
رواية صعيدي أجبرني الفصل الحادي عشر11 بقلم ندا مصطفي عبد السلام
كانت ظلمة الليل تغطي جبال الصعيد، ولكن الدوار كان يعيش ليلة أشد ظلمة داخل جدرانه. صمت خناق يطبق على المكان، لا يقطعه سوى صوت الأجهزة الطبية المنتظمة بجوار فراش "رحمة"، وصوت أنفاس جبل المتلاحقة وهو يجلس على الأرض بجوارها، واضعاً جبهته على يدها الباردة.
فتح جبل عينيه المحمرتين من كثرة السهر والدموع، ونظر إلى وجهها الشاحب. مسح بيده الخشنة على خصلات شعرها المنسدلة، ووقف ببطء وانفاسه التى تشبه الجمر تحرق صدره. أخرج من جيبه عقد الزواج الرسمي ونتيجة تحليل الـ DNA، ووضعهما على الطاولة بجوار رأسها، ثم همس بنبرة رجولية مكسورة:
ـ قومي يا رحمة.. قومي واقري أوراقك بنفسك، واضربيني أو اقطعي رقبتي لو كنت ظلمتك، بس ما تسيبنيش في العذاب ده ويموت جبل كل دقيقة ألف مرة.
في تلك اللحظة، فتحت أم جبل باب الغرفة بخطوات متعبة، وتحمل في يدها كوباً من الأعشاب الساخنة. نظرت إلى ولدها المكسور بقلب يتقطع من الحزن، واقتربت منه لتضع يدها الحنونة على كتفه:
ـ يا ولدي.. ارحم نفسك شوية، قوم كُل لقمة ولا ارتاحلك ساعتين. البنية في يد ربنا ودعواتنا كلنا معاها. إنت لو جرالك حاجة مين هيقف في وش الأفاعي اللي برة ومين هيحمى شرف العيلة؟
رد جبل بصوت خفيض خنقته العبرة:
ـ أكل إيه وأرتاح كيف يا أما ونفسى مقطوعة بالمنظر ده؟! أنا اللي استعجلت وقسيت عليها.. كنت فاكر إني بأمنها وبحميها، طلعت بكسر ضهرها وأموتها بالبطيء!
في الزاوية الأخرى من الغرفة، كانت "منار" تقف بدموعها، ونظرت لأمها وأخيها وقالت بنبرة خائفة:
ـ جبل.. حازم واقف تحت في الدوار مع الحراسة، وبيقول في حركة مش مطمنة على حدود البلد، وعايزك ضروري في شغلة مهمة.
تنهد جبل بعمق، ونظر إلى رحمة نظرة أخيرة ملؤها الشغف والحماية، ثم نزل إلى صالة الدوار الأرضية، ليجد حازم ينتظره والتوتر يملأ وجهه.
حازم بجدية وحذر:
ـ جبل بيه.. الشرطة مقيمة عند المداخل، بس وصلتنا معلومات إن مسعد ما اختفاش ولا هرب برة مصر زي ما كنا فاكرين! مسعد محشور في زنقة موت مع الراس الكبيرة اللي ممولاه، والجدع ده لو ما جابش رحمة أو رجع الفلوس هيدبحوه.. يعني مجنون وممكن يعمل أي حركة انتحارية!
جبل بجز على أسنانه بنبرة حادة كالسيف:
ـ ييجي! ييجي ورجليه تشيله لو راجل، والمرة دي مش هبلّغ شرطة يا حازم.. المرة دي دفنه هيبقى تحت طين أرض أبوي اللي حاول ياخدها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في القاهرة.. وداخل مخزن مهجور وخافت الإضاءة يفوح منه برود الموت...
كانت "سحر" ملقاة على الأرض الصلبة، يداها مربوطتان بحبل خشن، ووجهها يحمل آثار الدماء والخوف الفادح بعد أن جلبها رجال "المجهول" بالقوة من شقتها!
