رواية حب خارج القانون الفصل الثالث عشر13بقلم يارين


رواية حب خارج القانون الفصل الثالث عشر13بقلم
 يارين

"اقتربا أكثر مما ينبغي، وبدأت المسافات بينهما تتلاشى شيئًا فشيئًا... لكن حين ظنّا أن القلب وجد أخيرًا طريقه، جاءت لحظة واحدة كفيلة بتحويل ذلك القرب إلى انكسار." 
حب خارج  القانون ١١
الفصل الحادي عشر

ظل الصمت بينهما للحظات، قبل أن يقول:

ـ "أنا عايز أقولك حاجة."

نظرت إليه وقالت:

ـ "قول."

ظل ينظر إليها، ثم قال بتردد:

ـ "أنا عايزك متقلعيش السلسلة دي مهما حصل."

بصتلو باستغراب وقالت:

ـ "ليه؟"

قال بنبرة غير قابلة للنقاش:

ـ "اسمعي الكلام بس."

هزت رأسها.

بعد عنها قليلًا وقال:

ـ "عندك جامعة بكرة؟"

هزت رأسها بالنفي.

قال:

ـ "طب كويس... إيه رأيك ننزل نفطر بره بكرة؟"

ردت بفرحة:

ـ "الله، بجد؟"

رد بهدوء:

ـ "أيوه."

ابتسمت، وهو ابتسم على ابتسامتها.

ظل ينظر لها قليلًا، ثم قال وهو يبتعد:

ـ "تصبحي على خير."

ردت بابتسامة:

ـ "وأنت من أهله."

نظر إليها وابتسم ابتسامة صغيرة، ثم غادر وأغلق الباب خلفه، واتجه إلى جناحه.

⸻

اليوم التالي

كانت تنزل الدرج وهي ترتدي فستانًا أبيض طويلًا بقصّة ضيقة تبرز الخصر، بدون أكمام وبياقة، مزينًا بأزرار أمامية وشق أمامي أنيق، مع حذاء أبيض بكعب وحقيبة بنية صغيرة.

نظرت إليه، فوجدته جالسًا على الأريكة يتصفح هاتفه.

كان يرتدي تيشيرت بولو بني بياقة كلاسيكية وأكمام قصيرة، مع تفاصيل خياطة طولية متموجة تعطيه شكلًا مميزًا، منسقًا مع بنطلون أبيض واسع نسبيًا، وساعة فضية.

رفع نظره إليها وألقى نظرة سريعة عليها.

ثم رفع حاجبه عند كتفيها.

لكن سرعان ما قالت هي:

ـ "وعشان متقولش كتفي وكده..."

ثم أخرجت وشاحًا أبيض خفيفًا من حقيبتها وارتدته.

نظر إليها وسكت.

ثم قام من مكانه، وهي اتبعته.

خرجا إلى الخارج، ووقف أمام سيارته ينتظرها.

وصلت إلى سيارته، ووقفت أمام الباب، ففتح لها الباب.

ركبت، ثم أغلقه واتجه ليستقل مقعد القيادة.

⸻

بعد قليل من الوقت، وصلا أمام مطعم راقٍ.

ترجل من سيارته، ثم اتجه ناحية مقعدها وفتح لها الباب، ومد يده لها.

نظرت إلى يده، ثم أمسكت بها ونزلت.

ثم اتجها معًا إلى الداخل.

دخلا، واقترب منهم أحد النوادل وقال بابتسامة:

ـ "أهلًا يا أدهم بيه، إحنا جهزنا ترابيزة حضرتك."

أومأ له بابتسامة، ثم اتجه إلى إحدى الطاولات.

سحب الكرسي لها، فجلست، ثم جلس هو أمامها.

اقترب منهما النادل مرة أخرى وهو يحمل قائمة الطعام، وأعطاهم إياها.

ظلت تنظر إلى القائمة، ثم قالت:

ـ "عايزة Iced Spanish Latte وSmoked Salmon Bagel."

ثم قال هو:

ـ "القهوة بتاعتي."

هز النادل رأسه ثم ذهب.

بصت له وهي تعقد حاجبيها:

ـ "إنت هتفطر قهوة بس؟"

رد بهدوء:

ـ "مبحبش أفطر."

ردت وقالت:

ـ "مينفعش تفطر قهوة من غير ما تاكل."

سكت.

