رواية فرصة ثانية الفصل الحادي عشر11بقلم همس هشام


رواية فرصة ثانية الفصل الحادي عشر11بقلم همس هشام

 
ترجلت نسمة من سيارة الأجرة أمام إحدى المطاعم، الذي أخبرها حسين أن تأتي إليها لاصطحاب أنس بعد أن جعلته يهتم به خلال فترة زيارتها ليحيى، لكنه تحجج أنه لن يستطيع أن يأتي به إلى المنزل لأن لديه مشواراً مهماً ومن الأفضل أن تأتي هي وتأخذه، دلفت نسمة وبحثت عنهما بأعينها فوجدتهما يثرثران ويلتقطان الصور لهما على إحدى الطاولات الجانبية، اقتربت منهم وقالت:
- السلام عليكم

نهض أنس وقال بسعادة:
-ماما وحشتيني

ثم اقترب يعانقها، لتبادله العناق بعيون مغلقة وابتسامة حنونة، فقام حسين بتصويرهما دون أن تشعر، نظر للصورة نظرة سريعة يتأملها وقال:
-يلا اقعدي يا نسمة اتغدي معانا، أنا عامل حسابك

ابتعدت عن أنس وقالت بتساؤل:
-انت مش عندك مشوار مهم؟

قطع بالملعقة قطعة من الطعام وقال:
-لا ماهو اتلغى

قاطعهم أنس قائلاً:
-أنا هروح التواليت

فقالت نسمة:
-ماشي يا حبيبي، خلي بالك من نفسك

ثم نظرت إلى حسين، صكت على أسنانها، فهي تعلمه جيداً، الآن هو يكذب، جلست بجانبه وقالت بضيق:
- مش عيب لما تكون كبير كدا وبتكدب؟

أشار على نفسه بطريقة درامية وقال:
-أنا أكدب؟ إخص عليكي يا نسمة

- هو إخص فعلاً بس عليك انت

دنا منها وقال:
-يعني العيب عليا عشان عايز أقضي معاكي شوية وقت؟

أكمل بهمس:
- وحشتيني

كلمة صغيرة لكن أثرها عليها كان كبيراً، رفّت عيناها بارتباك، ليبتسم هو وقد لاحظ تأثير كلمته عليها، ففهم أن الأمر يحتاج أن تثق به مرة أخرى فقط، ليكمل بنفس النبرة:
-موحشتكيش؟

نظرت له وتمتمت:
-لا

نظر إلى عينيها وقال:
-مين الكداب دلوقتي، أنا ولا انتي؟

نظرت له وبلعت ريقها ببطء، ابتعدت قليلاً وقالت:
-بطل الحركات دي

مد يده يعدل من موضع حجابها وقال:
-حركات إيه يا نسمتي؟

أزاحت يده وقالت:
-حركات النص كُم دي، ابعد إيدك

نظر لها بازدراء:
-فصيلة

ليأتي أنس وقال:
-أنا جيت

فقال حسين بخفوت سمعته نسمة:
-فصيل زي أمك

ضربت قدمه بقدمها وقالت:
-احترم نفسك

أشار إلى الطعام وقال:
-كلي يا نسمة كلي واسكتي

نظرت له شزراً، ولم تمس الطعام، فلاحظ ذلك، فمد يده بملعقة ممتلئة بالطعام أمام فمها، لكنها لم تهتم، فقال بين أسنانه:
-كلي، الواد بيبص، مش لازم نوريله قد إيه إحنا متفاهمين؟

فتحت فمها وأكلت بعدم رضا، ليبتسم حسين لأنس الذي كان يشاهدهما، وبعد أن انتهوا من تناول الطعام، أوصلهم حسين إلى المنزل، وقد غفا أنس في الطريق، صفّ السيارة أمام المنزل، والتفت إلى نسمة التي فتحت الباب وهمّت بالترجل، لكن أوقفها عندما أمسك معصمها، نظرت له وليده وحاولت أن تفلت منه، فقال:
-إحنا هنفضل في العِند ده لحد امتى؟

