رواية الاء من الله الفصل السابع عشر17 بقلم حنين سامي



رواية الاء من الله الفصل السابع عشر17 بقلم حنين سامي

( حبيب )

مدت يدها تلمسُ وجنتي بحب ، و نظرَت لي بأعين دامعة و ابتسمَت بدفء و قالت بأنفاسٍ متقطعة : " حبيب .. أنا بحبَك ." 
ثم فجأة أغمضتْ عينها ببطء ، و وقعت يدها بجانبها ...! 

صرختُ بأعلى صوت لي مناديًا اسمها بحُرقة : " آلاء ." 

توقف الزمن ، خارت قواي و بقيتُ جالسًا أحدقُ في العدم و هي بين أحضاني ، توقف دماغي عن العمل ، لا أصدقُ ما حدث ..!

حاولتُ ضمها أكثر لكني خِفتُ أن تصبح رمادًا و تذهب مع الرياح .
هل يعقل هذا كابوس ؟! 
مرّت الثواني كالدَّهر ، و أنا فقط أرى نفْسي بدون روحي .. بدون دقات قلبي .. بدونها .

أفقتُ على صفعة " عمرو " لي و هو يقول بصياح : " فوق يا حبيب ، مش وقته  ." 
نظرتُ له و كأن ذهني قد بدأ في العمل فجأة .

أدركتُ أنها الآن بين الحياة و الموت ، و أنه يجبُ عليّ الإسراع .

حملتُها بين ذراعيّ و هرولتُ إلى سيارتي و قدتُ إلى أقرب مستشفى .
كنتُ أنظر إليها بخوف بين الحين و الآخر ، أنادي باسمها تارة و أُمسكُ يديها تارة أخرى ؛ لكنها لا تستجب .

وصلتُ و نزلتُ من السيارة و حملتُها مرة أخرى و ذهبتُ مهرولًا إلى الاستقبال و أنا أصرخ : " دكتورة بسرعة ، مراتي بتروح مني ." 
جاء بعض من فريق التمريض و معهم النقالة ، وضعتُها هناك لكني ظللتُ ممسكًا بيدها و أنظر إليها بذعر و نحن نتحرك إلى غرفة العمليات .

ماذا ؟! لا أصدق عيني !
لقد فتحت عينها ببطء و قالت بصوت خافت : " حبيب ." 
ضممتُ يدها أكثر و قلت بصوت دافء : " آلائي متخافيش أنا معاكي ، مش هسيبك . "
لم ترد عليّ فقط أغلقت عينها مرة أخرى .

وصلنا إلى غرفة العمليات ، كدتُ أدخل معهم لكن هناك ممرضة منعتني و قالت : " خليك هنا يا أستاذ مينفعش تدخل ."
قلتُ بإلحاح : " ارجوكي خليني ادخل معاها ."
هزت رأسها نافية و قالت : " مينفعش الأوضة معقمة ، متقلقش بإذن الله هتكون كويسة ." 

أومأتُ لها بقلة حيلة و جلستُ على الأرض في ترقب ؛ أنتظرها .
سندتُ ظهري على الحائط ؛ علّه يُمدُني ببعض القوة .

مرّت ذكرياتي معها أمامي ، لقد غيرتني للأفضل ، حاولَت معي و تقبلتني ، لم تتركني .
و الأهم من ذلك لقد أحبتني ، لقد قالت لي " بحبَك " أم أنا كنتُ أتخيل فقط ؟! 
لا ، لا لقد قالتها لي بحب ، لما الآن ؟! 
كنتُ أود لو كانت تكرَهني حتى لا أشعر بهذا الألم المضاعَف .

جلسَ " عمرو " بجانبي و ربّت على كتفي و قال : " متقلقش يا حبيب بإذن الله هتكون كويسة ."
نظرتُ إليه بحزن و قلت : " يا رب ."

مدّ لي قميص كي ارتديه و قال : " خد استر نفسك ، مش عارف لسه مقاسك زيي و لا اتغير ."
أخدتهُ و قلت و أنا ارتديه : " لا على قدي ، تسلم يا عمرو ." 