ثم جاء الطعام.

أخذت لقمة، ثم نظرت إليه، فوجدته ما زال على وشك أن يشرب قهوته.

مدت يدها وأخذتها منه.

رفع حاجبه ونظر إليها.

ـ "في إيه؟"

قالت:

ـ "استنى، متشربش."

ثم أخذت الطعام ومدته إليه.

ـ "كل أي حاجة قبل ما تشربها."

نظر إليها، وكان على وشك إعادة الطبق.

فقالت:

ـ "كل بليز، لو مكلتش أنا كمان مش هاكل."

وعقدت ذراعيها وعادت إلى الخلف.

تنهد ونظر إليها، ثم أكل لقمة بالفعل.

وقال:

ـ "مبسوطة كده؟"

ابتسمت وهزت رأسها.

أعاد الطبق إليها وقال:

ـ "كلي يلا."

⸻

بعد قليل، كانا قد انتهيا من الطعام.

قال وهو ينتهي من الدفع:

ـ "يلا عشان أوصلك وأروح على الشغل."

بصت له وهي تعقد ذراعيها وتنظر إلى الناحية الأخرى، وتعبس بوجهها.

ـ "إيه ده...إحنا هنمشي إحنا لسه جايين، مش عايزة أروح."

نظر إليها وقال:

ـ "هبقى أجيبك تاني، بس يلا المرادي."

هزت رأسها بالنفي.

سكت قليلًا، ثم تنهد بضيق وقال:

ـ "عايزة تروحي فين؟"

ابتسمت بفرحة وقالت:

ـ "هنروح أي مكان أقول عليه."

نظر إليها وهز رأسه.

قامت، ثم أمسكت يده وقالت:

ـ "طب قوم يلا عشان نلحق اليوم من أوله."

قام معها وقال:

ـ "هنروح فين طيب؟"

قالت:

ـ "هتعرف، تعالَ بس."

وخرجا خارج المطعم، ووقفا أمامه ينتظران سيارته.

نزل السائق من السيارة وأعطى لأدهم المفاتيح.

بصت له وقالت وهي تمد يدها:

ـ "أنا اللي هسوق."

رفع حاجبه وقال:

ـ "أكيد لا، وبعدين إنتِ معاكي رخصة أصلًا؟"

بصت له وقالت:

ـ "أيوه طبعًا معايا، وكان معايا عربية كمان."

أعطاها المفتاح وهو يقول في سره:

ـ "ربنا يستر."

ركبا السيارة.

وأول حاجة عملتها، جعلت كرسي السواقة أقرب، لأن فرق الطول بينهما كبير.

ثم بدأت تشغل السيارة وانطلقت بسرعة عالية.

⸻

أمام عمارة راقية بأحد شوارع المعادي، توقفت السيارة أمام مدخل العمارة.

نزلت منها، ثم نزل هو وهو ينظر باستغراب وقال:

ـ "إحنا بنعمل إيه هنا؟"

شدته من يده وقالت:

ـ "هتعرف، تعال."

ودخلا إلى العمارة، ثم ركبا الأسانسير.

وضغطت الزر.

توقف الأسانسير في الطابق الأخير.

فتحت الباب ثم خرجت، وهو اتبعها.

وقفت أمام باب الشقة، ثم انحنت قليلًا ورفعت النبتة الموجودة بجانب الباب، وأخرجت مفتاحًا كان مخبأً أسفلها.

اعتدلت وفتحت الباب تحت أنظار أدهم المستغربة.

دخلا إلى الشقة.

كانت شقة دوبلكس مكونة من ثلاثة طوابق، وفي الطابق الثالث كان هناك روف كبير.

نظر إليها أدهم وقال:

ـ "بيت مين ده؟"

أجابته بنبرة حزينة قليلًا:

ـ "بيتي."

عقد حاجبيه.

ـ "بيتك؟"

هزت رأسها.

ـ "بيتي القديم."

هز رأسه، ثم قال:

ـ "وإحنا جايين هنا ليه؟"

أمسكت يده وقالت:

ـ "عشان أرسمك."

نظر إليها باستغراب، ثم ذهب معها.

صعدا إلى الطابق الثالث، ودخلت إلى غرفة كانت مليئة باللوحات الفنية.

كانت اللوحات في غاية الجمال، وكل واحدة منها تحمل تفاصيل مختلفة وألوانًا متناسقة.

