رواية نعيم الجهل الفصل الخامس عشر15بقلم حور طه


رواية نعيم الجهل الفصل الخامس عشر15بقلم حور طه

اندفعت قدر نحوها.. وانحنت بسرعة..
ثم رفعت رأس جلنـــار عــــن الأرض..
وأسندته إلى صدرها.. كانت يداهــا..
ترتعشان بعــ ــنف.. وصوتها يخرج..
متقطعـــا مـــــن شدة الخــــوف:
ــ عمتوو.. عمتوو.. افتحي عنيكي..

ربتت على وجنتيها بخفة..
ثم هزتها برفق وهي تحاول حبس دموعها:
ــ عمتوو.. سامعاني؟ بالله عليكي ردي عليا!

لكن جلنار ظلت ساكنة بلا استجابة..
فازداد ارتجاف قدر.. وضمتها إليها أكثر..
وهــــــي تهمس بـــ ــذعر:
ــ لا.. أرجوكي.. متخوفينيش عليكي..
عمتو.. بالله عليكي افتحي عينيكي..

وبعد لحظات.. بدأت جلنار..
تفتح عينيها ببطء.. ثم همست بوهن:
ــ قدر.. انتي بخير؟

شهقت قدر.. وانهمرت دموعها..
قبل أن تحتضنها بقوة.. وكأنها..
كانت تخشى أن تفقدها للحظة:
ــ الحمد لله.. انتي بخير.. انتي عايشة..

رفعت جلنار يدها بصعوبة..
ومسحت دموع قدر بحنان..
ثم نظرت حـــولها المنــــزل..
محطم.. وعاد القلق إلى عينيها:
ــ مين الناس دي يا قدر؟..
عـــــايزين منــــك إيـــه؟

ساعدت قدر جلنار على الوقوف..
وأسندتها حتى أجلستها على أحد الكراسي..

ثم انحنت أمامها بقلق:
ــ عمتو.. انتي كويسة؟ 
ولا تحبي نروح المستشفى؟

هزت جلنار رأسها بتعب:
ــ لا يا حبيبتي.. أنا كويسة..

لكن عين قدر وقعت على كف جلنار..
فتجمدت ملامحها.. كان هناك شيء..
مكتوب عليه.. أمسكت قدر يدها بسرعة:
ــ عمتوو.. إيه ده؟

نظرت جلنار إلى كفها..
باستغراب.. ثم قالت:
ــ مش عارفة..

اقتربت قدر أكثر..
وبدأت تقرأ ما كتب بخط واضح:
ــ هدية عيد ميلادك التاسع.. من ولدك!

اتسعت عينا جلنار..
ونظرت إلى قدر في صدمة:
ــ باباكي كان جايبلك سلسلة..
في عيد ميلادك التاسع.. انتي فاكرة؟

ثم حدقت في الكلمات..
مرة أخرى.. وهمست بحيرة:
ــ بس.. ده معناه إيه؟

لــــــم تجب قـــــدر..
ظلت تحـــــدق في كف جلنـــــار..
راحت أفكارها تتصارع داخل رأسها...
لمــــاذا كتبت هذه الـــــرسالة الآن؟
ومن الــــذي أراد أن يذكـــــرها..
بهــذه السلسلــــة تحـــــديدا؟

رن هاتفها فجاه.. نظرت إلى الشاشة..
ثم ابتعدت خطوات عن جلنار وأجابت:
ــ أيوه يا حمزة؟

جاءها صوت حمزة متوترا:
ــ قدر.. دبحــ ــوا يمنى.. مرات كاهان..

تجمدت قدر في مكانها..
واتسعت عيناها بصــ ـدمة:
ــ حمزة.. إنت بتقول إيه؟

حمزة:
ــ أنا في المستشفى..
الوضع هنا صعب جدا.. والكل منـ ــهار..

ظلت قدر صامتة للحظـــات..
عــاجزة عن استيعاب ما سمعته..
ثـــم خـــرج صوتهــــا مبحوحا:
ــ كاهان..

