
رواية صعيدي أجبرني الفصل الثالث عشر13 بقلم ندا مصطفي عبد السلام
أضواء الشوارع الخافتة تخترق زجاج السيارة المظلل، والظلام يلف شوارع القاهرة النائية في ساعة متأخرة من الليل. كان صوت المحرك يئن كوحش مجروح، بينما تخوض السيارة التى بها سحر ونور طريقاً صحراوياً هادئاً يبتعد شيئاً فشيئاً عن أضواء المدينة المعتادة.
في المقعد الخلفي، كانت "رحمة" تطوق أطراف عباءتها السوداء ببرودة ترتجف لها أطرافها. النظر من الشباك لم يكن يريحها؛ بؤرة الغموض تتسع، والشكوك التي بدأت كشرارة صغيرة أضحت الآن ناراً تأكل هدوء قلبها النقي. التفتت إلى "سحر" التي كانت تجلس بجوارها، ترمق الطريق بنظرات حادة خالية من أي مشاعر إنسانية، ووجهها يحمل قسوة لم تعتدها رحمة منها طوال سنوات الصداقة.
سحبت رحمة نفساً محشرجاً، وقالت بنبرة خائفة يكسوها الرجاء:
ـ سحر.. ، إحنا رايحين فين بالضبط؟! الطريق ده مش طريق منطقة عمي سمير خالص، إحنا بنبعد عن المنطقه ورايحين فسن ؟
سحر لم تتعب نفسها بالنظر إليها، بل ظلت ترمق الطريق ببرود قارس وقالت بنبرة جافة:
ـ إنتي فاكرة الموضوع بالبساطة دي يا نور؟! فاكرة إننا رايحين نتفسح ولا ناكل لقمة عند عمك؟! عمك سمير ومراته اتخطفوا أصلًا من شقتهم بسببك! بسبب الملايين والديون اللي مسعد لبّسها ليهم عشانك! إحنا رايحين مكان أمان، في ناس كبار متفقين نتجمع معاهم هناك وهما الوحيدين اللي يقدروا يخلصونا من المصيبة دي كلها!
انعقدت حواجب رحمة بذهول، والشعور بالضياع يمزق صدرها:
ـ اتخطفوا؟! طب وإنتي عرفتي منين؟! سحر.. أنا بقالي فترة حاسة إني عايشة في كابوس، مش فاهمة حاجة ولا عارفة أنا مين! هو فيه إيه؟! مين أهلي الحقيقيين؟ ومين جبل اللي بصمني بالعافية وشايل ورق بيقول إني بنت عمه؟ ومين الناس اللي أذيانا دول كلهم؟!
سحر بنبرة ملؤها التوتر والمكر، وقد أزعجتها أسئلة رحمة المتكررة:
ـ لما نوصل للمكان الأمان هفهمك كل حاجة بالراحه اطمني دلوقتى وما تطلعيش صوت لحد ما نوصل.. السكة مش حمل كلام ورغي كتير!
سكتت رحمة، واستكانت في مكانها تتنفس بصعوبة. لم يخطر ببالها قط أن الصديقة الوحيدة التي شاركتها اللقمة والسر والهم، قد تحولت في لحظة إلى جلاد يسوقها بنفسه إلى المسلخ! كانت رحمة تصدقها بقلب أبيض لا يعرف الغدر، معتقدة أن سحر هي القشة الوحيدة التي تتمسك بها لكي لا تغرق في بحر الصعيد وأسراره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت السيارة فجأة أمام مبنى قديم ومجهور على أطراف المنطقة الصناعية المهجورة. كانت الرائحة في المكان تضج بالرطوبة وغبار الحديد الصدئ.
نزلت سحر أولاً، وسحبت رحمة من يدها بقوة وجفاء جعل رحمة تتعثر في خطواتها. سارت بها عبر بوابة حديدية ضخمة تئن مع كل حركة، لتجد نفسها داخل مخزن واسع خافت الإضاءة، تتناثر فيه البراميل الفارغة والمعدات القديمة، ويفوح منه برود الموت.