تركت يده، واتجهت إلى إحدى الزوايا، وأخذت أدواتها ولوحة فارغة.

نظر أدهم إليها بانبهار وقال:

ـ "إنتِ بترسمي؟"

هزت رأسها.

قال وهو ينظر إلى اللوحات من حوله:

ـ "حلوين أوي."

نظرت إليه بابتسامة.

ـ "شكرًا."

ثم قالت:

ـ "تعال يلا."

خرجت معه إلى الروف.

كان هناك مسند مخصص للوحة، فوضعَت عليه اللوحة، ثم رتبت أدواتها بجانبها.

نظرت إليه وقالت:

ـ "اقعد يلا، هرسمك."

جلس أمامها.

أمسكت الفرشاة، وبدأت في رسمه.

بعد ساعة، كانت قد انتهت من رسمه.

وضعت الفرشاة جانبًا، ثم قالت بتعب خفيف:

ـ "خلصت."

قام من مكانه واتجه إليها، ثم نظر إلى اللوحة.

توقف للحظات.

كانت مرسومة ببراعة شديدة، حتى بدت وكأنها صورة التُقطت له، وليست لوحة مرسومة بالفرشاة.

قال بإعجاب صادق:

ـ "حلوة أوي."

ابتسمت ونظرت إليه:

ـ "عجبتك بجد؟"

هز رأسه وقال:

ـ "دي تحفة فنية فعلًا."

ضحكت وهي تقول:

ـ "مش للدرجة دي، أنا لسه على قدي."

ضحك وقال:

ـ "كفاية تواضع، إنتِ فنانة فعلًا."

نظرت إلى اللوحة للحظات، ثم قالت بصوت هادئ:

ـ "أنا بحب الرسم أوي... يمكن الحاجة الوحيدة اللي كنت بعملها وأنا صغيرة وما زلت بعملها لحد دلوقتي."

ثم ابتسمت ابتسامة باهتة.

ـ "بتفكرني بالماضي وذكريات زمان."

وبينما كانت تتحدث، تجمعت الدموع في عينيها، حتى انزلقت إحداها على وجنتها.

مسحتها سريعًا، وحاولت أن تمنع صوتها من الارتجاف، ثم قالت:

ـ "كانت ماما دايمًا هي اللي بتشجعني على الرسم."

ابتلعت غصتها وأكملت:

ـ "وكانت دايمًا تقولي إني موهوبة، وإنها هتفضل تشجعني طول عمرها لحد ما أكبر وأبقى رسامة كبيرة ومشهورة."

صمتت لحظة.

ثم مسحت دمعة أخرى سقطت من عينيها، وقالت بصوت مكسور:

ـ "بس حلمها متحققش."

ضحكت بسخرية ممزوجة بالدموع.

ـ "هي سابتني ومشيت."

ثم كررت كلامها وكأنها لم تستطع منع الألم من الخروج:

ـ "سابت بنتها... وراحت تشجع أحلام عيال جوزها، اللي سابتني عشانه."

ظل ينظر إليها بصمت.

لأول مرة، كان يرى جانبًا آخر منها لم تعرف كيف تخفيه خلف قوتها وعنادها.

اقترب منها بهدوء، ثم احتضنها.

وبمجرد أن شعرت بذراعيه تحيطان بها، انهارت تمامًا.

دفنت وجهها في صدره، وانفجرت في البكاء وهي تقول بصوت متقطع:

ـ "هي ليه سابتني؟"

ظل صامتًا، ولم يجد الكلمات المناسبة ليجيبها بها.

فقط شدّ ذراعيه حولها أكثر، وتركها تبكي دون أن يحاول إيقافها.

قالت وسط شهقاتها:

ـ "أنا عملت إيه عشان تعمل فيا كده؟ أنا كنت محتاجاها بس... كنت محتاجة أمي."

أغمض عينيه للحظة، وشعر بثقل غريب في صدره.

رفع يده وربّت على ظهرها ببطء، وقال بصوت هادئ:

ـ "ممكن  مكنتيش انتِ السبب."

ابتعدت عنه قليلًا، ورفعت عينيها المليئتين بالدموع إليه.

ـ "أومال ليه؟"

نظر إليها ولم يجب.

كانت نظراتها تبحث في عينيه عن إجابة، لكنه لم يملكها.

