رواية ما بيني وبينه قدر الفصل الخامس عشر15بقلم رقية الانصاري
_ بحبك.
الكلمة خرجت منه واطية جدًا، لكن أحلام حست إنها سمعتها أوضح من أي صوت حواليها.
رغم إن البيت كله كان ساكت أصلًا، بس هي حسّت إن الدنيا سكتت زيادة.
يوسف حس بسكوتها، وبعد عنها سنة بسيطة عشان يشوف وشها.
أحلام كانت باصاله بصدمة خلت ابتسامته تطلع بتوتر من غير ما يقصد.
_ إيه؟ أنا خوفتك للدرجة دي؟
أحلام رمشت مرتين، وكأن السؤال رجعها للحظة.
_ إنت… قولتها بجد؟
يوسف ضحك بخفة.
_ ايوه.
_ في وشي كده مرة واحدة.
يوسف ضحك بهدوء.
_ مرة واحدة إيه يا أحلام؟ أنا بقالي شهور بلف حوالين الكلمة دي ومش عارف أقولها.
عينيها لمعت أكتر.
يوسف كمل، وصوته فضل هادي.
_ أنا عارف إن توقيتها يمكن متأخر وعارف إن كان ممكن أقولها من بدري جدًا وأريح نفسي وأريحك بس أنا كنت غبي… وكنت كل ما أقرب من الحقيقة أرجع أقول لنفسي لا دي عشرة دي عادة غيرة عشان كنا متجوزين دي أي حاجة غير إنها حب.
سكت شوية.
_ أنا مش عارف إمتى بالظبط بدأت أحبك…ولو قولتلك يوم أو موقف بعينه هبقى بكدب عليكي.
أحلام فضلت ساكتة.
_ يمكن عشان مفيش يوم واحد حصل فيه الموضوع…إنتي دخلتي في حياتي واحدة واحدة لحد ما بقيتي موجودة في كل حاجة وأنا نفسي مخدتش بالي.
احلام سألته بصوت واطي خرج منها بالعافية.
_ وإنت عرفت إمتى؟
يوسف ابتسم ونبرة صوته بقت أهدى.
_ عرفت لما بقيت أصحى من النوم ألاقيكي أول حاجة في بالي حتى لو كنا نايمين متخانقين.. لما بقيت أرجع البيت وعيني تدور عليكي تلقائيًا من غير ما أفكر.. ولما كنتي مجرد ما تضحكي معايا مهما كنت مهموم او متضايق كنت أحس إن اليوم كله اتقلب وبقى زي الفل..
احلام ابتسمت وسط دموعها، وهو كمل.
_ أنا كنت بضحك على نفسي لحد ما اتطلقنا، وافتكرت إن البعد هيريحني، بس طلع إن أصعب أيام عشتها في حياتي كانت بعد ما سبتيني.. ولما علي اتقدم لك وأنتي وافقتي تقابليه وتشوفيه، أنا ساعتها خوفت بجد.. مش غيرت بس لا خوفت.
_ خوفت تروحي لحد غيري تبقي معاه تحبيه ويحبك ويسمعلك وتضحكي معاه زي ما كنتي بتضحكي معايا، ولما تزعلي تروحيله ويحضنك ويطبطب عليكي، ويوديكي ويجيبك وتستنيه حتى التفاصيل الصغيره الي كنتي بتعمليها معايا مقدرتش أتخيل انك تعمليها مع حد غيري…اليوم ده عرفت إن المشكلة مش إني مش عارف أتقبل فكرة إنك مع حد غيري ، المشكله اني مش عايزك تبقي مع حد غيري.
احلام ضحكت وهي بتمسح دموعها.
_ وانا أصلا مقدرش ابقى مع حد غيرك.
يوسف ابتسم وشدها عليه اكتر وهو بيكمل.
_ وفي نفس الوقت كنت خايف أرجعلك لمجرد إني غيران…خايف أظلمك تاني. عشان كده فضلت ساكت أكتر مما المفروض.
أحلام مسحت دمعة نزلت منها بسرعة.
يوسف قال:
_ حتى لما قررنا نرجع، أنا كان ممكن أقولك من ساعتها بس أنا كنت عايز أتأكد إن اللي جوايا مش خوف من خسارتك ولا حنين لجوازتنا اللي فاتت.
ابتسم بخفة.
_ وطلع إن الموضوع أسوأ من كده بكتير.
أحلام ضحكت.
_ أسوأ؟
يوسف ابتسم.
_ آه طلع إني واقع من زمان وأنا مش داري.
ضحكت ضحكة صغيره، وبعدها دمعتها نزلت تاني.
يوسف بص لها بهدوء.
_ وأوضة الرسم…
أحلام سكتت.
_ أنا لما عملتها، ما كنتش بفكر إني أعمللك مفاجأة حلوة وخلاص…أنا كنت بفكر إنك سنين بتحكي عن فنون جميلة كحاجة ضاعت منك، حتى وإنتي بتضحكي وإنتي بتحكي. وأنا كنت عايز أعمللك مكان يحسسك إن الحاجة دي ما راحتش كلها.
أحلام بقت تبص له وهي مش قادرة تمنع دموعها.
_ كنت عايزك تدخلي بيتنا وتلاقي فيه حاجة معمولة عشانك إنتي... حاجة شبهك انتي وبس.
سكت شوية.
_ وأظن دي كانت أوضح حاجة تثبتلي إني بحبك حتى وأنا لسه معترفش لنفسي.
أحلام قالت بصوت أهدى ومكسور شوية.
_ إنت كنت واخد بالك من كل ده؟
_ أكتر ما أنا حتى كنت عايز أعترف.
سكتت.
يوسف قرب خطوة.
_ وأكتر حاجة ضايقتني بعد الطلاق مش إننا انفصلنا.
أحلام بصت له.
_ إنك افتكرتي إنك ممكن تكوني بالنسبة لي مجرد مسؤولية خلصت.
دموعها زادت.
يوسف كمل:
_ أنا عارف إن تصرفاتي خلتك تفكري كده وعارف إن سكوتي وقتها كان مؤذي… بس والله يا أحلام عمرك ما كنتي عبء عليا.
صوته وطي.
_ ولا حتى في أصعب أيامنا.
أحلام رفعت إيدها تمسح دموعها، لكنه كمل قبل ما تتكلم.
_ وإنتي مش محتاجة تقوليلي نفس الكلام دلوقتي.
عقدت حواجبها.
_ أنا مش بقول كل ده عشان مستني رد بنفس الحجم…أنا بس…
وقف لحظة، كأنه بيدور على أبسط طريقة يقول بيها اللي جواه.
_ أنا تعبت من إني كل مرة احس اني بحبك وأسكت.
أحلام دموعها نزلت تاني.
