
رواية صعيدي أجبرني الفصل العاشر10 بقلم ندا مصطفي عبد السلام
(صفاء الروح)
في أزقة القاهرة المظلمة، وداخل إحدى المناطق العشوائية المتهالكة، كان الغضب والفقر يخنقان جدران ذلك البيت القديم. أصوات الصراخ والندب لم تكن تهدأ منذ أيام. كان سمير يجلس على كرسي خشب مكسور، واضعاً كفيه على رأسه ينظر إلى الفراغ بعينين مقتولتين من الصدمة، وإلى جواره زوجته تلطم على خدودها بنشيج مكتوم وصوت بحه الحزن والغل:
ـ البيت اتقفل بالضبة والمفتاح يا سمير! الشقة اللي حلمنا بيها وعشنا فيها أيام العز راحت للبنك والديون والأقساط نازلة فوق دماغنا زي المطر! كليبات العز والنعيم اللي عشناها بفلوس البت دي اتقلبت جحيم بركاني! الناس اللي لينا عندهم فلوس واقفين لنا على الباب، وأصحاب الديون بيهددونا بالمحاكم والسجن!
رد سمير وهو يقف فجأة ويركل الكرسي بقدمه، وعيونه تتطشش بالدموع والغضب والغل القاتل:
ـ كله بسببها! بسبب البت الشحاتة دي.. هربت ورجعتنا لنقطة الصفر! كنا عايشين ملوك وبناكل ونشرب ونلبس بفضل اللي بناخده من وراها.. ودلوقتي أصحاب الفلوس نازلين طعن فينا والمحاكم مستنيانا في كل خطوة! قسمًا بالله لو وقعت تحت إيدي تاني لأدفعها التمن غالي، وأخليها تتمنى الموت وما تلاقيهوش! هجيبها من تحت الأرض ولو في بطن الحوت ، وآخد حقنا منها على كل قرش ضاع بسببها وبسبب هروبها الملعون ده!
قعدت مراته تندب حظها وهي بتقول:
ـ هنلاقيها فين بس يا سمير؟ البت فص ملح وداب، والديانة ماسكين في رقبتنا من كل ناحية! لو ما لقيناهاش بسرعة وقبضنا تمنها أو أخدنا حقنا، احنا اللي هنترمى في السجن والشارع هيبقى مأوانا!
أجابها سمير بنبرة حادة وصارمة:
ـ تدوري معايا في كل شبر.. نسأل عليها في السكك وفي البيوت القديمة وعند كل حد تسحلنا رجليه، نور دي هي طريق نجاتنا من الفقر، ومستحيل أسيبها تتصنع على حسابنا وتعيش مرتاحة وأحنا بناكل التراب!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في جانب آخر بالقاهرة، داخل الشقة الفخمة التي كان يتخذها مسعد مقراً لإدارة أعماله المشبوهة...
كانت سحر تقف مصدومة، وعيونها تتسع برعب وذهول وهي تسجل كلمات مسعد القاسية والجافة. كانت تحاول أن تمسك بيديه أو تستعطفه، لكنه دفعها ببرود شديد وهدوء استفزازي.
ـ خلاص يا سحر.. اسمعيها مني كلمة واحدة وما أكررهاش تاني! الاتفاق اللي بيننا اتلغى، وملكيش عندي ولا مليم أحمر ولا ليكى أي دور معايا بعد النهاردة!
صرخت سحر بانهيار وهي تضرب على صدرها ودموع الغيظ تتطاير من عينيها:
ـ يعني إيه الاتفاق اتلغى؟! أنت اتجننت يا مسعد؟! أنا اللي جيت لك وعرفت المكان ووريتك طريق جبل، تقولي اتلغى بكل بساطة؟! فلوسي فين؟! ونور اللي وعدتني تاخدها وتخلصني منها للأبد فين؟! أنا ضحيت بصحبتى عشان أقف معاك أنت!
