
رواية صعيدي أجبرني الفصل الرابع عشر14 بقلم ندا مصطفي عبد السلام
كان الليل قد ألقى بسدوله الثقيلة على شوارع القاهرة، يغمرها ببرودة خفية وظلال ممتدة في أزقتها الضيقة. في أحد الأحياء الشعبية القديمة، كانت جلبة السيارات السوداء المصفحة تملأ الشارع المظلم. نزل "جبل" وصدره يعلو ويهبط بزهو الغضب والخوف على حبيبته ورحمته التي اختفت كأنها فص ملح وذاب.
أمام شقة صغيرة في أطراف الحي، اقتحم رجال جبل المكان وجروا "سمير" وزوجته "رقية" من داخل مخبئهما الحقير. كان سمير يرتجف، ووجهه شاحب كالموتى، بينما ثناء تصرخ .
وقف جبل أمامهما كالثور الهائج، والشرار يتطاير من عينيه المحمرتين من قلة النوم:
ـ أنطق يا سمير! نور فين؟! ورب العزة لو ما نطقت دلوقت لعلقك على باب العمارة دي وأخلى منك عبرة لمن يعتبر!
سقط سمير على ركبتيه ينتحب بدموع الحيلة والجبن:
ـ والله العظيم ما نعرف هى فين إحنا هربانين هنا من الديون ومن ناس مسعد والكبار اللي كانوا هيقتلونا! سحر هي اللي كانت بتتواصل مع نور، وإحنا مقطوعين عن الدنيا وما نعرفش راحت فين ولا مين خدها! وحياة ربنا إحنا مظلومين وما نعرفش حاجة!
تطلعت ثناء بجمود ورعب، وهزت رأسها بإيماءات متتالية:
ـ والله العظيم ما بنكدب عليك أنا من يوم ما نور مشيت من البيت ما شفتهاش ولا رفعت تليفون عليا! ارحمنا يابن الأصول إحنا ناس على باب الله والهم راكبنا للركب!
تفرس جبل في وجوههما بحدّة كأنه يقرأ الأفكار، ثم التفت لرجاله بصوت صارم قاطع لا يقبل النقاش:
ـ كتفوهم! خدوا العجوز ده وحرمته ودخلوهم العربيات وكتفوهم كويس! يفضلوا تحت عينكم لحد ما ألقى نور.. ولو اتضح إنهم بيكدبوا، هيبقوا هما ثمن غيابها!
اخذ الرجال سمير وثناء وهما يستغيثان، وزُحف بهما إلى إحدى السيارات. صعد جبل سيارته وضرب دركسيون السيارة بقبضته الحديدية بغضب عارم:
ـ سفيان.. حازم! لفوا القاهرة شبر شبر! المستشفيات، اللوكاندات، الشوارع المهجورة! الليل ليل ومش هغمضلي عين ولا هيرتاحلي بال إلا لما أشوفها قدامى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم / ندا مصطفى عبد السلام (صفاء الروح )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تلك الأثناء.. وعلى بعد كيلومترات طويلة في مخزن قديم ناءٍ تحيط به المزارع المظلمة والأشجار الملتفة...
فتحت "رحمة" جفونها الثقيلة ببطء شديد. كانت تصارع أثر المخدر القوي الذي جعل رأسها يدور وشعور بالغثيان يطبق على حواسها. عندما اتضحت الرؤية أمامها، وجدت نفسها مستنده على الارض بجانب كرسي خشبي متهالك، مقيدة اليدين ببلادة وخوف.
لكن المظهر الذي قابل عينها لم يكن المجهول ولا حراسه الأوباش فقط.. بل كان يجلس أمامها رجل طاعن في السن، يرتدي ثياباً فاخرة للغاية، وعلى وجهه تجاعيد اللؤم والقسوة. كان يحمل عصا أبنوسية ذات رأس ذهبي، ويصرخ بنبرة حادة ومهينة في وجه "المجهول" الذي كان يقف أمامه ورأسه منحنية لأول مرة بانتكاسة وجبن!
