
رواية راكان زيدان واصحابه الفصل السابع7 بقلم داليا السيد محمد
إعجاب
ليست المرة الأولى لها بركوب الطائرة كثيرا ما سافرت مع شريف، كان يدللها كثيرا ولم تشعر بوجود ميسرة بحياتها لأنه ملأ كل حياتها
وافي أقنعها أنها بحاجة لتلك الرحلة للخروج من أحزانها ولم تستطع مقاومته كثيرا، كان لطيف معها جدا ويعاملها وكأنها أخته الصغيرة وهي بالفعل شاكرة لوجوده بحياتها
راكان وسيم جدا وجذاب بشكل مخيف، نظراته حادة والذكاء هو ما ينطق منها، هي أصبحت تعرف أنه العمدة، الرجل الذي يهابه الجميع ولم تتخيل أنه بهذا العمر، وافي يحبه ويحترمه جدا لا يكف عن الحديث عنه وعن أصدقائه
علاقة غريبة لم تفهما ولن تفهمها
ما أن نزلا بالمطار حتى تحرك رجلان لهما وتحدث أحدهم مع راكان باحترام واضح وهم يوجونهم لصالة كبار الزوار وبلحظة كان رجل مماثل لهم في الأناقة والجسد الشاهق والوسامة يتحرك تجاههم بابتسامة واسعة جذابة وهو يقول بعربية مختلطة بلكنة أجنبية
"راك افتقدتك يا رجل"
احتضن صديقه ثم تحرك لوافي واحتضنه أيضا وهتف "البقاء لله صديقي، سعيد حقا لتلبية دعوتي"
احتضنه وافي بسعادة وقال "أنا أيضا سعيد بوجودي معك رائد"
ابتعد عن أحضانه لتسقط عيونه عليها..
وردة صغيرة متفتحة وسط بستان كبير وهي فقط من تشع ببريق مختلف وسمع وافي وهو يقول "ليان، ابنة زوجة والدي وبمثابة أختي، ليان هذا صديقنا رائد، والده مصري ووالدته إيطالية ويعيش هنا ولكن روحه معنا بمصر"
تجمدت عيونها الواسعة عليه وتحول لونها للأخضر الفاتح ولم تتحرك وهو يحدق بها ويقول "أهلا بكِ، أخت وافي على الرحب والسعة ليان"
مدت يدها ليده الممدودة ولمستها، لتسري بجسدها رجفة وكأن مس كهربي أصابها وهي تحاول جذب صوتها من جوفها لتقول "شكرا سي"
قاطعها بجدية دون ترك عيونها الجميلة "رائد، لا ألقاب بين الأصحاب والأقارب"
لم ترد وظلت نظراتهم متقاربة حتى جذب راكان صديقه بقوله "هل نذهب؟"
انتبه رائد وتحرك ليقودهم للسيارات، وافي مع ليان وراكان بجوار رائد وسيف بالسيارات الخلفية للتأمين
رائد قال "أنهيت أوراق الأرض مع داركو ولكن بالطبع لا أضمن خفاياه"
تأمل راكان الطريق قبل أن يقول "ليس مصدر قلق، بريوني هو من تقلق منه رائد"
لف وجهه له وهتف "بريوني!؟ أنت تعرفه؟"
لم ينظر لصديقه وهو يجيب "انتظرت أن تخبرني ولكنك لم تفعل"
والتفت لرائد الذي قال "خشيت أن تتراجع عن المشروع لو عرفت بتهديده، لم أعرف أنك وصلت لهنا"
قال بهدوء "لن أضع قدمي بمكان دون أن أعرفه جيدا رائد خاصة الأعداء"
تعصب رائد وقال "أعداء هنا؟ هم أعدائي أنا"
نفخ راكان وقال "أنت تتجاهل سيئات جدي"
رد بلا تفكير "وأنت تتجاهل قوتي"
ربت على ساقه وقال "تعلم أني لا أفعل ولكنها أصول اللعبة هكذا تعلمناها جميعا رائد، لا تطأ بقدمك مكان لا تعرفه، الأمر بدمي"
هدأ رائد وقال "أرسلت له تحذير وأظن أنه سيتراجع"
لم يجادل وهو يقول "أريد رؤية سارة وليان بحاجة لصحبة" ولف رأسه له وأكمل "ابتعد عنها رائد، وافي لن يقبل بتسليتك بها، هي أخت صديقنا وهي من المحرمات تلك قواعد صداقتنا"
رمقه بنظرة حادة وهو يقول "هل تراني بهذه النذالة راك؟"
لم تتبدل ملامح راكان وهو يقول بنفس الجدية "لا ولكن الفتاة صغيرة وهو يأخذ الأمر على محمل جدي أكثر من اللازم، وأنا لا أريد خسارة أحد منكم للآخر"
هز رائد رأسه وأبعد وجهه وقال "حسنا وصل تحذيرك"
نفخ وقال "ليس تحذير رائد فقط.."