قال : " صحيح انا كلمت والدها و عرفته اللي حصل ."
قلتُ له بامتنان : " شكرًا يا عمرو بجد ، انا مكنتش هعرف اجيبهاله ازاي أصلًا ."
قال بابتسامة : " الشكر لله يا حبيب ، احنا اخوات يبني ." 
ابتسمتُ و أومأتُ مؤكدًا .
فعلًا لقد ساعدني كثيرًا ، لقد كنتُ مخدوع في أصدقائي .

بعض الأصدقاء نظنُّهم لنا أمان ؛ لكنهم في الحقيقة مستودع الخطر قبل انهياره على رُؤوسِنا . 

قلتُ له بحزن : " عمرو ، ادعي بالله عليك تخرج بالسلامة ، انا حقيقي مش هعرف اعيش من غيرها ."
ربّت على كتفي و قال : " بدعيلها و الله ، ما تقوم تصلي ركعتين لله . " 
أومأتُ و قلت : " فكرة حلوة ، هدعي ربنا هو اللي بإيده أمرنا ." 
وقفتُ كي أذهب لأصلي ، لكن أوقفني قدوم حماي " إبراهيم " و يبدو غاضبًا للغاية .

أمسكَ بياقتي و قال و هو يهزني بعنف : " انت عملت ايه ؟ انا استأمنتك على بنتي الوحيدة ." 
لم أرد عليه فقط كنت أنظر بجمود ، هزّني مرة أخرى و قال : " ما ترد عليّ ، عملت ايه في بنتي ؟ انا الغلطان اني وافقت على الجوازة دي ، انا الغلطان اني خليتها تتجوز واحد شوارعي زيك ." 

كانت كلماته كالأسهم التي تخترق ضلوعي ، فهو معه حق ؛ أنا مجرد " شوارعي " لا استحقها .

أكمل بغضب : " لو راجل لما تفوق طلقها ، سيبها ترجع بيتها وسط أهلها ، لو كانت عندي مكنش ده حصل ." 

امتدت يد " عمرو " الذي حال بيني و بينه و قال : " استهدى بالله يا عم إبراهيم مش كده ، حبيب ملوش ذنب ." 
نظر إليَّ حمايَ باحتقار و لم يرد .
قال " عمرو " و هو ينظر إليَّ : " روح يا حبيب دلوقتي اعمل اللي كنت هتعمله ." 

سِرتُ في الممر و سمعتُ حمايَ يقول : " هو كمان هيمشي ، قد ايه ده انسان مش بيتحمل مسؤولية حاجة ؟! " 

أغمضتُ عيني محاولًا التماسك ، و عندما فتحتُها التقت عيني بخاصة حماتي التي كانت تبكي بحرقة و تنظر إليَّ بتأنيب .

أشحتُ بنظري و دخلتُ إلى أقرب غرفة ، كنت أحاول تنظيم تنفسي .
وقفت و قلتُ لنفسي معاتبًا : " ايه يا حبيب هتخيب ؟ فوق كده و صلي و بإذن الله خير . "
أومأتُ و أخذتُ نفَس عميق ، و كان يوجد حمام في هذه الغرفة ، توضأتُ و وقفتُ بين يدي الله أصلي .
أخذتُ أبكي و أتوسل إليه كي يساعدني ، كي تخرج بسلام ، أريد رؤيتها بخير و رؤية ابتسامتها .
من لي سوى ربي ينتشلني من حزني و همي ؟! 

عندما انتهيتُ من الصلاة ، أحسست بالراحة و انشراح صدري ، استبشرتُ خيرًا .
غسلتُ وجهي و خرجتُ من الغرفة لأجد غادة و والدتها هناك أيضًا تجلس بجانب حماتي و تربّت على ظهرها .
عندما رأتني " غادة " رمقتني بغضب و لم تقل شيئًا ، نظراتها كانت كفيلة بإخباري بأنها تكرهني و أنِّي السبب فيما حدث . 