يوسف بص لها.
_ بحبك لما تبقي مبسوطة ومش بتبطلي كلام…وبحبك لما تعصبي وتبقي مستفزة بشكل يخلي الواحد عايز يطفش، وبحبك لما تخافي وتعملي نفسك قوية وبحبك حتى في الحاجات اللي بتخليني أختلف معاكي… بحبك في كل حالاتك يا احلام.
ابتسم بخفة.
_ ودي حاجة رخمة جدًا على فكرة بس حصلت خلاص.
أحلام ضحكت وسط عياطها، وغطت وشها لحظة بإيديها.
يوسف ضحك هو كمان.
_ لا متعيطيش بقى.
نزلت إيديها وبصت له.
_ إنت بجد غبي.
رفع حاجبه.
_ بعد كل الي قولته ده دي جزاتي؟
_ عشان كان ممكن تقول الكلام ده من بدري بدل ما تخليني أفضل أفكر وأفهم لوحدي.
يوسف هز راسه.
_ عندك حق.
أحلام سكتت شوية.
كان واضح إن عندها كلام.
لكنه ما ضغطش عليها.
_ وأنا مش بقولك الكلام ده عشان مستني منك نفس الكلمة.
_ مش مستني؟
_ يعني… لو هنبقى صريحين أكيد نفسي أسمعها.
ضحكت بخفة.
_ بس مش عايز أسمعها عشان إنتي حاسة إن لازم تردي…مش عايز أقولك بحبك فتقوليلي وانا كمان عشان نخلص المشهد يعني.
سكت شوية.
_ لما تقوليها عايزها تبقى طالعة منك إنتي حتى لو بعدين.
أحلام عينيها لمعت تاني.
_ ولو بعد وقت؟
يوسف رفع حاجبه.
_ يعني…لو بعد عشرين سنة هراجع قراراتي بصراحة.
ضحكت.
_ يوسف!
_ بهزر يابت.
قرب منها أكتر.
_ خدي وقتك…أنا اتأخرت شهور عشان أفهم نفسي، مقدرش أقولك أنا أخدت كل الوقت ده وإنتي لازم تردي عليا في خمس دقايق.
أحلام ابتسمت وفرحت من كل قلبها، وقربت هي الخطوة اللي باقية ورمت نفسها في حضنه بكل قوتها ودفنت وشها في صدره وسكتت…يوسف حضنها هو كمان بـ لهفة وحنان، وفضلوا واقفين في وسط الصالة والهدوء مالي الشقة، مفيش عناد ولا كبرياء ولا زعل، وبدأوا صفحة جديدة بجد وهما مع بعض.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
تاني يوم الصبح، أحلام فتحت عينيها براحة على خيوط الشمس اللي كانت مالية الاوضة بنور دافي، وفضلت ثواني لسه بين النوم والصحيان قبل ما تلف وشها تلقائي ناحية مكان يوسف.
المكان كان فاضي.
رفعت راسها سنة وهي بتستغرب، لكن قبل ما تقوم وصلت لها ريحة بن قوية جاية من ناحية المطبخ، ومعاها صوت دندنة واطية خلت ابتسامتها تطلع من غير ما تحس.
رجعت راسها على المخدة لحظة، وافتكرت كل كلام امبارح مرة واحدة، فوشها سخن وهي بتضحك على نفسها.
_ يا نهار أبيض … أنا هفضل مكسوفة من الراجل ده لحد إمتى؟
قامت براحة، غسلت وشها، لمت شعرها بمشبك كبير بعفوية، ولبست بيجامة قطن مريحة، وخرجت ناحية المطبخ وهي لسه شايلة نفس الابتسامة.
أول ما دخلت، لقت يوسف واقف لابس تيشيرت أسود مريح وبنطلون قطن، وكان مديها ضهره ومركز جدًا وهو بيصب القهوة في الفناجين بحرص كأنه بيعمل تركيب كيميائي.
فضلت واقفة عند الباب كام ثانية تتفرج عليه وهي مبسوطة بالمنظر أكتر من اللازم.
بيتهم هادي.
ويوسف، جوزها…واقف في المطبخ قدامها بالشكل الطبيعي ده، كأن المشهد ده بقاله سنين بيتكرر بينهم.
سمع حركتها، فلف وبص لها، وابتسامته ظهرت على طول ونورت وشه.
_ صح النوم يا عسل… كل ده نوم؟ أنا قولت الشقة نورت فجأة كده ليه، اتاري القمر صحي.
أحلام قربت منه بخطوات بطيئة وهي بتحاول تداري ابتسامتها بكسوف.
_ صباح النور… إيه الكلام الحلو والنشاط ده كله من الصبح؟ إنت كنت مخبي فين الشخصية دي.
يوسف سند ضهره على الرخامة، وبصلها من فوق لتحت بنظرة إعجاب واضحة خلتها تتكسف أكتر.
_ كنت مستنيكي إنتي مخصوص، أصل بصراحة مفيش حد تاني يستاهل المجهود ده كله.
أحلام ضحكت وهي بتقرب ناحية الرخامة.
_ طب ركز في القهوة بدل ما تقع منك وإنت عمال تبصلي كده.
يوسف رفع الفنجان وبصله، وبعدين رجع بصلها بنفس النظرة.
_ لو القهوة وقعت تتعمل غيرها إنما المنظر اللي قدامي ده مش مضمون يتكرر بنفس الجودة كل يوم.
أحلام وشها احمر فورًا، فضحك يوسف لما شافها لفت وشها ناحية التلاجة.
_ إيه يا لوما؟ إحنا لسه مبدأناش أصلًا إنتي هتستخبي في التلاجة من أول جملة؟
أحلام فتحت باب التلاجة وهي بتضحك وبتحاول تعمل نفسها مش متأثرة.
_ أنا مش بستخبى منك ولا حاجة أنا بس بشوف عندنا إيه عشان واضح إن حضرتك من بدري مركز في قلة الادب أكتر ما إنت مركز في الفطار.
يوسف ضحك وهو بيقرب منها خطوة.
_ لا والله أنا مركز في كل حاجة بس عندي أولويات، وإنتي النهارده واخدة المركز الأول بصراحة.
أحلام قفلت التلاجة وبصتله وهي بتحاول تخبي كسوفها بالمشاكسة.
_ إنت واضح إن اعترافك بتاع امبارح شالك كل الفرامل وأنا حاسة إن أنا اللي هلبس في النتيجة.
يوسف قرب منها أكتر، وحط الكوباية قدامها على الرخامة.
_ ما أنا كنت ساكت كتير من حقي أعوض بقى، وبعدين أنا مش شايفك متضايقة أوي من النتيجة يعني.
أحلام رفعت حاجبها.
