رواية الاء من الله الفصل الثالث عشر13 بقلم حنين سامي
( آلاء)
قالت لنا أن نذهب لقسم الطوارئ في الطابق الأول .
سندتُّ غادة حتى ذهبنا إلى القسم ، و نسيتُ أن أطرق الباب من قلقي ؛ فدخلتُ إلى غرفة الطبيب .
لكن و يا للمفاجأة لم يكن سوى أمجد و لم يكن وحده ؛ بل كانت هناك فتاة تجلس على مكتبه و كانا يتبادلان القُبُلات .
عندما رآني ، خرجت الفتاة بسرعة و هي تُخفي وجهها .
نظرتُ بصدمة إليه ، لحظة واحدة ؛ ما هذا ؟!
توقّف كل شيء من حولي فجأة .. أصوات المستشفى ، خطوات الناس في الممر ، حتى صوت غادة بجانبي أصبح بعيدًا جدًا ، كأنني أقف في مكان آخر ولا أرى أمامي سوى أمجد .
لم أستطع أن أستوعب ما رأته عيناي .. أمجد ؟!
أمجد الذي ظلّ لأشهر يقول لي " بحبك " ، أمجد الذي أقنعني أنني المرأة الوحيدة في حياته ، أمجد الذي كنتُ أصدّق كل كلمة تخرج من فمه .. كان يقف أمامي الآن ، وفتاة أخرى كانت بين ذراعيه .
شعرتُ بشيء بارد ينساب في أطرافي ، ثم بدأ قلبي يخفق بعنف ، وكأن جسدي يحاول أن يهرب من المشهد قبل أن يستوعبه عقلي .
لم أبكِ ..
لم أصرخ ..
حتى أنني لم أستطع أن أسأله " ليه ؟ "
فقط حدّقتُ فيه .
حدّقتُ فيه كأنني أنتظر منه أن يضحك ويقول إنني فهمتُ الأمر خطأ ، أن يخبرني أن ما أراه ليس حقيقيًا ، وأن الأشهر الستة التي عشتها معه لم تكن كذبة .
لكن صمته ، وارتباكه ، والطريقة التي كانت بها الفتاة تُخفي وجهها .. كل شيء كان يقول الحقيقة التي تمنيتُ لو أنني لم أعرفها أبدًا .
شعرتُ بأن قلبي كُسِر إلى نصفين ، لقد تبدَّلتْ الأدوار الآن ف " غادة " من تسندني .
مددتُ يدي دون وعي أبحث عن شيء أستند إليه ، فوجدتُ يد غادة تمسكني بقوة .
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أضغط على يدها ، وكأنها الشيء الوحيد الحقيقي في هذا المكان .
و أنا فقط أحدّق إليه بذهول ، قالت غادة : " انت يا قليل الأدب ، بتعمل ايه في العيادة ؟! "
قال بسرعة و هو يُهندم ملابسه : " آلاء أنا .. "
قاطعتُه و قلت : " لو سمحت يا دكتور ، صاحبتي تعبانة و عايزين نكشف عليها ."
خرج صوتي هادئًا بشكل أخافني أنا نفسي ..
كيف استطعتُ الكلام بهذه البرودة بينما كان شيء بداخلي ينهار بالكامل ؟!
نظر إليّ بدهشة و قال : " هو أنا للدرجة دي مش فارق معاكي ؟ "
كدتُ أضحك من شدة الوجع ..
" مش فارق معاكي ؟ "
أي جرأة هذه ؟!
كيف يستطيع أن يسألني هذا السؤال بعد أن رأيته بعيني ؟!
لكنني لم أقل شيئًا .
لم أكن أملك حتى رفاهية الغضب .. كنت فقط أحاول أن أبقى واقفة .
قالت غادة بصوت مرتفع : " انت لسه هترغي يا قليل الأدب ، هي دي عيادة و لا كباريه ؟ "
قال لها بضيق: " وطي صوتك لو سمحت ده مكان شغل ."
قالت غادة بصوت أعلى : " شغل ؟ شغل ايه يا أبو شغل .. "
ثم نظرَت إليَّ و قالت : " يلا يا آلاء نمشي من هنا ، الواحد ييجي هنا يتعب مش يخف ."
كنتُ في عالم موازي تمامًا مع خيباتي ، و الستة أشهر يمرون أمامي كلمح البصر .
ستة أشهر ..
كل كلمة ..
كل وعد ..
كل مرة أخبرني فيها أنه يحبني ..
كل مرة قال فيها " أنا مش عايز غيرك " ..