قاطعه رائد بحزم "فهمت راكان، أعلم أن النساء نقطة ضعفي ولكنهم ليسوا ملائكة"
هدأ راكان وأدرك كلمات صديقه فقال "لا، ليسوا ملائكة ولكل واحد منهم علاقات ولكنك تعلم أنهم يتراجعون وقت اللزوم"
قال بنفس الحزم "وأنا أيضا راكان، يمكنني أن أفعل أنت فقط لم تجربني، لم أسقط بتجربة لتعرف مدى ولائي لأصدقائي"
راكان يعلم جيدا طبيعة صديقه لذا قال "لم أشكك يوما بولائك، أنت لا تمنحني فرصة للتحدث رائد ربما تظن أن وافي لا يهتم لأمرها لذا أردت وضعك على الطريق الصواب، لا مجال للتشكيك بأي شيء يخصك، ليس أنا رائد، ليس أنا"
هدأ رائد وتنفس بقوة وهو يقول "نعم أعلم، لا تغضب فقط هو ضغط العمل بالأيام السابقة، بريوني يعصبني وجدي يريد أن يراني متزوج ليرى أحفاده وإلا سيعود مصر، الضغوط كثيرة راك ولكني سعيد حقا بوجودك هنا، كنت بحاجة لك"
ابتسم راكان وقال "سنكون معا دائما رائد، تعلم أني معك بأي وقت"
ابتسم رائد والسيارة تهدأ لتدخل المزرعة الشاسعة لأراضي رائد التي ورثها عن جده لوالدته ووسعها والده وهو من بعده
جده بمصر كان أيضا من الأثرياء وشارك والد رائد بالعديد من المشاريع هنا لذا هو وافق على أن يقضي سنواته الأخيرة هنا مع حفيده تاركا مصر رغم تعلقه بها
راقب وافي ليان وهي تتأمل المكان الرائع حتى قال "أعجبك؟"
نظرت له وقالت "جدا، لم أرى مكان بمثل هذه الروعة"
ابتسم لملامحها التي لانت وقال "كلنا نعشق المكان هنا ونمضي وقتا جيدا به"
قالت "من الجيد وجود أصدقاء مثلكم"
تأمل عيونها الجميلة وقال "هم كنز بالنسبة لي، أسرتي التي لم أكن أملك سواها"
هزت رأسها وقالت "ألم تفكر يوما بالعودة لبابا؟"
أبعد وجهه وشعر بالألم يرتد له وهو يقول "بلى فعلت ولكن كلماته الأخيرة يوم طردني كانت توقفني وتعيدني من حيث أتيت"
قالت بحزن واضح "هو كان يعرف ذلك، كان يعترف أنه كان قاسي جدا معك وقتها وكم ندم كثيرا وتمنى رؤيتك مرة أخرى، أشعر أننا متماثلين بالنسبة له، كلانا ليس من دمه ولحمه ولكنه منحنا حنان لن ننساه"
التفت لها ليرد وهو يدرك صحة كلماتها، لكن السيارة توقفت أمام قصر كبير جدا بثلاثة طوابق، حدائق كثيرة حوله، شعرت بالانبهار من جماله
نزلت وانضم لها وافي وهو يقول "تعالي"
وجذبها حيث نزل راكان ورائد الذي قال "أهلا بكم، جدي سيكون سعيد لرؤيتكم، من هنا"
القصر أيضا كان رائع من الداخل، كبير جدا وفخم بشكل رائع، كل شيء به يدل على العراقة والتاريخ وبدا وكأنه متحف يعبر عن تاريخ البلدة والأسر التي سكنت هذا البيت..
