
رواية صعيدي أجبرني الفصل الثاني عشر12 بقلم ندا مصطفي عبد السلام
كانت النيران التهمت الجزء الأكبر من مستودعات مصنع الزجاج في أطراف البلد، وأصوات سيارات الإطفاء والخرطوم تخالط صراخ العمال وأوامر جبل الحادة وهو يقود عمليات الإنقاذ بنفسه وسط الدخان والشرار!
كان جبل يقف بجسده القوي وسط النيران، وجهه ملطخ بالسواد وعيناه كالجمر المشتعل:
ـ اقطعوا الكهربا عن العنابر برة! هاتوا العمال اللي محشورين جوة المخزن وامنوا شحنة الخام بسرعه .
في تلك اللحظات العصيبة.. كانت الفوضى التي أحدثها الحريق قد بلغت أوجهها في البلدة بأكملها، وانشغلت حراسة الدوار بالأنباء المتضاربة.. وقد كان هذا الطُعم الذهبي بمثابة مساعده الاهية انتظرتها سحر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الدوار.. وتحديداً في غرفة "رحمة"...
كانت رحمة تجلس على السرير، المظروف بين يديها المرتجفتين، وعيناها تنظران إلى عقد الزواج ونتيجة تحليل الـ DNA بصدمة وتشتت. رأسها يدور بين كلام جبل وبين الذكريات القديمة.. وفجأة، انفتح باب الغرفة ببطء وحذر شديد!
شهقت رحمة برعب، لكن الشخص الذي دخل أسرع بوضع يده على فمها ليداري صوتها. كانت.. سحر!
سحر بنشيج ومظلومية مسرحية وتقاسيم وجه يملؤها الرعب والدماء:
ـ نور! اسكتي يا نور أبوس إيديكي ده أنا سحر!
سحبت رحمة أنفاسها بذهول، ونظرت لملابس سحر الممزقة وآثار الضرب والكدمات على وجهها ويديها، وقالت بصوت خافت ومصدوم:
ـ سحر؟! إنتي دخلتي هنا إزاي؟! وإيه اللي حصل في وشك ومين اللي عمل فيكي كده؟!
ارتمت سحر في أحضانها تبكي بحرقة ومكر شديد:
ـ مسعد يا نور! مسعد الكلب عذبني وموتني ضرب لما عرف إني بحاول أساعدك وأوصلك! ضربني ومسكني عنده، ولما عرف إنك هنا في الصعيد اتجنن! مسعد ورجالته هما اللي ولعوا في مصنع جبل دلوقت عشان يسحبوا جبل والرجالة كلهم برة البيت ، وهما زمانهم طالعين السلم دلوقت عشان يخطفوكي.
رحمة اتسعت عيناها برعب قاتل وقامت تقف بصعوبة وهي تمسك برأسها:
ـ يخطفوني؟! طب وجبل والرجالة؟!
سحر بأداء عاطفي خبيث وهي تمسك بيدي رحمة:
ـ جبل مش هنا يا نور! جبل في المصنع والنار واكلاه! مسعد مستعد يقتل أم جبل وأخته لو وقفوا في طريقه! ولازم نهرب فوراً قبل ما يدخلوا علينا الأوضة.
نظرت رحمة للأوراق في يدها وبصوت يرتجف:
ـ سحر.. أنا طلعت مش نور! أنا طلعت رحمة.. بنت عم جبل! جبل سايبلي الورق ده وبيقول إن دا تحليل الـ DNA واتجوزنى عشان يحميني.. أنا مش فاهمة حاجة ورأسي هتنفجر .
سحر بابتسامة خبيثة دارتها بسرعة واستغلت السر فوراً:
ـ رحمة؟! مزور يا نور! الورق ده كله مزور ومظبطه عشان يتجوزك بالغصب وياخد ارضه تانى من مسعد بيكى لان مسعد مكنش هيتنازل عن الارض غير بيكى .
