوعيها بتلك السهولة، بعد أن أقدمت على قتله:
- هو انتي لسه ليكي عين تتكلمي بعد اللي هببتيه؟؟.
أشاحت برأسها بعيدًا وهي تجيب بثبات مهتز :
- ده رد فعل على آ....
قاطعها بغير اقتناع وهو يدنو منها فجأة، حتى تخيّلت إنه قد يتهجم عليها من شدة اقترابه منها :
- رد فعل إيـه ياهانم اللي يخليكي تقتلي أبو أولادك وتخليهم أيتام قبل ما ييجوا الدنيا!.
أمسك رسغها بقوةٍ يعتصره وهو يقول من بين أسنانه :
- والله العظيم حملك ده هو طوق النجاة الوحيد ليكي مني، لولاه كان زماني عامل منك عبرة يارحيل.
لم تحاول التملص منه، فقط أدارت رأسها لكي لا تصطدم أنفاسه الساخنة ببشرتها، وأطبقت جفونها حتى أحست به يترك ذراعها ويبتعد :
- دلوقتي هترجعي معايا من غير أي اعتراض، وأمك كمان هتيجي عشان تقعد معاكي يمكن تلهيكي عن التخطيط لقتلي مرة تالتة، بس لو اتكلمتي أو حكيتي حاجه.. قسمًا بالله ما هخليكي تشوفي أمك لحد ما تولدي، سـمعـتي؟.
هزت رأسها بالإيجاب، ثم نظرت إليه وهي تستجديه قائلة :
- هاشم.. طلقني وسيبني في حالي وانا والله العظيم هعملك اللي انت عاوزه لما أولد، هخليك تشوفهم وتقضي معاهم وقت زي ما تحب ووقت ماانت عايز و..... 
قطب جبينه بإستنكار، وعيناه ترمقها بشئ من النفور :
- انتـي بتقـولي إيـه ؟!.. ولادي هيعيشوا معايا وتحت ضلي، ولو انتي عايزة تمشي أمشي في ستين داهيه وسيبيهم، إنما موضوع إني أسيبهم ليكي ده بعيد عن أحلامـك.. قومي ألبسي حاجه عشان ننزل، معاكي ٥ دقايق بس.
أولاها ظهرهِ وخرج، صفق الباب من خلفه وتركها هكذا تستعيد كلماته الأخيرة من جديد في ذهنها، وقد اختلط كل شئ في رأسها، ما حدث الليلة وما حدث من قبل وما سيحدث بعد الآن!. لقد أصبح الوضع معقدًا أكثر مما تتخيل، وهي لها اليد الأولى في ذلك التعقيد الذي وصلا إليه، لو إنها خططت للهروب لكان أفضل مما قادها إليه جنونها، علها كانت في مكان آخر الآن؛ لكنه الحظ العثِر قد وجدها من جديد، ليضعها في قبضتيه مرة أخرى.
**************************************

كانت ليلة مُنهكة للغاية، لم تشعر كم عدد الساعات التي قضتها بعد موعد الدوام؛ من أجل اللحاق بعرض الأزياء الذي قررت الإنضمام إليه بمجموعتها الخاصة. كانت تنظر لهاتفها أثناء نزول الدرج الخارجي، فلم تنتبه كثيرًا لما تراه في المقدمة، أغلقت الهاتف ونظرت للأمام لتراه يستند على سيارتها، فـ ارتسمت ابتسامة عفوية على شفاها وهي تسير بإتجاهه في تشوق :
- مراد!.. انت عرفت عنوان المكتب منين؟
انتصب في وقفته وهو يمدّ يده كي يصافحها :
- كنتي سيبالي الكارت بتاع المكتب وعليه لوكيشن المكان هنا.. انتي فين كل ده من ساعة ما رجعت من تركيا مشوفتكيش؟.
تلاشت تلك البسمة التي كانت على محياها، مستشعرة ملمس كفهِ الممسك ليدها، وهي تتذكر تلك المرة التي ذهبت فيها إليه؛ لكنها عادت خائبة......

—عودة بالوقت للسابق—
كانت الليلة التي وصلت فيها للعاصمة - القاهرة - بعد رحلة عمل مثمرة، لتذهب إليه على الفور كما تواعدا؛ لكن مع رؤية "ندى" هناك توقف مسار كل شئ، تغيمت الدنيا في عيناها وظنت الظنون حول تجدد علاقتهم وما شابه، فتراجعت خلال اللحظات الأخيرة؛ خشية أن تتوهم في أملٍ قد يكون لا حياة له.