مسح بإبهامه دمعة علقت على وجنتها، وقال:

ـ "في ناس بتاخد قرارات أنانية... ومبتفكرش في اللي هتسيبه وراها."

ضحكت بمرارة.

ـ "بس أنا بنتها."

ـ "كان المفروض تختارني."

ظل ينظر إليها، 

نزلت دمعة جديدة من عينيها.

ـ "أنا حتى مش فاكرة آخر مرة حضنتني فيها."

شعر بانقباض في صدره، لكنه لم يظهره.

اقترب منها مرة أخرى، ووضع يده على رأسها برفق.

ـ "خلاص... متفكريش فيها دلوقتي."

هزت رأسها وهي تبكي:

ـ "مش عارفة أنساها."

ـ "مش لازم تنسيها."

نظرت إليه باستغراب.

أكمل:

ـ "بس متخليش اللي عملته يفضل يوجعك طول عمرك."

سكتت وهي تنظر إليه.

ثم قالت بصوت خافت:

ـ "شكرًا إنك سمعتني،"

بصّلها بهدوء، ورتّب على شعرها بحنان.

مسحت دموعها سريعًا، وحاولت أن تستعيد هدوءها، ثم قالت:

ـ "مش جعان."

بصلها وقال:

ـ "جعان."

سكتت لحظة، ثم قالت:

ـ "خلاص... هعمل أكل."

نظر إليها باستغراب وقال:

ـ "بتعرفي تعملي أكل؟"

قالت بتوتر.:

ـ "آه... يعني."

ضحك عليها وقال:

ـ "هو في حاجات تعملي بيها الأكل أصلًا؟"

ظلت تفكر قليلًا، ثم تذكرت أن آخر مرة جاءت فيها إلى الشقة كانت منذ شهور، بالتالي لم يكن هناك شيء تقريبًا في المطبخ.

أخرجت هاتفها واتصلت بسوبر ماركت، وبدأت تطلب كل الأشياء التي ستحتاج إليها.

وبعد قليل، رن جرس الباب.

كانت ستتجه إلى الدرج، لكنه أوقفها.

ـ "رايحة فين؟"

نظرت إليه باستغراب.

ـ "الباب بيخبط، زمان الحاجات وصلت."

عقد حاجبيه وقال:

ـ "هتنزلي تفتحي وأنا موجود؟"

لم تفهم قصده، لكنها قالت:

ـ "وفرت برضو... مكنتش قادرة أنزل."

ابتسم بخفة، ثم اتجه إلى الدرج ونزل.

فتح الباب وأخذ الطلبات، ثم اتجه يبحث عن المطبخ حتى وجده، ووضع الأشياء على الطاولة.

ثم ناداها:

ـ "ليليانن."

نزلت، وبدأت تتفقد الأشياء التي أحضرها.

نظر إلى كمية المشتريات، ثم قال باستغراب:

ـ "إنتِ هتعملي أكل لقبيلة ولا إيه؟"

رمقته بنظرة ضيقة.

ـ "خلاص يا ستي، مقولتش حاجة."

نظرت إليه وقالت:

ـ "يلا اطلع بره، مبعرفش أشتغل وحد موجود."

رفع حاجبه.

ـ "بتطرديني كمان؟"

هزت رأسها.

نظر إليها للحظات، ثم خرج.

أخرجت هاتفها، وفتحته وكتبت:

"كيفية عمل أكل."

وبدأت تبحث عن طريقة إعداد الطعام.

ظلت أكثر من ساعة تحاول الطبخ، تتنقل بين الهاتف والمطبخ، وتعيد قراءة الخطوات أكثر من مرة، بينما كان أدهم في الخارج يجلس وينتظرها، وينظر إلى ساعته كل بضع دقائق.

وبعد طول انتظار...

طفح به الكيل.
⸻
دخل إلى الداخل، فوجدها مغطاة بالدقيق، والمطبخ في حالة يُرثى لها.

نظر إليها بخضة وقال:

ـ "إنتِ كنتِ بتحاربي ولا إيه؟"

رمقته بنظرة ضيقة.

بصلها، وعمل حركة بيده معناها أنه سكت.

بدأت تُحضر الأطباق وتغرف الطعام.

كانت قد أعدّت مكرونة ألفريدو بالجمبري.

أخذت الأطباق وصعدت إلى الروف، وهو اتبعها.