سكت حمزة لحظة.. قبل أن يقول بقلق:
ــ كاهان خرج من المستشفى..

قدر ارتجفت يدها التي تمسك الهاتف:
ــ خرج؟! راح فين؟

حمزة:
ــ محدش عارف.. خرج لوحده..
ومن وقتها محدش قدر يوصل له..

اتسعت عينا قدر..
وشعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها:
ــ حمزة.. لازم تلاقيه..

حمزة:
ــ بنحاول.. بس تليفونه مقفول..

نظرت قدر أمامها بشرود..
وكأن شيئا بداخلها يخبرها.. 
أن اختفاء كاهان لم يكن عاديا:
ــ أنا هتصرف..

أغلقت الهاتف ببطء..
كانت جلنار تراقبها من بعيد..
تنتظر أن تعرف ما الذي حدث..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

« باليـــوم التـــالي عنـــد شهيــــرة »

كانت شهيرة واقفة أمام المدام..
تحاول أن تخفي ارتباكها..

قالت المدام بحدة.. وهي تثبت عينيها عليها:
ــ انتي عارفة الشخص اللي غلطاته بتتكرر..
بيكون عقابه إيه؟

ابتلعت شهيرة ريقها بصعوبة..
وانخفض بصرها للحظة:
ــ أيـــوه..

اقتربت منها المدام خطوة.. وقالت ببرود:
ــ لأ.. انتي عارفة العقاب..
بس واضح إنك نسيتي الخوف منه..

ارتجفت شهيرة قليلا.. وقالت بسرعة:
ــ أنا هصلح كل حاجة..

ابتسمت المدام ابتسامة باردة:
ــ المرة دي.. مش هطلب منك تصلحي حاجة..

سكتت لحظة.. ثم أضافت بنبرة أخفض:
ــ هطلب منك تمنعي الغلطة..
قبل ما الغلطة تمنعك من الكلام للأبد..

أسرعت شهيرة قائلة:
ــ أنا هخلص تليد من إيد..
كاهان قبل ما يعرف أي حاجة..

رفعت المدام عينيها إليها:
ــ انتي هتخلصي من تليد..
قبل ما يفتح بقه..

اتسعت عينا شهيرة:
ــ لا يا مدام..
تليد مستحيل يتكلم.. أنا ضامناه..

ابتسمت المدام ابتسامة خالية من الرحمة:
ــ انتي فاكرة إن اللي ضامناه.. هو تليد؟

تجمدت ملامح شهيرة..

اقتربت المدام منها.. وهمست:
ــ اللي لازم تخافي منه..
إن تليد لما يحس إن نهايته قربت..
هيحاول يشتري حياته بأي حاجة يملكها..

قالت شهيرة بصوت مرتجف:
ــ تقصدي إيه؟

نظرت إليها المدام طويلا.. ثم قالت:
ــ أقصد إن السر اللي يعرفه..
هيكون أول حاجة يرميها قدام..
كاهان عشان يعيش..

تراجعت شهيرة خطوة.. وشحب وجهها:
ــ لأ.. تليد مش هيعمل كده..

هزت رأسها بسرعة.. كأنها تحاول..
إقناع نفسها قبل أن تقنع المدام:
ــ أنا عارفة تليد كويس..
وعارفة إزاي أخليه يسكت..

ثم رفعت عينيها إليها بتوتر:
ــ بس لو خلصنا منه..
كاهان هيشك فينا أكتر..

سكتت المدام لحظة.. ثم قالت بهدوء:
ــ قصدك.. هيشك فيك انتي أكتر..

لم تجب شهيرة..

أكملت المدام:
ــ وعشان كده.. هتخلصي من تليد..
وتختفـــي لحد ما أكلمك تاني..

شهيرة اتجمدت مكانها:
ــ أختفي؟! بس يا مدام...