_ يا سلام؟ وإنت عرفت منين إني مش متضايقة؟
يوسف ابتسم وهو بيبص لابتسامتها اللي هي نفسها مش قادرة تخبيها.
_ عشان كل ما أقولك كلمة حلوة وشك يفضحك قبلك، فمتتعبيش نفسك في الإنكار.
أحلام ضحكت غصب عنها، ومدت إيدها للكوباية.
_ طب هات الشاي بدل ما أرجع أنام وأسيبك تغازل نفسك.
يوسف مد لها الكوباية وهو بيضحك.
_ اتفضلي يا مدام يوسف شاي بلبن مظبوط زي ما حضرتك بتحبيه، ومش هقبل أي تقييم أقل من ممتاز عشان أنا خدت بالي من المقادير جدًا.
أحلام خدت الكوباية منه وبصتله بدهشة لطيفة.
_ إنت فاكر فعلًا إني بحب الشاي بلبن الصبح أكتر من القهوة؟ أنا كنت فاكرة إن الحاجات دي بتعدي عليك وإنت بتعمل نفسك سامعني وخلاص.
يوسف قرب منها وهو رافع حاجبه بفخر.
_ لا طبعا أنا عندي أرشيف كامل، بس إنتي اللي لسه مش مستوعبة إن جوزك حافظك أكتر ما انتي متخيلة.
أحلام داقت الشاي، وبعد ثواني ابتسمت وهي بتبصله بإعجاب خفيف.
_ بصراحة حلو جدًا، دي شهادة كبيرة مني ومتطمعش في أكتر.
يوسف نفخ في أظافره بفخر وهو بيضحك.
_ عيب عليكي دي أقل حاجة عندي أنا راجل بيت كامل المواصفات بس الظروف مكنتش مدياني فرصة أظهر مواهبي.
أحلام ضحكت وهي بتقعد على الكرسي الصغير جنب الرخامة.
_ راجل بيت؟ طب وريني بقى مواهبك في الفطار ولا هو كل الإنجاز وقف عند الشاي والقهوة والدندنة اللي صحيتني من وانا في الأوضة؟
يوسف سكت لحظة، وبصلها بنظرة خلتها تفهم الإجابة قبل ما يتكلم.
أحلام فتحت عينيها وهي بتضحك.
_ لا يا يوسف… متقوليش إن مفيش فطار بعد كل الاستعراض ده.
يوسف رفع إيده باستسلام وهو بيضحك.
_ بصي ياستي احنا عندنا في التلاجة حاجات محترمة جدًا، وأنا كنت مستنيكي تصحي عشان أعمل حاجة قدامك وأثبتلك إن اختيارك ليا للمرة التانية كان قرار حكيم.
أحلام قعدت وهي بتتأمله بنظرة شك واضحة.
_ إنت ناوي تعمل إيه بالظبط؟ عشان أنا عايزة أعرف مستوى الخطر قبل ما نبدأ.
يوسف فتح التلاجة وطلع البيض، وبصلها بثقة مصطنعة.
_ هعمل بيض، وعايزك تقعدي تتفرجي من بعيد من غير تدخل ولا انتقادات لحد ما أخلص.
أحلام ضحكت وهي بتسند دقنها على إيدها.
_ أنا هتفرج بكل هدوء بس حاسب لاتولـ ـع فينا بس.
يوسف بص لها بغيظ مصطنع.
_ انتي ثقتك فيا مشجعة جدًا بس ماشي هثبتلك إنك غلطانة.
بدأ يحضر الفطار، وأحلام فضلت قاعدة تراقبه وهي بتشرب الشاي وتضحك كل ما يركز زيادة عن اللزوم.
أول بيضة كسرها، جزء صغير من القشرة وقع جوه الطاسة.
أحلام حطت إيدها على بوقها بسرعة وهي بتحاول تمنع ضحكتها.
يوسف لف لها فورًا.
_ أوعى تضحكي أنا شايفك وأقسم بالله دي بتحصل مع أحسن شيفات العالم.
أحلام انفجرت ضحك وهي بتحاول تتكلم.
_ أنا والله مش بضحك عليك أنا بس مستمتعة جدًا بفكرة إن الشيف العالمي واقف دلوقتي بيدور على قشرة البيضة في نص الطاسة.
يوسف حاول يطلع القشرة وهو بيبصلها بغيظ.
_ استني بس لما أخلص وبعدها هتعتذريلي عن كل الكلام ده وتطلبي مني أعملك الفطار كل يوم.
أحلام قامت من مكانها وقربت منه لما شافت النار عالية.
_ لا أنا مش هستنى لحد ما أعتذرلك، وطي النار الأول عشان البيض هيتحرق وإنت لسه قاعد بتنقذ سمعتك.
يوسف مسك المعلقة بإصرار.
_ يا أحلام سيبيني أشتغل أنا عارف بعمل إيه ومش كل ما أشوفك واقفة جنبي آخد تعليمات.
أحلام مسكت المعلقة من الطرف التاني وهي بتضحك.
_ واضح جدًا إنك عارف بتعمل إيه ده البيض بيكتب وصيته يا يوسف اوعى كده سيبني أنقذ اللي يتلحق.
فضلوا الاتنين ماسكين المعلقة، وكل واحد بيشدها ناحيته وهو بيضحك.
يوسف بص لإيديهم وبعدين لها.
_ هو إحنا هنبدأ أول يوم خناقة على معلقة؟ أنا كنت متخيل إن الخناقات الكبيرة هتيجي بعد شهرين مثلًا.
أحلام ضحكت وهي بتشد أكتر.
_ لو سيبت المعلقة مش هنتخانق، المشكلة إنك مصمم تثبت إنك شيف وإنت أصلًا محتاج إشراف.
يوسف فجأة ساب المعلقة.
أحلام رجعت لورا اول ما سابها، فبصتله بصدمة قبل ما تشوفه انفجر ضحك.
_ إنت عملتها قصد يا يوسف!
يوسف كان بيضحك لدرجة إنه مش عارف يرد كويس.
_ والله إنتي اللي كنتي بتشدي بكل قوتك أنا مالي إنك متحمسة أوي لإنقاذ البيض؟
أحلام ضربته بالمعلقة بخفة على كتفه وهي بتضحك.
_ اطلع برا المطبخ بدل ما أنا اللي أعمل فيك جريمة وأقول للناس وقع وهو بيطبخ.
يوسف رفع إيده باستسلام، وسند ضهره على الرخامة وهو لسه بيضحك.
_ حاضر يا ست الكل المطبخ تحت إدارتك بس مؤقتًا خلي بالك ، ورسميًا أنا اللي بدأت الفطار يعني النجاح يتحسبلي برضو.
أحلام خدت مكانه قدام الطاسة، وبصتله من فوق كتفها بمشاكسة.