قال الرجل الكبير بنبرة تقطر غضباً وازدراءً:
ـ أنتم شوية عجر وفشلة! بوظتوا الدنيا وقتلتوا سحر ومسعد فتن عليكم للشرطة والقوات قربت تقفل كل المقرات! كل المصايب دي والخراب ده عشان حتة بت طلبتها منكم؟! ده أنتم بوظتوا كمان الشحنة الكبيرة اللي كانت جاية للخليج! ما فيش ولا شحنة باظت مني طول الثلاثين سنة غير اللي سلمتها لايديكم الخايبة دي! أنتم مالكمش عيش معايا ثاني، ودي آخر مهمة هتعملوها معايا يا رمم!
توسل المجهول بجبن وانكسار لم تعهده نور فيه:
ـ يا سعادة الباشا أوامرك فوق رأسنا.. بس أنا جبتها لك أهو! المخاطرة كانت كبيرة وسحر كانت جشعة وعايزة تفضحنا وتودينا في داهية فخلصت منها.. والبنت أهي قدام عينك سليمة ومحدش لمس منها شعرة! أرجوك يا باشا إحنا تحت أمرك وما تتخلاش عنا!
في هذه اللحظة، تحركت نور وأصدرت حشرجة خائفة، فالتفت إليها الرجل الكبير ببطء. ابتسم ابتسامة خبيثة تظهر أسنانًا صفراء متآكلة، وقال بصوت حاد فيه الشفاء والانتقام:
ـ أهلاً أهلاً.. نورتي يا وريثة! أخيرًا شفتك بعيني يا بنت الغالي!
تراجعت نور برأسها للخلف، وشخصت عينها بذعر وهستيريا:
ـ أنت مين؟! وأنت عايز مني إيه؟! ليه بتعملوا فيا كده؟! وليه قتلتوا سحر؟! سحر مهما عملت اه وحشة بس ما كانتش تستاهل القتل بالطريقة دي! أنتم إزاي بتتبسطوا وتقتلوا الناس كده بدم بارد؟! أنتم ما فيش رحمة ولا دين في قلوبكم؟!
قهقه الرجل الكبير بضحكة مجلجلة تردد صداها بين جدران المخزن العالية، ثم قام من كرسيه واستند على عصاه واقترب منها ببطء مرعب حتى أطل بوجهه الكالح على وجهها الشاحب:
ـ رحمة؟! عايزة تعرفي أنا مين؟! أنا اللي قتلت أهلك ! أنا اللي ولعت بيهم الطيارة!
اتسعت عينا نور بصدمة زلزلت كيانها، وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها:
ـ قتلت أهلي؟! إزاي؟! أنا أهلي غرقوا في البحر وأنا صغيرة ! أبويا وأمي غرقوا قدامي!
سخر الرجل الكبير بضحكة استهزاء مريرة:
ـ آه.. أهلك غرقوا في البحر! هههه! أنا لو أعرف إنك مش عارفة حاجة وأهبل من العبط ما كنتش عملت المستحيل وصرفت الملايين عشان أقدر أجيبك ونوصل للورق والملايين اللي أهلك هربوا بيها زمان من الخليج! إنتي طلعتي جاهلة بالدنيا وما تعرفيش أصلك من فصلك ولا القصة اللي اتكتبت بدم أهلك!
نور ودموعها تتساقط كالمطر على خدودها المرتجفة:
ـ حقيقة إيه؟! وهبلة إيه؟! أنا مش فاهمة أي حاجة من اللي بتقولوه ده! أنا نكرة وما حيلتيش حاجة! سيبوني في حالي ارجوكم.. حرام عليكم!
نَهَرها الرجل الكبير ببرود، والتفت للرجال وقائداً إياهم بصارم أمره:
ـ حطوا لها أكل وشرب هنا لحد ما أجهز أوراق السفر والطيارة الخاصة اللي هتهربكو برة مصر كلكو.. البت دي هتسافر معايا للخليج وهناك هتعرف كل حاجة بجد! يلا بينا نجهز ترتيبات الخروج قبل ما الشرطة توصل المكان هنا!
خرج الرجل الكبير ومعه المجهول وباقي الحراس، ولم يبقَ في المخزن الشاسع سوى نور المقيدة وحارس واحد ضخم البنية يرتدي ثياباً رثة وسلاحاً آلياً مستندا على كتفه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت بضعة دقائق كانت كالدهور على قلب نور. كان الحارس يقف بالقرب من البوابة الداخلية، ويتحرك بتململ وضيق. كان يشعر برغبة شديدة ملحة في قضاء حاجته، لكن المخزن لم يكن يحتوى على دورة مياه.