قاطعتها المدام بنظرة حادة:
ــ مفيش.. بس..

اقتربت منها خطوة أخيرة..
وقالت بصوت منخفض:
ــ المرة دي..
أنا اخترت اختفاؤك يا شهيرة..

توقفت لحظة..
ثم ابتسمت ابتسامة باردة:
ــ بدل مـــ ــوتك..

رفعت شهيرة عينيها إليها..
وقد اختفى الكلام من على لسانها..

استدارت المدام مبتعدة..
ثم قالت دون أن تنظر إليها:
ــ فمتخلينيش أندم..
إني اخترتلك الحل الأسهل..

استدارت المدام لتغادر..
ثم توقفت فجأة.. قالت ببرود:
ــ جهزي عمار.. عشان هيدخل العمــ ــليات..

شهيرة اتجمدت مكانها..
كأن الاسم وحده كان كافيا..
ليسحب الدم من وجهها:
ــ عمار...؟!

التفتت المدام إليها بهدوء:
ــ أيوه..

شهيرة هزت رأسها بسرعة..
وكأنها تحاول استيعاب ما سمعته:
ــ انتي.. بتتكلمي عن عمار؟

المدام:
ــ أيوه.. عمار..

تراجعت شهيرة خطوة..
هذه المرة لم تستطع إخفاء صدمتها:
ــ لا.. مستحيل..

ضاقت عينا المدام:
ــ إيه اللي مستحيل؟

كانت على وشك قول شيء..
لكنها ابتلعته في اللحظة الأخيرة:
ــ انتي بالذات.. مستحيل تعملي كده في عمار..

للحظة.. تغيرت ملامح المدام..
تغير صغير جدا.. لكنه لم يفت شهيرة..

قالت المدام ببرود:
ــ جهزيه..

شهيرة اقتربت منها خطوة:
ــ بس هو.. مش زي الباقيين..

ابتسمت المدام ابتسامة غامضة:
ــ أخيرا.. افتكرتي..

شهيرة ارتبكت:
ــ افتكرت إيه؟

اقتربت المدام منها.. وقالت بهدوء:
ــ إن في ناس.. وجودهم لوحده..
بيهـــ ـدد حكايات كتير..

شهيرة شحب وجهها:
ــ عمار ملوش ذنب..

المدام :
ــ ومين قال إنه مذنب؟

لم تجد شهيرة جوابا..

قالت المدام وهي تستدير من جديد:
ــ عشان كده لازم الحكاية..
دي تنتهي من جذورها..

ثم توقفت عند الباب..
وأضافت دون أن تنظر إليها:
ــ جهزيه للعمــ ــليات يا شهيرة..
ومتخلينيش أكرر كلامي..

شهيـــــرة تراجعت خطــــــوة..
وعيناها لا تفارقان وجه المــــدام..
كانت تعرف جيدا أن عمــــــار ليس..
مجــــرد طفـــــل بالنسبـــــــة لها..
لكنها لم تجرؤ حتى على نطق السبب..

المدام التفتت إليها وقالت ببرود:
ــ آه.. ومتنسيش تبعتي لكاهان جثـ ــة أخوه!

استدارت وخرجت بهدوء..
وظلت شهيرة واقفة مكانها..
تفكر بجملة المدام الأخيرة..
فكانت تعني أن اللي جاي لكاهان..
أخطـ ــر بكتير مما كان يتخيل..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

« بعــد مـــرور أيـــام ــ منـــزل يـــافا »

دخلت يافا غــــــرفة يحيى..
تحمل صينية الإفطــــــار..
وعلى وجهها ابتسامـــــة:
ــ يــــــلا يــــــا يحيــــى.. 
افطر عشان تاخد علاجك..

نظر يحيى إلى الأشكال..
المصنوعة من الورق الموضوعة..
بجوار السرير.. ثم أمسك أحدها:
ــ انتي عندك موهبة فن طي الورق؟

وضعت يافا الصينية:
ــ آه.. فكــــر إنك ممكـــــن..
تصنع أي حاجة من ورقــــة..
حاجة بسيطة.. بس جميلة..