_ رسميًا إنت كنت هتحرقه وأنا اللي دخلت في الوقت المناسب فخليك ساكت أحسن بدل ما أسحب منك حتى شرف المحاولة.
يوسف فضل واقف مكانه يتفرج عليها وهي بتكمل، وابتسامته هديت شوية من الضحك وبقت نظرة إعجاب واضحة.
أحلام حسّت بعينه عليها، فلفت له بعد شوية.
_ إنت ساكت وباصصلي كده ليه؟ أنا بقيت أقلق من سكوتك أكتر من كلامك عشان غالبًا بتكون بتفكر تقول حاجة هتكسفني.
يوسف ابتسم بهدوء.
_ كنت بتفرج عليكي بس، وعجبتني أوي فكرة إنك واقفة هنا قدامي كده وبتزعقيلي عشان البيض في مطبخنا إحنا.
أحلام ابتسامتها هديت، وعينيها لمعت وهي بتبصله.
_ يمكن عشان المشهد عادي أوي هو اللي مخليه حلو بالشكل ده، أنا حاسة إني لأول مرة من زمان مش مستنية حاجة تقلب كل اللي إحنا فيه.
يوسف قرب منها خطوة، ونبرته هديت معاها.
_ وأنا دي أكتر حاجة مريحاني، إننا صحينا النهارده ومفيش حاجة متعلقة فوق دماغنا، ومفيش حد مستنينا نخلص اتفاق أو قضية أو قرار... إحنا هنا عشان إحنا اخترنا ده.
أحلام فضلت باصاله شوية، وبعدها ابتسمت بصدق.
_ وأنا بجد مش ندمانة يا يوسف بالعكس، حاسة إني من امبارح رجعت لمكان كان ناقصني طول الفترة اللي بعدنا فيها، بس يمكن كنت خايفة أعترف لنفسي قد إيه أنا كنت محتاجة أرجعله.
يوسف ملامحه كلها هديت، وقرب منها أكتر وهو مادد إيده يمسك إيدها براحة.
_ وأنا مش هخليكي تحسي إن رجوعك ده كان قرار غلط ولا حتى لـ لحظة واحده. مش عشان أوعدك إننا مش هنتخانق أو نزعل، لأن أكيد هنختلف وننكد على بعض عادي، بس عشان المرة دي مفيش هروب أول ما الدنيا تتعقد.
أحلام لفت صوابعها حوالين إيده، وابتسمت.
_ وأنا كمان مش عايزة نفضل كل مرة نخاف من الزعل أكتر من اللازم إحنا أصلًا ضيعنا وقت كبير وإحنا كل واحد فينا ساكت ومفترض حاجات عن التاني.
يوسف ضحك بخفة وهو بيرفع إيدها ويبوس ضهر بطن كفّها بخفة.
_ طب بمناسبة النية السليمة والكلام اللي يفتح النفس ده خلصي الفطار بقى عشان أنا جعان.
أحلام انفجرت ضحك وهي بتسحب إيدها منه.
_ أهو لازم تبوظ اللحظة في الآخر ده أنا لسه كنت هقول يمكن اتغيرت فعلًا، طلعت لسه يوسف زي ما إنت.
يوسف ضحك بصوت دافي.
_ والحمد لله إنك بتحبيني وأنا يوسف زي ما أنا بدل ما أضطر أعمل شخصية جديدة مخصوص عشان أرضيكي.
أحلام وقفت مكانها ثانية، وبصتله بنظرة فيها تحذير وكسوف مع بعض.
_ بقولك إيه متستغلش الكلام اللي قولتهولك امبارح وتفضل تنطلي بـ كلمة بتحبيني دي كل خمس دقايق عشان أنا ممكن أرجع أندم إني فتحت بوقي أصلًا.
يوسف قرب منها وهو بيضحك.
_ لا يا ستي خلاص بس متلومينيش لو فرحان إن لأول مرة حاسس إن عندي مساحة أغازلك فيها من غير ما أفضل أحسب كل كلمة قبل ما أقولها.
أحلام ابتسمت بكسوف وهي بتبص للطاسة تاني.
_ طب استغل المساحة دي بعقل عشان أنا لسه مش متعودة على الشخصية دي منك.
يوسف قرب منها سنة وقال بصوت هادي فيه دلال واضح:
_ لا اتعودي يا قلب يوسف، عشان أنا مش ناوي أرجع أسكت زي الأول.
أحلام لفت له بسرعة، ووشها احمر أكتر.
_ يا إيه؟
يوسف ابتسامته وسعت.
_ يا قلب يوسف… عجبتني و غالبًا هعتمدها.
أحلام ضحكت وهي بتخبطه بخفة في كتفه.
_ لا ده كده كتير اوي خلي بالك المعلقة لسه في ايدي هديك بيها على دماغك.
يوسف رفع إيده باستسلام وهو بيضحك.
_ حاضر يا مدام يوسف هنخف الجرعة شوية لحد ما حضرتك تتعودي.
أحلام فتحت عينيها أكتر.
_ والمدام دي كمان متقولهاش!
يوسف ضحك بصوت عالي.
_ لا دي مستحيل أتنازل عنها دي أكتر كلمة كنت مستني أقولها براحتى.
أحلام حاولت تمنع ابتسامتها ومقدرتش.
_ إنت بجد هتفضل طول اليوم كده؟
يوسف بصلها بنظرة كلها حب وراحة.
_ لو اليوم كله هيبقى وإنتي قدامي بالشكل ده، غالبًا آه.
أحلام هزت راسها وهي بتضحك.
_ ربنا يصبرني عليك.
يوسف رد بنبرة دافية وهو بيرجع يقعد على الترابيزة.
_ وأنا هخلي الصبر يستاهل يا ست البنات.
وأحلام، رغم إنها حاولت تفضل مركزة في الفطار، مقدرتش تمنع ابتسامتها وهي بتكمل، ولا قدرت تمنع إحساس الراحة اللي كان ماليها.
لأول مرة من وقت طويل، كل حاجة حواليها كانت بسيطة.
بس البساطة دي نفسها كانت أحلى حاجة حصلتلها
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
أول أسبوعين عدوا عليهم بخفة.
مش لأن كل حاجة كانت مثالية.
لكن لأنهم لأول مرة كانوا بيتعلموا يعيشوا مع بعض من غير ميعاد نهاية مستخبي في آخر الطريق.
كل حاجة صغيرة بقت تاخد معنى مختلف.
أحلام بقت ترجع من الجامعة وتفتح الباب وهي عارفة إن ده بيتها.
أوقات تلاقي يوسف وصل قبلها.
وأوقات هو يرجع بعديها ويلاقي ريحة أكل أو صوت أغاني جاية من أوضة الرسم.