بدأتُ أراجعها كلها في رأسي في لحظة واحدة ، وكأن عقلي يعاقبني بإعادة كل شيء أمامي .
كم كان سهل عليه التلاعب بمشاعري ؟!
و الأسوأ من الخيانة نفسها أنني بدأت أسأل نفسي سؤالًا لم أكن أريد أن أعرف إجابته ..
هل كنتُ غبية إلى هذه الدرجة ؟!
أم أنني فقط كنتُ أحبه لدرجة جعلتني أصدّق كل ما أريده أن يكون حقيقيًا ؟
أفقت على هزة غادة لكتفي و هي تقول: " يلا يا آلاء نمشي ."
قلتُ لها بهدوء عكس ما بداخلي من انهيار : " يا غادة لازم تكشفي ."
أومأَ أمجد و قال : " ايوا اسكتي و تعالي اكشف عليكي ."
قالت غادة بغضب : " انا لو بموت مش هخليك تكشف عليا ."
نظرتُ إلى الناس الذين تجمعوا من صوت غادة .
و قلتُ لها بهمس حزين : " كفاية يا غادة ."
أومأت و قالت بصوت مرتفع : " ايوا فعلا ، كفاية قلة أدب . "
جاء طبيب من آخر الممر و قال : " في ايه يا جماعة ؟ "
كادت غادة تتحدث لكني أمسكتُ يدها و قلت : " مفيش يا دكتور ، كنا عايزين نكشف على صاحبتي، بس الظاهر الدكتور مش فاضي ."
أومأَ هذا الطبيب و قال بابتسامة : " طب تعالوا ، انا موجود ."
كشفَ هذا الطبيب الذي يُدعى ب " محمود " عليها .
قال و هو ينظر إليّ : " هي هتحتاج تعلق شوية محاليل هنا ."
أومأتُ و قلت : " طب في اى خدمات ؟ "
قال : " للأسف هنحتاج محلول ملح من أى صيدلية ."
قلتُ له : " حاضر ، هنزل أجيبه ."
قالت غادة : " هنزل معاكي ."
حركتُ رأسي نافية و قلت : " خليكي يا قلبي ، انا مش هتأخر ."
قال محمود و هو ينظر إلى غادة : " ايوا ، و بالمرة هنركب لحضرتك الكانيولا ."
ذهبتُ و تركتها مع الممرضة التي أتت كي تجهز الأدوات ..
كنت أمشي في الممر ، كنت أريد الاتصال ب " حبيب" لكني لا أملك هاتفه .. ! لقد نسيتُ أخذه فعلًا .
و فجأة وجدتُّ يد وُضعت على فمي و أدخلتني غرفة ...
( عند حبيب)
كنتُ أجلس مع هشام و شهاب على القهوة و نتحدث ..
قال هشام : " و الله ليك واحشة يا بوب ."
أومأ شهاب و قال : " حصل يبني ، أخبارك ايه؟"
قلتُ بابتسامة : " انتوا أكتر يا اخواتي ."
قال هشام بابتسامة : " هنطلب ايه ؟ "
قال شهاب : " اكيد طلبنا المعتاد ."
أومأ هشام و قال : " ٣ شيشة يا " بِلية" و ٣ شاي سكر بره ."
قلتُ ل"بلية" : " متعملش حسابي في الشيشة ."
نظرا إليّ بذهول ، فأنا من كنتُ أطلب في كل مرة .
قال شهاب : " يعني ايه يا صاحبي ؟ عايز صنف تاني ؟ "
قال هشام : " لو كده كنت قولتلي و كنا سهرنا في البيت مع شوية نسوان عسل ."
قلتُ بضيق : " لا مليش نفس ."
قال هشام : " مالك يا **** ؟ شكلك متضايق من الصبح ."
نظرتُ له بحدة و قلت : " ياريت نخف شتايم شوية ."
قال شهاب : " لا بقا ، انت شكلك زعلان فعلا ."
زفرت و قلت : " يا بني انا مش متضايق ."
جاء " بِلية " و قدّم لنا الشاي و طلباتهم .
و جلسا يدخنا ، و أنا كنت أشرب الشاي و ذهني مشغول بهذه الفتاة التي شغلت قلبي قبل عقلي ..
صفَّر هشام و قال بغمزة للفتاة التي تمشي أمامنا : " متجيب نفَس يا شوش ."
قلبتُ عيني ، و لم أنظر إليها حتى ..!
قال شهاب: " ايه يا صاحبي ؟ مش من نوعك دي ؟ "
قلتُ له: " مخدتش بالي و الله ."