ابتسم يحيى.. وبدا عليه..
إعجاب طفولي بسيط بالفكرة:
ــ فعلا جميلة أوي.. خلاص.. علميني..

ضحكت يافا بخفة.. وشعرت بدفء..
غريب يتسلل إلى قلبها من حماسه..
لكنهــــا أخفتــه خلف نبــــرة عادية:
ــ حاضر.. افطر الأول وخد علاجك..
وبعدها أعلمك كل اللي إنت عايزه..

جلس يحيى وبدأ يتناول..
إفطــــاره.. ثــــم ســـــأل:
ــ هي قدر هترجع من السفر إمتى؟

تــــرددت يــــــافا:
ــ كـــلمتني..
لسه قدامها يومين كمان..

نظــــــر إليهــــــا يحيى:
ــ طيب أنا ممكن أرجع البيت؟ 
حاسس إني مسببلك إزعـــــاج..

نظرت إليه يافا بسرعة:
ــ لا.. ماتقـــــــولش كده..
أنا مبســــــوطة بوجـــــــودك..
يعني زي ما إنت شايف.. أنا لوحدي..

ابتسم يحيى:
ــ انتي جميلـــــــــة أوي..

ارتبكت يـــــــافا..
ثم حاولت تخفي ارتباكها بمزاح:
ــ ودي بقـــــى معـــــاكسه؟

نظر إليها يحيى ببساطة..
دون أن يدرك كم كانت..
كلماته تهز شيئا بداخلها:
ــ لا.. دي حقيقة.. انتي فعلا جميلة..

وقفت يــــافا بســـــرعة:
ــ طيب أنـــــا بـــــره..
خلص فطارك وخد العلاج وارتاح..

غــــــادرت الغــــــرفة...

وبعــــد قليــــــل.. خـــــرج يحيى..
إلــــى المطبـــــخ بالصينيــــــة..
فـــــوجد يـــــافا تعد القهـــــوة..

الـــتفتت إليــــــه:
ــ أعمــــلك قهـــــوة؟

ابتســـم يحيي.. وكــــأن وجوده..
بقربها أصبـــــح شيئا طبيعي:
ــ لـــــو مش هتعبك.. تمــــام..

أشارت يـــــافا إلى الــــدرفة:
ــ افتح الدرفة دي وهات فنجان..

فتح يحيى الدرفة وأخرج..
فنجان.. ووضعه بجوارها..

يافا نظرت إليه.. ثم هزت رأسها:
ــ لا.. مش هو ده.. استنى.. أنا هجيبه..

مدت يدها نحو الدرفة العلوية..
لكنها لم تستطع الوصول إليها..

اقتــــــرب يحيى منهـــــــا..
ومد يده وأخذ الفنجان بسهولة:
ــ اتفضلي..

توقفت يافا للحظة..
كان قريبا منها أكثر مما توقعت..
أخذت الفنجان بسرعة.. وتراجعت خطوة:
ــ اطلع إنت اتفرج على التلفزيون..
وأنا هجيب القهوة..

نظــــر إليهــــا باستغـــراب..
لكنه لـــم يسأل.. واكتفى بالرد:
ــ حـــــاضر..

خــــرج يحيـــى..

وظلت يافا تنظر إلى الباب..
الذي خرج منه.. ثم وضعت..
يدها على صدرها وتنهدت:
ــ يعني أنا أقفل على قلبي..
كل السنين دي.. ولما يقرر يفتح..
يفتحلك إنت؟

ابتسمت بحــــــــزن:
ــ ده إنت ممكن تسيبني..
في أي وقت.. حتى ممكن..
تصحى يوم وماتفتكرنيش..

خفضت عينيهــــــا:
ــ ليه يا قلبي.. تعمل فيا كده؟

تنهدت.. ثم حملت القهوة وخرجت..
جلست بجوار يحيى.. فوجدته يمسك..
ورقة بين يديه...