في يوم دخل الشقة بعد الضهر، ورمى مفاتيحه على الترابيزة.
_ أحلام؟
محدش رد.
مشى ناحية أوضتها.
لقاها قاعدة على الأرض، حواليها كراسات وألوان، وسماعة واحدة في ودنها.
خبط على الباب المفتوح.
_ يا فنانة.
رفعت عينيها.
_ إنت جيت إمتى؟
_ لسة داخل بس واضح إن حضرتك في عالم تاني.
قلعت السماعة.
_ كنت مركزة في الرسمة.
يوسف دخل وقعد على طرف الكرسي.
_ وريني.
أحلام لفت الكراسة ناحيته.
فضل يبص للرسمة.
_ حلوة أوي.
أحلام رفعت حاجبها.
_ إنت فهمت هي إيه أصلًا؟
يوسف سكت.
أحلام ضحكت.
_ أهو.
يوسف رفع الكراسة.
_ أنا فاهم إن فيها مباني وحاجات هندسية.
_ دي واجهة داخلية يا يوسف.
_ أهو قلتلك حاجات هندسية.
ضحكت.
_ سيبها من إيدك قبل ما تبوظها.
يوسف رجعها مكانها، وبعدها بص حواليه.
_ على فكرة أنا مبسوط إن الأوضة بقت بالشكل ده.
أحلام بصت له.
_ شكلها مكركب.
_ أيوه بس بقى واضح إنها بتاعتك.
ابتسمت.
يوسف مد إيده خد فرشة من الأرض.
_ دي بتاعة إيه؟
_ متلمسهاش.
_ ليه؟
_ عشان عليها لون.
بص لإيده، لقى طرف صباعه اتلون.
أحلام انفجرت ضحك.
يوسف بصلها.
_ حلو أوي ده.
_ أنا قولتلك متلمسهاش.
يوسف قرب منها صباعه الملون.
_ طب تعالى.
أحلام رجعت لورا.
_ هتعمل ايه؟
_ ولا حاجة أنا بس عايز أشاركك الفن.
_ يوسف لا.
قرب منها.
حاولت تقوم، لكنه حط نقطة صغيرة على طرف مناخيرها بسرعة.
أحلام فتحت عينيها.
_ يا يوسف!
ضحك بصوت عالي.
_ والله شكلها تحفه عليكي.
أحلام خدت فرشة تانية.
_ طب تعالى انت بقى.
يوسف قام بسرعة.
_ لا لا أنا اسف وربنا.
جريت وراه خطوتين جوه الأوضة، وفي الآخر هو وقف عند الباب رافع إيده باستسلام.
_ خلاص يا أحلام أنا آسف، أنا كنت بهزر.
_ متتحركش.
_ ليه؟
_ عشان آخد حقي.
يوسف بص للفرشة في إيدها.
_ طب اتفقي معايا الأول إنتي هتلوني فين.
أحلام قربت، وحطت نقطة صغيرة على خده.
يوسف سكت.
_ ارتحتي كده؟
أحلام ابتسمت بانتصار.
_ اه.
احلام كانت قريبة منه ، لف ايده حوالين وسطها وشدها عليه اكتر.
_ طب على فكرة بقى إنتي اللي قربتي بنفسك.
أحلام فهمت قصده، ووشها احمر.
رجعت خطوة.
يوسف ضحك.
_ والله أنا غلطانة إني بهزر معاك.
_ لأ كملي أنا مبسوط.
أحلام لفّت وهي بتضحك.
_ اطلع برا أوضتي.
يوسف حط إيده على قلبه.
_ أوضتك؟ طب وأنا؟ ده أنا اللي عاملها؟
_ عملتها وسلمتها خلاص.
_ يعني اتطردت منها؟
_ لما تبطل رخامة ابقى ارجع.
ضحك وهو خارج.
_ ماشي يا فنانة بس اغسلي مناخيرك بدل ما تنسي وتطلعي بيها كده.
أحلام جريت على المراية.
أول ما شافت النقطة ضحكت غصب عنها.
ومن بره سمعته بيضحك.
_ سامعاك يا يوسف!
_ ما أنا عايزك تسمعيني يا عيون يوسف!
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
بعد شهر تقريبًا، الحياة بينهم بقت أهدى.
اتعودوا على تفاصيل بعض أكتر.
يوسف عرف إن أحلام لما ترجع من الجامعة وتسكت زيادة عن اللزوم يبقى اليوم كان تقيل.
وأحلام عرفت إن يوسف لما يقعد على الكنبة ويسيب موبايله على الترابيزة من غير ما يبص فيه، يبقى غالبًا في حاجة في الشغل مأكلاه.
كان في يوم رجع فيه متأخر.
أحلام كانت قاعدة على الكنبة، كراسة قدامها، لكنها مش مركزة فيها.
أول ما الباب اتفتح، بصت للساعة.
_ اتأخرت أوي.
يوسف دخل وهو واضح عليه التعب.
_ معلش والله الاجتماع طول بطريقة بشعة.
أحلام قامت.
_ طب ما كنت بعتلي تقولي؟
يوسف بص لها.
_ أنا بعتلك.
أحلام خدت موبايلها بسرعة.
فتحت الإشعارات.
فعلاً في رسالة من ساعة تقريبًا وهي ماخدتش بالها.
بصت له.
_ آه… أنا مشفتهاش.
يوسف ابتسم وهو بيقلع الساعة.
_ كويس إن التحقيق اتقفل بدري.
أحلام قربت منه.
_ لا أنا كنت قلقانة عليك بس.
يوسف ملامحه هديت.
_ حقك عليا.
_ كل ما تتأخر اكتر دماغي بتروح بعيد.
يوسف مد إيده وحاوط كتفها.
_ خلاص هتأكد بعد كده إنك شفتي الرسالة ولو مردتيش هكلمك.
أحلام سندت راسها على كتفه لحظة.
_ ماشي.
يوسف بص لها.
_ إنتي أكلتي؟
_ لا كنت مستنياك.
بصلها بعتاب.
_ ليه يا أحلام؟ أنا قولتلك هتأخر.
_ عشان كنت عايزة ناكل سوا.
يوسف ابتسم.
_ طب يلا أنا جعان جدا أصلًا.
مشيوا ناحية المطبخ.
أحلام قالت وهي بتطلع الأكل:
_ على فكرة أنا عملت مكرونة.
يوسف وقف.
_ إنتي؟
بصت له.
_ ايوه ايه يعني؟
_ لا بس أنا خايف إن الموقف بيتكرر من الناحية التانية.
أحلام ضحكت.
_ أنا بعرف أطبخ أحسن منك على فكرة.
_ ده ادعاء كبير جدا.
_ اقعد وكل وبعدين اتكلم.
قعد.
أول ما داق، سكت.
أحلام بصلت له مستنية.