-عِند؟ عِند إيه اللي بتقول عليه، العِند ده لو في ليك مشاعر جوايا، لكن انت انتهيت بالنسبالي يا حسين

ترك يدها وقال:
-انتي بتضحكي على نفسك ليه، هنستفاد إيه لما نضيع وقت وإحنا بعيد عن بعض، تعالي نرجع سوا ونتدفى في بعض ونربي ابننا

ضحكت بسخرية وقالت:
-نتدفى في بعض!؟... أنا قعدت معاك سنين وحيدة يا حسين، كنت مستنية منك ولو التفاتة بسيطة

فقال باستنكار:
-انتي بتاخدي حقك يعني دلوقتي؟

-ياريت... لكن اللي عشته خلاني ميتة، ومافيش ميت بيعرف ياخد حقه

صمت وحك جبهته بضيق من نفسه، يحاول جاهداً أن يصلح أخطاءه لكن يبدو أن الأمر لن يفلح، فقالت هي كلماتها الأخيرة:
- وفّر مجهودك لحد غيري يا حسين، أنا خلاص بعيش لابني

ترجلت من السيارة وترجل هو أيضاً، كادت أن تحمل أنس لكن أبعدها وحمله هو وصعد به إلى الأعلى، دقت الباب لتفتح لهما سوسن:
-ادخل يا حسين اتفضل

دلف وأشارت نسمة له على الغرفة، وضعه على الفراش وخرج سريعاً، فقالت سوسن:
-عامل إيه يا حسين؟

-الحمد لله يا طنط، حضرتك بخير؟

-في نعمة الحمد لله

لتشير له بالجلوس، فجلس بتردد، بينما نسمة تركتهما ودخلت الغرفة، فقال حسين:
-كنت عايز أتكلم مع حضرت

-اتفضل

-أنا بحاول كتير مع نسمة إننا نرجع لكنها رافضة تماماً، أنا مش عارف المفروض أعمل إيه

-نسمة اللي شافته معاك مش قليل، لكن منكرش إنك بتتغير، بس الله أعلم هل ده تغير فعلاً ولا لا

-صدقيني اتغيرت، وأنا مش هبطل أحاول معاها، أنا حاسس إنها لسه بتحبني، عايزك تساعديني في إنك تليني دماغها عليا شوية

مطت شفتيها وقالت:
-ربنا يقدم اللي فيه الخير

نهض حسين وقال:
-طيب أنا همشي

أوصلته سوسن إلى الباب، ولمح باقة الزهور وهو يرتدي الحذاء، ارتسمت على وجهه ابتسامة، وهمّ بالمغادرة
_________________________
كانت نهى مستلقية على الفراش أمام الطبيبة النسائية، كانت تحرك جهاز السونار، وتنظر إلى الشاشة بتركيز، بينما أمير يقف بجانب نهى يمسك يدها برفق وعيناه لا تفارقان شاشة جهاز السونار، حتى استقرت يد الطبيبة على موضع معين وأشارت إلى نقطة صغيرة على الشاشة وقالت بسرور:
-شايفين، هو النقطة الصغنونة دي

ارتسمت علامات السعادة على كلاهما، ضغط أمير على يد نهى، لتلتفت له نهى وعيناها تلتمعان ببريق، فقال لها بهمس:
-صغيّر أوي

هزت رأسها بالإيجاب وأردفت:
-صغنون فعلاً

ليسأل أمير الطبيبة:
-هي كدا في الشهر الكام؟

- كدا دكتورة نهى في الأسبوع الـ ١١

مدت الطبيبة يدها وضغطت على زر ليصدح صوت ضربات قلب الجنين، وكانت الغرفة لا تتسع لأجنحتهم من السعادة فهم يسمعون نبضات قلب طفلهم الأول، أدمعت عينا نهى فهي تعشق الأطفال فكيف سيكون شعورها لطفلها الأول؟ ولم يكن أمير أقل منها تأثراً فهو كان ينتظر تلك اللحظة منذ وقوعه في حب نهى، أطفأت الطبيبة صوت النبضات، فقال أمير:
-ممكن تشغليه تاني معلش، عايز أسجله بالتليفون