قومي معايا نرجع القاهرة.. نروح لعمك سمير ومرات عمك نسألهم عن الحقيقة وعن أهلك الحقيقيين ونعرف السر كله.. ما تسلميش نفسك لجبل ولا لمسعد .
وفجأة.. ودون أن تنطق رحمة بكلمة أخرى، دوت أصوات صراخ عالية وأعيرة نارية خفيفة في الصالة الأرضية للدوار!
صوت أم جبل يصرخ بقوة وكرامة صعيدية:
ـ انتوا مين يا كلاب؟! بتهجموا على دوار الحرمات في غيبة الرجال؟!
وصوت أحد رجال مسعد الحاد:
ـ اخرسي يا حجة وإلا هصفي بضاعة ابنك في قلب بيتك البت نور فين؟!
سمعت رحمة الصراخ، فارتجفت أطرافها برعب شديد، ونظرت لسحر بالتماس:
ـ هيموتوا طنط ومنار!
سحر وهي تخرج من حقيبتها عباءة سوداء ونقاباً أعدتهما مسبقاً:
ـ موش وقت كلام خالص! ألبسي النقاب ده بسرعة عشان محدش يعرفك لو لمحنا.. إحنا هنط من شباك الحمام الخلفي اللي بيطل على الغيط، وانا معايا عربيه تبعى في أول الطريق السريع ونطير على القاهرة!
ارتدت رحمة العباءة والنقاب بقلب يخفق كالطبول ودموعها تسيل تحت النقاب. تسللت مع سحر من الشباك الخلفي المنخفض على شجرة الغيط، وفي غضون دقائق كانت رحمة وسحر تهرولان وسط الظلمة باتجاه الطريق السريع، لتركبا السيارة التي تنطلق بأقصى سرعة نحو القاهرة!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الدوار.. وبعد مرور نصف ساعة من الفوضى...
وصل جبل كالإعصار ومعه حازم ورجال الحراسة بعد أن سيطروا على حريق المصنع بالكامل!
ليجد أمّه ومنار تجلسان على الأرض ورجال الحراسة المصابين يحاولون الاستفاقة.
جبل بصراخ ورعب زلزل جدران البيت:
ـ أما! منار! إيه اللي حصل؟! ورحمة فين؟!
أم جبل بدموع وقهر وهي تمسك بيده:
ـ هجموا علينا يا ولدي! رجالة مسعد دخلوا الدوار والأسلحة في أيديهم يدوروا على البنية.. ضربوا الحراسة وسألوا عليها، ولما ملقوهاش خدو بعضهم ومشيوا
جبل لم ينتظر الاستماع لباقي الحديث، وصعد درجات السلم بأقصى سرعة وقوة واقتحم الغرفة صارعاً الباب:
ـ رحـمة!
كانت الغرفة خالية تماماً!
وعلى الطاولة بجوار السرير كانت ورقة الـ DNA وعقد الزواج ملقيين في الأرض!
ركع جبل على ركبته وأمسك الأوراق بيده المرتجفة، وعيناه تشتعلان بنار الانتقام والتعب، ثم ضرب الأرض بقبضته صائحاً بصوت رجّ جبال الصعيد:
ـ رححححححححمة!
حازم صعد خلفه بلهفة ومعه أحد الحراس الذي كان يراقب الطريق:
ـ جبل بيه! الواد الغفير برة بيقول إنه شاف عربية سودا متفيمة كانت واقفة على الطريق الخارجي، وأول ما النار ولعت اتسحبت ليها حرمتين بنقاب وركبوا وطاروا على طريق القاهرة!
جبل قام واقفاً كالبركان الثائر، مسح الدماء والجمر عن وجهه، وعمر مسدسه بنبرة صوت تقطر موتاً وحسماً:
ـ مسعد وسحر عملوها وضحكوا عليا وعليها.. افتح المخازن يا حازم! جهّز الرجالة والسلاح كله! المرة دي الصعيد كلها هتنزل القاهرة.. مش هيرجع جبل غير وراس مسعد وسحر في أيده، ورحمة في ح*ضنه