تحركوا لقاعة واسعة وبنهايتها رأوا عجوز يجلس على مقعد كبير ووثير أمام نافذة زجاجية تطل على التلال البعيدة والأراضي الخضراء تتقدمها، السماء الزرقاء الصافية مثلت مشهد رائع مع الأخضر والطيور تحلق بها وتلك السحب البيضاء الصغيرة تسرع كي لا تعكر صفو اليوم الجميل
عرفت ليان أنها ستجد الراحة بهذا البيت رغم أن الجميع غريب بالنسبة لها
****
رحلت والدة ظافر ووالده لتلك الرحلة المنتظرة وهو من نقلهم للمطار وودعهم هو ومليكة التي قالت وهي تركب بجواره "لماذا لم تفكر بي وقت حجزت لبابا ظافر؟ كنت أرغب بالذهاب معهم"
كان يقود بطريق العودة فقال "ألا تظنين أنهم رغبوا بأن يكونوا وحدهم ليجددوا أيامهم سويا؟"
نفخت بضيق وملل وقالت "وماذا أفعل أنا؟"
قال "ماذا عن الكلية؟"
نظرت له بضيق وقالت "هل تمزح؟ تعلم أني لا أحبها، أنا أردت دراسة الموسيقى ظافر وبابا أصر على علوم، أنا لا أجيد أي شيء بها، صعبة ولا أفهم شيء"
انتبه للطريق وقال "لذا لا تذهبين للمحاضرات؟ تريدين الرسوب حتى يتراجع ويتركك لما تريدين؟"
صمتت فنظر لها فأخفت عيونها عنه فقال "أعلم مليكة أنه يضغط عليكِ كثيرا ولكن هذا من أجلك"
أشاحت بيدها وقالت "المرء لا يجيد إلا ما يهواه ظافر، وأنا أعشق العزف على الكمان هل سمعني أيا منكم بأي وقت؟"
لف وجهه لها وسؤالها يرن بأذنه حتى قال "أنتِ لم تفعلي ولو مرة مليكة، أنتِ حتى لم تخبريني من قبل"
قالت بلا اهتمام "لم يكن أحد ليهتم، أنا لا أعزف بوجودك وبابا بالكاد يسمعني وماما تظن أني ألهو بلا هدف"
عاد لها وقال "أنا سأسمعك ولو اقتنعت سأكون بجوارك وسأساندك حتى تحققي هدفك"
نظرت له بذهول وهتفت "هل أنت جاد؟"
هز رأسه وهو يخترق السيارات بمهارة وقال "بالتأكيد، لدي وقت كثير بالأيام القادمة وسأقضيه معك"
تجرأت وسألت "كيف؟ وقت فراغك مع أصدقائك"
قال بلا اهتمام "رحلوا لإيطاليا لزيارة رائد من أجل العمل وتلك الفتاة ليان معهم كي تخرج من حزنها"
فركت يداها ببعضها وقالت "هل هي جميلة؟ ليان؟"
لم ينظر لها وهو يقول "عادية، هي بنفس عمرك تقريبا وحزينة على زوج والدتها فهو كان بمثابة والدها"
أرادت سؤاله عن راكان ولكن آخر مرة فعلت ثار وغضب ومع ذلك قالت "ما زال هناك سفيان وراكان"
رمقها بنظرة جانبية فأخفت عيونها وهو يرد "راكان رحل معهم، فقط سفيان هو من بقى"
لم تتوقف وهي تقول "ومعهم تلك الفتاة؟"
نفخ وقال "كفى مليكة، أخبرتك أن تتوقفي عن تفكيرك هذا، هي بنفس عمرك وأخبرتك أن الأخوات خط أحمر بحياتنا، لا أحد منا سينظر لأخت الآخر بتلك النظرة وهي الآن أخت وافي، لذا راكان لن ينظر لها ولا أنتِ، هو بالأساس لا يفكر بأي امرأة"
اشتد الألم بقلبها وأصبح الضعف، ألم اليأس والغيرة لوجوده مع فتاة بدلا من أن تكون هي معه
جذبها من حزنها وقال "هل تريدين الذهاب لأي مكان؟ أنا حر الليلة"
نفضت حزنها هي الأخرى وقالت "نعم هناك حفلة موسيقية بدار الأوبرا الليلة بالتاسعة هل نذهب؟"
التفت لها بدهشة وقال "دار الأوبرا؟ تعلمين أني لم أذهب لهناك من قبل"
هزت رأسها وضاع الأمل منها ولم ترد وشعر هو بالحزن من أجلها وعاد يقول "ولكن لو سنذهب سويا فلا مانع لدي"
رفعت وجهها بلا تصديق وهتفت "حقا؟ هل أنت جاد ظافر؟"
ابتسم لسعادتها وكان سعيد من أجلها
****
نهض رائد من وراء مكتبه وقال "لا راك لن نخوض بأمر كذلك، تعلم أن نورسيني يملك زمام الأمور هناك"
ارتشف راكان بعض من القهوة وما زال ينظر للجهاز قبل أن يقول "لن يعارض، لقد تواصلت معه"
حدق به رائد وقال "أعلم ولكني لا أثق به"
لم ينظر له راكان بينما قال وافي "لا يمكنه بدأ عداوة مع راكان رائد، أعتقد أن الأمر جيد ومثير للحماس، مشروع بهذا الحجم وبمصر سيكون له مستقبل رائع"
ترك راكان الجهاز وأكمل القهوة وقال "نعم، فقط أريد أكبر عدد من خبراء البرمجة، لا يهم الجنسية المهم موافقتهم الانتماء للمجموعة رائد، خاصة وأن فرع القاهرة سيكون الرئيسي ومنهم من سيكون عمله هناك وسنجد خبراء مصريين أيضا هناك"
تراجع رائد لمكتبه وقال "بالطبع سنضع هذا بشروط الإعلان"
نهض وافي وقال "هل انتهينا؟ أريد رؤية ليان قبل النوم"
نظر له رائد وقال "تبدو مهتما بها هل هناك شيء؟"
حدق به وافي وهو يحاول ألا يفهم سؤاله بمعنى خطأ وهو يقول "بالطبع أهتم رائد، أنت تعلم ظروفها لكني لا أفهم معنى كلمة شيء هذه!"