لتقوم بتشغيله مرة أخرى وقام أمير بتسجيل نبضات القلب، فضغطت الطبيبة على زر آخر وانتظرت قليلاً ثم مدت يدها لتأخذ عدة صور مطبوعة للجنين، ثم أعطتها لنهى، فأخذتها نهى بلهفة شديدة والابتسامة لا تفارق وجهها، أعطت أمير صورة من الصور، مدت الطبيبة يدها بمناديل لنهى، فمسحت الجيل الذي وضعته الطبيبة، ثم نهضت وجلست على المقعد أمام طاولة المكتب هي وأمير ويستمعون إلى تعليمات الطبيبة، وبعد أن كتبت لها بعض الأدوية أخذت الروشتة، وذهبوا سوياً إلى الخارج، أشارت نهى بسعادة إلى النقطة الصغيرة وقالت:
-تفتكر ولد ولا بنت يا أمير؟

فقال بحيرة ناظراً إلى الورقة التي بيده:
-مش عارف بجد، بس أنا نفسي يكون ولد

-اشمعنى؟ ما انت بتحب البنات
- أيوة يا حبيبتي بحبهم، بس إن يكون أول خلفة ولد بيبقى ألطف عشان يشيل مسؤولية إخواته ويهتم بيهم

ثم أكمل بنبرة تملؤها الرضا:
-كل اللي يجيبه ربنا كويس، المهم ييجي وانتي وهو بخير وصحة

دلفوا إلى مكتبه، فقال أمير:
-مش عارف، حاسس بطاقة سلبية النهاردة في المكتب

رفعت كتفيها وقالت:
-ممكن، مش عارفة

مطّ أمير شفتيه وقال:
-المهم عايزين نعزم العيلة ونقولهم الخبر ده

علقت ضاحكة:
-أنا قولت لملك فأكيد عمو عادل عرف

أنهت جملتها، ليصدح صوت هاتفها معلناً عن اتصال عادل، رفعت الهاتف أمامه وقالت:
-شوفت؟ تلاقيه بيتصل يبارك

فتحت المكالمة ليأتيها صوت عادل قائلاً:
-أهلاً بالناس اللي هتخلينا جدود على آخر الزمن

ضحكت نهى على مزاحه وقالت:
-كنا لسه أنا وأمير بنقول طالما ملك عرفت يبقى حضرتك عرفت

قال مؤكداً:
-ملك عرفت أربيها لكن انتي معرفتش عشان كدا خبيتي عني

-أنا بردو أخبي عليك حاجة يا عمو عادل؟ كنا لسه بنتكلم أنا وأمير إننا نعمل عزومة صغنونة بالمناسبة دي

-لا خلاص بقى بعد إيه

ضحكت ملك قائلة:
-لا يا عمو عادل انت وحشتنا، وبعدين انت بتحب الرز المعمر من إيدي وهعملهولك بكره

-امممم، رز معمر؟ كدا فيها كلام تاني
ثم أضاف بتساؤل:
-قولتيلي بكره صح؟

-أيوة

-خلاص هتلاقيني في الميعاد يا ماما يا صغنونة، ألف مبروك

-الله يبارك فيك يا عمو عادل

-اديني أمير بقى أباركله

أعطت الهاتف لأمير، فبارك له عادل وأكد عليه أمير عزومة غداً، ثم أنهوا الاتصال فقال أمير:
-عمو عادل إنسان حنين ومحترم، إزاي ماهر معرفش يكسبه؟ بجد غباء من ماهر

تنهدت نهى وقالت:
-ماهر بيفكر بطريقة غريبة، ربنا يعينه على دماغه

ثم نهضت وقالت:
-هروح أنا بقى عشان عليا كشوفات مستنياني

اقترب منها أمير وقال لها:
-خلي بالك من نفسك يا نونا

ثم اقترب وقبّلها من وجنتها قبلة بطيئة على إثرها ابتسمت نهى، ثم ابتعد عنها وقال:
-لو حسيتي إنك تعبانة قولي يا أمير وهتلاقيني قدامك