نظر لي هشام بضيق و قال : " احنا سبناك أسبوع واحد ، ترجع متبهدل كده ؟ "
قال شهاب : " اتصل بنرمين ؟ هي اللي هتفرفشك "
أمسكَ هشام بهاتفي كي يتصل بها ، لكنني منعته فورًا و قلت بانفعال : " سيب التليفون يا عم ."
'لا أستطيع أن أعطيه هاتفي خاصةً الآن .'
قلتُ بعد ثانية : " بقولكم ايه .. أنا ماشي ."
وقفا ورائي ، وقال شهاب : " في ايه يا حبيب ، مالك مش طايقلنا كلمة ليه ؟ "
قلتُ له بغضب: " مفيش ، انا عايز أمشي ."
قال هشام و هو يخرج سيجارة : " طب خد يا صاحبي ، اقعد بس و تعالى نشرب سوا ، و يا سيدي مش هنشتم ."
نظرتُ لهما ، و قلت : " انا لسه شارب واحدة ، و الموضوع مش حكاية شتايم ، أنا انهاردة تعبان ، سلام ."
غادرتُ وسط نظراتهم المستنكرة .
كنتُ أمشي قريبًا من المنزل ، فرأيتُ " عمرو" صديقي القديم ..
نظر إليّ بابتسامة و قال : " السلام عليكم ، عامل ايه يا حبيب ؟ "
قلتُ بابتسامة : " و عليكم السلام ، الحمد لله يا عمرو ، انت عامل ايه ؟ "
قال ببشاشة : " في زحام من النِعم، أنا سعيد إني شوفتك ."
أومأتُ و قلت بابتسامة عريضة ' لا أعلم من أين أتت ' : " أنا اللي مبسوط و الله ."
قال لي: " اومال انت رايح فين كده ؟ "
قلتُ له : " رايح البيت ،و انت ؟"
قال بابتسامة: " أنا رايح أصلي العشاء ، تعالى معايا نصلي سوا ."
لا أعلم لما تذكرتُ" آلاء " فجأة ، فقلت : " ماشي يلا ."
( آلاء )
نظرتُ فإذا بي أرى أمجد أمامي ، و يحاصرني في الحائط خلفي ، و ما زالت يده على فمي ..
تجمّدتُ في مكاني للحظة ، وشعرتُ بأن أنفاسي انحبست في صدري . لم أستطع استيعاب أنني أصبحتُ وحدي معه في هذه الغرفة ، وأن الباب خلفه ، ولا يوجد بيني وبينه أي شيء يمكن أن يحميني .
كانت عيناي تتحركان في المكان بسرعة ، أبحث عن أي مخرج ، بينما كان عقلي يردد كلمة واحدة فقط : اهربي !
قال برجاء : " آلاء اسمعيني ، أنا بحبك يا آلاء ، مش عايزك تفهميني غلط ..."
يا للسخرية !
كيف يمكنه أن يقول إنه يحبني وهو يفعل بي ذلك ؟!
شعرتُ بالغضب يختلط بالخوف داخلي ، وحاولتُ أن أقاوم ارتجاف جسدي حتى لا يرى كم أنا خائفة .
نظرتُ له بحدة و حاولتُ الإفلات منه لكنه كان أقوى مني ..
كلما حاولتُ الابتعاد ، شعرتُ بأن قبضته تزداد قوة ، وكأنني عالقة في كابوس لا أستطيع الاستيقاظ منه .
أحكم قبضته على يدي و يده الأخرى على فمي .
حاولتُ تحريك يدي بعنف ، وبدأتُ أتنفس بصعوبة من شدة الخوف . كانت دموعي تقف على حافة عيني ، لكنني لم أسمح لها بالسقوط ؛ لم أكن أريد أن يظن أنني استسلمتُ .
قال بضيق : " متتعبنيش معاكي ."
ثم نظر لي بابتسامة مقرفة و قال : " أنا عارف إنك جيتي عشاني ."
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي ، وازدادت ضربات قلبي حتى شعرتُ بها تؤلم صدري .
اقترب مني أكثر ؛ حاولتُ الصُراخ لكنني لا أستطيع .
لم أعد أسمع سوى صوت أنفاسي المتقطعة ودقات قلبي التي بدت لي أعلى من أي شيء آخر . حاولتُ أن أستجمع كل قوتي ، لكن الخوف كان يشلّ أطرافي .
وفجأة ..
