رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الحادي عشر11بقلم اماني سيد

رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الحادي عشر11بقلم اماني سيد

مضت الساعات بطيئة وثقيلة على قلب مهرة، وظلت حبيسة غرفتها طوال الليل والصباح التالي، ترفض مغادرتها بحجة الإرهاق وألم قدمها، حتى حان موعد وصول والديها.
تردد خبط خفيف على باب غرفتها، تلاه صوت عمها من الخارج يناديها باقتضاب:
ـ يا مهرة، أبوكِ وأمك وصلوا.. انزلى يلا  عشان نقعد كلنا.
في تلك اللحظة، فتحت خزانة ملابسها وعينيها تمتلئان تصميماً وإصراراً على حماية سرها. أخرجت فستاناً قديماً واسعاً وفضفاضاً كانت قد أحضرتْه معها من البلد قبل مجيئها للإقامة في فيلا عمها ، وارتدت تحته بنطلوناً منفوشاً وثقيلاً يخفي تماماً كل معالم جسدها وما خسرته من وزن، لتبدو أمامهم وكأنها لم تتغير قط.
تنفست عميقاً لترتب ملامحها، وتأكدت من أنهم لم يلاحظوا شيئا ، ثم نزلت بخطوات بطيئة ومتزنة نحو طابق  الاستقبال.
كانت مرات عمها، أمنية، تقف ترحب بوالديها بحفاوة بالغة، وما إن رأت مهرة حتى تقدمت والدتها ووالدها لاستقبالها. اقتربت مهرة وابتسمت وضمت والدتهت ، التي احتضنتها بفتور، بينما اكتفى أبوها بمصافحتها ببرود جاف ونظرة فاحصة مليئة باللوم والعتاب غير المبرر، دون أن تكلفه إنسانيته عناء سؤالها عن صحتها أو قدمها المصابة.
ومع حلول وقت الغداء، التم الشمل حول طاولة الطعام الكبيرة. كان الصمت يخيم على الأجواء، ولا يُسمع سوى صوت الملاعق والأطباق. وبينما كانت مهرة تحاول تناول لقمة صغيرة بصمت لتتجنب الأنظار، فاجأها أبوها بكلمات حادة وقاسية وسط الجميع، وهو يوجه إليها حديثاً يجرح كبرياءها:
ـ انا قولت يمكن لما تبعدى تهتمى بنفسك لكن انتى  أديكي قاعدة في بيت عمك، وشكل الناس وكلامهم هيبقى إيه علينا لو فضلتي قاعدة كده من غير جواز ولا استقرار؟! الناس بدأت تاكل في وشنا بسبب قعدتك دي!
تسمّرت اللقمة في حلق مهرة، وانعقد لسانها من قسوة الصدمة والمفاجأة. جحظت عيون الجميع على الطاولة، وعمّ صمت مذهل ومطبق؛ فلم  يستطع احد منهم التحدث بحرف واحد أو التدخل بين الأب وابنته، وبقيت الأجواء محملة بالحرج الشديد.
لكن هذا الصمت المطبق لم يستمر طويلاً؛ ففور أن انتهى الأب من كلماته الجارحة، تحدث صفوان ببطء. ورفع عينيه الحادتين  نحو ابيها ، وقال بصوته الرجولي الخشن والهادئ الذي أخرس الجميع:
ـ مهرة مش ناقصها حاجة أبداً عشان يهمها كلام الناس.. يكفي أنها من عيلة القحطاني، واسمها لوحده بيقفل ألف باب وباب!
توقف صفوان لثانية، ثم رمق والدها  بنظرة نارية لا تهاب أحداً، وأردف بلا مبالاة وبنبرة قاطعة:
ـ وغير كده يا عمي.. أنا مش شايف فيها أي عيب يخليك تجرح فيها بالشكل ده قدام الناس.. ما يمكن العيب فيك أنت، لأنك من الأول كنت حابسها وقافل  عليها، ومش مخليها تشوف الدنيا ولا تعتمد على نفسها!