دخل "المجهول" بخطوات ثقيلة يحيطه حراسه المسلحون، وخلفه يدخل "مسعد" المضروب ووجهه ملطخ بالندوب والكدمات. سحب المجهول مسعد من ياقته ودفعه بقسوة ليخر جثواً بجوار سحر، ثم اخرج سلاحه ووجهه لرأس سحر، وصاح بمسعد بنبرة يرعد منها المكان:
ـ قدامك دقيقة واحدة يا مسعد! يا تنطق وتجيب نور، يا هصفّي البت دي قدامك وألبي طلب الرأس الكبيرة(الكبارة) اللي في الخليج بطريقتي!
سحر بصرخات رعب ورجاء:
ـ ارحموني! أنا ماليش دعوة! مسعد قولهم حاجة.. الحقني يا مسعد!
تفل مسعد على الأرض ببرود ونذالة شديدة وقال بضحكة مكسورة:
ـ موتوها! أهي حشرة برة الحسبة ومش فارقة معايا ولا تلزمني!
سحر اتسعت عيناها بصدمة وقهر زلزل كيانها، لكن "المجهول" ضرب مسعد بظهر السلاح على وجهه يصرخ في وجهه:
ـ أنت فاكر الموضوع شحنة بنات وفلوس بس يا جاهل؟! "الكبير اللي في الخليج" مش هيسيبنا نعيش! نور دي مش مجرد بنت مسكينة، نور هي "رحمة" الوريثة الوحيدة لإمبراطورية وشراكة مليارات في الخليج.. الشراكة اللي اتسببت فى قتل أبوها وأمها زمان! البت دي لو ظهرت أو ثبت نسبها، أرقابنا كلنا هتطير وملايين الشراكة هتضيع! البت دي لازم تتصفى وتتمحي من الوجود!
كانت سحر تستمع للحديث وذهول الصدمة يلجم لسانها! سر عائلة نور.. الشراكة في الخليج.. الثروة الطائلة والغل القديم! وفي اللحظة التي رفع فيها المجهول السلاح ليعمر الرصاص في رأسها، يئست سحر وتدفقت داخلها غريزة البقاء، فصرخت بكل ما أوتيت من قوة:
ـ استنى! استنى يا باشا ما تموتنيش! أنا الوحيدة اللي أقدر أجيبلك نور لحد عندك برجلها ومن غير نقطة دم واحدة!
توقف المجهول ونظر إليها بنظرة حادة:
ـ بتقولي إيه يا روح أمك؟!
سحر وهي تتنفس بسرعة ودموعها تجري:
ـ نور بتثق فيا أكتر من نفسها! نور فاكراني سرها وأختها.. جبل قافل عليها البيت بالحديد والحراسة، وأنتوا لو هجمتوا على بيته هتقوم حريقة مش هتكسبوا منها غير جثث! لكن أنا أقدر أتواصل معاها أو أدخل لها بعلامة بيني وبينها، وأسحبها برة بيته وأسلمها ليكم كرتونة مقفولة! ادوني فرصة واحدة وأنا أنقذ وأضمن لكم وجودها !
نظر المجهول لمسعد بنظرة دهاء ثم التفت لسحر وقال ببرود مرعب:
ـ قدامك ليلة واحدة يا سحر.. لو نور ما بقتش في أيدينا، جثتك هتشرف في النيل!
أما "مسعد".. فاستغل المهلة، وبدلاً من الانتظار، قرر تنفيذ خطة خبيثة وشيطانية للتفوق على مهمة سحر وتشتيت جبل تماماً واخذ نور منه قبل سحر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على أطراف القرية وفي جبل الصعيد.. وقف مسعد مع رجاله المتبقين وهو يمسك بسلاحه، وجهه يقطر بالغل وقال لمساعده:
ـ سحر تلعب بطريقتها.. وأنا هعب بطريقتي! جبل والحراسة قافلين البيت، وعشان نفضى لنفسنا السكة ونعمي عين جبل.. هنولّع في مصنع الازاز بتاعه ، المصنع فيه عمال وشغل بمليارات.. أول ما النار تولع، جبل ورجالته والبوليس هيجروا زي المجانين على المصنع! والساعة دي بالذات.. تكون السكة فضيت والبيت اتكشف ونقدر نهجم وناخد نور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
داخل الدوار.. وفي تمام الساعة الثالثة فجراً...
كان الهدوء يلف الغرفة، وجبل رأسه ملقى على طرف السرير بجوار يد رحمة، غارقاً في غفوة تعب ثقيلة لم يذقها منذ أيام.