وضعت الطعام على الطاولة، وكان هناك بروجكتور.

شغّلته، ثم شغلت فيلمًا، وجلست بجانبه.

نظرت إليه وقالت:

ـ "دوق يلا."

نظر إليها، ثم أخذ الشوكة وتناول لقمة.

نظر إليها ، لكنه لم يستطع أن يبلعها.

نظرت إلى ردة فعله وقالت:

ـ "وحشة صح؟ أنا كنت عارفة."

قال وهو يحاول ابتلاعها، مجاملةً:

ـ "يعني... مش وحشة."

ثم نظر إلى ملامح وجهها الحزينة، فقال سريعًا:

ـ "بس حلوة، حلوة."

ابتسمت.

ثم أخذت شوكتها وبدأت تتذوق الطعام.

ظهرت ملامح الاشمئزاز على وجهها، وقالت:

ـ "يععع"

حاول كتم ضحكته، لكنه لم يستطع.

نظرت إليه وقالت:

ـ "حلوة إيه بس... دي أوحش من مال اليتيم."

ضحك وقال:

ـ "هي حلوة، بس إنتِ كترتي توابل شوية بس."

نظرت إلى الطعام بضيق، وقالت بزعل خفيف:

ـ "طب الأكل كده باظ... هناكل إيه؟"

نظر إليها وقال:

ـ "قومي، هنعمل أنا وإنتِ."

بصت له باستغراب:

ـ "بتعرف تعمل أكل؟"

هز رأسه.

ـ "يعني على قدي."

نزلا معًا إلى الأسفل ودخلا المطبخ.

ثم بدأ في تحضير الطعام.

وكان يحضر الأكل بمهارة شديدة، وكأنه شيف محترف.

نظرت إليه بانبهار.

ثم أخذت قليلًا من الدقيق ونفخته في وجهه.

نظر إليها بخبث وقال:

ـ "إنتِ قد الحركة دي؟"

نظرت إليه ببراءة مصطنعة:

ـ "من غير قصدي والله."

كان على وشك أن يقترب منها، فجرت وهي تضحك.

جري خلفها، ثم أمسك بها ولفها، فأصبحت مقابلة له.

كانا قريبين جدًا من بعضهما.

توقفت حركتهما.

وظلا ينظران إلى بعضهما، وكأن الزمن توقف للحظة.

وفجأة، فاقا على رائحة شيء يحترق.

نظر كل منهما إلى الآخر، ثم جريا معًا بسرعة إلى المطبخ.

وبعد ساعة، كانا يضعان الطعام على الطاولة.

كان شكله جميلًا جدًا.

كانا قد أعدّا نفس الأكلة، لكنهما تمكنا من ضبطها هذه المرة.

جلسا وبدأا يأكلان.

قالت هي بتلذذ:

ـ "الله، دي حلوة أوي."

ابتسم وقال:

ـ "بالهنا والشفا."

ابتسمت وقالت:

ـ "مكنتش أعرف إنك بتعرف تطبخ حلو أوي كده."

قال:

ـ "اتعودت. كنت أغلب الوقت مسافر، فاتعلمت أطبخ لنفسي."

نظرت إليه وكأنها ترى جانبًا منه للمرة الأولى.

بصلها، فوجدها تنظر إليه ومبتسمة.

ابتسم على ابتسامتها.

ثم نظر إلى ساعته.

كانت الساعة التاسعة مساءً.

نظر إليها وقال:

ـ "يلا نروح، عشان عندي شغل بكرة."

هزت رأسها وقالت:

ـ "أيوه يلا، أنا كمان عندي سكشن بكرة بدري."

قام الاثنان وبدآ في حمل الأطباق وتنظيف المكان، ثم نزلا.

وقفا أمام السيارة.

نظرت إليها، ثم نظرت إليه.

فهم ما تقصده، وهز رأسه بالنفي.

ـ "ده إنتِ كنتِ هتموتينا وإحنا جايين."

عبست بوجهها.

قال:

ـ "مرة تانية وهبقى أعلمك السواقة، ماشي؟"

نظرت إليه قليلًا وهي تفكر، ثم قالت:

ـ "أمم... ماشي، بس إنت وعدتني أهو."

قال وهو يفتح لها الباب:

ـ "وعدتك يا ستي، وهبقى أعلمك."

ابتسمت، ثم ركبت، وأغلق الباب خلفها.