نظر الحارس إلى نور المحنية الرأس، التي تبدو أضعف من أن تحرك إبهامها، ووجهها مغطى بالدموع والإنهاك كأنها في شبه غيبوبة. تحدث مع نفسه بصوت خفيض:
ـ البت ميتة على نفسها ومهمدة ومعهاش حد، مش هتقدر تتحرك.. أنا هطلع الخلا برة المصنع جنب سور الشجر أعمل حمام في عشر دقايق وأرجع بسرعة قبل ما الباشا يحس!
خرج الحارس واختفى خلف البوابة الحديدية متجهاً نحو الخلاء البعيد.
في تلك اللحظة بالذات.. فتحت نور عينيها برعب وأمل انبعث فجأة من رماد اليأس! كانت تلاحظ تحركاته وعرفت أنه غادر المكان تماماً! بدأت تحرك يديها المربوطتين بحبل خشن بجهد خرافي، وتحاملت على الألم حتى سلخت جلد معصميها، حتى استطاعت بفضل نحافتها ورطوبة الحبل وسفاهة القيد أن تفك رباط يديها ببطء شديد وتخلص قدميها!
وقفت على قدميها المترجفتين، وسارت بخطوات خفيفة كشبح يتسلل في العتمة. تلفتت يميناً ويساراً؛ لم يكن هناك أحد! مشت بسرعة ونبضات قلبها تضرب في أذنيها كأنها طبول الحرب، حتى وصلت إلى بوابة المخزن الرئيسية المفتوحة على مصرعيها.
أطلت برأسها.. رأت المساحة الشاسعة الخالية والأشجار المظلمة. لم تصدق نور أن هذه فرصة نجاتها الوحيدة والأخيرة! انطلقت تجري بكل ما أوتيت من قوة، وعيناها معلقتان بالطريق الزراعي البعيد المعتم!
ولكن.. أثناء جلي الحارس في الخلاء خلف إحدى الأشجار، لمح ظلاً يسري بسرعة نحو الطريق! تدفق الدم في رأس الحارس من الهول والذعر، وصرح بصوت جهوري:
ـ ياليلتك! البت بتطير برة المخزن!
ركض الحارس وراءها بجهد خرافي، وبحكم جسده القوي وساقيه الطويلتين بدأت الفجوة بينهما تقل تدريجياً! نور سمعت صوت وقع أقدامه الشديدة وشهقاته الصاخبة، فزاد رعبها وازدادت سرعتها وهي تصرخ في سرها: "يا رب.. يا رب ما تسيبنيش!".
وفجأة.. تعثرت قدم نور بجذع شجرة بارز، لسقطت أرضاً على وجهها وجبينها يرتطم بالتراب!
لحق بها الحارس وانقض عليها كالمفترس، ومسكها من عباءتها وجذبها بقوة ليقلبها على ظهرها ويقيدها مجدداً وهو يلهث بغضب عارم:
ـ فاكرة نفسك هتهربي مني يا روح أمك؟! والله لأكسر رقبتك قبل ما الباشا يرجع!
في كسر من الثانية، أعلنت نور ذكاء العاجز! امتدت يدها السريعة إلى التربة الندية تحتها، وجمعت قبضة كاملة من التراب والحصى الناعم، وبحركة خاطفة وتلقائية رشت التراب بقوة ودقة مباشرة في عيني الحارس المفتوحتين!
ـ آآآآآخ! عينياااا! يا بنت الـ...!
صرخ الحارس صرخة ألم مدوية وهو يرجع للخلف غصباً عنه، يغطي عينيه ويحاول مسحهما، والعمى الموقت يفقده توازنه.
لم تضيع نور ثانية واحدة! تحاملت على ألم ركبتيها، ولمحت بجوارها غصن شجرة ثقيل وطوب زراعي قاسي. التقطت طوبة كبيرة بكفيها المرتجفين، وبكل ما بقي في جسدها من قوة الغريزة والأنثى الخائفة، ضربت الحارس بكل قسوة على رأسه من الخلف!
ترنح الحارس ووقع على ركبتيه ينزف، وقبل أن يستوعب ما حدث، انحنت نور بسرعة متناهية وانتزعت المسدس الفردي المسحوب من جيبه المفتوح!