اقتربت منه تعبث في البالطو وقالت بهمس:
-يعني أقول يا أمير ألاقيك قدامي؟

نزل إلى مستواها وقال بنفس نبرتها:
-آه بالظبط كدا، قولي يا أمير وبنفس الصوت اللي هيجنني ده وهتلاقيني عندك

نظر بعينيه البنيتين الصغيرتين إلى عينيها الزرقاوين، كان يتأمل عينيها ويقترب منها ببطء، حتى فُتح الباب فجأة جعلهم يبتعدون بفزع ولم يكن غير وائل، الذي كان ينظر إلى الأسورة التي بيده ويقول بتذمر:
-شورتك المهببة جابتني ورا يا عم أمير

رفع نظره وكانت علامات التوتر مرتسمة على وجهيهما، فقال بتساؤل:
-في إيه مالكوا؟ شايفين عفريت؟

فقالت نهى بارتباك وهي تشير إلى الخارج:
-أنا همشي ورايا كشوفات

ثم انطلقت سريعاً، فقال أمير بضيق:
-إيه ياعم الفصيل، عايز إيه؟

مد ذراعه التي تستقر الأسورة في معصمه وقال:
-نهلة عرفت إنها مش الحظاظة اللي جابتها، بنت اللعيبة

عقد أمير حاجبيه وقال:
-ده إزاي يعني؟

-قال إيه عاملاها مخصوص ليا وكان مختوم على القفل حرفي وحرفها

ليضحك أمير بصخب على حديثه وقال:
-لا يا شيخ!
__________________________
حل الليل، وظل حسام ينتظرها لفترة من الوقت، حتى اعتقد أنها لن تأتي، كان يجلس يتأمل السماء، لا يريد النزول إلى بيته حتى يتأكد أن والدته قد ذهبت إلى النوم، لكي لا يعلق معها في شجار كالمعتاد، لكن قطع تأمله حركة في سطح البناية الأمامية، اقترب وهو يعلم مَن، فقد وصل قمره، مدت يدها بالكريم وقالت:
-اتفضل، الكريم اللي قولتلك عليه

أخذه منها وقال:
-شكراً

تمتمت:
-العفو

ثم استدارت لكي ترحل، فقال يوقفها:
-استني رايحة فين؟

التفتت له وقالت:
-هنزل، إديتك الكريم وخلاص، عايز إيه تاني؟

-لو على الكريم فأنا مش عايزه، أنا عايز أتكلم معاكي شوية

-طالما مش عايز الكريم قولتلي ليه هاتيه؟

قال بابتسامة جانبية:
-أنا مقولتش عايزه، انتي قولتي هتجيبهولي بكره، وأنا ما اعترضتش عشان حسيت إنك عايزة تشوفيني تاني زي ما أنا عايز أشوفك

أصابها الارتباك من حديثه، نظرت في الأرض وقالت بتلعثم:
-لا... أنا مش عايزة أشوفك

-بصي في عيني وقوليها

لم تجبه وظلت على حالها، فقال بإصرار:
-يلا بصي في عيني وقوليها

ولم يصدر منها أي فعل غير أنها كانت تعبث في أصابعها بتوتر، ابتسم كونها حتى لم تحاول الكذب، فقال:
-عارفة يا رحمة أنا اتقدمتلك مرتين ليه؟

رفعت نظرها أخيراً من الأرض فأكمل هو:
-عشان فيكي صفات مبقتش موجودة اليومين دول، فيكي كسوف وبحسك بيضاء من جوا وطيبة

ليكمل وهو يشير بسبابته:
-بس كان عندك حق لما رفضتيني، انتي عارفة قيمة نفسك، وأنا فعلاً مكنتش أستاهلك، لكن لما أتقدملك للمرة التالتة هتوافقي، لأني ساعتها هكون أستاهلك