انعقدت النظرات في الغرفة، وانسحب الدم من وجه والدها الذي فوجئ بجرأة صفوان وقوته في الرد، بينما شعرت مهرة بقلبها يخفق بعنف، ورغم قسوة الموقف، تسللت إلى صدرها ومضة دفء غريبة وهي ترى من يقف ويحارب من أجلها في وجه الجميع.  
تسمّرت الكلمات في حلق الجميع، وساد صمت ثقيل ومحرج أرجاء الغرفة، لكن داخل صدر مهرة كان هناك بركان من المشاعر الجارفة والمتاقضة التي تكاد تفتك بها.
ظلت عيناها شاخصتان نحو صفوان بذهول تام؛ لم تستوعب بعد أنه فعلها، أنه وقف بكل هيبته وقوته ليدافع عنها ويحمل عنها ذلك العبء الثقيل. كانت طوال حياتها معتادة على أن تقف وحدها في مواجهة قسوة أبيها وانتقاداته الدائمة، وان تسمع حديثه وتصمت معتادة على ابتلاع الإهانة بصمت وتجرع مرارة الانكسار دون أن يمد لها أحد يد العون أو ينطق بكلمة حق واحدة.
لكن أن يأتي هذا الدفاع القوي ... منه هو بالذات، وأمام أبيها وفي عز اجتماع العائلة، فهذا ما لم تكن تتخيله في أحلك كوابيسها أو أحلامها.
سرى دفء غريب ومفاجئ في عروقها، واجتاحت قلبها موجة عارمة من المشاعر المشحونة بالامتنان والدهشة الممزوجة بدموع مكتومة كادت تفر من عينيها قهراً وتأثراً. شعرت ولأول مرة في حياتها أن هناك من يرى قيمتها الحقيقية، من يرفض أن يُمس كرامتها أو يُقلل منها، وكأن طوق نجاة أُلقي إليها وهي على وشك الغرق.
رغم قسوة الموقف و, نظرات أبيها المذهولة والمحتقنة غضباً، إلا أن شيئاً في داخلها انكسر والتئم في نفس اللحظة؛ انكسر خوفها القديم، والتئم جزء كبير من كبرياؤها الجريح وهي ترى صفوان يتربع كدرع حقيقي يحميها، غير مبالٍ بأحد، وكأنه يقول للعالم أجمع إنها خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
رغم ذلك الدفء الخاطف الذي تسلل إلى قلبها بسبب وقوف صفوان بجانبها، إلا أن سخرية أبيها القاسية وتعمّده إهانتها بذلك الشكل الجارح وأمام صفوان تحديداً، كانت قد كسرت شيئاً عميقاً في داخلها؛ شيئاً أصبح مقسماً لا يمكن إصلاحه أو ترقيعه أبداً.
شعرت بأن جدار كبرياؤها الأخير قد تهدم، وبأن ملامح الاحترام الباقية لصورة الأب في عينيها قد تلاشت تماماً. لم يعد يؤلمها ما قاله، بل ألمها المكان والزمان وهي ترى نفسها عارية من أي حماية أسرية، مطروحة أمام رجل تتعمد الهروب من ضعفها أمام عينيه. تضاعفت مرارة الخذلان في حلقها، وباتت تشعر أن تلك الجروح القديمة التي حاولت إخفاءها ودمجها خلف قناع القوة، قد انفتحت دفعة واحدة لتنزف من جديد، تاركة إياها في منتصف صراع مرير بين قلب ينبض بحب صفوان، وروح مكسورة ومحطمة من إهانة أبيها. 
ساد الطاولة صمت مشحون بالتوتر، لكن مهرة لم تعد تحتمل المزيد من هذا السحق المتعمد لكرامتها أمام من تعشق وأمام الجميع. صفعت بيديها الاثنتين على حافة الطاولة بخفة، ورفعت رأسها لتلتقي نظرات أبيها المتهكمة بثبات حاد لم يعهده منها قط، وقالت بصوت مسموع ومتحكم فيه:
ـ ما تقلقش يا بابا.. كلام الناس ومشاکلهم مش هتضطر تشيل همها تاني، لأن في عريس متقدملي فعلاً .