يحيي نظر إليها بابتسامة:
ــ هااا.. يلا بقى علميني..

ابتسمت يــــــافا:
ــ حـــابب تعمــــــل إيه؟

يحيى أجابها بعفـــــوية:
ــ عصفور.. زي اللي انتي عملتيه..

يافا أخذت الــــورقة من يده:
ــ طيب بص.. أول حــاجة..
لازم تطـــوي الورقـــة كده..

بـــدأت تشكلهــــا أمــــامه.. 
حاول يحيى تقليد حركاتهـــا..
مدت يافا يدها لتعدل طرف الـــورقة..
وفي اللحظة نفسها.. لامست أصابعها أصابعه..
توقفت يداهما معا.. رفعت يافا عينيهـــا إليه..
وتلاقت عيناهما للحظة أطــــول ممــا ينبغي..
سحبت يدها بســـرعة.. وأخفضت عينيهــــا..
إلــى الــــورقة.. وارتسمت على وجـــه يحيى..
ابتسامة بسيطة.. دون أن يفهم سبب ارتباكها..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خرجت قدر من أحد أقسام الشرطة..
واتجهت نحو سيارتها.. فتحت الباب..
جلست خلف المقود.. ثم أغلقت الباب..
خلفها بضيق.. ما إن أدارت المحرك..
حتى رن هاتفها.. نظرت إلى الشاشة..

ثـــــم أجــــــابت:
ــ أيـــــوه يـــــــا يافـــــا..

جاءها صوت يافا سريعا:
ــ عملتـــــي إيه يا قـــــــدر؟
عرفتي توصلي لحــــــاجة؟

تنهدت قدر..
وأسندت رأسها للحظة على المقعد:
ــ لأ.. خمس أقسام شرطة دخلتهم..
ومفيش أي بلاغات اختفاء بمواصفات يحيى..

ساد الصمت للحظات..

ثـــــــم قالت يافــــا بقلــــــــق:
ــ خمس أقسام.. ومفيش ولا بلاغ؟

قـــــــدر:
ــ ولا واحد..

سكتت يافا قليلا.. ثم قالت:
ــ يبقـــــــى يــــــا قـــــــدر..
إحنا بندور في المكان الغلط..

عقدت قدر حاجبيها:
ــ قصــــــــدك إيـــــــه؟

قالت يافا بنبرة أكثر جدية:
ــ لو يحيــــى اختفى فعـــــــلا..
واللي حصل له اتسجل رسمي..
كـــــــان لازم نلاقــــي أثـــــــر..

توقفت لحظة.. ثم أضافت:
ــ لكن لو هو أصلا مش موجود..
في سجـــــــلات الاختفــــــاء...

قدر رفعت عينيها للطريق:
ــ يبقــــــى إيــــــه؟

جاء صوت يافا منخفض:
ــ يبقى حد متعمد يمسح أثره..
قبل مـــــا حد يدور عليــــــه..

شردت قـــــدر فـــــي كلامهـــــا..
للحظـــات.. ثـــــــم سألت بقلـــــق:
ــ طمنيني على يحيى.. هو كويس؟

أجابتهــــــا يـــــافا بســـــــرعة..
وكأنهــــــا كانت تنتظر ســــــؤالها:
ــ اطمني.. هو بخير.. بس سأل عليكي..
قولتله إنك هترجعي بعد يومين..

تنفست قدر براحة خفيفة.. ثم قالت:
ــ بعـــــــد اللـــي حصــــــل آخر مــــــرة..
كان لازم أبعده.. محدش هيدور عليه عندك..

سكتت لحظة..
ثم أضافت بصوت مثقل بالذنب:
ــ يافا.. أنا آسفة إني دخلتك في الموضوع ده..

جاءها صوت يافا هادئا:
ــ قدر.. انتي ماجبرتنيش على حاجة..