ابتسم مسعد ببرود وهو يمسك علبة سيجاره ويشعل واحدة ببطء، ثم ينفث الدخان في وجهها:
ـ نور خلاص جبل هو اللي هيسلمها لي بيده الليلة! اتفقنا على كل شيء وأنا مش محتاج لك ولا لغيرك! اعلى ما في خيلك اركبيه والباب يفوت جمل، وأحمدي ربنا إني سايبك تخرجي من هنا على رجليكي من غير ما أعمل معاكي الواجب!
انهارت سحر بالبكاء وهي تسب وتشتم، لكن رجال مسعد سحبوها لخارج غرفته وألقوا بها قرب الباب كالحشرة.
وفي نفس الوقت، كان مسعد يمسك هاتفه ويجري مكالمة سريعة وصارمة مع صقر ورامي، حيث نطق بنبرة جافة قاطعة دون مقدمات:
ـ اسمع يا صقر .. الشغل اللي بيننا اتلغى تماماً! نور راجعالي عن طريق جبل، محدش فيكم يكلمني تاني ولا يسأل عن قرش واحد!
أغلق مسعد الهاتف في وجهيهما فوراً.
في الجهة المقابلة، تجمد صقر في مكانه وعيونه تشتعل شراً وناراً، وهو ينظر لرامي بحقد وغل لا يُوصف، ورامي يتنفس بغضب:
صرخ صقر وهو يضرب الطاولة بيده:
ـ قطع علينا الملايين اللي كانت هتدخل جيبنا بالسهولة دي! فاكر نفسه هيركبنا ويعدي بفلوسنا ونور لحاله؟! فاكر مسعد إنه شاطر لدرجة يقفل علينا اللعبة ويخرج هو بالغنيمة؟!
رد رامي بغل:
ـ مش هنسيبه يا صقر! مسعد وجبل دخلوا في لعبة كبار، وقطعهم للفلوس دي معناه إننا مش هنطول قؤش فعلا.. لازم نعمل حسابنا ونتصرف، واللعبة دي مش هتنتهي بالسهولة دي أبداً، لازم ندفعهم التمن غالي!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الدوار بالصعيد...
كان جبل يجلس في مكتبه المغلق، يمنع أي شخص من الدخول عليه. كان يمسك بيده المظروف الأبيض والنتيجة الرسمية لتحليل الـ DNA التي وصلته حديثاً. كانت نظراته مثبتة على الورق، وعيناه تتسعان في صدمة وذهول لم يستطع إخفاءهما رغم ثباته القوي، ويده ترتجف ببطء شديد وهو يعيد قراءة الأسطر والختم الرسمي للمختبر.
كان حازم يقف إلى جواره داخل المكتب، ينظر إلى نتيجة التحليل بذهول ومشاعر متضاربة، ونطق بنبرة خافضة يملؤها الغموض والصدمة:
ـ جبل.. التحليل ده معناه إيه؟! الأوراق دي صدمة كبرى يا صاحبى! هنعمل إيه دلوقتي ؟! اللعبة اتقلبت جد وخطرها بقا كبير ومضاعف!
أغمض جبل عينيه لثوانٍ معدودة مستجمعاً ثباته وهدوءه الصعيدي الصارم، وتنفس بعمق ثم فتح عينيه وقال بنبرة هادئة، رزينة، ويملؤها الحسم:
ـ ولا مصيبة ولا حاجة يا حازم.. إن شاء الله خير وكل حاجة ليها حل.انا اصلا كنت عارف ان نتيجة التحاليل هتبقى كده بس كنت بكدب نفسى... عموما أنا عارف أنا هحل الموضوع ده إزاي وهحمي كل حاجة في وقتها وبطريقتي!
ثم أخرج هاتفه الجوال وضغط على أزرار الاتصال برقم مسعد، وانتظر ثوانٍ حتى جاءه الصوت الخليجي الخبيث.
نطق جبل بصوت جاف وثابت:
ـ مسعد.. الليلة يوم 28، والطيارة بتاعتك هتطلع الساعة 9 بالليل. الساعة 7 بالتمام تكون عندي في مكان أرض أبوي، تجيب معاك عقود الأرض المسجلة والتنازلات الكاملة، عشان أسلّمك نور وأخلص الدنيا كلها وتلحق تتجوزها وتغور بيها برة البلد!