ظل راكان صامتا رغم أنه أبعد وجهه وهو يعلم عقل وافي
رائد قال "أقصد إعجاب مثلا، الفتاة جميلة"
تحرك وافي ليقف أمام مكتب رائد وقال بهدوء مصطنع "ألا يمكن أن يخطر ببالك شيء آخر عن علاقة رجل بامرأة سوى ذلك؟"
ابتسم رائد بسخرية وقال "ولماذا أفعل وهي دائما النتيجة الحتمية بين رجل وامرأة"
تعصب وافي وقال "ألا تستوعب أنها بمثابة أختي؟"
واجهه رائد بحزم "ولكنها ليست أختك وافي، نحن من نصنع الكذبة ونصدقها لنبرر لأنفسنا أخطاءنا، ولكني لا أفعل، أنا أعشق الوضوح وهذا ما يغضبكم مني"
قبض وافي أصابعه بقوة محاولا التحكم بأعصابه وهو يقول "أنا لا أكذب رائد وأنت تعلم ذلك عني، بالوقت الحالي لا أنا ولا هي نملك أي قوة على الدخول بعلاقة وكلانا يمر بفترة حداد، ألا تستوعب الأمر رائد؟"
جلس رائد وقال ببرود "والأحزان خير تربة لزراعة مشاعر جديدة، خاصة أنك الشاب الحالم وافي"
قال وافي وما زال متماسك من الغضب "وأنا صغير هكذا بنظرك كي لا أفرق بين الإعجاب وبين مداواة الجراح رائد؟ أنا لن أغضب من تلميحاتك ولكن سأغضب لو فكرت باستغلال براءتها"
وتحرك خارجا وكاد رائد يوقفه لكن راكان رفع يده دون أن يلاحظ وافي وعندما خرج هتف رائد "اللعنة راكان كان لابد أن أرد"
نهض راكان للبار وسكب ماء بارد لنفسه وقال "وماذا؟"
ضرب رائد المكتب بقبضته وهتف "أراهنك على أنه معجب بها وليس كأخت كما يدعي"
تحرك راكان للمقعد المجاور للمكتب وجذب جاكته من على ظهر المقعد وقال "تعلم أني لا أهوى الرهانات، هاتف سفيان وتراهن معه، أريد حمام، هل غرفتي جاهزة؟"
أشاح رائد بيده وقال "تعرف طريقك"
تحرك للباب وقال "سنرحل بالصباح لرؤية سارة هل ستأتي؟"
لم ينظر له وهو يقول "وستدق لي نفس الأجراس تجاه أختك؟ لا شكرا"
لم يجادله وتركه وتحرك لغرفته التي اعتاد النزول بها كلما جاء لرؤية صديقه، ومن نافذة الغرفة وقف عاري الصدر والظلام بالخارج غطاء كبير يخفي كل جمال الطبيعة حوله
ظلام مماثل لحياته
لم تمر به لحظات جدال على امرأة منذ عنفه جده وعاقبه على الخطأ الوحيد الذي ارتكبه بحياته وقد ظن وقتها أنه الصواب ونفاه لأروبا ليكمل الجامعة هناك، ونساها حقا وكان جده على حق
لم يكن حب بل طيش شباب، رغبة بالتحرر أو التمرد على الحياة التي سجنه بها جده ولكن بالنهاية قمع الجد التمرد وأعاده للقفص واستسلم هو لقيود جده
بل أراد ذلك المصير لأنه وللأسف لم يعرف سواه ولا يجيد إلا قيادة كل ما حوله
لم يعد يذكر وجهها، كان بالثامنة عشر وقتها أول عام بالكلية، كانت بسيطة وجميلة و..