_ ها؟
يوسف كمل مضغ.
_ بصراحة…
أحلام رفعت حاجبها.
_ بصراحة إيه؟
_ حلوة اوي.
ابتسمت بانتصار.
_ أهو.
يوسف مد إيده بالمعلقة ناحية الطبق.
_ بس ناقصها ملح سنة.
_ والله؟
يوسف ضحك.
_ يا بت بهزراقعدي.
_ لا خلاص كل لوحدك بقى.
_ أحلام!
ضحكت وهي بتقعد قدامه.
_ أهو عشان تعرف تتكلم عدل.
فضلوا يكملوا أكل وهما بيتكلموا عن يومهم.
وفي نص الكلام يوسف قال:
_ على فكرة أنا بحب الأيام دي.
أحلام رفعت عينيها له.
_ أنهي أيام؟
_ اللي مفيهاش حاجة كبيرة بتحصل..أرجع ألاقيكي، ناكل، نتخانق، وبعدين ننام.
أحلام ابتسمت.
_ وأنا كمان.
يوسف بص لها.
_ وبحبك.
الكلمة خرجت عادية جدًا، كأنه بيقول حاجة طبيعية في نص الكلام.
أحلام قلبها دق بنفس القوة اللي بيدق بيها كل مرة.
بس ابتسمت.
_ عارفة.
يوسف رفع حاجبه.
_ عارفه؟
_ آه.
_ طب ده رد؟
ضحكت.
_ إنت مش قولتلي يوم ما احب اقولها اقولها من غير ما تستنى مني حاجة؟
يوسف سكت ثانيتين.
_ ما أنا مش مستني بس عارفة دي مستفزة أوي.
أحلام ضحكت.
_ استحمل.
_ ماشي أنا صبور.
ابتسمت له.
كان واضح إنه فعلًا مش بيضغط عليها.
ومع كل مرة كان يقولها فيها، كانت الكلمة تقرب أكتر من لسانها.
بس هي لسه مستنياها تطلع لوحدها.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
وفي الصعيد، كان في حكاية تانية ماشية على مهل.
ميرال وآسر ما رجعوش زي الأول.
في البداية، كانت بتتجنب أي مكان هو موجود فيه.
لو دخل الصالة، تقوم تطلع فوق.
لو كانوا قاعدين كلهم، كلامها يبقى مع أي حد غيره.
آسر من ناحيته، عمل بالظبط اللي طلبته.
ولا رسالة.
ولا مكالمة.
ولا محاولة إنه يقابلها لوحدهم.
حتى مروان، لما سأله مرة وهما قاعدين في كافيه:
_ إنت ناوي تفضل سايب الموضوع كده لحد إمتى؟
آسر بص له.
_ أنا مش سايب حاجة أنا بعمل اللي هي طلبته.
مروان شرب من كوباية القهوة.
_ بس لو فضلت ساكت كده، يمكن تفتكر إنك خلاص مش مهتم، ممن هي أصلا تبقى مستنياك تحاول عشانها.
آسر هز راسه.
_ ميرال عارفة إني مهتم… ولو عملت كده هبقى بعمل نفس الغلط اني افترض هي عايزه ايه من غير ما تقول.
مروان سكت.
آسر كمل:
_ لو هي قالتلي ابعد يبقى أبعد…مش هروح أفسر كلامها على مزاجي وأقول أكيد مستنياني أحاول.
_ طب لو الموضوع مات خالص؟
آسر بص قدامه.
_ يبقى ده تمن اللي عملته.
مروان قرب.
_ إنت فعلًا ناوي تكمل معاها رسمي؟
آسر رد من غير تردد.
_ آه.
_ وعيلتك؟
_ أنا عيلتي أصلًا عيلتها يا مروان بس قبل ما أفتح بوقي مع حد، لازم أبقى عارف إنها ممكن أصلًا تقبل تسمعني.
مروان هز راسه.
_ واضح إنك اتعلمت الأدب متأخر.
آسر ابتسم بسخرية.
_ أهو أحسن من إني متعلموش خالص.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
مع الوقت، ميرال بدأت تهدى.
مش بمعنى إنها نسيت.
لكن وجود آسر بطل يخنقها زي الأول.
بقت تقدر تقعد في نفس المكان.
ترد عليه لو سألها حاجة تخص العيلة.
ولو سلم، ترد السلام عادي.
وفي يوم كانت راجعة من الجامعة شايلة شنطتين كبار وحاجات كتير.
آسر كان واقف برا البيت مع عبدالله.
أول ما شافها، قرب خطوتين.
_ ميرال تحبي أساعدك في الشنط؟
هي بصت له.
_ لا، متشكرة أنا قادرة أشيلهم.
آسر وقف مكانه فورًا.
_ براحتك…بس الشنطة اللي على كتفك السوستة بتاعتها مفتوحة، خلي بالك الحاجة متقعش.
ميرال بصت للشنطة بسرعة وقفلتها.
_ آه فعلًا… شكرًا إنك نبهتني.
ابتسم.
_ العفو، ادخلي ارتاحي شكلك جاية من يوم طويل.
ومرجعش يمد إيده ناحية الشنط.
موقف بسيط.
لكن فضل في دماغها.
آسر القديم كان ممكن ياخد الشنط منها غصب ويقول لها “بطلي عند”.
دلوقتي سأل.
هي قالت لا.
فوقف.
الفرق الصغير ده قعد في دماغها طول اليوم.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
مرت تلات شهور.
تلات شهور كانوا كفاية يخلو البيت يبطل يبقى جديد.
وفي يوم جمعة، كانوا نازلين الصعيد من بدري.
أحلام من أول الطريق بتحكي ليوسف عن مشروع جديد في الجامعة.
_ الدكتور من أول الترم قايل إن التسليم آخر الشهر وامبارح فجأة قرر إنه عايز جزء كبير الأسبوع الجاي، وإحنا حرفيا لأخر لحظة كنا فاكرينه بيهزر.
يوسف كان سايق وبيسمع.
_ طب وإنتوا قلتوله إن الوقت قليل؟
_ طبعًا بس هو شايف إننا لو اشتغلنا صح هنلحق.
يوسف هز راسه.
_ طيب وإنتي هتلحقي مع المادة التانية؟
_ دي المشكلة اني عندي تسليم تاني في نفس الأسبوع، وميرنا بتقولي نقسم الشغل…
موبايله نور برسالة.
بص للشاشة بسرعة، وبعدها قال:
_ استني ثانية في رسالة شغل لازم أرد عليها بس.
أحلام هزت راسها.
_ ماشي خد راحتك.
رد على الرسالة، وحط الموبايل مقلوب.
_ خلاص كملي بقى، ميرنا قالت إيه؟
أحلام ابتسمت.