رد مسعد بضحكة خبيثة وارتياح عبر الهاتف:
ـ اتفقنا يا جبل.. عجبني عقلك وتفكيرك! الساعة 7 أكون عندك بالأوراق كاملة وناخد نور وتنتهي القضية ونرتاح كلنا!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
داخل الدوار، وفي غرفتها المريحة بالأعلى...
كانت نور تجلس في أمان واطمئنان تام. كانت تستند إلى فراشها براحة نادرة لم تذقها منذ شهور طويلة. كانت تبتسم بقلب هادئ متذكرة كلمات جبل الأخيرة لها حين زارها قبل فترة وشرح لها كل شيء بالهداوة، وأكد لها بكل حسم ورفق أنه لن يسلمها لمسعد أبداً، وأن الكلام عن الصفقة والتسليم ما هو إلا خطة ذكية ومحبوكة ليخدع بها مسعد ويجبره على إرجاع أوراق أرض والده كاملة، ليخلصهم من شره وتهديداته مرة واحدة وإلى الأبد.
كانت تتنفس براحة وهي تقول لنفسها:
"أخيراً يا رب.. جبل راجل وما بيتخلاش عن كلمته، هو قالي انه مش هيفرط فيا ورايح بس يرجع حقه وحق أبوه.. الحمد لله."
فجأة، وعلى آخر النهار وقبل الغروب بقليل، انفتح باب الغرفة ببطء، ودخل جبل بملامحه الجادة للغاية والرسمية، ونظر إليها بنبرة صارمة وصوت قاطع لا يحتمل النقاش:
ـ قومي يا نور.. البسي عبايتك وانزلي تحت في صالة الدوار دلوقتي.. عايزك في موضوع ضروري وما فيهوش تأخير ولا كلام كتير!
قامت نور بسرعة وبحسن نية وبابتسامة هادئة، وارتدت عباءتها السوداء البسيطة وطرحتها، ونزلت خلفه بخطوات واثقة ومطمئنة، وهي تظن أنه يناديها ليشرح لها التفاصيل الأخيرة لخطة اليوم أو كيفية التعامل مع الأحداث.
لكن ما إن وطأت قدمها صالة الدوار الأرضية، حتى تجمدت دماؤها في عروقها، واتسعت عينها برعب وصدمة زلزلت أركان قلبها وجعلتها تتراجع خطوات للوراء!
كان يتوسط الصالة رجل كبير السن يرتدي عمامة وجلباباً صعيدياً، ويمسك في يده دفتراً كبيراً وشريطاً أسود.. إنه المأذون! وإلى جواره يجلس حازم، بينما أم جبل تقف في زاوية الغرفة بوجه واجم وملامح حزينة، وأخته تتابعهما بتوتر شديد وخوف!
نظر لها جبل قائلا بحزم : انزلى عشان جبت المأذون عشانا
تراجعت نور للخلف وشهقت بانهيار ورعب وهي تصرخ بكل قوتها وتلوح بيديها:
ـ المأذون؟! أنت جايب المأذون هنا ليه يا جبل؟! إيه المهزلة دي؟! أنت مش قايل لي إنك بتخدع مسعد ومش هتسلمني وبتلعب عليه عشان الأرض؟! جاي دلوقتي تجيب مأذون وتتجوزني غصب؟! إيه الجنان ده؟! أنت بتتسلّى بيا؟! مش هاتجوزك.. مش هاتجوزك لو الموت كان قدامي! سيبوني أمشي من هنا!
بدأت تهلل وتصرخش بهستيريا وتضرب بيدها في الهواء، محاولة الهرب نحو باب الدوار الخارجي.
حاول المأذون التهدئة بنبرة متريثة:
ـ يا بنيتي اهدي وصلي على النبي، الجواز مش بالغصب، ما ينفعش اكده...
حاول جبل تهدئتها وتفهيمها ولكن هى عند موقفها تصرخ وتهلل
لكن جبل كان يعلم أن الوقت كالسيف، الساعة تقترب من السابعة، ومسعد يترقب عند الأرض، وأي تأخير أو تردد سيفسد الخطة بأكملها ويقضي على حياتها وحياته. اندفع جبل نحوها بعيون تشتعل غضباً وبصرامة صعيدية هادرة وفى لحظه غضب اعمت عقلة عن التفكير ، امسكها من كتفيها بقوة زلزلتها، وبكف يده الصارم صفعها صفعة قوية حادة جعلت وجهها يندفع للجانب الآخر وسكت صوت صراخها فجأة من شدة الصدمة والألم!