رنين الهاتف أوقف ذكرياته فعاد للداخل ليعود للواقع، العمدة، هذا هو راكان زيدان الذي يعرفه العالم من حوله، أما راكان الأصلي فرحل بلا عودة والنساء لا مكان لها بحياته
بالصباح كانت السيارات تتحرك بهم، سيف ظل معه بسيارته وتبادل معه العديد من أمور العمل، ووافي ظل مع ليان وهما يتبادلان الكثير من الأحاديث المرحة وقد تحسنت حالتها جدا منذ وصلوا ولكنها ما زالت ترتدي الأسود
مزرعة أحمد زيدان كانت تعلن عن نفسها وما أن دخلا حدودها حتى قال راكان "هي لا تستسلم"
رد سيف "لولا رجالنا ما تخطت أي أزمة، من الأفضل رحيلها من هنا راكان، هي تثير جدال الرجال ولولا أننا أعلنا أنها أخت عمدة مصر، ما تركها الرجال"
لم يسمح للغضب بأن يتحكم به وقال "هي جميلة سيف وشجاعة، وهذا دافع للرجال لتحوم حولها ودافع أكبر ليجعلها تعاند معي لو أجبرتها على شيء لا ترغب به"
سأله سيف "ومتى ستدفعها للعودة؟"
ابتسم وقال "بعد عودتنا، هذا لو لم تطلب هي العودة معنا"
لم يفهمه سيف وهو يعلم أن راكان لا يعلن عن خططه إلا عندما يتأكد من نجاحه، لذا لم يحاول سؤاله عنها لأنه لن يجيب، سنواته الكثيرة معه جعلته يعرفه جيدا
نزل من السيارة ليراها تنزل الدرجات الخشبية بلياقتها البدنية الواضحة حتى وقفت أمام السيارات وهي تقول "تحب المفاجآت يا ابن أبي"
ابتسم وهو يغلق جاكته ويتحرك تجاها يقول "لها طعم خاص يا ابنة أبي"
انحنى واحتضنها وهي تقبلته وقد اقتربت المسافات بينهم بالشهور الماضية عبر الهاتف، ابتعد وتأمل وجهها الجميل وقال "تبدين كما تركتك"
مررت نظرها عليه وقالت "وأنت تبدو كالرجل الآلي بتلك الملابس، ألا تعرف شيء عن الملابس المفكوكة؟"
زادت ابتسامته وقال "لا، لم تمر على خزانتي، لديكِ ضيوف"
انتبهت بالفعل لتتوقف عيونها على وافي، عيونه تحدق بها وتتأمل قوامها الملفوف بالجينز المقطوع من كل مكان، وبلوزتها الزرقاء التي لفت جسدها بسعادة من جماله لشعرها الأسود المبعثر على وجهها وتوقف
يده كانت تلمس ذراع فتاة صغيرة بجواره وجذبها راكان من شرودها وهو يقول "صديقي وافي وابنة زوجة والده ليان، سارة أختي، هي تتحدث العربية بتعثر"
وافي وجد نفسه يحدق بعيونها السوداء الجميلة وبشرتها الخمرية بلون رائع من أثر الشمس، ضربة على ذراعه من راكان جعلته ينتبه ويقول "للأسف لا أعرف الإيطالية، أهلا سارة"
مدت يدها له وعيونها لا تترك عيونه ولا تعرف ماذا أصابها
يده دافئة، جعلتها ترتجف بشعور لا تعرفه اندفع لها وشعرت وكأنها تهتز من داخلها من أثر لمسته، شعاع غريب اتصل بين عيونهم وكأنها تعرفه من سنوات كثيرة ولكنه كان على سفر واليوم فقط عاد لها
مختلفة، نعم هي مختلفة عن أي فتاة عرفها، جميلة، رقيقة لم يرى مثل هذا الجمال الهادئ والشرس بذات الوقت، بها جاذبية غير طبيعية جعلته لا يسمع ولا يرى سوى عيونها التي أطلقت بريق اندفع لكيانه وسيطر على جسده وجعله جامدا لا يتحرك
صوت راكان قطع الاتصال بينهم وجعلها تجذب يدها من يده وتلتفت للفتاة وراكان يعيد اسمها "ليان"
شحب وجه وافي وهو يحاول إخفاء نظراته من صديقه، العهد ينص على ألا تدخل أي أخت بدائرتهم وعليه أن يحافظ على العهد
أخت صديقه أخته..