رنّ هاتفي الذي يوجد في حقيبتي ، فنظر إليّ و قال و هو يتحسس الحقيبة : "يا ترى مين ؟ "
تعلقتُ بصوت الهاتف وكأنه طوق نجاة أُلقي إليّ في اللحظة الأخيرة . للحظة ، شعرتُ أن هناك فرصة ، فرصة واحدة فقط لأخرج من هنا .
استغليتُ تركه ليدي ، فركلته بقوة في بطنه برجلي ..
ابتعد عني وهو يتألم ، ولم أفكر لحظة واحدة .
جريتُ إلى الخارج ، و يكادُ قلبي يخرج من قفصي الصدري من شدة خوفي .
كنتُ أركض دون أن أعرف إلى أين ، وكل ما كنتُ أريده هو الابتعاد عنه ، عن تلك الغرفة ، وعن كل ما حدث فيها .
كانت قدماي تتحركان وحدهما ، ويدي ترتجف بشدة ، حتى إنني بالكاد استطعتُ فتح حقيبتي .
أخرجتُ الهاتف الذي لم يتوقف عن الرنين و كان رقم غير مسجل .
نظرتُ إلى الرقم لثوانٍ ، ثم ضغطتُ على زر الإجابة بيد مرتعشة .
فتحتُ و قلت بارتجاف : " السلام عليكم ."
جاء أكثر صوت كنتُ أحتاجُ لسماعه ، فقد كان حبيب الذي قال بقلق : " آلائي ، فينك ؟ اتأخرتي ليه ؟ "
بمجرد أن سمعتُ صوته ، شعرتُ بشيء في داخلي ينهار . كأنني كنتُ أقاوم البكاء بكل ما أملك ، وما إن سمعتُ صوته حتى كدتُ أفقد قدرتي على التماسك .
أخذتُ نفس عميق محاولةً التماسك و قلت : " أنا في المستشفى ."
لكن صوتي الذي خرج مرتجفًا ؛ فضحني .
حاولتُ أن أجعل نبرتي طبيعية ، لكن جسدي كان لا يزال يرتجف ، وصدري يعلو ويهبط بسرعة .
قال بقلق : " مستشفى ازاي ؟ فيكي ايه ؟ "
قلتُ : " أنا كويسة الحمد لله ، غادة بس اللي تعبانة شوية ، احنا شوية و جايين ."
كنتُ أعلم أنني أكذب عليه ، ولم يكن الأمر سهلًا ، لكنني لم أستطع إخباره بما حدث وأنا في تلك الحالة .
قال بقلق : " قوليلي في مستشفى ايه بسرعة ."
قلتُ : " لا خليك يا حبيب ، مش هنتأخر ، و بعدين غادة معايا ."
كنتُ أريد فقط أن يغلق الهاتف ، لا لأنني لا أريد سماع صوته ، بل لأنني كنتُ أخشى أن يسمع شيئًا في صوتي يجعلني أنهار .
قال معترضًا : " انتي صوتك متغير يا آلاء ، قوليلي انتي فين ."
دمعت عيناي ، لكني قلتُ بهدوء : " يا حبيب انا كويسة ، نص ساعة و جاية ."
عضضتُ على شفتي حتى لا تخرج مني شهقة بكاء ، وحاولتُ أن أبدو قوية أمامه ، رغم أنني من الداخل كنتُ لا أزال أرتجف .
قال لي: " لو اتأخرتي عن نص ساعة ، مش هيحصل كويس ."
قلتُ له بابتسامة : " حاضر ."
أغلقتُ معه و ذهبتُ إلى الصيدلية و اشتريتُ المحلول .
وضعتُ الهاتف في حقيبتي ، وظللتُ واقفة للحظات أحاول أن أستعيد أنفاسي . كنتُ أشعر بأن جسدي كله ما زال عالقًا في تلك الغرفة ، وكأنني رغم خروجي منها لم أستطع أن أخرج مما حدث .
وقفتُ أمام المستشفى خائفة ، لا أدري لماذا بدأت يدي في الارتجاف ، لكني قبضتُ عليها و قررت الدخول من أجل صديقتي .
رفعتُ رأسي إلى المبنى ، ثم أخذتُ نفسًا طويلًا . لم أكن أريد أن أعود إلى الداخل ، لكن غادة كانت تنتظرني ، ولم يكن بإمكاني تركها وحدها .
خطوتُ إلى الداخل ببطء ، وأنا ألتفتُ حولي بين لحظة وأخرى ، وكأنني أخشى أن يظهر أمامي فجأة .