أمسك جبل فكها بيد حديدية وصرخ في وجهها بصوت هادر هز أركان الدوار كاملة:
ـ اقفلي خشمك ده واخرسي خالص! قسماً بالله لو ما بصمتي ووقعتي على الورق ده بالرضا أو بالغصب، ما هيرحمك مني حد، وهتكون ليلتك المشرومة النهاردة! اخلصي وبصمي يا نور!
انهارت نور بالبكاء والدموع تنزل على خدودها كالمطر، ونظرت إليه بعينين ميتتين يملؤهما الخذلان والقهر والكسرة، وقالت بنبرة خنقها البكاء واليأس:
ـ اضربني أكتر.. شوف أنت عايز تعمل إيه واعمله! أنا خلاص زهقت منكم ومن الدنيا دي كلها.. لو عايزين تموتوني موتوني واخلصوا! أنا كده كده شكلي اتحكم عليا بالإعدام وأنا عايشة، مش فارقة بقا أنت ولا مسعد ولا غيركم.. شوفوا هتعملوا إيه واعملوه!
وبيد مرتجفة تحكم فيها جبل بقسوته المتصنعة، أخذ إبهامها وغرسه في الحبر الأسود، وبصمها على عقد الزواج الرسمي ورجلها ترتجف من شدة الإهانة والوجع، وسط بكائها المكتوم ونحيبها الذي يقطع القلب.
وما إن انتهى المأذون من التوثيق والتوقيع، حتى أخذ جبل الأوراق ودسها في جيبه الداخلي بكل حسم، ثم قبض على يدها بقسوة وجرها خلفه كالأعزل خارج الدوار كلياً دون أن ينظر إلى بكائها.
ــــــــــــــــــــــــــ
كانت الشمس تسقط نحو الغروب وتكسو السماء بلون دامي، ونور تترنح في مشيتها على الطريق الترابي المظلم وجبل يمسك يدها بقوة ويجرها جرًا خلفه. كانت تنظر للطريق حولها برعب وجسدها يرتجف، وتصرخ بعجز ودموع تجرح خدودها:
ـ أنت واخدني فين؟! أنت موديني على فين يا جبل؟! حرام عليك ارحمني .. ليه بتعمل فيا كده بعد ما وثقت فيك؟!
لم يرد عليها جبل بكلمة واحدة، واصل سيره بحزم وقسوة ظاهرية، حتى وصل بها إلى منخفض قريب من أرض والده الزراعية، حيث كانت تقف عدة سيارات سوداء، ومسعد يترجل منها وهو يحاط برجاله المسلحين!
وتزان رأت نور مسعد حتى صرخت في وجه جبل بانهيار تام وفقدان للأمل فور رؤيتها لمسعد ورجاله:
ـ أنت خنتني! أنت بعد كل ده بتسلمني لمسعد؟! أنا وافقت باللي أنت عملته والمهزلة بتاعة الجواز والجبر من شوية دي عشان في الآخر تسلمني بإيدك؟! يا خسارة ثقتي فيك!
اندفع جبل نحوها بسرعة خوفا من ان يسمعها مسعد، وأمسك يدها بقوة ووضع كفه الحديدي على فمها يكتم صوتها بغل متصنع وقسوة أمام مسعد، ونظر إليها بعيون باردة وصرخ بها:
ـ اخرسي خالص وما اسمعش صوتك واقفي مكانك!
تظاهر جبل أمام مسعد ورجاله بحديثه وكأنه يكرهها كلياً ولا يطيق وجودها ولا يهمه أمرها سوى الأرض، وترجل مسعد بابتسامة نصر خبيثة وعقاله الخليجي يلمع في الظلام، ونطق باستفزاز وهو يضحك:
ـ يا هلا بالجبل.. أبو العقل والرجولة! سلمني نور، وأنا أسلّمك الورق ونقفل الصفحة دي خالص!
