رواية اجمل لقطة الفصل الثاني عشر12والاخيربقلم داليا صلاح نصار


رواية اجمل لقطة الفصل الثاني عشر12والاخيربقلم داليا صلاح نصار

بعد مرور أربعة ليالي، أيقن فيهم فؤاد أهمية دور يسرا في حياته وحياة أولاده، الدور الذي طالما أنزل من قدره، وهمّشه، ولم يُعطه التقدير المستحق، بعد أن طلب أجازة من عمله، ف هاهو يقوم بالدراسة معهم ويفهم مدى المعاناة التي تعانيها زوجته معهم يومياً، وهاهو يقوم بتحضير الطعام، وترتيب البيت وحل الخلافات خاصةً أن أمه اضطرت للسفر المفاجيء لظروف خاصة لحل مشاكل بأرضها الزراعية. وكان أهل يسرا يتابعون حالتها في المشفى.
وكان يرتمي في نهاية اليوم على الفراش غير قادر على الحراك، يتحسس وسادة زوجته ويندم على عدم مساندته لها، وعدم اعترافه بمشاعرها التي حاولت مراراً أن تُعبر عنها لكنه كان يقابلها دوماً بالصدّ والرفض.

ظلت يسرا تتأرجح بين دخول حياة أشخاص، تمنت أن تكون مكانهم في يوم من الأيام، والخروج منها بألم ووجع وابتلاءات لا يعلمها أحد عنهم غير خالقهم.

استطاع فؤاد أن يُخبر أولاده بحادثة أمهم، لأنهم لم يتوقفوا عن السؤال المتكرر عنها، وطلبهما لرؤيتها. بعد الصدمة قرر أن يأخذهم معه إلى المشفى.

دخلت ليلى واقترب من أمها قبل أن تمسك بيدها وتُقبلها برفق، بينما أمسك يحيى اليد الأخرى من الجهة المقابلة، وأخذ يدعو الله أن تستفيق وتخرج من المشفى بسلامة. 
وقف فؤاد ينظر لأولاده وامتلأت عينيه بالدموع، رددت ليلى ببرائتها كلمات مؤثرة قائلة: أنا بحبك أوي يا ماما، ونزلت دمعتها التي لامست يد أمها، فقبضت على كفها بحنان قبل أن تتحرك أصابعها وتضم يدها. انتبه فؤاد لتلك الحركة، فابتهج وهو ينادي على الممرضات، ثم نظر لزوجته وهو يردد اسمها: يسرا حبيبتي، انتي سامعاني! 

في المساء
خرجت يسرا من المشفى بعد عمل كافة الفحوصات والاطمئنان على استقرار الحالة. لم تردد يسرا سوى جملة " الحمد لله والشكر لله" من بعد خروجها حتى وصولها لغرفتها وهي تستشعر كل النعم في حياتها. والدها الجالس بجانبها يعانقها، أولادها حولها مسرورين لعودتها، أختها تُحضّر لها الطعام، وزوجها يهتم لأمرها. 
ظلت مبتسمة، حتى قال فؤاد: نوّرتي بيتك يا حبيبتي. ردّت بهدوء: البيت ده نعمة كبيرة أوي. تذكرت تجربة بعض اللاجئين الذين دخلت حياتهم، وكانوا بدون مأوى، وكم الألم والمعاناة التي تعايشتها داخل حياتهم، وظلت على هذة الحال، 
تتذكر كل تجربة وتردد: الحمد لله على كل نعمه.

تأسف فؤاد على ما بدر منه يوم الحادث، وأقرّ بندمه، سامحته يسرا وقالت بحكمة: اللي حصل ده علّمني كتير أوي يا فؤاد. ردّ بحزن: وعلّمني أنا كمان يا يسرا والله. قاطعته يسرا : فيه حاجة مهمة عايزة أقولهالك، قاطعتهما نسمة بعد أن دخلت بصينية الطعام قائلة: أحلى أكلة لأجمل يسرا في الدنيا، اعتدلت يسرا وهي تشكر أختها قائلة: تسلم ايدك، تعبتي نفسك. جلست أختها بجوارها مبتسمة: تعبك راحة يا ستي. و عانقتها بحرارة، بعد أن وضعت الطعام أمامها ثم قالت: يللا دوقي بقى، بابا بيقول إني اتحسنت. ضحكت يسرا التي بدأت بتذوق الحساء، ثم نظرت لأختها وبادرتها: ايه الجمال ده؟ لأ ده احنا اتحسنا كتير أوي. قاطعها فؤاد: أومال لو دوقتي أكلي بقى، هتقولي إيه؟ قالت نسمة: انت ما بتعرفش تقلي بطاطس يا فؤاد. رد ضاحكاً: وما زلت على فكرة، بس عرفت أعمل مكرونة وبانيه لما الولاد صدّعوني بيه. هو أكيد ماطلعش حلو زي بتاع يسرا، بس أهم كلوه. بعد تناول الطعام ضحك الجميع ثم طلب والد يسرا أن يتركوها لتستريح، وغادر بعد أن قبّل رأس ابنته قائلاً: حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك وابقي كلميني اول ما تصحي، أومأت رأسها مرددة: حاضر يا بابا، أنا كويسة ما تقلقش. 