صعدتُ إلى طابق الطوارئ و أنا مترقبة و على استعداد للصراخ في أى وقت ، لكني دخلتُ إلى غرفة غادة و لم أجد هذا الحثالة .
وقفتُ عند الباب لثوانٍ ، أتأكد بعيني أن الغرفة خالية منه .
وعندما لم أره ، شعرتُ براحة قصيرة ، لكن يدي لم تتوقف عن الارتجاف ، وكأن جسدي لم يصدق بعد أنني أصبحتُ بأمان .
كانت غادة تجلس و هناكَ محلول في يدها ..!
قالت لي بقلق عندما رأتني : " ايه يا آلاء ؟ اتأخرتي كده ليه ؟ الدكتور لما لقاكي اتأخرتي استلف محلول من قسم تاني و قالي ده هستخدمه في البيت ."
جلستُ على الفراش ، و أومأتُ و أنا أنظر إلى الباب خشية حدوث أى شيء .
قالت بقلق : " مالك يا آلاء ؟ أنا آسفة بجد تبعتك معايا ."
نظرتُ لها بحدة و قلت : "و لما ادلق المحلول في وشك ؟ "
ضحكت و قالت : " لا يا ستي هاتي اشربه أحسن ."
ابتسمتُ ، فقالت : " المحلول ناقصله ربع ساعة كده ."
أومأتُ لها و قلت : " ربنا يجعله بالشفاء العاجل يا غدغودة ."
جلستُ معها هذه الربع ساعة ، و كانت تحدثني عن ماذا ترتدي غدًا ، و أكدت عليّ أن آتي إليها في وقت مبكر حتى نجهز سويًا .
و عندما انتهى المحلول جاءت الممرضة و أزالت الجهاز و قالت : " ان شاء الله المحلول اللي بعده يبقى الاسبوع الجاي ."
أومأتُ ، و قلت : " ان شاء الله هنبقى نيجي ."
نظرت إليّ غادة بمعنى " ابقي روحي انتي " .
نظرتُ لها بحدة ؛ فابتسمَت .
نزلنا إلى الأسفل و الحمد لله لم يظهر أمجد مرة أخرى .
ركِبنا سيارة الأجرة كي تصل غادة إلى منزلها ، و بالفعل اطمأننتُ عليها ، و سِرتُ وحدي بعدها .
رنّ هاتفي برقم " حبيب " فابتسمت تلقائيًا و قلت بعدما ألقيتُ السلام و ردً عليّ : " انا في الطريق يا حبيب ."
قال بانفعال : " اقسم بالله كنت جايلك حالًا ."
قلتُ له : " و على ايه ؟ أنا جايه أهو ."
قال لي بصوت دافء : " خلي بالك من نفسك يا آلائي ."
قلت بسرعة : " حبيب .. خليك معايا ."
أتى صوته مريحًا لكل جزء مني : " أنا معاكي دايما يا حبيبتي ."
أومأتُ بابتسامة " قال يعني شايفني "
شعرتُ به يبتسم و هو يقول : " آلاء أنا صليت العشاء في المسجد ."
فرحتُ جدًا و قلت : " بجد ؟! "
قال بفرحة هو الآخر : " اه و الله ، و افتكرتك يا آلاء .... انتي دايما في بالي ."
نظرتُ له ، فكان يقفُ أمامي على بُعد خطوات ، كان ينتظرني في الشارع .. !
عندما رآني أنزل الهاتف ، و ابتسم لي ابتسامته الجميلة و أشار لي كي آتي ..
وجدتني أجري تلقائيًا نحوه ، نسيتُ الناس ، نسيتُ الدنيا ، نسيتُ العالم ، نسيتُ .... نفسي .
لم أفكر لحظة واحدة قبل أن أركض إليه ، وكأن قدميّ اتخذتا القرار بدلًا مني . كنتُ أحتاجه ، أحتاج فقط أن أشعر أنني لستُ وحدي ، وأن هناك شخصًا يمكنني أن أختبئ خلفه من كل ما حدث .
( حبيب )
كنتُ أقف في انتظارها بحب ، لكني فوجئتُ بها تجري نحوي ، فتحتُ لها ذراعي تلقائيًا ، و استقرتْ مكانها .. عند قلبي .
شعور لا أستطيع وصفه و هي تعانقني بقوة دون التفوه بحرف .
لم أسألها عن سبب ركضها ، ولم أطلب منها أن تخبرني ما بها ، شعرتُ فقط أن هناك شيئًا يؤلمها ، وأنها جاءت إليّ لأنني الشخص الذي أرادت أن تجد الأمان عنده .