تصاعدت سخريّة أبيها فور أن سمع كلماتها، فالتوى شطره بابتسامة تهكمية واستهزاء واضح وهو يقول بلا مبالاة:
ـ عريس متقدملك أنتِ؟! ومين ده اللي هيقبل بواحدة زيك قاعدة في البيت طول السنين دي.. أكيد عيل فقران وطمعان في كلمتين ولا قرشين، وعايز يقلبهم منك 
شعر صفوان بأن دماءه تغلي في عروقه، وكاد يتدخل ليرد عليه بلسان أشد قسوة، لكن مهرة كانت أسرع منه؛ فقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مريرة ولكنها واثقة، وقالت بلا تردد:
ـ لا يا بابا.. مش فقير  ولا طمعان زي ما بتخيل! ده شاب غني جداً، وأهله أغنية ومعروفين،  وحالتهم كويسه جدا  ومش محتاج مني لا مال ولا غيره، واختارني أنا بذات نفسي.
التفت الأب بذهول واستنكار نحو شقيقه  ليتأكد من صحة هذا الكلام، فبادر العم بالتأكد وهز رأسهم بإيجاب، قائلاً بصوت ملئ بالفخر كأنه يساعد مهره على اثبات نفسها .
ـ  الكلام اللي بتقوله مهرة حقيقي، والعريس فعلاً شاب محترم ومن عيلة غنية وكبيرة، ومش ناقصه حاجة.. والكل هنا عارف كده. وانا خليت صفوان يسال عنه قبل ما اخليه يتقدم رسمى والولد كويس جد
طرق عتمان الطاولة بقوه فلم يتحمل ذلك الطعن المباشر في هيبته وسلطته المطلقة كأب كيف لم يخبره احد مسبقاً بهذا الحديث . انتفض من مجلسه بوجوه محتقن بالدم، ووجّه طعنات غضبه الحارقة نحو شقيقه جاسر، غير مبالٍ بنظرات الحاضرين:
ـ بقى أنا يا جاسر؟! أنا، أبوها اللي ربيت وشقيت، تحصل مهزلة زي دي من ورا ظهري، وما أعرفش عنها حرف واحد كأني حتة عفش مرمي في البيت؟!
تراجع عتمان خطوة للوراء، ثم تقدم بوعيد، وعيناه تشتعلان بغضب أعمى وهو يرمق مهرة تارة، ويصك على أسنانه تارة أخرى:
ـ من امتى بنات عتمان بيفتحوا بيوتهم ويحددوا مصيرهم من غير ما يرجعولي؟ كبرتِى يا مهرة؟ وبقى ليكي صوت وتقولي عريس وغني كمان؟! طالما الشجاعة ركبتك أوي كده، يبقى تسمعيني كويس.. 
ـ العريس ده عايزك تكلميه وتحددى معاد بكره بالكتير يجيى يقابلنى واقعد معاه وقرر إذا كان مناسب ولا لأ واعرف ظروفه 
ثم نظر لاخيه
ـ أنا ابوها ولازم اطمن عليها 
 ، بينما استقر بصر صفوان في نقطة فراغ أمامه، يعض على شفته بقوة وخلف طيات وجهه الهادئ بركان من الغضب والغيرة الصامتة التي تكاد تحرق الأخضر واليابس من وقع تلك الكلمة: "عريس".
التفتت أنفاس مهرة في صدرها، وصارت تشعر وكأن جدران الغرفة تضيق عليها تدريجياً. صح أن "يزيد" شاب تتمناه اى فتاه  وأن اليها سيوافق عليه  عند  لكن الكارثة بالنسبة لها أن الأمور لم تكن هكذا أبداً في الحقيقة!