ابتسمت سارة لليان وقالت بعربية متعثرة "تبدين خجولة، تعالي لأعرفك على المكان ونعد لهم طعام فعندما يأتي يجر جيش خلفه ولا يمكنني القيام بطهو ما يكفيهم ومساعدتك قد تفيد"
ابتسمت ليان بسعادة وكذلك راكان وهو يربت على كتف وافي وقال "شرسة أليس كذلك؟"
انسحب منه التوتر لطريقة راكان الهادئة وتحرك معه للداخل، والبيت بدا رائع ومريح حقا
القهوة التي قدمتها لهم كانت مختلفة فقال راكان وهو يقف أمام النافذة ويتابع الجو بالخارج "لقد تبدل الجو سارة، هل هناك ما يمكن فعله؟"
وضعت الأطباق على المائدة وقالت "لا، أنت لا تؤمن بي لإدارة الأمور أليس كذلك؟"
كان وافي بالخارج يتحدث بالهاتف وليان تبدل ملابسها استعدادا للغداء فالتفت لها وقال "لو كنت كذلك ما تركتك وحدك"
تحركت لتقف بجواره وقالت "أنت تعرف كل ما يحدث حولي راك، لا تلف وتدور"
أبعد وجهه للخارج حيث الأمطار بدأت تهطل وقال "ربما أفعل، ولكن لا يمكنني فرض شيء عليكِ، أنتِ كبيرة بما يكفي لتتخذي القرار الصواب"
تحدثت بصدق "لا أستطيع الخروج من هنا، كل حياتي وذكرياتي بهذا المكان راكان فهل تظن أن هناك من يستطيع الانسلاخ من جلده، ذكرياتي هنا جلدي الذي يكسيني راك"
التفت ليواجها وقال "الذكريات لا تتوقف بمرحلة واحدة بالعمر سارة، بكل مرحلة من عمرنا ذكريات نحن من نصنعها، لذا وأنتِ تبدئين مرحلة جديدة بعمرك عليكِ التأكد من أنها ستكون أفضل"
تناول ما بيده وعاد يكمل "حبيبتي من حقك خوض تجربة جديدة تمكنك من التعرف على الحياة الأخرى، هناك حياة أخرى سارة خارج حدود تلك المزرعة، حياة تنتظرك، فقط جربي ولو لم تجدي نفسك وسعادتك عودي وأنا أعدك أن أحافظ على هذا المكان لآخر نفس بحياتي"
ظلت تتجول داخل عسلية عيونه والأفكار تتوالى داخل عقلها وكلماته تخترق كل معتقداتها وتهزمها، يوم رأته ظنت أنه أتى ليسلبها كل شيء كما كانت تعتقد عنه، ولكنه لم يفعل بل كان أفضل بكثير مما ظنت، ترك لها كل شيء ولم يفرض أي سيطرة، هاتفها كل يوم تقريبا حتى أصبحت تنتظر مكالمته
أحبت أن يكون لها أخ يهتم بها ويضحك معها ويراعيها رغما عنها فهي تعلم أن رجاله تحميها وتساعدها، ومع ذلك لم يجعلها تشعر أنه يسيطر على حياتها فهل من الممكن أن ترحل معه لحياة جديدة كما يقول؟
تراجعت للطعام وقالت "أحتاج للتفكير، أين صديقك وأخته؟"
تابعها وهو يعلم أنه أصاب هدف وهي بحاجة لوقت كي تعيد التفكير بكلماته وهو يعلم أن هدفه ترك أثره الصائب داخلها
تحرك لباب المطبخ ولكنه رأى وافي يتحرك تجاهه فقال "الغداء، أين ليان؟"
سمعها تقول "هنا"
كانت تنزل السلم وبدت أفضل فعاد للمطبخ وجلس وسارة تضع الطعام وانضمت لها ليان وتناولوا الطعام بصمت لف الجميع
نزلت مليكة بسرعة بفستانها الأسود الرائع لترى ظافر ينتظرها وهو يتحدث بالهاتف فوقفت أمامه وهتفت "ظافر أنا جاهزة"
التفت لها ومرت عيون عليها ثم قال "حسنا وافي أجازه سعيدة"
وأغلق الهاتف وتورد وجهها وهي تردد "هل ما زالوا هناك؟ أصحابك؟"
هز رأسه وقال "نعم، هيا كي لا نتأخر"
الأوبرا كانت ممتلئة بالكثيرين وبدا الكل مبتهجا بملابسهم الرسمية وتحرك هو وأخته للداخل حيث دلهم الرجل لأماكنهم وبدت مليكة متحمسة وهي تجلس وتقول "شكرا ظافر أنك منحتني تلك الفرصة الرائعة"
ابتسم لها وقال "وعندما أسمعك وأقتنع بموهبتك سأساعدك على اجتياز والدي"
وضعت يدها على يده ومنحته نظرة امتنان وهتفت "ليتني أخبرتك منذ سنوات"
بدأت الأضواء تخفت والأصوات تهدأ فشعرت بالنشوة بانتظار الأوركسترا تستعد وانفتحت الستائر الكبيرة وحيا الجمهور العازفين والمايسترو الذي عاد لرجاله وبدأ العزف
اندمجت هي بالاستماع وظافر يشعر بالضجر، فهو قبل بالأمر من أجل أخته، ظل ساكنا بل وفكر بالخروج لتناول أي عصير بالخارج عندما سمع صوت امرأة من جواره تقول بغضب
"إذا لم تتوقف عن ذلك سأطلب الأمن"
الصوت ليس بغريب..