في منتصف المخزن، وتحت إضاءة لمبة صفراء خافته، كان يجلس "المجهول" على كرسي جلد ضخم، واضعاً ساقاً فوق الأخرى، ويحيط به أربعة من رجاله المسلحين بأسلحة آلية ومسدسات .
ابتسم المجهول ابتسامة صفراء مرعبة، ونظر إلى سحر الواقفة بثبات مزيف، وإلى رحمة المتراجعة للخلف من أثر الخوف، ثم قال بصوت بحت فيه النذالة:
ـ الله الله يا سحر.. برافو عليكي يا بت! طلعتي أجدع وأشطر من مسعد بمليون مرة! جبتي الوريثة الشرعية لثروة الخليج لحد عندنا، ومن غير ما نريق نقطة دم واحدة ولا نرفع سلاح .
رحمة اتسعت عيناها بصدمة زلزلت كيانها، وسحبت يدها ببطء من قبضتها، بينما خطت سحر خطوة إلى الأمام بصلابة وغرور، وقالت وهي تمد يدها للمجهول:
ـ أنا وفيت بوعدي أهو يا باشا، وسلمتلك نور أو رحمة زي ما بتسموها، كرتونة مقفولة من غير ما حد يحس بينا! فين بقى حلاوتي والفلوس الملايين اللي اتفقتو عليها مع مسعد ...اظن انا الى استاهلها مش هو؟! أنا المخاطرة دي كانت كفيلة تتطير رقبتي لو جبل لمحني!
قهقه المجهول بصوت عالٍ تردد صداه في أرجاء المخزن المظلم، لكن ضحكته تحولت فجأة إلى نظرة شريرة وحادة كالموس. قام من كرسيه ببطء، ووقف أمام سحر حتى باتت الفاصلة بينهما سنتيمترات معدودة، وقال بنبرة تقشعر لها الأبدان:
ـ فلوس؟! حلاوتك؟! إنتي كمان ليكي عين تطلبي فلوس يا حشرة؟! مش كفاية إنك خرجتي من تحت إيدي عايشة وما موتكيش انتى ومسعد لما فشل؟! احمدي ربنا إني سايبك بروحك وبتتنفسي لحد دلوقت! الفلوس دي للكبار اللي هيحسبوا الحسبة دي، مش لحرمة زيّك!
سحر باتساع عينين وغضب انتحاري نتيجة الجشع الذي أعمى قلبها:
ـ لا يا باشا! أنا مش بيتلعب بيا! سحر مش اللي تتردم وتتاخد لحم وتترمى عضم! زي ما جبتها لك لحد عندك برجليها، أقدر أخدها تاني وأهرب بيها برة المخزن ده وأسلمها للشرطة أو أرجعها للجبل! اديني حقي بالرضا بدال ما أهدها على رأس الكل!
في تلك اللحظة.. كانت رحمة تقف خلفهما والذهول قد أخرس لسانها. كانت تدور بعينيها بين المجهول وسحر، والدموع تتراكم في عينيها لتسقط على وجنتيها الشاحبتين كالمطر. سقط القناع، وانكشفت الحقيقة المرة في أبشع صورها!
خطت رحمة خطوة نحو سحر بصوت مبحوح ونشيج يقطع القلوب:
ـ إنتي عملتي فيا كده ليه يا سحر؟! إنتي خنتيني ورخصتيني للناس دول؟! ده أنا كنت فاكراكي أختي وصاحبتي وعمري ما شكيت فيكي لحظة واحدة! أنا اللي فتحتلك بيتي وسري وقلت عليكي أختي الي ماجبتهاش أمي! بعتيني عشان الفلوس يا سحر؟! سلمتيني للكلاب دول عشان شوية جنيهات زالين؟! بس أنا ليا رب أعلى وأكبر منكم كلكم.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي.
سحر لم تلتفت إليها، ولم تحرك جفنها لكلمات رحمة، بل ظلت تصرخ في وجه المجهول وتطالبه بالمال وتلوّح بيدها بغضب.