لم يكن " عمرو" هنا فجلستُ على المقعد في انتظار خروج الطبيب .
بعد فترة خرجت الممرضة تجري في اتجاه السلم ، أوقفتها بسرعة و قلت بخوف :  " هي آلاء كويسة ؟ " 
نظرَت إليَّ نظرة لم أفهمها و قالت : " ادعي انها تخرج بخير ، احنا بنحاول نعمل اللي نقدر عليه ، هي فقدت دم كتير و محتاجين دم ، عن اذنك ." 

ثم جرت مرة أخرى و نزلت ، رجعتُ إلى مكاني و أغمضتُ عيني .
تذكرتُ كلام " آلاء"  يوم خروجنا سويًا حينما قالت " كنت بقول لا حول و لا قوة إلا بالله ، بنية إن ربنا يخرجنا من هنا سالمين ، و الحمد لله خرجنا زي الفل " 
أخدتُ أحوقل بنية خروجها سالمة من هذه الغرفة .

و ما إن مرّت عدة دقائق إلا و خرجت " آلاء" على ناقلة أخرى ، ذهبنا إلى الطبيب ..
و قلتُ له بقلق : " خير يا دكتور ؟ "
قال بابتسامة : " الحمد لله المدام كويسة ، خيطنا الجرح اللي في بطنها و كتفها و عوضنا الدم اللي فقدته ، هي محتاجة بس الراحة و هتابع حالتها لما تفوق بإذن الله ." 
تنهيدة خرجت من أفواهنا ، حمدتُ الله الكريم ، الرحيم الذي رأف بحالي و استجاب لدعائي .

ذهبنا إلى الغرفة التي وضعوها فيها .
نظرتُ لها من بعيد ، كانت شاحبة و مغمضة العينين و ترقدُ باستسلام . 
لا أستطيع رؤيتها بهذا المنظر ، لكني تمالكت نفسي ، فقد كان الجميع منهار و خصوصًا النساء .

جلستُ على المقعد أحدق في والدتها التي ذهبت إليها و كانت تبكي و أخذتْ تقبلها و هي تردد : " الحمد لله ."
جاء " عمرو " و قال بابتسامة : " حمدًا لله على سلامتها . " 

نظرَت له " غادة " بصدمة و قالت : " عمرو ؟! انت بتعمل ايه هنا ؟! "
تفاجأَ هو الآخر و تساءل : " انتي اللي بتعملي ايه هنا ؟ " 
أجابت : " آلاء صاحبتي ."
نظر إليّ و قال : " و حبيب صاحبي ."

قالت له بذهول : " ايه ؟ البني آدم ده صاحبك ؟! "
أومأَ ، فقلتُ لها بحاجب مرفوع : " ماله البني آدم ده ؟ متتكلمي عدل ، هو انتي شايفاني مشلول ؟ " 
نظرت لي و قالت بغضب : " لو سمحت احترم نفسك و متتكلمش معايا كده ." 
قلتُ لها بانفعال : " انتي اللي بدأتي ! احنا هنستعبط ؟! "

قال " عمرو " : " يا جماعة اهدوا ."
قالت له بانفعال :  " انت مش شايف بيتكلم ازاي ؟ مش كفاية ان انا ساكتة و لحد دلوقتي مخلصتش عليه ؟ "
قلتُ رادًّا عليها : " تخلصي على مين يا بنتي ؟ اتكلمي على قدك ." 

نطق حمايَ بهدوء و قال : " اللي عايز يتخانق يطلع بره ، انتوا شايفين إن ده وقته ؟ " 
سكتُّ و نظرتُ إلى النافذة في شرود .

قال " عمرو " : " لو سمحتي يا غادة ، تعالي و انا هعرفك كل حاجة ." 
نظرَت له بتردد ، فأومأَت لها والدتها بمعنى " اذهبي " فرحَلت معه أخيرًا .

( غادة )

ذهبتُ مع " عمرو " و جلسنا على مقاعد في الممر .
قال لي بهدوء : " يا غادة ، حبيب صاحبي من أيام ابتدائي ، انتي فهماه غلط ، هو شخص طيب و محترم و الله ." 
قلتُ له بسخرية : " اه محترم منا عارفة ، منا كنت بشوفه انا و آلاء و هو بيشرب سجاير على الناصية."