وفجأة.. وبشكل دقيق وبطيء جداً.. بدأت أصابع يد "رحمة" ترتجف ببطء شديد!
بدأت عيناها تتحركان تحت الجفون الشاحبة، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة، ثم أطلقت زفيراً خافتاً ومحشرجاً:
ـ جـ... جبل...
فز جبل من وقفته كأن كهرباء شلت جسده! رفع رأسه بسرعة وذهول، ونظر إلى وجهها ليجد عينيها السوداوين تفتحان ببطء شديد وتنظران إليه بتعب ودوار!
جبل بصوت يرتجف ودموع سقطت فوراً على خدها:
ـ رحمة؟! إنتي فتحتي عينيكي؟! يا رب.. يا رب لك الحمد والشكر يا منار! يا أما! تعالي شوفوارحمه فاقت.
قبض جبل على يدها بلهفة وحنان جارف، ونزل على ركبتيه بجوارها:
ـ حمد الله على سلامتك يا روح جبل ويا كل دنيتي! نورتي بيتك وناسك!
رحمة نظرت إليه بعيون يملؤها الثقل والتشتت، ثم تذكرت آخر مشهد؛ القلم الحاد، المأذون، البصمة بالغصب، وحضوره أمام مسعد.. سحبت يدها ببطء شديد من بين يديه، وأدارت وجهها للناحية الأخرى بجفاء وكسرة قلب تجرح الروح، وقالت بصوت خافت ومتقطع:
ـ ابعد عني يا جبل.. ما تلمسنيش.. أنا مش رحمة.. أنا اللعبة اللي إنت بصمتها بالغصب وجريتها في التراب عشان ترجع أرضك..
جبل شعر بسكين مسموم يغرس في قلبه، ومسك المظروف والأوراق بيده المرتجفة وقال بنبرة رجاء وانكسار:
ـ والله العظيم لأ يا رحمة! اقري الورق ده.. دي نتيجة الـ DNA.. إنتي بنت عمي رحمة بجد! والجواز ده كان لحمايتك ومنع مسعد إنه يأذيكي! أنا بصمتك عشان الوقت كان بيجرى ومكنش فى وقت اشرحفك وانتى متعصبه وفاهمه كل حاجه غلط وفاكرانى ضكك ده غير ان الشرطة كانت برة
وفجأة.. وقبل أن تنطق رحمة بكلمة واحدة.. دوت في أرجاء الصعيد وخارج الدوار انفجارات هائلة وصراخ عالي، واشتعلت السماء باللون الأحمر الدامي!
اقتحم حازم الغرفة وهو يلهث ورعبه يسبقه:
ـ الحق يا جبل! مصنع الزجاج بيولع! النار مسكت في المستودعات والعمال محشورين جوة المصنع بيموتوا.
فز جبل بذهول وصدمة، ونظر إلى السماء الحمراء من الشباك، ثم التفت لرحمة التي كانت تنظر حولها برعب!
جبل بصراخ وحزم وهو يوجه كلامه لحازم ولأمه التي دخلت مفزوعة:
ـ حازم! خد نص الرجالة واطلع على المصنع بسرعة! وأنا لاحقك!...ثم اكمل موجهة كلامه لأمه : يا أما.. أمنوا الأبواب وما حدش يفتح الباب الخشبي لأي مخلوق كان! رحمة أمانتكوا في ذمتكوا لحد ما أرجع.
خرج جبل كالإعصار للأسفل ليلحق بالمصنع، دون أن يعلم أن هذا الحريق ما هو إلا الطُعم الشيطاني لشفط الحراسة.. وأن سحر في طريقها للدوار بطريقة سرية تعلمتها من جبل وهو يدخلها للقبو عندما كانت فيه نور، بينما المجهول ومسعد يتأهبون لاقتناص الوريثة!
أما في الغرفة فوق.. فكانت رحمة تمسك بلمسات يدها المرتجفة ورقة تحليل الـ DNA وعقد الزواج بذهول، وعيناها تنظران إلى الورق وإلى النيران المشتعلة في الأفق.. بانتظار العاصفة القادمة!