حديثه الواثق أصابها بالارتباك، فقالت:
-مين قالك إني هوافق؟

-عشان أنا عارف قلبك بيقول إيه، وعيونك مبتقولش غير موافقة

وعند ذكر عيونها، أخفضتهما مرة أخرى، فقال يخفف عنها خجلها:
-انزلي انتي عشان الوقت اتأخر

ولم تنطق بحرف بل انطلقت إلى الأسفل سريعاً، نظر إلى الكريم وتنهد، ثم فتحه ووضع منه القليل وقال:
- أما نشوف آخرتها
_______________________
شعر يحيى بالملل في غرفته، فاتجه إلى المكتبة القابعة في المصحة بعد أن دلّه أحد الممرضين على مكانها، دخل المكتبة وكان نورها أصفر هادئاً، الكتب مرصوصة في الأرفف بعناية وكل قسم يحمل أعلاه تصنيف الكتب، سار بين الأرفف يرى كتاباً يلفت نظره فهو ليس من عشاق القراءة، حتى وجد كتاباً يتكلم عن مجال عمله، التقط الكتاب وجلس على إحدى الطاولات، فتح الكتاب وبدأ القراءة بملل، ثم اندمج تدريجياً، ليقطع تركيزه سعال قوي بجانبه، نظر فإذا بها فتاة واضعة يدها أمام فمها وتسعل بقوة، نهض سريعاً، وصبّ لها قليلاً من الماء من مبرد الماء وقدمه لها وقال:
-انتي كويسة؟؟ خدي الماية

مدت يدها وأخذت الكوب وارتشفت قليلاً، وهدأ سعالها قليلاً، نظرت له وقالت بامتنان:
-شكراً

سحب مقعداً وجلس بجوارها، وقال:
-العفو، انتي أحسن؟

قالت بسعال:
-هي شرقة كدا بتيجي، وههدى دلوقتي

ثم قالت بمزاح:
-معرفش أنا مين اللي فاضي يجيب في سيرتي دلوقتي

-إيه العلاقة؟

-بيقولوا لو شرقت كدا فجأة يبقى حد بيجيب في سيرتك

ضحك على حديثها وعلق:
-ده كدا حد بيقطع فروتك مش بيجيب في سيرتك

ضحكت على تعليقه وقالت:
-اللي مش بيحبوني كتير

-واضح، ده أنا افتكرتك بتطلعي في الروح

نظرت له بطرف عينيها وقالت:
-الملافظ سعد يا...

ثم صمتت وقالت متسائلة:
-اسمك إيه صحيح؟

-يحيى

مدت يدها تصافحه وقالت:
-وأنا حياة

مد يحيى يده يصافحها، فقالت هي:
-اتشرّفت بمعرفتك يا يحيى

-شكراً

أثار فضوله وجود فتاة رقيقة مثلها هنا، نظر إلى هيئتها، فيبدو أنها مريضة، فقام بسؤالها:
-ممكن أسألك سؤال؟

أومأت له وهي تتجرع الكوب بأكمله، حتى انتفخ خداها، ابتسم على هيئتها التي ذكرته بأنس، فقال:
-انتي مريضة هنا؟

بلعت الماء وقالت:
-أمال بتفسح؟

نظر لها بضيق وقال:
-لمضة كمان، حقهم يقطعوا فروتك

ضحكت وقالت تشاكسه:
-بنهزر، في إيه

لم يبالِ بما قالت وعاد ينظر في كتابه، فقالت له:
-وانت بقى، تبع دكتور مين؟

أجابها وما زال ينظر إلى الكتاب:
-دكتورة ملك

-آه بشوفها، دكتورة لذيذة وشيك أوي، أنا بقى تبع دكتور إبراهيم

- ربنا يخرّجك منها بالسلامة

نظرت للأرض بحزن وقالت:
-تعرف، أنا مش عايزة أخرج من هنا

نظر إلى السقف بضيق، يبدو أنها ثرثارة وتريد التحدث، وهو يريد أن يكمل كتابه، لاحظت ذلك فقالت:
-أوكي خلاص كمل كتابك، وأنا هكمل كتابي، مش هزعجك