شددتُّ على عناقها و قلتُ بهمس : " وحشتيني ."
لم ترد عليّ فقط تشبثت بملابسي أكثر ، وكأنها تخشى أن أبتعد عنها إن أفلتت يديها .
قلتُ لها بصوت حنون : " تعالي نطلع فوق يا آلائي ، ايه رأيك ؟ "
أومأت فقط دون النظر إليّ .
سِرنا معًا ، و هي تُحاول إخفاء وجهها ، هي ما زالت تخجل مني أنا أعرف .
كنتُ أراقبها بطرف عيني ، وأشعر أن هناك شيئًا مختلفًا في هدوئها ، لكنني لم أضغط عليها .
صعدنا إلى الأعلى ، و الحمد لله لم يقابلنا أحد .
دخلنا الغرفة فشعرتُ أنها ستقع ، فأمسكتها من خصرها بإحكام و قلت بقلق : " آلاء ."
رفعَت وجهها إليّ ؛ و قد تفاجأت بهذه الأعين الدامعة التي تنظر لي بحزن .
للحظة شعرتُ بأن قلبي انقبض .
هذه ليست آلاء التي أعرفها .
كانت أمامي ، لكن عينيها تحملان شيئًا لم تستطع إخفاءه ، شيئًا جعلني أشعر أن ما حدث معها أكبر بكثير مما تخبرني به .
قالت بصوت ضعيف : " حبيب ."
همهمتُ ، فقالت بصوت أكثر ضعفًا : " حبيب ."
قلتُ لها بقلق : " عيونه ."
ابتعدَت عني ببطء ، و جلست على الفراش .
( آلاء)
جلستُ على طرف الفراش ، فأنا أشعر أنني لا أستطيع الوقوف .
كان جسدي هنا ، لكن عقلي لا يزال هناك ، في تلك الغرفة .
تذكرتُ ما حدث في المستشفى و كيف أن هذا ال " أمجد " لمسني غصبًا ، و لا أعلم بدون اتصال حبيب ماذا كان سيحدث ..!
ارتجفتُ من الفكرة وحدها ، وأغمضتُ عيني للحظة أحاول طرد الصورة من رأسي ، لكنها كانت تعود إليّ كلما حاولتُ الهروب منها .
لم أكن أريد أن أخبر حبيب ، لم أكن أريد أن أراه ينظر إليّ بهذه النظرة ، أو يشعر أنني ضعيفة .
جلس حبيب بجانبي ، و وضع يده على يدي الملقاة على الفراش بتعب ، و قال بابتسامة : " مالك يا روح قلبي ؟ "
قلتُ له و أنا أنظر إلى الفراغ : " مليش ."
قال بتساؤل : " طب في حاجة حصلت ؟ "
نفيتُ و قلت بصوت مرتجف : " لا محصلش ."
ضغط على يدي بحنان و سكتَ .
لم يضغط عليّ ، ولم يكرر سؤاله ، فقط ظل ممسكًا بيدي ، وكأن صمته كان يقول لي إنه موجود ، وإنني أستطيع الكلام متى أردت .
قلتُ له بعد بُرهة : " انت عارف اللي يزعل بجد ؟"
نظر إليّ ، فقلت: " إنك تحس إنك هُنت على أقرب حد ليك ."
أومأَ ، فقلت بأعين دامعة : " بس أنا أصلًا مش زعلانة ، أنا بس صعبان عليا نفسي ، فاهمني ؟ "
أومأَ لي بتفهم و هو يربّت على ظهري ، فقلت بانكسار : " أنا عملت كل حاجة عشان ارضيه ، عديت كتير عشان بس منتفارقش ، يمكن اللي عملته مكنش كفاية ؟ يمكن أنا مش كفاية ."
خرجت الكلمات مني واحدة تلو الأخرى ، وكأنني كنتُ أخبئها داخلي منذ وقت طويل ، حتى لم يعد بإمكاني حملها أكثر .
ضحكتُ بانكسار و قلت : " انت عارف يا حبيب ، أنا اللي عبيطة ، أنا اللي صدقته من الأول ، قعد يقولي كلام حلو ضحك بيه عليا ."
ضحكتُ أكثر و قلت : " تخيل إنه مرة قالي أنا هنتحر بسببك عشان سبتيني ، لأ و لا المرة اللي قالي فيها أنا مش هقدر أعيش من غيرك ، و لا المليون مرة اللي قالي فيها بحبِك ."
كنتُ أضحك ، لكن عينيّ كانتا تفضحانني .