هي كانت قد أجلت كل شيء مع يزيد، وطلبت منه مهلة ووقت طويل نسبياً حتى تستقر مشاعرها وتتعرف عليه بطريقتها الخاصة، وحتى تقترب منه بهدوء بعيداً عن ضغط البيوت والزواج التقليدي السريع. لكن الآن، وبسبب قسوة أبيها وعجرفته التي لا تنتهي، وجدَت نفسها محشورة في زاوية ضيقة جداً؛ أبوها يطالب بحضوره فوراً وكأنه يريد أن ينهي الأمر غداً، وهو ما لا تريده ولا تستعد له بعد، خصوصاً أنها كانت تحاول الهرب من هذا الاستعجال المفروض عليها في شيء قلبها لم يعطِ قراره النهائي فيه بعد.
أما عتمان، ، عادت إليه هيبته المصطنعة، ليتفرس في وجه مهرة بنظرات نافذة ومستعجلة، ويقول بلهجة آمرة لا تقبل التكذيب:
ـ طالما الشغلة فيها اسم "يزيد ابن الحاج عبد الجواد"، يبقى مفيش لُف ولا دُوران ولا تأجيل! بكرة الصبح، يزيد يكون هنا، والكلمة اللي هتنقال وتتقر، هتتنفذ فوراً.. من غير دلع بنات ولا تأخير فاضي!
وقفت مهرة عاجزة، مشتتة بين سيف استعجال أبيها الذي يريد فرض إرادته عليها، وبين قلبها 
تدخل جاسر سريعاً لينهي هذا الشد والجذب، وهو يرى كيف تتأزم الأمور على وجه ابنة شقيقه، فقال بصوت هادئ وحاسم يقطع به حيرة الجميع:
ـ خلاص يا عتمان.. بلاها دوشة ولخبطة. سيب الموضوع ده عليا، انا هتصل بيه واحدد معاه معاد بكره المغرب كده ،  يجي يشرفنا بكرة  وتتكلموا براحتكم.
تنفس عتمان الصعداء أخيراً، وارتسمت على وجهه أمارات الرضا والزهو، موجهاً حديثه لجاسر بنبرة آمرة:
ـ تمام يا جاسر.. هو ده الكلام الصح. بكرة الصبح يكون هنا، وعاوز أشوف بعيني الشاب اللي عايز يتقدملها واعملها خطوبه كبيره فى البلد واعزم فيها البلد كلها وخصوصاً زيدان بعد اللى عمله اخر مره 
بينما كانت الكلمات تتردد في الصالة، شعرت مهرة وكأن جدران الفيلا تطبس على صدرها. صحيح أن عمها جاسر أنقذ الموقف وأخذ عنها عبء التواصل مع يزيد، لكن قلبها كان ينبض بالرعب والقلق؛ كيف سيأتي يزيد هكذا فجأة ؟ وكيف ستتحمل استعجال والدها الذي لن يكتفي بمجرد القعدة، بل سيضغط لفرض الخطوبة الرسمية فوراً، وهي التي كانت تماطل وتؤجل كل شيء رغبةً في ترتيب مشاعرها أولاً؟
مرّت الساعات الثقيلة كأنها دهور على قلب مهرة طوال ليلتها، حتى حل صباح اليوم التالي. قررت مهرة أنها لا تذهب الى العمل ففى رأسها الف سيناريو تفكر به ، فاعتذرت وتخلفّت عن الذهاب للعمل بسبب الإرهاق الشديد، لتظل حبيسة غرفتها ينهشها القلق والخوف من الآتي.
وفي المقابل، كان صفوان قد أنهى أعماله مبكراً على غير العادة؛ إذ حضر إلى الفيلا في وقت مبكر عن موعده المعتاد ، وتحديداً قبل وصول يزيد، فقد أراد أن يجلس مع عمه عتمان ويحضر تفاصيل اللقاء بنفسه، مراقباً للموقف عن كثب، وغير مبالٍ بما تخفيه الساعات القادمة من مفاجآت.