_ قالت نقسم الجزء ده بينا، بس أنا مش مقتنعة بالطريقة.
يوسف فضل يسمعها وهي بتحكي.
بعد شوية قالت:
_ على فكرة أنا مبسوطة إنك قولتلي استني بدل ما تسكت وتسيبني أتكلم وإنت بترد.
يوسف بص لها بسرعة.
_ أهو بنتعلم.
_ شاطر.
_ شاطر؟
ضحكت.
_ أمال أقولك إيه؟
_ قولي مثلًا جوزي العظيم الذي لا يُخطئ ، بطلي ، سندي.
أحلام ضحكت بصوت عالي.
_ اسكت اسكت أنا غلطانه اني شجعتك.
_ اخس.
وصلوا البيت وهما لسه بيتخانقوا على نفس الموضوع.
أول ما نزلوا من العربية، سمعوا صوت عبدالله من جوه.
أحلام ضحكت.
_ كده اطمنت إن عمي عبدالله موجود.
يوسف قفل العربية.
_ ده مش صوت وربنا ده نظام تحديد مواقع.
دخلوا.
عبد الحميد كان قاعد في مكانه، وأحمد وعماد بيتكلموا معاه.
عبدالله قاعد على الكنبة الكبيرة، وآسر جنبه.
زينب خارجة من المطبخ، وميرال ماسكة موبايلها.
أول ما شافت أحلام، قامت بسرعة.
_ أخيرًا جيتي!
حضنتها.
أحلام ضحكت.
_ يا بنتي إحنا كنا لسة هنا الأسبوع اللي فات.
_ الأسبوع طويل.
يوسف دخل وراها.
_ وأنا مفيش حد وحشته.
ميرال بصت له.
_ إنت كنت هنا من يومين.
يوسف حط إيده على قلبه.
_ أهو الجواز قلل قيمتي في البيت.
زينب ضحكت.
_ تعالى يا حبيبي بدل الدراما دي.
أحلام راحت حضنت زينب.
_ عاملة إيه يا ماما؟
زينب حاوطتها.
_ بخير يا قلب ماما وإنتي؟ يوسف مأكلك كويس؟
أحلام بصت له وهي بتضحك.
_ لا ده بقى بيطبخ كمان.
عبدالله سمعها.
_ يوسف؟ بيطبخ؟
يوسف لف له.
_ أيوه يا عبدو في اعتراض؟
عبدالله ضحك.
_ لا أنا بس عايز أعرف إحنا هنقرأ الفاتحة على روح المطبخ إمتى.
الكل ضحك.
يوسف هز راسه.
_ أنا مش فاهم سُمعتي دي جت منين.
أحلام قالت بسرعة:
_ عندهم حق بصراحة.
يوسف بصلها.
_ إنتي كمان؟
ضحكت.
_ اه ده أنا شاهدة.
عبد الحميد كان متابعهم بابتسامة.
_ ربنا يديم الضحكة دي عليكم يا ولاد البيت بيحلو بيكم.
يوسف قرب سلم عليه.
_ و يخليك لينا يا جدو.
أحلام قعدت جنب ميرال.
ميرال قربت منها بسرعة.
_ أنا عندي حاجة في المشروع عايزة أوريهالك.
_ حاضر يا حبيبتي خليني بس اقعد أشرب حاجة الأول.
ميرال ضحكت.
_ ماشي براحتك.
اليوم جرى بطبيعته.
كل واحد بيتكلم في حاجة.
عبدالله بيحكي قصة كلهم سمعوها قبل كده.
عبد الحميد يصححله تفصيلة.
زينب داخلة طالعة من المطبخ.
وأحلام كل شوية تلاحظ ميرال وآسر.
مش بشكل واضح.
لكن لأنها عارفة اللي بينهم، عينها كانت بتروح عليهم تلقائيًا.
آسر كان بيتعامل عادي جدًا.
لا بيتجنبها زيادة، ولا بيحاول يقرب.
في نص القعدة، عبدالله نادى عليه:
_ يا آسر إنت هتنزل تجيب الحاجة اللي قولتلك عليها ولا نسيت؟
آسر قام.
_ لا يا بابا فاكر أنا نازل دلوقتي، حد محتاج حاجة من برا؟
يوسف طلب منه حاجة.
زينب قالت له يجيب شوية حاجات للمطبخ.
آسر بص للباقي.
ميرال رفعت عينها.
_ لو هتعدي على الكافيه اللي عند أول الشارع… ممكن تجيبلي قهوة؟
آسر اتفاجئ لحظة.
مش لأنها طلبت قهوة.
لكن لأنها طلبت منه هو.
حاول يخلي نبرته طبيعية.
_ حاضر أكيد. عايزاها زي كل مرة؟
ميرال سكتت ثانية.
الكلمة علقت بينهم.
“زي كل مرة.”
قبل ما كل حاجة تتغير.
هزت راسها.
_ آه… بس خلي السكر أقل شوية.
آسر ابتسم بخفة.
_ حاضر.
ومشي.
أحلام بصت لميرال.
ميرال خدت بالها فورًا.
_ متبصليش كده.
أحلام رفعت حاجبها.
_ أنا ما بصتش.
_ عينيكي بتتكلم.
أحلام ضحكت.
_ والله ما هقول حاجة.
وكملت وهي بتغمز.
_ يارب القهوة تطلع زي كل مرة بس؟
ميرال زقتها بخفة.
_ أحلام!
_ خلاص ياستي.
بعد حوالي ساعة، آسر رجع.
وزع الحاجات.
آخر حاجة كانت قهوة ميرال.
قرب منها ومد الكوباية.
_ اتفضلي خليت السكر أقل، وقلتله ميوطّيش البن عشان إنتي بتقولي طعمه بيبقى مية.
ميرال أخدت الكوباية وبصت له.
_ إنت لسه فاكر؟
آسر رد بهدوء.
_ طبعا.
سكت لحظة.
_ لو طعمها مش مظبوط قوليلي يمكن يكون غير الطريقة.
ميرال داقت.
ابتسمت من غير ما تقصد.
_ لا هي مظبوطة.
آسر ابتسم.
_ بالهنا عليكي.
ومشي ناحية يوسف من غير ما يطول.
ميرال فضلت ماسكة الكوباية.
أحلام بصتلها.
ميرال قالت من غير ما تبصلها:
_ لو اتكلمتي والله هديكي على وشك.
أحلام ضحكت.
_ ما أنا ساكتة أهو.
_ حتى سكوتك مستفز.
_ دي موهبة بقى.
ميرال ضحكت غصب عنها.
من بعيد، آسر سمع ضحكتها.
بصلها لحظة.
هي خدت بالها.
عينيهم اتقابلت.
آسر ابتسم ابتسامة صغيرة، وبعدها رجع لكلامه مع يوسف.