لم تكن ضحكتي ضحكة حقيقية ، كانت محاولة يائسة مني لأجعل الأمر يبدو بسيطًا ، وكأنني أحكي عن شيء مضى وانتهى .
نظرتُ له ، و قلت بهمس : " يمكن العيب فيا أنا ، يمكن أنا اللي مليش قيمة ، يمكن أنا اللي مش كفاية . "
نظرتُ له مرة أخرى ، و قلت : " انت عارف بقا اللي يزعل فعلًا ؟"
سكتُّ ثانية و أكملت : " إني مليش حق أزعل أصلًا ."
خرجت الجملة الأخيرة من بين شفتيّ بهدوء ، لكنها كانت أثقل من كل ما سبقها .
أخذني بين ذراعيه و قَبَّل رأسي ، فقلتُ : " أنا مش زعلانة يا حبيب ، سيبني ."
عانقني بقوة أكبر ، فقلتُ بهمس : " حبيب انت كنت تعرف إنه بيخوني ؟ "
أومأَ ، فقلتُ له : " طب انت ليه مقولتليش ؟"
قال بصوت حنون : " مكنتش عايز اللي انتي فيه ده يحصل ."
سكتَ لثانية و قال : " كنت عايز أحميكي من كل حاجة ، حتى من نفسك ."
لا أصدّق ما قاله ..!
كيف يحبُني إلى هذه الدرجة ؛ لدرجة أن يورط نفسه في زواج لم يخطط له ؟!
نظرتُ إليه طويلًا ، وكأنني أحاول للمرة الأولى أن أرى ما وراء أفعاله ، لا أن أسمع كلماته فقط .
وقفتُ و قلت بانفعال: " و انت مالك بيا ها ؟ انت مين عشان تحميني أصلًا ؟ "
قال بهدوء : " انا بحبِك ."
قلتُ له بصوت مرتفع : " ما كلهم بيقولوا كده ، كلهم ."
كانت الكلمة تخرج مني محمّلة بكل ما حدث ، بكل الوعود التي صدقتها ، وبكل الكلمات التي ظننتُ يومًا أنها تعني شيئًا .
وقف ، و اقترب مني ، فقلتُ له : " خليك عندك يا حبيب ."
اقترب أكثر فقلت بتحذير : " حبيب متقربش أكتر ...." ثم قلت بهمس حزين : " أرجوك ."
توقفتُ في مكاني ، وكأن آخر كلمة خرجت مني لم تكن طلبًا منه فقط ، بل كانت رجاءً لكل شيء حولي أن يتركني أتنفس .
عانقني مرة أخرى ، لكن هذه المرة لم أستطع تمالك نفسي ، أخذتُ أبكي و أشهق و أنا أُمسِك قميصه بقوة ، و هو كان كالصدر الحنون الذي يحتوي أعضاءه بداخله ليبقيها دافئة .
انهرتُ بين ذراعيه تمامًا .
كل ما حاولتُ منعه منذ خروجي من المستشفى خرج دفعة واحدة ، وكأن عناقه أعطى لدموعي الإذن أخيرًا بأن تسقط .
أخذَ يربّتُ على ظهري و يُقبّل رأسي تارة و عيني تارة أخرى .
قال لي بصوت دافء : " آلائي ، انتي اللي كتيرة على أى حد ، العيب مش فيكي ، الناس اللي عيونها ناقصة بتشوف كل حاجة ناقصة زيها ."
ثم قَبَّل عيني و وضع وجهي بين كفيه ، و قال و هو ينظر إليّ بحب :" يا بخت اللي في حياته آلائي ، حياته كلها هتبقى مليانة بالنِعَم التي لا تُعد و لا تُحصى ."
ابتسمتُ من بين دموعي و قلتُ له : " بجد ؟!"
أومأُ مؤكدًا و هو يقول: " هو في زي آلاء و عيون آلاء و رقة آلاء و كسوف آلاء ."
ابتسمتُ بخجل ، فقال : " ايوا كده هي دي الضحكة و لا بلاش ، تعالي نغيّر و نقعد نتفرج على فيلم ."
قلتُ له بابتسامة : " بس أنا عايزة كرتون ."
ضحِك وقال : " أحلى كرتون يا ستي هيجيلك لحد عندك ."
( حبيب )
اتجهَت آلاء إلى الحمام بعدما أخذت ملابسها ، و بدلتُ ملابسي في الغرفة ؛ و أنا أقسم أن هذه المرة لن تمر مرور الكرام على هذا القذر .