كانت الأجواء مشحونة في الفيلا، بينما كانت مهرة جالسة في غرفتها تعتصصر كفوفها ببعضهما من شدة التوتر، حتى رُسم خبط خفيف على الباب وتبعه دخول والدتها. أغلقت الأم الباب خلفها بهدوء، واقتربت منها بخطوات بطيئة، 
جلست والدتها بجانبها على طرف السرير، وبعينيها نظرة قلق معتادة ولكنها خالية من أي شجاعة حقيقية للمواجهة. مدت يدها بفتور ولامست كتف مهرة، بحنان وتحدثت بقلق 
ـ مالك يا مهرة؟ إيه اللي مضايقك ومخلي وشك خاسس ودبلان كده؟ احكي لي.. أنا أمك وقلقانة عليك, ومش معقول تكوني بالمنظر ده عشان عريس زاي ده! لو في حاجة قولي لي..
نظرت إليها مهرة بصمت مطبق، وابتلعت غصة مريرة في حلقها. كانت تعرف جيداً طابع أمها وسلبيتها؛ فهي أبعد ما تكون عن القدرة لحمايتها أو الوقوف في وجه عتمان. لو أخبرتها بالحقيقة، فلن تجني سوى المزيد من الذعر والصراخ والعويل الذي لن يغير في الأمر شيئاً، بل سيضاعف همومها أضعافاً مضاعفة.
هزت مهرة رأسها ببطء، وابتسمت ابتسامة باهتة ومصطنعة تماماً لتخفي خلفها جبل الهم الذي يحاصرها، وقالت بصوت هادئ:
ـ مفيش يا ماما.. متقلقيش خالص، كل الحكاية إني مجهدة من الشغل والتوتر مش أكتر.. ما تشيليش همي.
وقبل أن تستطرد أمها في الأسئلة أو تبدي المزيد من قلقها ، صدح صوت خطوات قوية تقترب من الخارج، ليقفز قلب مهرة في رعب مكتوم؛ فقد أتى الموعد الحتمي، ويزيد أصبح على أمتار قليلة منها! 
في أسفل الفيلا، كانت الأجواء محملة بالترقب. لم تكن سوي دقائق معدودة حتى رُسمت حركة خفيفة معلنة وصول يزيد. بادر العم جاسر باستقباله بحفاوة بالغة عند الباب، مرحباً به ، واصطحبه بخطوات ثابتة نحو مكتب عتمان.
دخل يزيد بخطوات واثقة وطلة هادئة تعكس مدى ثقته بنفسه وارتياحه، مرتدياً بدلة أنيقة تفوح منها رائحه تملاء المكان تتحدث عنه قبل وصوله . وقف عتمان لاستقباله، وبدت على وجهه ملامح الفضول الممزوجة بالترقب والتوجس وهو يتفرس في الشاب الواقف أمامه.
بمجرد أن جلسا، بادر يزيد بابتسامة خفيفة ولبقة، واضعاً يده على الطاولة بأريحية تامة، ليشرع في الحديث بأسلوب دبلوماسي ومحترف:
ـ أهلاً بيك يا عمي.. متخيلش سعادتي بإن أكون قاعد قدامك النهارده. أنا كنت مستني اللحظة دي من زمان، انى اجى اتعرف على حضرتك 
بدأ عتمان فى سؤاله عن أهله وعن وضعهم المادى 
صمت يزيد لبرهة
وبدأ يتحدث دون تكلف أن يمرر إشارات واضحة ومباشرة عن مركزه وحجم أعمال عائلته، متحدثاً عن مشاريعهم الكبرى واستثماراتهم المتسعة، ليؤكد لعتمان بلغة الأرقام المبطنة أنهم عائلة مرتاحة ومترفة مادياً لأبعد الحدود، وأن مهرة بالنسبة له لن تعاني أو ينقصها أي شيء في هذه الدنيا.