في صباح اليوم التالي
قررت يسرا البوح، فأخبرت فؤاد زوجها بكل ما حدث لها ودخولها لتجارب وخياة آخرين، وإنها تعلمت درس عمرها. لم يصدقها في باديء الأمر، لكنه اقتنع عندما استحضرت مشاعر قوية وفتحت الكاميرا أمامه، شهق من الصدمة قبل أن تقوم بإغلاق الهاتف، ثم أخرجت شريحة الاتصال وأعطت الهاتف له قائلة: أنا مابقيتش محتاجاه يا فؤاد، خُده إرميه ولا كسّره، انا هاشّغل بتاعي القديم. عبس فؤاد وقال باستغراب: يعني القديم مش هيبقى فيه نفس الحكاية؟ هزّت رأسها: لأ أنا جربت موبايلات تانية، هو الموبايل ده بس. وافقها فؤاد ووضعه في جيبه قبل أن يردد: وحشتيني أوي، ابتسمت وقالت: وإنت أكتر يا فؤاد، وكنت عايزة أعتذرلك عن أي.. قاطعها وهو يضع أصابعه على شفاها مردداً: شششش، لو فيه حد مفروض يعتذر دلوقتي، ف هيكون أنا. قالها وامتلأت عينيه بالدموع وهو يردد: أنا كنت هاموت لو كان جرالك حاجة. قاطعته: بعد الشر عليك. ثم قالت: بس فيه مشوار مهم محتاجين نروحه مع بعض، سأل باهتمام: مشوار إيه؟ ردّت بتنهيدة: هنروح أكاديمية الحلم، هناك هنلاقي اكتر من حد هيساعدنا عشان نكمل مع بعض بشكل أحسن وأولهم دكتور سلسبيل.  فكّر فؤاد قليلاً قبل أن يرد: ولو إني مش مقتنع أوي بس تمام زي ما تحبي، مش دي الأكاديمية اللي قولتيلي عليها من فترة كدة، كورس كنتي عايزة تشتركي فيه؟ قالت: بالظبط. قال بحماس: خلاص يبقى نروح الكورس سوا. لمعت عينا يسرا غير مصدقة ما قاله زوجها.

بعد أسبوع..
دخل المحاضر للقاعة وألقى السلام على الحضور، ويسرا وفؤاد يجلسان أمامه، ثم اكمل الشرح قائلاً: النهاردة هنتكلم عن الرضا، وعشان نعرف احنا راضيين عن حياتنا ولا لأ، فيه شوية عوامل أهمها:-
١- قادرين نشوف الحلو اللي في حياتنا ولا لأ؟
٢- قادرين نستمتع بالحلو ده ولا لأ؟
٣- لما يكون فيه مشكلة -وكلنا عندنا مشاكل بالمناسبة- هل بتأثر على باقي جوانب حياتي كلها ولا لأ؟
٤- الانتاجية بتاعتنا بتزيد ولا لأ؟ انتاجية بمعنى اننا بنقوم بدورنا بكفاء وفعالية الدور ده بقى كان أم أب زوجة ابنه موظفة أياً كان الدور. 
ف ال ٤ مؤشرات دول تقدروا تقولوا ان كل واحد تقريبا  ٢٥٪؜ ف تشوفوا انتوا المفروض كام فئ المئة؟ راضيين عن حياتكم!
ف بدأت يسرا الكتابة والتدوين بعد أن أكمل قائلاً: 
أما العدو الأول للرضا هو المقارنات، للأسف احنا عايشين في زمن ال live stream  حياة الناس كلها بقت قدامنا، بس اللي ناس كتير ما يعرفهوش اننا مش بنشوف الحياة كاملة ولا حتى المشهد كامل، احنا بنشوف لقطة واحدة بس، أجمل لقطة من حياة كل اللي بنشوفهم، ونفضل نقارن نفسنا وحياتنا باللقطة دي. في حين ان مش دي الحقيقة ولا دي التجربة كاملة، و ربنا سبحانه وتعالى لما ذكر الآية " وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ " 
في أحد التفاسير قال ان ربنا ذكر زهرة علشان احنا بننبهر بجمالها وريحتها وشكلها، وبعدين ايه اللي بيحصل؟ يومين تلاتة وبتموت. ف مفيش حاجة بتدوم، مهما كانت مُبهرة ولا حياة مثالية دايماً جميلة ومُبهجة، مفيش. ثم إن النهي واضح في أول الآية "لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ" ف ما تبصوش لحياة غيركوا، عشان مصلحتكوا انتوا.

خرج الجميع بعد انتهاء المحاضرة وقد امتلأتهم مشاعر الرضا والسكينة. وقرروا ان يُطبقوا ما تم شرحه وبعض التمارين المساعدة. 

عادت يسرا للبيت، وقررت في قرارة نفسها ان تنظر لكل ماهو جميل في حياتها وتستمتع به، بينما دخل فؤاد لغرفة مكتبه بعد ان انتابه تخبط ومشاعر متناقضة وكثيفة، ثم جلس وقام بفتح أحد الأدراج وأخرج هاتف يسرا، ابتلع ريقه وهو يُفكر في أحد أثرياء الوطن العربي، قبل أن يفتح الكاميرا وبمجرد ان وجد الضوء الأحمر، أغمض عينيه وانتظر العد التنازلي

                       تمت
تعليقات



<>