رد جبل بنبرة قاطعة وصارمة هزت المكان:
ـ لأ! سلمني الورق الأول وأشوف بعيني إنه أصل عقود التنازل والتسجيل الرسمي لأرض أبوي، وتاخد نور!
ضحك مسعد بقهقهة عالية ومد بيده بالأوراق المسجلة:
ـ اهى الأوراق يا جبل.. كده كده أنا مش فارقة معايا حتة الأرض دي، أنا كنت واخدها دروة ولا أقل ولا أكتر عشان شغل وانا فى مصر مش اكتر.. وبما إن أنا خلاص مسافر ومش محتاج حاجة من الأرض، هرجعهالك ومش عايز فلوسها! بس تديني نور دلوقتي!
سحب جبل الأوراق بلهفة وحذر، وفتحها تحت ضوء السيارات يراجع الأختام والإمضاءات الرسمية للتأكد من صحتها، ثم وقع التنازل والتسلم ودس أوراق الأرض في جيبه الداخلي بأمان.
ابتسم مسعد قائلاً موجهاً كلامه لنور : اخيرا لقيتك ده انا كنت هخسر كتير بسببك .
وفي اللحظة التي تقدم فيها مسعد وهو يبتسم بخبث ليمسك يد نور ويأخذها، شحبت ملامحه وتوقف جبل كالثور السد المنيع بينه وبين نور، وجذبها خلف ظهره بقوة وحماية!
صرخ مسعد بغضب واستغراب:
ـ إيش قاعد تسوي يا جبل؟! هات نور مثل ما اتفقنا!
في تلك اللحظة بالذات، توالت الرنات والرسائل المزعجة على هواتف جميع رجال مسعد في وقت واحد بشكل هستيري! سحب الرجال هواتفهم بذهول وصدمة، وصرخ أحدهم برعب وهلع:
ـ يا باشا! الحقنا! الرجالة اللي مسافرين بشحنة البنات برة البلد... اتقفشوا كلهم من الشرطة وهما في السجن دلوقتي! الشحنة كلها راحت والعملية اتدمرت!
وفي نفس اللحظة، دوت سرينات الشرطة العالية والقوية محاصرة المنطقة الزراعية من كل اتجاه، وأضواء أجهزة الشرطة تملأ المكان!
جحظت عينا مسعد برعب قاتل، ونظر لجبل بصراخ وغل ونبرة مسمومة:
ـ أنت بلغت عني يا جبل؟! أنت بلغت عن الشحنة؟! ده مش اتفاقنا.. أنا كنت فاكرك راجل صعيدي وكلمتك واحدة!
ضحك جبل ضحكة رجولية هادرة وساخرة هزت المكان، ونظر لمسعد بكبرياء صعيدي شامخ وهو يقف بثبات:
ـ أنا كلمتي واحدة فعلا بس مع الراجل يا مسعد وانت مش راجل ، ونور دلوقتي بقت مراتي على سنة الله ورسوله! نور بقت مراتي وما حدش يقدر يلمسها أو ياخدها غير بإذني، وأنا عمري ما هفرط في شرفي ولا مراتي ولا أديهالك بالسهولة دي غير على موتي!
صرخ مسعد بغل ونبرة خليجية مسمومة وهو يسحب سلاحه:
ـ أنت كذاب وخاين يا جبل!
رد جبل بصرامة دون أن يرمش له جفن:
ـ أنا مش كذاب.. ودلوقتي الشرطة هتاخد موقفها معاك، وهتتحبس وتتزق في السجن زي الكلاب أنت وكل اللي معاك!
سادت حالة من الفوضى العارمة والكر والفر وإطلاق النار المتبادل بين رجال مسعد وقوات الشرطة التي اقتحمت المكان. وبفضل معرفته الدقيقة بالمنطقة والممرات الزراعية، استطاع مسعد الهروب ببعض رجاله المقربين من ممر خلفي مظلم وهو يصرخ بغل ويوعد جبل بالقتل والدمار، بينما ألقي القبض على باقي رجاله وتحريز السيارات.