وقفت نور وتراجعت للخلف بخطوات سريعة وهي ترتعد بالكامل، ورفعت المسدس بيدين ترتجفان صوب الحارس المستلقي على الأرض يمسك رأسه وعينيه ويحاول القيام:
ـ اقعد مكانك! والله لو تحركت خطوة لأفرغ السلاح ده في بطنك! اقعد!
كان الحارس يتأوه برعب وهو يرى نور تحمل السلاح بهستيريا وعدم اتزان يجعله متأكداً أن أي حركة منه قد تجعل الطلقة تخرج بعشوائية وتقتله! خاف على حياته واستسلم وهو يفكر برعب كيف سيبرر للكبارة والباشا أن الفتاة هربت منه وسرقت سلاحه!
ظلت نور تتراجع للوراء ورأس السلاح الموجه نحوه يتأرجح في الهواء، حتى وصلت إلى شريط الطريق العام الأسفلتي!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الطريق العام شبه خالٍ من الحركة إلا من سيارات نقل قليلة تمر كل بضع دقائق.
وقفت نور على الطريق، والدموع تغمر وجهها الملطخ بالتراب والدماء الخفيفة من جراء السقوط. أخفت المسدس بسرعة وادخلته بين طيات عباءتها الممزقة وهي ترتجف، ولوحت بيديها بهستيريا لأول سيارة قادمة!
توقفت سيارة أجرة (ميكروباص) صغيرة. قفزت بها نور وسقطت عند الباب وهي تبكي وتنتخب بصوت يقطع القلب.
في المقعد الأمامي الممتد بجوار السائق، كانت تجلس سيدة عجوز طيبة الملامح، ترتدي شالاً أبيض وتضع يداً حنونة على كتف نور:
ـ اسم الله عليكي يا بنيتي! مالك يا بتي فيه إيه؟! مين عمل فيكي كده ورماكي في السكة المقطوعة دي بالليل؟!
نور بصوت محشرج ونشيج لا يتوقف:
ـ يا خالة.. ارجوكي أنقذيني! أنا معيش فلوس ولا معايا أي حاجة.. أرجوكي توصيليني أو خلينى اعمل مكالمة تليفون واحدة.
العجوز بحنان متدفق:
ـ اهدي يا بنتي، ولا يهمك الفلوس، أنا هدفعلك حق الكرسي لله.. خدي يا ضنايا التليفون أهو اتصلي باللي يعينك ويقويكي!
أخذت نور الهاتف بأصابع الموت المرتجفة. كان عقلها يدور.. تتذكر الأرقام.. من تتصل به؟! لم تكن تحفظ رقم سمير ولا ثناء .. وفجأة! أشرقت في ذاكرتها صورة "كارت إلكتروني" أسود وأنيق كان ملقى على الطاولة الخشبية في القبو السري المظلم تحت دوار جبل في الصعيد!
في الأيام الخوالي التي حبسها فيها جبل لحمايتها، كانت نور تقضي الساعات في وحدة وتأمل، وكانت تنظر إلى ذلك الكارت الفاخر المطبوع عليه اسم "شركة جبل للزجاج والرخام " وتحته رقم جبل الشخصي بخط عريض ذهبي! نتيجة الفراغ والشغف والخوف، انطبع الرقم في ذاكرتها كأنه وشم لا يُمحى!
ضغظت نور الأرقام بلهفة جنونية:
010XXXXXXXX...
وضعت الهاتف على أذنها، وكانت دقات قلبها تسمعها السيدة العجوز والسائق!
في نفس اللحظة.. وعلى بُعد مسافة من نفس الطريق الصحراوي...
كان جبل يقود سيارته بتهور، وجوارها أساطيل رجاله. فجأة، رن هاتفه برقم غريب غير مسجل. التقط الهاتف بضيق وغضب وقال بصوت هادر كالجبل:
ـ ألو! مين معايا؟!
جاءه الصوت من أقصى غيابات الخوف والأمل.. صوت أنثوي مبحوح ينبض بالبكاء والحب والرجاء:
ـ جبل!.. جبل الحقني يا جبل! أنا نور!