أرجعت نظرها إلى الكتاب، وفضولاً منها كانت تختلس النظرات إليه بين الحين والآخر، فرفع نظره إليها على حين غرة، مما جعلها تنظر إلى كتابها سريعاً، لترتسم على وجهه ابتسامة صغيرة
_____________________________
تقف ملك أمام المصحة تنتظر السيارة التي طلبتها من على التطبيق، فوقف أمامها ماهر بسيارته، أشاحت بنظرها عنه، فترجل هو من السيارة، واقترب منها وقال يشاكسها:
-انتي هتفضلي زعلانة مني كتير؟

نظرت له بطرف عينيها وقالت له:
-ماهر، انت ليه محسسني إنك كسرت فازة غالية على قلبي ولا عملت حاجة قولتلك متعملهاش؟ انت سرقت وظلمت

أشاح بنظره عنها، وصك على أسنانه بقوة، حاول أن يضبط أعصابه فقال لها:
-طيب تعالي معايا وهوريكي إني صلحت غلطاتي، أنا رجعت الشركة لصاحبها

نظرت له نظرة يعرفها، فقال:
-تعالي وشوفي بنفسك لو مش مصدقة

ثم ذهب إلى السيارة وفتح لها الباب، فقال لها بإصرار:
-تعالي، يلا

تنهدت واتجهت تصعد للسيارة، ليصعد هو أيضاً، وانطلق إلى وجهته، فقالت له ملك بثبات:
-ماهر وصلني البيت، أنا مصدقاك مش محتاج تثبتلي

فقال بسرور:
-يعني خلاص اتصالحنا؟

-لا، لسه ناقص بابا، والمهندس اللي انت مشيته من الشغل

-بابا وهحاول، لكن المهندس ده أجيبه منين دلوقتي؟ الموضوع بقاله أكتر من سنة

رفعت كتفها وقالت:
-إحنا اتفقنا إنك هتصلح غلطاتك

زفر بضيق وقال:
-حاضر يا ملك، حاضر

ثم غيّر مساره إلى المنزل، فترجلت بصمت، ظل ينظر إلى أثرها حتى اختفت، أمسك هاتفه وضغط على زر الاتصال ولم يكن غير المدير السابق للشركة، ثم قال:
-نص الفلوس هتوصلك بس، خلاص مش محتاجين الكلمتين بتوعك

-يعني إيه يا باشمهندس؟

-يعني خلاص، انت كان ليك الفلوس كلها اللي اتفقنا عليها لو كنت جبتهالك وقولتلها الكلمتين الحمصي اللي حفظتهملك

فقال المدير بغضب:
-بس ده مش اتفاقنا

فقال ماهر بلامبالاة:
-بص يا خالد، كان اتفاقنا على الفلوس كلها لو جيتلك بملك، لكن هي مجتش يبقى ليك نص الفلوس عشان تخلي الموضوع مابينا

-كل الفلوس يا ماهر

-هبعتلك النص دلوقتي ونبقى نشوف موضوع كل الفلوس، وانت عارف اللي عندي مبيروحش

-أما نشوف يا ماهر

ثم أغلق الهاتف، وأرسل إليه الأموال، ثم ضغط على زر الاتصال، وقال بجدية:
-دورلي على المهندس يحيى نور الدين

ثم أغلق الهاتف وانطلق بالسيارة
___________________
انتهى الدوام، تقف نهى أمام المصعد، ضغطت على الزر، وانتظرت لكي يأتي، شعرت بأنفاس شخص بجانبها، التفتت لكي ترى مَن لكن لم تجد شخصاً بجانبها، عقدت حاجبيها وبلعت ريقها ببطء، نظرت للمصعد مرة أخرى عندما سمعت صوت رنة علامة على وصوله، دخلت، وضغطت على زر الطابق الأول لكي تذهب إلى أمير، لكنها شعرت بالأنفاس مرة أخرى، نظرت حولها بريبة وكان صدرها يعلو ويهبط بقوة، حتى وصل المصعد للطابق الأول، وركضت سريعاً باتجاه مكتب أمير.

تعليقات



<>