اتجه إلى مقعد القيادة، وانطلق بها إلى القصر.

⸻

توقفت السيارة أمام القصر.

نزلا واتجها إلى الداخل.

اتجهت هي ناحية المطبخ، فنظر إليها وقال:

ـ "رايحة فين؟"

نظرت إليه وقالت:

ـ "هشرب وأطلع أنام."

هز رأسه وقال:

ـ "تصبحي على خير."

قالت:

ـ "وأنت من أهله."

ثم اتجه هو إلى جناحه، بينما دلفت هي إلى المطبخ.

لفت نظرها كعكة بالشوكولاتة موضوعة على الرخامة.

نظرت إليها نادية وقالت بابتسامة:

ـ "تحبي أحط لحضرتك؟ أنا لسه عاملها،لأدهم بيه بيحبها أوي."

نظرت إلى الكعكة، ثم هزت رأسها بالموافقة.

أخذت كوب ماء من الخزانة، وصبت فيه الماء وشربت.

ثم مدت لها نادية الطبق.

ابتسمت وأخذت الصحن، وذهبت إلى الأعلى.

فتحت باب غرفتها ثم دخلت، ووضعت الصحن على الكومودينو.

بدأت تبدل ملابسها، ثم جلست على السرير وأخذت الصحن وبدأت تتناول الكيك.

⸻

في جناحه

دخل أدهم، وبدأ يضع مفاتيحه، ثم وضع هاتفه على السرير.

ذهب إلى غرفة الملابس ليخرج لنفسه ملابس.

وفجأة سمع رنين هاتفه.

عقد حاجبيه، ثم خرج وأمسك بهاتفه.

كان سليم يتصل.

رد:

ـ "ألو."

جاءه صوت سليم:

ـ "عامل إيه؟"

رد:

ـ "كويس."

قال سليم:

ـ "كنت عايز أكلمك من بدري، لما مجتش الشركة النهارده، أقولك إن عندنا اجتماع مهم بكرة، بس محبتش أضايقك."

قال باستغراب:

ـ "تضايقني ليه؟"

رد سليم:

ـ "أنا قولت إنك أكيد روحت المقابر النهارده تزور نادين،بس قولت بلاش أضايقك."

قال:

ـ "أروحلها ليه؟"

قال سليم باستغراب:

ـ "مش النهارده الذكرى السنوية؟ ولا أنا اتلغبط في اليوم؟"

سكت أدهم قليلًا.

ثم أبعد الهاتف عن أذنه ونظر إلى التاريخ.

كان اليوم هو الذكرى السنوية فعلًا.

كيف نسي؟

لم ينسَ هذا اليوم أبدًا، مهما حدث.

قال سليم:

ـ "إنت كويس؟"

مسح أدهم على وجهه وقال:

ـ "آه، أنا تمام. هبقى أكلمك بعدين."

ثم رمى الهاتف على السرير، ووضع يديه على وجهه.

كيف نسي ذكرى زوجته السنوية؟

كيف لم يزرها؟

لم ينْسَ هذا اليوم أبدًا.

وبدلًا من أن يذهب لزيارة زوجته، كان يقضي يومه مع امرأة أخرى.

كان عقله لا يستوعب كيف نسي.

اتجه إلى المرحاض، ثم فتح الدوش على مياه باردة.

⸻

عند ليليان.

كانت تأكل الكيك، ثم شعرت بسعال قوي وحرقان في حلقها.

نظرت إلى الكيك بصدمة خفيفة.

قامت بسرعة واتجهت إلى الدور العلوي.

طرقت على الباب.

لم يأتِها صوت.

ترددت كثيرًا، لكن الاختناق بدأ يزداد.

فتحت الباب ثم دخلت.

لم يكن موجودًا.

ظلت تبحث عنه.

وفجأة جاءها صوته غاضبًا، وهو يقول بغضب من رؤيتها:

ـ "أنا مش قولتلك متدخليش هنا؟"

نظرت إليه.

كانت ملامحه غاضبة بشكل لم تره من قبل.

حاولت أن تشرح له، لكنه لم يعطها فرصة، وأكمل بغضب:

ـ "إنتِ بتحاولي تعملي إيه بالظبط...أنا قولتلك متدخليش هنا تاني، بتدخلي ليه...عايزة توصلي لإيه."

نظرت إليه من حديثه.