ثم ابتسمت رغم أن قدر لا تراها:
ــ أنا اختـــــرت أســــــاعدك..
فمــــاتفكريش في الكلام ده..

قدر:
ــ عارفة يا يافا.. 
وعشان كده عمري ما هنسى وقفتك جنبي..

ابتسمت يافا:
ــ بس خدي بالك من نفسك..

قدر:
ــ حاضر... هكلمك بعدين..

ما إن أنهت قدر حديثها مع يـــــافا..
حتـــى انطفــــأت الشاشة للحظـــــة...
ثــــم أضاءت من جديد على اتصــــال..
وارد من رقم مجهول.. ثبتت قدر عينيها..
على الرقم لثواني.. وكأن شيئا بداخلها..
يخبـــــرها ألا تجيب..لكنها في النهايـــة..
رفعت الهـــــاتف إلـــــــى أذنهــــــــا:

ــ ألو؟

جاءها صوت هادئ من الطرف الآخر:
ــ ما تحاوليش تعـــرفي حـــــاجة..
أنا لسه ما سمحتلكيش تعرفيها..

انعقد حاجبا قدر..
واستقامت في جلستها:
ــ إنـــــت ميـــــن؟

تجاهل سؤالها.. وأكمل بنبرة أكثر برودا:
ــ لأن معرفتك بهوية يحيى..
هتكــــــون سبب نهايتـــــه..

شعرت قدر بانقباض مفاجئ في صدرها..
لكنها تماسكت.. وشدت قبضتها حول الهاتف:
ــ إنت تعرف يحيى؟!

لم يجبها!وفجأة.. انقطعت المكالمة..

نظرت قدر إلى الهاتف بصدمة.. ثم همست:
ــ إنت مين؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

« عنـــــــد معتـــــــز »

قال رفعت بقلق:
ــ كاهان مختفي.. محدش عارف مكانه..

ظل معتز صامت للحظات.. ثم نهض ببطء..
وأسند يده على كتف رفعت.. ونظر أمامه بثبات:
ــ اختفاء كاهان.. هو الهدوء اللي قبل العاصفة..

ضغط على كتفه قليلا.. ثم أضاف بنبرة غامضة:
ــ والعاصفة المرة دي.. مش هتسيب حد واقف..

رفعت:
ــ وفي الوضع ده.. تأمرني بإيه؟

ابتسم معتز ابتسامة خفيفة.. ثم قال بهدوء:
ــ ولا حاجة.. هنحاول نقف لحد ما العاصفة تهدأ..

نظر له رفعت لحظة.. ثم سأله مباشرة:
ــ إنت خايف من كاهان؟

رفع معتز عينيه إليه.. وقال بثبات:
ــ كاهان ديب مجــــ ــروح..
لازم آخد بالي منه.. مش أخاف منه..

تأمل رفعت معتز للحظات..
ثم قال بنبرة تحمل شيئا من الحذر:
ــ يعني لو كاهان ظهر.. نسيبه يقرب؟

ابتسم معتز ببرود:
ــ هو كده كده هيقرب..
ماقداموش حد غيرنا..

ثم سكت لحظة..
وأضاف بنبرة تحمل تهديدا مبطنا:
ــ والسؤال مش هيقرب ولا لأ..
السؤال هيقدر يقرب لحد فين..

وقبل أن يرد رفعت.. رن هاتفه فجأة..
نظر إلى الشاشة.. وما إن رأى اسم..
المتصل حتى تغيرت ملامحه:
ــ كريم..

لاحظ معتز التوتر في وجهه..
فتبدلت ملامحه هو الآخر..
واقترب منه سريعا:
ــ كريم؟! ابني حصله إيه؟

ظل رفعت صامت وهو يستمع..
للطرف الآخر..

ازداد القلق في عيني معتز:
ــ رفعت.. رد عليا! كريم ماله؟!

                   الفصل السادس عشر من هنا
تعليقات



<>