انحنى للأمام وهو لا يصدق أنها هي، بل وتجلس بالمقعد المجاور، يفترق عنها برجلين والقريب منها يقول "أنا لم أفعل شيء يا آنسة"
لا يمكن أن تتلاعب الصدف بهم وتضعهم بجوار بعضهم البعض بتلك الطريقة
سمعها تقول "إذن ابعد يدك هذه وإلا سأكسرها"
قال الرجل "أنا بعيد بالفعل"
نهض ظافر ووقف أمام الرجلان وقال "يمكنك الجلوس مكان الآنسة وهي ستجلس مكاني"
نظر له الرجل وقال "لن أتحرك من مكاني"
انحنى ظافر عليه كي لا يعترض باقي المشاهدين، ومنح الرجل نظرة قوية وهو يقول بكلمات متأنية "ستنهض وتتحرك بأدب وإلا سأتأكد بنفسي من أنك ستتعلم الأدب"
هز الرجل رأسه بقلق واضح فنظر لها والتقى بعيونها الغاضبة ولكن مندهشة من رؤيته وقال "تفضلي بجوار أختي"
لم تعترض وهي تنهض، وبدل الرجال أماكنهم ولاحظت مليكة ما حدث فجلس هو بجوار مي وقال "مليكة أختي الصغرى، مليكة الآنسة مي صاحبة شركة السياحة التي سافرت ماما معها"
ابتسمت مليكة لها ورحبت بها ثم عادت للعرض بينما قالت هي بصوت منخفض "شكرا لك"
لف وجهه لها ولكنها لم تنظر له..
بدت جميلة وأنيقة جدا وعطرها تحرر منها له ليرفع حرارة جسده بشكل غير طبيعي رغم التكييف المرطب حوله
الصمت كان واجب أثناء سريان صوت الروح ووجد نفسه يستمتع بها بعد وجودها بجواره
انتهت الفقرة الأولى وأضيئت الأضواء فنهض ومليكة تبعته وهي تقول "ظافر أريد الذهاب لحمام السيدات"
هز رأسه وسقطت عيونه عليها وبدت فاتنة حقا وهي ترفع نظراتها له وهو يقول "تفضلين عصير؟"
تورد وجهها وهي تذكر لقائهم عندما تبادلا الإهانات وشعرت بالخجل للحظة وهي ترد "أحتاج للحمام أيضا وربما عصير"
هز رأسه وتحرك ثلاثتهم للخارج
أدركت تورد وجهها وهي تحدق بنفسها بمرآة الحمام، هي لم تكن راضية عن نفسها بذلك اليوم وهي تهينه ولكن هو أيضا تعمد ذكر شاكر وخيانته ثم أهانها هي ونعتها بالبرود، هل هي حقا باردة؟
انتهت مليكة من ترطيب وجهها بالمياه وقالت "هل تعرفون بعضكم منذ وقت؟"
لم تنظر لها مي وهي تقول "نحن لم نعرف بعضنا سوى عندما أتى مكتبي ليطلب تذكرة لوالدك"
جففت مليكة وجهها وقالت "فقط؟"
التفتت لها مي وقالت "فقط، لست نزوة من نزواته المعروفة لو كنت تعنين ذلك"
تورد وجه مليكة وقالت "آسفة ولكنك تعرفين علاقات أخي، من الصعب أن يترك امرأة جميلة مثلك دون أن تكون له"
أدركت مي صغر عمر الفتاة فلم تغضب وقالت "ليس كل امرأة مليكة تسقط أمام كلماته، وبصراحة هو لم يحاول معي، ربما كان يدرك أني لست تلك المرأة"
اقتربت منها مليكة وقالت "هل هو شيء جيد؟"
توقفت مي عن ضبط شعرها والتفتت لمليكة وسؤالها الغريب وهي تسألها "الذي هو ماذا مليكة؟"
قالت الفتاة "الغزل والحب"
اقتربت منها مي وقالت "ليس المهم سماع الكلمات مليكة فهي سهلة القول، المهم أن تكون صادقة وتحمل بصدق المعنى الذي تقصده، لذا عليكِ بالحذر ممن يتحدث بالكلمات المعسولة كثيرا، فالحب الحقيقي ليس فقط بالكلمات ولكن بالأفعال"