—عودة للوقت الحالي—
راوغت "رقية" في جوابها قليلًا قائلة :
- معلش اتشغلت في تجهيزات العرض اللي عندنا آخر الشهر.
أشار "مراد" إلى سيارته و :
- طب تعالي يلا، هنروح نشرب حاجه محتاج أتكلم معاكي.
نظرت لسيارتها هنيهه قبل أن تجيبه :
- ماشي.. بس آ...
- مفيش بس، أنا هوصلك ويبقى حد ييجي ياخد العربية.
فتح بابها وهو ينظر لساعته :
- مش هنتأخر متقلقيش، أنا عارف طنط رجاء ممكن تعمل فينا إيه لو أخرتك.
ابتسمت على مزحتهِ الأخيرة بخصوص طابع والدتها الصارم، وجلست في مكانها وعيناها عالقة به، وهو يغلق الباب، وهو يجلس خلف عجلة القيادة، ثم أثناء القيادة، كل خطوة يخطوها تتحفر في ذاكرتها گلحظات الوداع التي تعيش في الذاكرة للأبد، گأنها تتوقع ذهابه من جديد، ذهاب طويل معدوم من المعلومات عنه، لتعيش مرة أخرى في تعاستها المرعبة، التعاسة التي رافقتها طيلة سنوات ماضية، والآن كل خشيتها هي عودة تلك الأيام الكبيسة.
***************************************
جلست في الحديقة الصغيرة الملحقة بالمنزل، هادئة أكثر من اللازم، ساكنة للحد المخيف، بعد كل ما حدث بينهما. كانت تنتظر تجهيز الغرفة السفلية المطلة على الحديقة مباشرة، بعدما رفضت المكوث في غرفتها الأولى وتركتها لإقامة والدتها، والآن هي تنتظر هكذا، لا تشعر بأي شئ من حولها.
عبر "مراد" البوابة بسيارته ثم ترجل منها، ونظر إلى يمينهِ بتلقائية، ليراها على حالتها تلك، تائهه، شاردة، استرعت رغبته في تفقدها، ليخطو نحوها وهو ينظر إليها متفحصًا، إلى أن وقف أمامها مباشرة، فرفعت عيناها الغائمة إليه، ليسألها مرتابًا :
- رحيل!.. انتي كويسة ؟.
نظرات مطوّلة، طارت إليه وهي تحمل عتابًا غير مبرر، وانتهت بجملة حملت أكثر من معنى :
- انت السبب في كل اللي انا فيه دلوقتي.
قطب جبينه بعدم فهم، وقبل أن يسألها لماذا وجهت به إتهام گهذا كانت تجيب تلقائيًا :
- لو مكنتش واقفت تدخلني قصر العزيزي في الليلة دي، يمكن كانت حياتي هتكون في مكان تاني دلوقتي.
فهم إلى ماذا ترمي، فـ أحس بالشفقة عليها حقًا، وجلس أمامها لكي يكون لوقع كلماتهِ تأثيرًا أقرب إليها :
- رحيل، هاشم مش إنسان وحش ولا......
انفجرت ضاحكة، ضحكة ساخرة مستهزئة خرج معها ذلك الألم الذي كان يمزق ضلوعها بكتمانهِ، ضحكة طويلة صاحبها دموع رقيقة تدحرجت ببطء على وجنتيها، فـ تركها تُفرغ تلك الطاقة السلبية التي يعج بها داخلها، حتى إنها مسحت وجهها من آثار الدموع وهي تهتف بإستنكار :
- مش وحش!!.. ده مفيش فرق بينه وبين الحيوانات اللي بيربيها، هما الأتنين واحد.
- حيوانات!!؟
نهضت "رحيل" عن مكانها بدون أن تردف بكلمة واحدة، فـ تابع أثرها وهو يبتعد، وعقله يعمل قليلًا، ما الذي قد يستطيع تقديمهِ إليها؟.
دخل "مراد" إلى الداخل، حيث غرفة إستقبال الضيوف التي يمكث فيها "هاشم" أغلب الوقت، ليجده يتحدث في هاتفه وهو ينظر للحاسوب بتركيز شديد :
- ابعتيلي التذاكر على الميل دلوقتي.
أغلق المكالمة و :
- تعالى يامراد، عايزك تشوف الـ Project ده لآخر مرة، انت عارف إننا مسافرين شرم الصبح مفيش وقت.
جلس "مراد" إلى جانبه وهو يعرض عليه الفكرة التي حلّت التو على رأسه، قد تعيد كل شئ إلى نصابهِ:
- إيه رأيك تاخد رحيل معاك؟..
تعليقات



<>