قبض جبل على يد نور المصدومة والذهولة التي لم تكن تستوعب ما يحدث حولها، وجرها بسرعة ونزل بها إلى سيارته، وانطلق بها فوراً إلى الدوار ومعه عقود أرضه وحق أبوه كاملاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم /ندا مصطفى عبد السلام (صفاء الروح)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الدوار بالصعيد...
دخل جبل وهو يمسك يد نور المنهارة كلياً، والتي كانت تبكي بدموع هستيرية لا تتوقف، مشدوهة وغير فاهمة لأي شيء مما يحدث حولها، وجسدها يرتجف بشدة من كثرة الرعب والإهانة والصدمات.
فور دخولهم الصالة، هجمت أم جبل عليه بوجه يشتعل غضباً، ورفعت يدها وضربته على صدره بقوة ونشيج صعيدي مليء بالندم:
ـ أنت إزاي تعمل كده يا جبل؟! إزاي تجبر البنت دي وتتجوزها بالغصب وتضربها قدامنا وتجرها بالشكل ده؟! إحنا سكتنالك عشان كنت في حالة مش ولا بد وما كناش عارفين نكلمك من النار اللي كنت فيها، وقلت أكيد ابني ما بيعملش العيب ولا يظلم حُرَمة! لكن العيب طلع منك أنت يا جبل! أنا ما كنتش متوقعة منك كده أبداً ولا ربيتك على القسوة دي!
حاول جبل تهدئتها بنبرة متريثة وصوت متعب:
ـ يا أما اسمعيني بس وافهمي، أنا ما ظالمهاش ولا بقل منها...
لكن نور لم تحتمل كل هذا الضغط العاطفي والنفسي، والرعب، والصدمات المتتالية التي عاشتها في يوم واحد. غامت الرؤية أمام عينيها، وسقطت فجأة بين يديه على الأرض وفاقدة للوعي كلياً كالجثة الهامدة!
صرخ جبل بلهفة ورعب هز الدوار:
ـ نور! نور اتكلمي! افوقي يا نور!
حملها بلهفة ورعب لم يره أحد فيه من قبل، وصعد بها ركضاً إلى غرفتها بالأعلى، وضعها على الفراش وأحضروا الطبيب فوراً.
بعد الكشف والمفحوصات الطبية الدقيقة، خرج الطبيب من الغرفة ليعلن المأساة بملامح حزينة أمام جبل وأمه وأخته اللتين كانتا تبكيان:
ـ النبض ضعيف جداً.. الحالة النفسية والصدمات العصبية المتتالية أثرت على خلايا المخ بشكل خطر. البنت دي قلتلكو ما ينفعش تمر بأي ظروف وحشة أو صدمات تاني أو حزن بالشكل ده.. هي دلوقتي دخلت في غيبوبة كاملة، وما نقدرش نحدد هتفوق منها إمتى! حاولوا تبقوا جنبها وتقولوا لها كلام كويس يحسن نفسيتها يمكن الأمل يدعمها وتسمعكم وتفوق، لكن طبيًا ما أقدرش أحدد وقت إفاقتها، ادعوا لها! واحسن تودوها مستشفى تبقى تخت رعايتها ويتابعو حالتها بالاجهزة علطول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد مرور عدة ساعات في مكان مجهول ومظلم بالقاهرة، داخل مخزن محاط بالحراسة...
كان مسعد يجلس على الأرض مدمى الوجه، وملابسه تمزقت من أثر الضرب، وهو يتلقى الضربات واللكمات العنيفة والصفعات من رجل ضخم الملامح، يرتدي بدلة فاخرة وعيونه تفيض بالشر القاتل.. إنه الشخص المجهول الكبارة الذي ظهر في الحلقات الأولى وكان يدير العمليات من الخلف!
صرخ الشخص المجهول في وجه مسعد وهو يضربه بقسوة ورجله تطأ على صدره:
ـ أنت بوظت كل حاجة يا متخلف! ضيعت علينا الصفقة والشحنة الكبيرة عشان وثقت في شوية متخلفين زيك؟! البوليس قبَض على الشحنة وكل شغلنا برة البلد اتدمر، والأسماء الكبيرة اللي بنتعامل معاها بقت في خطر بسبب غبائك!