لم أستطع إخراج ما حدث من رأسي ، ولا صورتها وهي تحاول إخفاء دموعها .
جهزتُ التلفاز و بعضًا من المقرمشات التي طلبتها من " دعاء " .
كنتُ أريد أن أُشغلها عن كل شيء ، أن أعيد إليها ابتسامتها ولو لساعات قليلة ، حتى لو اضطررتُ لأن أتظاهر بأنني لا أشعر بالغضب الذي يغلي بداخلي .
خرجَت آلاء من الحمام ، فنظرتُ لها بحب و قلتُ : ' ايه الطعامة دي يا ست البنات ؟'
ابتسمَت بخجل وقالت: " دي حلاوة عيونك ."
ماذا ؟!
دعونا نقف ثانية عند هذه الجملة التي حُفرت في قلبي الذي بدأ يخفق بقوة .
لم أكن مستعدًا لها ، ولم أكن أعرف أن جملة بسيطة منها يمكن أن تجعلني أشعر بهذا الارتباك .
ابتسمتُ و قلت : " ده احنا اتطورنا ."
نظرَت لي بحدة و قالت : " انا غلطانة ."
أمسكتُ يدها و قلتُ بسرعة: " يا ستي أنا بهزر ، تعالي ."
جلسنا على الفراش نشاهد التلفاز ، اقتربتُ منها فلم تُبدِ ردة فعل ، فاقتربتُ أكثر إلى أن أصبحتُ ملاصقًا لها .
كنتُ أراقب رد فعلها ، أخشى أن أزعجها ، لكنها لم تبتعد .
نظرَت إليَّ ، فبادلتُها النظرات و قلت محاولًا تشتيت انتباهها : " حلو أوي الكرتون ده ."
قالت بابتسامة : " ايوا أنا بحبه اوي ."
وضعتُ يدي خلف ظهرها كي أحاوطها ؛ و يا للمفاجأة اقتربتْ مني و سنَدتْ على صدري ...!
توقفتُ للحظة عن التنفس .
لم أتوقع أن تكون هي من تقترب هذه المرة ، ولا أن تمنحني هذا القدر من الثقة بهذه البساطة .
لما لا أستطيع التنفس الآن ؟
لما هذا القلب يخفق إلى هذا الحد ؟
لما أشعر بالتوتر و الفرحة ، و أشعر أنّ أطرافي كالثلاجة الآن ؟
نظرَتْ لي ، و قالت : " حبيب ؟ انت كويس ؟ "
أومأتُ لها موافقًا ، لكني حركتُ رأسي نافيًا مرة أخرى و قلتُ : " لا مش كويس خالص ."
نظرتْ لي بقلق ، و قالت : " في ايه ؟ قلبك بينبض جامد ؟ تعالى نروح الصيدلية نقيس الضغط ."
أمسكتُ يدها و قلت: " آلاء ، قلبي مش عارف يبطل من الفرحة ."
أدرَكتْ ما أقصده ، و قالت بخجل : " ربنا يفرح قلبك يا حبيبي ."
كانت جملتها البسيطة كفيلة بأن تجعل ابتسامتي تتسع دون أن أشعر .
هُنا لم أشعر بنفسي إلا و أنا فوقها ، و قلت بخَدَر : " آلاء انتي اللي جنيتي على نفسك ."
حركَت رأسها نافية ، و قالت : " حبيب عايزة اسألك سؤال ."
قلتُ بهمس و أنا أُقبّل جبينها : " اسألي يا قلب حبيب ."
قالت : " بس تجاوب عليه ."
قلتُ لها و أنا أُقبّل وجنتيها : " قولي يا قلب حبيب ."
قالت : " عرفت ازاي إن أمجد بيخوني ؟ "
توقفتُ عن تقبيلها و نظرتُ إليها بضيق و قلت : " ليه السيرة """ دي ؟"
نظرَت لي ببراءة و قالت بدلع : " يعني أنا لو مسألتش جوزي حبيبي ، أسأل مين ؟"
لماذا تفعل هذا بي ؟!
نظرتُ لها بهيام و قلتُ : " لا طبعًا ، اسألي جوزك حبيبك ."
عدتُ إلى تقبيل عينيها ، فقالت متذمرة : " يا حبيب رد عليا ."
قلتُ لها بهمس و أنا أنزل يدها التي وضعتها أمام وجهها : " هقولك بكره ."
زفرَت بضيق و قالت : " لا قولي دلوقتي ."
زفرتُ بضيق و قلت : " اللي حصل إني في يوم ..