وفي لحظة غدر خاطفة لا ترحم.. اخذ المجهول مسدسه كاتم الصوت من خلف ظهره، ووجهه فوراً نحو رأس سحر ببرود مرعب وقال:
ـ عايزة الفلوس؟! خدي الفلوس يا سحر!
"طاااخ!"
دوت طلقة مكتومة اخترقت رأس سحر في كسر من الثانية! اتسعت عينا سحر بصدمة وهول لم تكن تتوقعه، وسقطت العباءة من يدها، لتتهاوى على الأرض جثة هامدة، والدماء تتسرب من صدرها بغزارة لترسم نهاية ظالمة ومستحقة لجشعها وخيانتها النكراء!
أطلقت رحمة صرخة مدوية وهستيرية هزت أركان المخزن، وسقطت على ركبتيها تغطي وجهها بيديها ورعب الدنيا يمتلكها:
ـ سحرررر! لااااا! يا رب ارحمني! يا رب خذني عندك!
اقترب المجهول منها بجمود، ووجه مسدسه نحو رأسها، ثم أطلق طلقة أخرى في الهواء بجوار أذنها مباشرة، ليحدث صفيراً حاداً أخرس صوت رحمة تماماً وجعلها ترتجف كأنها في نوبة حظر:
ـ اخرسي يا بت بدال ما تحصليها في دقيقة! مسمعش ولا كلمة، واسمعي الكلام عشان تتسلمي للكبارة في الخليج وراسك فوق كتافك وسليمة! لو سمعتلك صوت تاني هفرغ باقي الخزنة في دماغك... فاهمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الجانب الآخر من العاصمة.. وفي أحد الشوارع الضيقة المزدحمة...
كان "مسعد" يركض وهو يلهث بجهد خرافي، والعرَق يتدفق من جبهته كالمطر، ورعبه يسبق خطواته. كان قد وصلته تسريبات مؤكدة من أحد رجاله المقربين بأن المجهول أرسل رجال تصفيات لقتله والتخلص منه بعد أن أصبح ورقة محروقة بلا قيمة.
الموت كان يلاحقه من الخلف، وجبل يبحث عنه من الصعيد.. لم يجد مسعد مخرجاً للنجاة بحياته سوى الخيار الأخير والوحيد: الجري نحو قسم الشرطة.
اقتحم مسعد مبنى قسم الشرطة كالمجنون، يدفع كل من يقابله في طريقه، حتى سقط على ركبتيه أمام مكتب رئيس المباحث وهو ينتخب ويصيح:
ـ أنا هعترف بكل حاجة يا باشا! هقول على كل حاجة من طقطق لسلام عليكم! بس احموني! احموني منه ومن رجالته!
التف حوله الضباط بذهول، وقام رئيس المباحث بأمساكه من ياقته بحدّة:
ـ انطق يلا انت مين! اعتراف إيه ؟! ومين الى عايز يقتلك هو ورجالته؟!
مسعد بصوت يرتجف ودموع الجبن في عينيه:
خطف البنات وشحنات الدعارة الى يتصافر بره الخليج ، اكتب كل الأسماء والعناوين يا باشا بس أمنوني ومحدش يوصلي
فور إتمام الاعترافات الخطيرة، سادت حالة استنفار قصوى داخل قسم الشرطة، وصدرت الأوامر بتجهيز وقوات العمليات الخاصة لمداهمة المقر المذكور فوراً!
لكن داخل أروقة القسم.. كان هناك أحد الضباط الخونة/الدسيس الذي يتقاضى راتباً شهرياً ضخماً من شبكة المجهول... تسلل ذلك الشخص فوراً إلى أحد الممرات الجانبية، وأخرج هاتفه المشفر ليجري مكالمة سرية بـ "الكبارة":
ـ الحق يا باشا! مسعد وصل القسم وقر بكل حاجة ، فتن على المقر القديم وشحنات البنات وعلى اسمك! والقوات بتجهز عشان تطلع عليك في خلال عشر دقايق!