ميرال نزلت عينها للقهوة.
وقلبها عمل الحركة اللي كانت بتحاول تنساها بقالها تلات شهور….
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
بعد الغدا، أحلام وميرال طلعوا فوق.
دخلوا أوضة ميرال، والرسومات كانت متوزعة على المكتب.
أحلام قعدت تتفرج عليها.
_ دي حلوة أوي بس كنتي تفتحي اللون هنا سنة.
ميرال قربت.
_ أنا حسيت كده برضو بس كنت خايفة يبقى زيادة.
فضلوا شوية في المشروع.
وبعد كام دقيقة، أحلام لاحظت إن ميرال بتقلب في نفس الورقة من غير ما تركز.
_ مالك؟
ميرال رفعت عينها.
_ مالي إيه؟
_ مش مركزة من ساعة ما طلعنا.
_ مركزة أهو.
أحلام بصت لها.
ميرال سكتت ثانيتين، وبعدها تنهدت.
_ باين عليا اوي؟
_ بالنسبة لي آه.
ميرال قعدت على السرير.
أحلام لفت لها.
_ احكيلي.
ميرال عضت شفايفها.
_ أنا مش عارفة أعمل إيه معاه يا أحلام.
أحلام قربت وقعدت جنبها.
_ حصل حاجة جديدة؟
_ لأ هو أصلًا مبيعملش حاجة، ودي المشكلة.
أحلام رفعت حاجبها.
_ طب فهميني.
ميرال بصت قدامها.
_ هو التزم بكل اللي قولته…مبعتليش ولا مرة، ومكلمنيش لوحدنا، ومبيحاولش يوقفني أو يضغط عليا.
سكتت.
_ في الأول كنت مرتاحة إنه بعد… لاني كنت متعصبة أوي ومش طايقة أشوفه.
أحلام استنتها تكمل.
_ بعدين واحدة واحدة بقيت آخد بالي إنه فعلًا مش بيحاول يعمل حاجة من ورا كلامي…حتى لو اتقابلنا لوحدنا بالصدفة، بيبعد.
أحلام ابتسمت بخفة.
_ وده مريحك ولا مضايقك؟
ميرال ضحكت بسخرية.
_ الاتنين.
_ إزاي؟
_ مريحني عشان حسيت إنه أخيرًا سمعني، ومضايقني عشان… وحشني.
قالت آخر كلمة بصوت أوطى.
أحلام ما علقتش بسرعة.
ميرال بصت لها.
_ أنا لسه بحبه يا أحلام ودي أكتر حاجة معصباني.
_ ليه معصباكي؟
_ عشان حاسة إني المفروض أكون أقوى من كده…بعد اللي عمله، المفروض أبقى قادرة أقفل الموضوع وأمشي.
أحلام قربت منها.
_ مين قال إن القوة إنك متحبيهوش؟
ميرال سكتت.
_ إنتي اتوجعتي منه وده حقيقي. ولسه بتحبيه، وده برضو حقيقي…الاتنين ينفع يبقوا موجودين مع بعض.
ميرال بصت لها.
_ بس أنا خايفة أرجعله عشان وحشني وبعدين ألاقي نفسي رجعت لنفس المكان.
_ يبقى ما ترجعيش لنفس المكان.
_ يعني؟
_ يعني لو في رجوع يبقى بشكل جديد…مش لازم ترجعوا مكالمات وخروج وهزار وكإن حاجة محصلتش.
ميرال هزت راسها.
_ أنا أصلًا مش عايزة كده.
سكتت شوية.
_ أنا لو هديته فرصة عايزاه ييجي يكلم بابا…لو هو فعلًا شايفني حاجة جد يبقى يتصرف على الأساس ده.
أحلام ابتسمت.
_ ده حقك.
ميرال بصت لها.
_ بس أنا مش هروح أقوله يعمل كده.
_ ومين قالك تروحي تقولي له؟
_ عشان ساعات بحس إنه ممكن يفضل مستني إشارة مني للأبد.
أحلام ضحكت.
_ لا متقلقيش آسر مش غبي للدرجة دي.
ميرال رفعت حاجبها.
_ مش عارفة والله سجله القديم مش مطمن.
ضحكوا هما الاتنين.
أحلام مسكت إيدها.
_ خدي وقتك بس متعذبيش نفسك لو عايزة تدي فرصة، اديهاله لما إنتي تبقي مستعدة…ولو مش قادرة، برضو من حقك.
ميرال هزت راسها.
_ أنا مش عايزة حد يقنعني إنه اتغير…أنا عايزة أشوف.
أحلام ابتسمت.
_ وده اللي المفروض يحصل.
ميرال سندت راسها على كتفها.
_ أنا مبسوطة إنك جيتي.
أحلام حاوطتها.
_ وأنا مبسوطة إنك أخيرًا بطلتي تقوليلي مفيش حاجة.
ميرال ضحكت.
_ ما تتعوديش.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
بعد المغرب، البيت بدأ يهدى شوية.
عبد الحميد دخل يرتاح.
عماد وعبدالله كانوا في الجنينة.
يوسف بيتكلم في التليفون.
أحلام وزينب قاعدين في الصالة، وميرال جنبهم.
أما أحمد، فدخل المكتب تحت يراجع كام ورقة.
بعد حوالي عشر دقايق، خبط خفيف جه على الباب.
_ ادخل.
الباب اتفتح، وآسر دخل.
أحمد رفع عينه.
أول حاجة أخد باله منها إن آسر قفل الباب وراه.
حط القلم.
_ تعالى يا آسر… خير يا حبيبي؟
آسر قرب وقعد على الكرسي اللي قدام المكتب.
_ خير يا عمي مفيش حاجة وحشة…. انا بس كنت مستني وقت تكون فاضي فيها عشان أتكلم معاك.
أحمد سند ضهره على الكرسي وبص له أكتر.
_ طب ما تتكلم انت وترتني.
آسر ضحك بخفة، لكن التوتر كان واضح في عينه.
_ أنا اللي متوتر مش حضرتك.
أحمد ابتسم.
_ طب ده يطمني أكتر ولا يقلقني؟
آسر اتنهد ، وبص له مباشرة.
_ بص يا عمي… أنا مش عارف أبدأ الكلام منين من غير ما أدخل في الموضوع على طول، فهقوله زي ما هو.
أحمد ساب الورق تمامًا.
_ قول يا حبيبي أنا سامعك.
آسر شبك صوابعه قدامه.
ثواني عدت وهو بيرتب الكلام.
وبعدين رفع عينه.
_ الموضوع بخصوص ميرال.
ملامح أحمد اتغيرت سنة.
_ مالها ميرال؟
آسر أخد نفس.
_ أنا عايز اتقدملها.