تجمعت الدماء في رأس جبل، وضرب فرامل السيارة بقوة جعلت السيارات خلفه تصطدم تقريباً ببعضها! صرخ جبل بصوت هز أرجاء السيارة والشارع:
ـ نووور! نور حبيبتي! إنتي فين؟! إنتي كويسة؟! مين عمل فيكي حاجة؟! قوليلي إنتي فين وأنا أجيلك في دقيقة!
نور وهي تبكي بانهيار:
ـ أنا مش عارفة أنا فين يا جبل! أنا هربت منهم وأنا واقفة على طريق مقطوع وركبت عربية مع ست طيبة.. أنا خايفة أوى يا جبل ارجوك تعالالي!
التفتت العجوز ونظرت لنور، ثم أخذت الهاتف منها وقالت بصوت واضح للجبل:
ـ يا بني البنت معاية في ميكروباص طريق المزارع الحربي الداخلي، إحنا حالياً م قدام كارتة "المنطقة الصناعية القديمة" وداخلين على مدخل الموقف العام!
جبل بنبرة أمل وثورة لا تطاق:
ـ خليكي عندك يا أمي! ثواني وأكون قدامكم! أوعي تسبيها ولا تخليها تنزل من العربة الله يسترك !
أغلق جبل الخط، وصرخ في أجهزة اللاسلكي بحراسه:
ـ ورايا يا رجال! على كارتة المنطقة الصناعية فوراً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تمر سوى خمس دقائق، حتى كانت أضواء السيارات السوداء العالية تعمي الأبصار في الطريق. توقفت سيارة جبل بصرخة فرامل هزت الأسفلت، ونزل جبل من السيارة كالمجنون، يركض نحو الميكروباص الذي توقف على جانب الطريق!
فتحت السيدة الباب، ونزلت نور بضعف وهوان..
وما إن وقعت عين جبل عليها بعباءتها الممزقة ووجهها الملطخ وجبينها المدمى.. حتى اندفع نحوها وطوقها بين ذراعيه القويتين بضمة هزت كيانهما معاً! رفعهما عن الأرض وغمر وجهها في صدره الرحب، يشهق بدموع صعيدية غالية لم تظهر من قبل!
جبل بصوت مبحوح يرتجف بالحب والحنان:
ـ الحمد لله يا رب.. الحمد لله يا نور عيني! حمداً لله على سلامتك يا رحمة قلبي! كنت هموت من غيرك والله العظيم كنت أطربقها على رأس الكل لو جرالك حاجة!
نور دفنت رأسها في عنقه وتشبثت بعبائته بكفيها المرتجفين، تبكي بانهيار شديد:
ـ جبل.. قتلوها يا جبل! قتلو سحر قدام عيني! وكانوا عايزين يبيعوني ويودوني الخليج! أنا شفت الموت بعيني يا جبل!
جبل وهو يمسح على شعرها ويهدئ من روعها بمسحات حانية:
ـ خلاص يا عيون جبل.. خلاص يا روح قلبي! الموت يبعد عنك ومحدش يجرؤ يلمسك وأنا حي على وش الأرض! أنتي في أمان خلاص في حضن جبل
أخرج جبل رزمة مالية ضخمة وأعطاها بامتنان للسيدة العجوز التي أخذت تدعو لهما، ثم حمل نور بحنان جارف ووضعها في كرسي سيارته ، وغطاها بجاكيته الأسود ليدفئ جسدها المرتجف.
التفت جبل لحازم ورجاله ونطق بأمر قاطع:
ـ سفيان.. تبلغ المباحث باللوكيشن والمخزن والمواصفات فوراً يقبضوا على الكلاب دول! وإحنا.. طالعين على الصعيد فوراً! مش هنقعد في القاهرة دي ولا دقيقة تانية!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الصباح الباكر من اليوم التالي.. كان دوار آل الجبل في الصعيد يضج بالحركة والترقب.
عادت السيارات المصفحة تدخل الساحة الكبيرة. نزل جبل وهو يمسك بيد نور المرتجفة المنهكة، وأدخلها إلى المجلس الكبير حيث كان يقعد كبار العائلة، وبجوارهم "سمير" وزوجته "ثناء" اللذان كانا يجلسان في زاوية المجلس محاطين بالحراس والقيود.
عندما دخلت نور، صرخت ثناء وبكت:
ـ نور! يا بنتي الحمد لله إنك سليمة! قولي لهم إننا مالناش دعوة وإننا بنحبك يا نور!