قال : " يا غادة كلنا بنغلط ، محدش بيعيش حياته كلها بدون ذنوب ، بس المهم اننا نرجع و نتوب لربنا ." 
قلتُ له باصرار : " بس ده واحد أذى صاحبتي و ضيعها ، شوف حالتها عاملة ازاي !"

هزّ رأسه نافيًا و قال :  " حبيب ملوش ذنب صدقيني ، ده هو اللي راح انقذها ، من غيره كانت ممكن تكون لا قدر الله اتوفت ."

نظرتُ له بحدة و قلت : " قصدك ايه يعني ؟ "
قال : " في واحد اسمه أمجد هو اللي خطفها ، و عمل فيها كده ، و أنا قبضت عليه ، انتي مشوفتيش حبيب كان قلقان عليها قد ايه ." 
قلبتُ عيني و قلت : " عادي ممكن بيمثل ." 
قال بابتسامة : " يعني لو هو عايز يضرها هيروح يدوّر عليها و ينقذها ليه ؟ ما كان استريح منها و خلاص ." 

نظرتُ له و لم أُجب ، فقال : " انا مقدّر اللي انتي فيه ، و انك خايفة على صاحبتك ، بس متنسيش إن دي مراته برده ." 
نظرتُ له بطرف عيني و قلت : " طيب ، انت ازاي بقا متقوليش انك صاحبه ؟ "
قال بتعجب : " و انا اعرف منين انك تعرفيه أصلًا ، ثم ده هيغير ايه ؟ ."

قلتُ و أنا أرفع كتفي : " كنت هرفضك من الأول ."
نظر إليّ بصدمة و قال : " هترفضيني عشان عندي صحاب يعني و لا ايه ؟" 
قلتُ : " لا عشان مصاحب ده بالذات ." 
قال بامتعاض :  " و ايه يعني ؟ " 
قلتُ بلامبالاة : " طالما انت مصاحبه يبقى اكيد زيه ."
رفع حاجبيْه و قال : " انتي حسيتي اني زيه ؟ "
حركتُ رأسي نافية ، فقال : " بس خلاص شكرًا ، متحكميش على حد بسطحية كده ، لازم تتعاملي مع الشخص اللي قدامك عشان تعرفي هو حلو و لا لأ ، ماشي يا غادة ؟ " 
قلتُ بغرور : " أنا أصلًا عارفة الكلام ده ، بس بهزر ." 
ضحِك و قال : " اذا كان كده ماشي ." 

( حبيب)

جاء الطبيب و قاسَ العلامات الحيوية و قال بابتسامة : " الحمد لله فيه تحسن ."
إبراهيم : " هي هتفوق امتى يا دكتور ؟ و هتخرج امتى ؟ " 
قال الطبيب : " هي من الواضح إنها مش هتخرج انهاردة ، و بالنسبة لصحيانها فممكن خلال ساعتين و على حسب برده . " 
قال الطبيب لي و هو يخرج : " لو سمحت يا أستاذ حبيب عايزك في كلمة ."
ذهبتُ معه تحت نظرات الحاضرين  .

خرجنا من الغرفة فقال : " من الواضح انها اتعرضت لعنف جامد ، جسمها كله مليان علامات ضرب ، و فتحة البطن دي اكيد مش طبيعية بس في نفس الوقت دقيقة جدًا ، هي كانت حامل ؟ "

حركتُ رأسي نافيًا " هو انا لحقت المسها أصلًا !" 

قال : " عامةً أنا هتابعها مع حضرتك ، و بإذن الله تكون بخير ."
قلتُ له بابتسامة : " شكرًا يا دكتور ." 

وجدتُ " عمرو " و " غادة " يتناوشان في آخر الممر ، فلم أزعِجه و دخلتُ إلى الغرفة مرة أخرى بعد طرقها .

جلستُ مكاني ، فقد كانت والدة " آلاء " و والدة "غادة" تجلسان على السرير بجانبها .

وددتُ لو أجلس بجانبها أنا الآخَر ، و أضمها إلى صدري و أقبِّلُها حتى تطمئن روحي و قلبي .