المجهول ببرود ودهاء رجل مخضرم في الإجرام:
ـ مسعد ده حسابه معايا هيبقى بعدين.. جهزوا العربية المصفحة التانية بسرعة وسحب المخدر فوراً
أغلق المكالمة، والتفت إلى أحد حراسه قائلاً:
ـ خدروا البت دي فوراً وشيلوها! المقر السري الثاني جاهز، ومحدش يعرف عنه حاجة ولا حتى مسعد ابن الکــــــلب
اقترب أحد الرجال يمسك بزجاجه بخاخ ورش مادة مخدرة مركزة على وجه رحمة المصدومة. حاولت رحمة المقاومة بكفيها المرتجفين، لكن المخدر خدرها بكفاءة مرعبة، لتبدأ جفونها بالهبوط تدريجياً، وسقطت غائبة عن الوعي تماماً كالجثة الملقاة. حملوها بسرعة ووضعت في صندوق السيارة المصفحة، وانطلقت السيارة تنهب الأرض متوجهة نحو المقر الجديد المخفي وسط المزارع البعيدة!
وعندما وصلت قوات الشرطة للقسم ورجال العمليات للمقر القديم، لم يجدوا سوى جثة "سحر" الملقاة في دمائها، وبعض الآثار التي أثبتت صدق اعترافات مسعد، ليتم اقتحام كل مقر اقر به مسعد والقبض على كل رجاله وإيداعه السجن المشدد تحت حراسة صارمة، لتنتهي أسطورة مسعد بين جدران الزنزانة المظلمة . واستمرو فى البحث عن المجهول ورجاله .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في نفس الوقت.. وفي مدخل القاهرة الصحراوي...
كانت أساطيل من السيارات السوداء المصفحة تقتحم شوارع العاصمة بصوت محركاتها المدوية. كان جبل يجلس في المقعد الأمامي للسيارة الأولى، وعيناه المحمرتان تشتعلان بنار الشوق والانتقام والتعب. لم يذق النوم منذ أيام، وكل خلية في جسده تجأر بالنداء باسم رحمة!
وصلوا أولاً إلى الحي القديم الذي تقطن فيه ثناء وزوجها سمير (عم نور).. نزل جبل ورجاله المدججون بالسلاح، وصعدوا درجات العمارة بخطوات تهتز لها الأرض، ودق جبل باب الشقة بقبضته الحديدية حتى كاد يخلعه!
خرج أحد الجيران من الشقة المجاورة مذعوراً وهو يرفع يديه:
ـ يا بيه! يا باشا بالراحة على الباب! بتدوروا على مين هنا؟!
جبل بصوت كـالرعد ونبرة تحبس الأنفاس:
ـ سمير! مراته فين هما؟!
الجار بتنهيدة وحزن:
ـ يا بني سمير ومراته خلاص ما بقمش هنا من أكتر من شهرين! الراجل لبس في ديون وكمبيالات للركب بسبب المافيا وناس كانوا بيجوا يهجموا عليهم كل يوم بالليل! باعوا شقتهم وباعوا عفشهم وكل اللي حيلتهم عشان يهربوا بروحهم! بقت عيلتهم مشردة في الشارع، بيتنقلوا بين اللوكاندات الشعبية والأرصفة، وما لهمش أي مكان محدد ولا أثر نقدر ندلكم عليه!
شعر جبل بضيق شديد يمتص أنفاسه، وضرب الباب بيده بغضب عارم وجسده يرتجف.
نزل إلى الشارع المظلم، ونظر إلى حازم والرجال المنتشرين في المكان، ثم رفع رأسه للسماء وقال بنبرة قاطعة تقطر موتاً وحسماً:
ـ القاهرة دي هتتقلب شبر شبر يا حازم! الميادين، الحوارة، شوارع أطراف البلد، والمقرات المهجورة! تلفوا وتسألوا عن أي طرف خيط.. مسعد، سحر، الكبارة، أو أي حد يوصلنا لرحمة ومش هخرج من مصر ولا هيرجع جبل الصعيد غير وهي في حضني .. وإلا هحرق القاهرة باللي فيها!