سقط مسعد على الأرض وهو ينتحب ويحاول الدفاع عن نفسه بدمائه:
ـ جبل هو اللي خدعني يا باشا.. ضحك عليا واجوزها وبلغ الشرطة وأخد أرضه، وما قدرتش أعمل حاجة قصاد الشرطة!
مسكه الشخص المجهول من ياقته بنبرة تهديد قاتلة تقشعر لها الأبدان:
ـ قدامك أسبوع واحد بس تصلح المهزلة دي! تطلع شحنة البنات من السجن وتبرأ نفسك وتجيب نور تحت رجلي، يا إما ترجع لي الفلوس اللى اديتهالك وفوقيها فلوس غرامة وشرط جزائي كبير جداً.. وبعدها هنموتك ونرميك للكلاب! أنت عارف إن الدايرة بتاعتنا دي الخروج منها مش بالساهل ولا بالبساطة دي، واللي يغلط بيموت!
ـــــــــــــــــــــ
مرت خمسة أيام ثقيلة كالجبال على الدوار بأكمله...
كانت نور مستلقية على الفراش كالجثة الهامدة، تنفسها بطيء جداً، ووجهها الشاحب يحمل أثر التعب.
وفي الغرفة، كان جبل يرفض النوم والأكل والشرب.
نحف جسده ونحف وجهه، وظهر السواد تحت عينيه. لم يعد يهتم بالمصنع ولا بالأرض ولا بأي شيء في الحياة سوى هذه الغرفة. كان حازم هو من يدير كل الشغل والمصنع، يتردد عليه بالأوراق للضرورة، ويوجه العمال ويقف إلى جواره في محنته الصعبة.
كانت أم جبل وأخته يدخلان الغرفة بين الحين والآخر، يجلسان بجوار نور يمسكان يدها ويتحدثان إليها بكلمات طيبة ودموع الندم تملأ أعينهما على ما حدث لها.
وفي منتصف الليل من اليوم الخامس، عندما خلت الغرفة وعم الهدوء، جلس جبل على الكرسي الملاصق لفراش نور. كان يمسك بيدها الباردة ويضعها على وجهه ويبللها بدموعه الساخنة التي لم يَرَه أحد يسكبها من قبل، وفي يده الأخرى يمسك ورق نتيجة تحليل الـ DNA.
نطق جبل بصوت خافض يملؤه البكاء والندم والحنين والوجع:
ـ سامحيني يا نور.. سامحيني يا حبيبتي ويا كل دنيتي. أنت طلعتِ رحمة.. رحمة بنت عمي الغالي الله يرحمه! أنا اتجوزتك غصب عنك عشان أنفذ وصية عمي اللي قالي صونها بعينك دى هتكون من نصيبك وتعيش في حمايتك.. اتجوزتك لأنك كنتى مش فهمانى ومش سمعانى وما كنتيش عارفة مصلحتك وخطر مسعد عليكى واللي كان بيخطط له!
مسح دموعه بيده وواصل بنبرة رجولية كسيرة ويقبّل يدها الباردة:
ـ كنت بحميكي من مسعد.. لو فضلتِ نور كان هيوصلك وياخدك بأي طريقة قانونية أو قذرة! أنا عرفت إن سحر دي مش صاحبتك، دي خاينة وبايعاكي لمسعد عشان الفلوس.. وحتى أخويا صقر اللي من لحمي ودمي طلع خاين وكان عايز يخطفك ويبيعك عشان المصالح! أنا عملت كل ده عشان أحافظ عليكى وأحميكي بعمري وأعملك قيمة قدام الكل..بس الظاهر انى مفكرتش ثانيتين فى العواقب ولا فيكى انا فكرت فى نفسى بس انى عايز امتلكك واحميكى لكن مفكرتش فى مشاعرك والحاله الى ممكن تعيشيها بسببى ، انا اسف يا رحمة .. قومي يا رحمة.. قومي ورجعي الروح لجبل اللي بيموت في كل لحظة بتعدي وأنتِ بعيدة كده! قومي وأنا مستعد أتحاكم تحت رجليكي بس تفتحي عينيكي