وقفت نور في منتصف المجلس، وتجمعت عائلة جبل كلها. التفت جبل لسمير وثناء بنظرات كالصخر وقال بصوت جهوري هز أركان الدوار:
ـ نور رجعت بالسلامة.. ودلوقت وقت الحساب والكلام ! أنطق يا سمير.. أنطق يا عم نور قبل ما أقطع لسانك! نور بنت مين؟! والسر اللي شايلينه من سنين إيه هو بالضبط؟!
انهار سمير تماماً، ولم يعد يستطع الكتمان أمام نظرات جبل والجمع الغفير. سقطت دموعه وقال بصوت مبحوح نادم:
ـ هقول.. هقول كل حاجة يا جبل بيه! السر مش عندي أنا.. السر كان عند أخويا المتوفي "توفيق" الله يرحمه اللي نور فاكراه ابوها.
صدمت نور، وتطلعت لسمير بذهول:
ـ أبويا توفيق مش أبويا الحقيقي؟!
أكمل سمير بدموع حارة:
ـ أيوه يا نور! توفيق أخويا ومراته كانوا عايشين هنا في أطراف الصعيد من عشرين سنة.. وكانوا متجوزين بقالهم عشر سنين وربنا ما رزقهمش بخلِفة، وكانت مراته هتتجنن على عيل! وفي يوم من الأيام، كان توفيق نازل من العمارة ، شاف طفلة صغيرة عندها سنتين طالعة بتحبي قدام باب العمارة برة
وقفت ثناء وأكملت بجهد ودموع:
ـ توفيق خد البت في حضنه وكان بيلعب معاها.. البت ضحكت في وشهم وبقت تلمس خده! مراته انهارت وقالت له: "دي فرصة ربنا جابهالنا لحد عندنا.. أنا مش هرجعها لأهلها
توفيق عارض بشده وقالها زمان اهلها قالبين الدنيا علبها دى حته لحمه حمرا
قالتله يا تطلقني يا تسيب البنت معايا ونربيها!".
نور تشهق ويدها على فمها بصدمة:
ـ خطفوني؟!
أكمل سمير وهو يحني رأسه خجلاً:
ـ توفيق ضعف قدام ضحكة الطفلة الشقية ودموع مراته اللي حرمها ربنا من الخلف.. شافك طفلة تتحبي وبتضحكي، وشالك في حضنه وحس بفرحة عمره ما حسها! واستغل الفرصة وأخد مراته واخدك وهربوا على القاهرة فوراً! غيروا أوراقهم وعاشوا في الدري وما حدش حس بيهم ...ولما توفيق ومراته ماتو زى ما انتى شوفتى كده، أنا خدتك وربيتك عندي ...ده كل اللي أعرفه والله على ما أقول شهيد!
تراجعت نور للخلف، والدموع تغرق وجهها وشعور بالضياع والألم يعصر قلبها:
ـ يعني أنا عشت طول عمري فاكرة إني نور.. وفي الآخر أطلع طفلة مخطوفة ومحرومة من أهلي الحقيقيين اللي اتقتلوا بعد كده؟!
في تلك اللحظة.. خطى جبل خطوة واسعة نحوها، وأمسك بكفيها المرتجفين بين يديه القويتين، ونظر في عينيها بحب وشغف لا يتزعزع، وقال بنبرة حنونة هزت قلوب كل الحاضرين:
ـ أنتي مش مخطوفة ولا ضايعة يا رحمة.. أنتي بنت أصول، وأهلك الله يرحمهم، واللي أذاهم ومسهم بحاجة حسابهم مع ربنا فى الاخره ومع الشرطة دلوقت! وما يهمنيش كنتي نور ولا رحمة.. ولا يفرق معايا الملايين ولا الأسرار! أنتي عندي بالدنيا كلها، وملكيش مكان في الكون ده غير قلبي ودوار جبل
انهمرت دموع نور/رحمة، وسقطت في أحضان جبل أمام الجميع، تتمسك به كأنه شاطئ أمانها الوحيد بعد عاصفة الخيانة والغدر، بينما نظر جبل للجميع بنظرة حاسمة تعلن بداية فصل جديد من الحماية والعشق الذي لا يقهره شيء!