تراجعت مليكة وقالت "والحب من طرف واحد؟"
ضاقت عيون مي الجميلة وقالت "تأكدي أولا أنه حب وليس انبهار بالشخص، أو مجرد حلم بأن تعيشي قصة حب فتلك المرحلة من عمرك صعبة"
صمتت مليكة ولم ترد وعادت مي تقول "دعينا نذهب فقد تأخرنا"
قالت مليكة "سأتبعك"
خرجت لتراه واقفا ويمسك الأكواب وكم بدا وسيما جدا كما عرفته بالمكتب
تحركت له فاعتدل وهي تأخذ كوب العصير وقالت "شكرا لك، مليكة لم تنتهي"
كان يدرك أنه مأخوذ بجمالها، ورغم خلافهم السابق إلا أنه ما زال معجب بها ولم يتوقف عن التفكير بها حتى ولو أقنع نفسه بالعكس فالآن يدرك أنه كاذب ،قال "أعتذر عن ذلك اليوم"
أخفضت عيونها وقالت "أنا أيضا أعتذر" ثم رفعت عيونها لتلتقي بعيونه وقالت "هل تأتي هنا كثيرا؟"
تناول القهوة وقال "لا، هي أول مرة من أجل مليكة، هي تهوى العزف على الكمان"
ابتسمت فبدت أكثر جمالا فلم يستطع منع نفسه من أن يقول "لديكِ ابتسامة رائعة"
احمر وجهها بسرعة البرق وأبعدت عيونها عنه وقالت "من فضلك لا تفعل"
اقترب وقال "أنا لا أغويك مي، أنا جاد بكلماتي"
رفعت عيونها له مرة أخرى ورأت الجدية بالفعل بعيونه، ودق قلبها بقوة دقات سريعة ظنت أنها مريضة أو أصابها شيء ولكنها سليمة ولا تتهاوى وقلبها لا يتوقف وعيونها لا تتركه ومع ذلك قالت "أنا لا أرغب بذلك الآن ظافر، لن يمكنني تصديق أي شيء من أي رجل، لذا أرجوك لا تدفعنا لتلك المنطقة"
لم يبتعد وهو يقول بتفهم "أنا أعرف ما فعله شاكر معك"
أمسك ذراعها عندما قررت الفرار من أمامه وأوقفها وهو يكمل "لن تهربي للأبد مي، الأقدار تجمعنا دون خطط منا، أعدك ألا أضغطك لكن لا تغلقي الأبواب بوجهي، من حقي فرصة"
عادت تنظر له ولاحت دموع بعيونها وهي ترى انتظاره لقرارها وكأنه متهم خلف القضبان ينتظر الإفراج..
لم تستطع إبعاده، أرادت وجوده، نظراته، الأمان الذي منحه لها منذ قليل، حتى كلماته التي رفضتها تريدها
عاد يقول "فرصة واحدة، نتعارف ونأخذ وقتنا قبل أن تقرري ما إذا كنتِ ستذهبين لطريقك وحدك أم يمكننا أن نكمل سويا فهل نفعل؟"
ظلت عيونها تتحرك بين عيونه تبحث عن أي شيء يمكنها التعلق به لتفر منه وتتهمه بأي تهمه تبعده عنها، ولكنها لم تجد سوى الصدق بنظراته والجدية بنبرة صوته، مما جعلها تفقد عقلها الذي عاهدها ألا تسمح لأي رجل باختراق حياتها بعد ما فعله شاكر بها ووجدت نفسها تهز رأسها بالموافقة وصوت مليكة يفرقهم
"هيا ظافر لقد بدأ العرض"
أفلتها ومليكة تجذب كوب العصير من يده الأخرى، وهي أبعدت وجهها وحرارة جسدها ترتفع بلا توقف وتتحرك وهي تدرك أنه بجوارها، وجوده لا يمكن ألا تدركه، بل وتدرك النظرات الموجه له من حولها من المعجبات، حتى جلست وهو بجوارها ومليكة تتحدث معها ولكن ذهنها لم يكن معها، بل معه وكتفه الصلب يلمس كتفها الرقيق مما جعلها ترتبك أكثر بلا توقف
يتبع