لم تكن تفهم شيئًا.

ثم أكمل بنفس النبرة:

ـ "إنتِ فاكرة لما تخشي جناحها هتاخدي مكانها؟ إنتِ فاكرة إنك ممكن تبقي مراتي بجد وأحبك؟"

اقترب منها وقال:

ـ "أنا مستحيل أحبك. ولو فاكرة إننا عشان قربنا من بعض وبقى في ود إني ممكن أتقبلك كزوجة ليا، تبقي غلطانة."

ثم قال بحدة:

ـ "إنتِ بالنسبالي ولا حاجة. إنتِ مجرد مراتي اسمًا. أنا عمري ما هفكر فيكي."

كانت تنظر إليه والدموع تملأ عينيها، بينما السعال يزداد.

لكنه أكمل:

ـ "جوازنا مستحيل يبقى حقيقي، وأحبك...لأني هفضل أحب مراتي. لا إنتِ ولا غيرك يقدروا ياخدوا مكانها."

كانت تحاول أن تأخذ أنفاسها، لكنها لم تستطع.

حاولت أن ترد عليه، لكن صوتها لم يخرج.

قطع محاولتها وصاح فيها بقوة:

ـ "اطلعييي بره."

سقطت دمعة على وجنتها.

نظرت إليه للحظة، ثم جرت إلى الخارج.

نزلت الدرج بصعوبة، وهي لا تكاد تستطيع الوقوف على قدميها، وتسعل بقوة شديدة.

دخلت غرفتها، ثم أمسكت هاتفها وكانت تحاول أن تتصل بالإسعاف.

لكنها سقطت مغشيًا عليها.

⸻

في جناحه

كان أدهم يقف مكانه، وصدره يتصاعد من شدة الغضب.

ظل ينظر إلى الباب الذي خرجت منه.

ثم جلس على السرير، ووضع يده على وجهه.

ـ "غبي... غبي."

كان يشعر بأنه اقترب منها أكثر من اللازم.

إلى درجة أنه نسي الذكرى السنوية لزوجته بسبب وجوده معها.

ضرب بيده على السرير، وهو يشعر بالندم.

⸻

في اليوم التالي

نزل أدهم من الدرج، ثم اتجه إلى غرفة الطعام.

كان مقعدها فارغًا.

نظر إلى مقعدها، ثم جلس.

أتت نادية وهي تقول:

ـ "تحب أجيب لحضرتك حاجة تانية؟"

نفى برأسه.

ثم قال وهو ينظر إلى مقعدها:

ـ "هي ليليان لسه  مصحيتش؟"

قالت نادية:

ـ "أنا خبطت عليها، بس محدش فتح، فقولت تكون نايمة أو بتعمل حاجة."

نظر إليها باستغراب.

فقد تذكر أنها أخبرته أن لديها سكشن بكرًا.

نظر إلى نادية وقال:

ـ "روحي صحيها، ولو مردتش افتحي الباب وادخلي."

أومأت له ثم ذهبت.

لم تمضِ سوى دقائق حتى دوى صوت صراخ قوي.

انتفض من مكانه، وقام مسرعًا إلى غرفتها.

دخل الغرفة.

كانت ملقاة على الأرض مغشيًا عليها، وبجانبها نادية.

انحنى واقترب منها، محاولًا إفاقتها.

وجد جسدها باردًا ووجهها شاحبًا.

نظر إليها بصدمة، وحرك وجهها بين يديه، لكن لم تكن هناك استجابة.

اقترب أكثر وحاول أن يتفحص نبضها.

لكن الصدمة  الأكبر كانت.

لا يوجد نبض.

صرخ وهو يقول:
-"ليليانن."

ـ "فوقي... لأ، فوقي."

ثم حملها بين ذراعيه وقال لنادية:

ـ "قولي لكريم يشغل العربية بسرعة."

نزلت نادية مسرعة، بينما خرج هو خلفها.

نظر إليها وهي بين ذراعيه.

كانت لا تتنفس.

نزل إلى الأسفل، ثم خرج إلى الخارج.

فتح كريم باب السيارة.

وضعها أدهم  بداخلها، ثم ركب بجانبها، وكان رأسها مستندًا على ساقه.

ظل ينظر إليها، وعقله لا يستوعب ما يحدث.

البارت ده اتمسح بالغلط في نزلتو تاني.

تعليقات



<>