كان يزيد يزن كلماته بدقة شديدة ليجامل عتمان ويغازل غروره وكبرياءه كرجل أعمال وصاحب كلمة، بينما كان عتمان يستمع لحديثه، وشيئاً فشيئاً، بدت قسوة ملامحه تتلاشى، وحلّ محلها إعصار من الانبهار والرضا التام؛ فقد استطاع يزيد ببضع كلمات مدروسة أن يداعب أطماع عتمان وهيبته، ليجد الأب نفسه أمام صهر لا يملكه سوى أن يوافق عليه بل ويفخر به أمام الجميع!
ـ طيب وأهلك عارفين أنك عايز تتجوز بنتى 
ـ أنا كلمت بابا وهو موافق ولو حضرتك وافقت نحدد معاد ويجيى يتقدم رسمى 
مع كل كلمة كان ينطقها يزيد بثقة وتأكيد، وتحديداً حين لمس عتمان حجم الثروة والمكانة التي ستحظى بها ابنته، انعطف تفكير الأب فجأة وابتعد عما يدور في غرفة المكتب. تملكت عتمان موجة من الزهو العارم، وبرقت في عينيه أطماع قديمة متجددة، ليجد عقله يسافر مسرعاً متخطياً جدران الفيلا وصولاً إلى "البلد" وأهلها.
بدأ يرى بعقله الباطن كيف سيكون وقع الخبر على شقيقه الأكبر وأهل العائلة هناك؛ وكيف سيتردد اسم "يزيد ابن الحاج عبد الجواد" مقترناً بابنة عتمان التي طالما قلل من شأنها واعتبرها عبئاً هامشياً. لمعت في ذاكرته نظرات التحدي والاستخفاف التي طالما واجهها، وتحديداً ما فعله "زيدان" وتطاوله عليه أو كسره لهيبته في السابق.
ابتسم عتمان في سرّه بانتصار شيطاني، وكأن زواج مهرة من هذا الشاب الثري والثقيل لم يعد مجرد صدفة، بل هو طوق النجاة والسلاح الفتاك الذي سيرد به اعتباره، ويعيد له سطوته وهيبته ليضع بها رأس زيدان وكل أهل البلد في الأرض. فجأة، تحول شعور النقص والمهانة الذي عانى منه طويلاً إلى كبرياء مزيف ومفرط، وهو يرى نفسه قريباً جداً من العودة إلى البلد مرفوع الرأس، محاطاً بهيبة صهر لا تجرؤ أي عاصفة على هزيمته!

استجمع عتمان هدوءه المصطنع، وحاول أن يخفي تلك النشوة التي اجتاحت داخله وهو يتخيل وقفته المنتصرة أمام أهل البلد، ليرتسم على وجهه قناع الجدية والتعالي، ويقول ليزيد بنبرة آمرة ومتروية:
ـ كلامك محترم يا يزيد، وأنا شايف إنك شاب عاقل ومناسب.. بس موضوع زي ده ما ينفعش يخلص في قعدة على السريع كده. اديني وقت ارتب أموري، وفي أقرب وقت هكلمك بنفسي عشان أحدد معاك الميعاد اللي تيجي فيه أنت وأهلك للبلد.. خطوبة مهرة لازم تكون هناك، وسط أهلنا وناسنا، عشان الكل يعرف مقام العيلة اللي هتناسبنا.
توسعت ابتسامة يزيد بارتياح وثقة تامة، فهو قد ضمن الأهم ونال موافقة الأب المبدئية، ليرد بلهجة هادئة لبقه وهو يقف مصافحاً عتمان بحرارة:
ـ اللي تشفه يا عمي.. والمكان اللي ترتاح له ويسعدك أنا تحت أمرك فيه. خد كل وقتك، وأنا في انتظار تليفونك في أي وقت عشان اجمع  أهلي ونيجي نطلبها رسمياً.
تعليقات



<>