قال حمايَ : " حبيب ، أنا بعتذر عن اللي قولته بره ، انا كنت خايف عليها ، و عمرو الله يجازيه خير عرفني كل حاجة ، و قالي إن أمجد السبب انا مكنتش اتوقع إنه يكون وحش للدرجة دي ."
أومأتُ و قلت : " و لا يهمك يا عمي ، انا زي ابنك ." 

بمناسبة أنِّي ابنه ؛ أين والدي حقًا ؟ أين أخي ؟ 
لما أراني وحيدًا في هذا الموقف ؟
نعم صحيح .. إنهم مشغولون بأمورِهم الخاصة ، لم يسألوا عني حتى ! 

دخل " عمرو " و "غادة" ، و دخلت معهم الممرضة و قالت بابتسامة : " استأذنكم مرافق واحد اللي يفضل مع الحالة ."
نظرنا إلى بعضنا و كل عين تقول " أنا اللي هقعد معاها " .
قاطع نظراتنا صوت حمايَ و هو يقول : " جوزها هيفضل معاها ." 
ابتسمتُ داخليًا و لم يعقب أحد .

قالت الممرضة بعدما نظرَت إلى الجرح و جهاز المحاليل : " احنا محتاجين لبس ليها ." 
أومأتُ و قلت : " هروح أجيب ."
نظرَت إليَّ غادة و قالت بمضض : " لا أنا اللي هروح أجيب في طريقي . " 
أومأَ عمرو و قال : " انا هروح أوصلهم ، و أجيلك بالهدوم الصبح ان شاء الله . " 

أومأتُ له بامتنان و ودعتُ الباقي ، أخبرني والدها أنه سوف يأتي في الصباح كي يطمئن عليها ، ثم ذهبوا .

وقفتُ أنظرُ إليها من بعيد ، خائف من الاقتراب ، قلبي ينبض بعنف يريد الذهاب إليها ، لكن عقلي يمنع ذلك ، رجلي متسمرة في الأرض ، و يداي ترتعشان . 

بلعتُ ريقي و تقدمتُ بخطى بطيئة ، و أنا أسمع صوت أنفاسي الغير منتظم .

وقفتُ بجانبها و نظرتُ لها بحزن و امتلأَت عيني بالدمع ، لكنِّي قبضتُ على يدي محاولًا تمالك نفسي .

وضعتُ مقعدًا بجانب السرير و جلستُ عليه ، مددتُ يدي إليها في تردد ، فارتدَدْتُ و أعدتُها إلى مكانها مرة أخرى .

نظرتُ إلى الساعة فإذا بها الرابعة فجرًا ، تنهدتُ و أمسكتُ يدها و قبلتُها بشوق و قلت بهمس : " اصحي يا آلاء عشان نصلي الفجر ." 

كانت هي دائمًا من توقظني لكي نصلي معًا ، لكنها الآن كالجثة الهامدة لا تتحرك . 
أحسستُ بعيني تحرقانِنِي ، لا أدري أهذا من قلة النوم أم من دموعٍ كظمتُها في أعماقي ؟ 

همستُ لها مرة أخرى : " اصحي عشان خاطري ، فتحي عينك ، بصيلي بقرف طيب ، قومي عانديني و خليني اصلي بالعافية ، او اضحكيلي و قوليلي بحبَك تاني ..."
ثم أكملتُ بضعف : " انتي مش قولتي انك هتيجي البيت و مش هتتأخري ؟ و اتفقنا إني هستناكي ؟ "

أَلَيْسَ قَد عَاهَدْتِنِي أَن تَغْفِي فِي مَأْمَنِ بينَ أحْضَاني ؟ فَكَيفَ أَلْقَاكِ الآن بَيْن ذِرَاعَيْ الفِرَاشِ تَحْتَجِبِينَ عَنِّي ... وَ تَبْتعِدِينَ عَنْ قَلبِي ؟ 

أغمضتُ عيني و توضأتُ و صليتُ الفجر ، و جلستُ أقول أذكار ما بعد الصلاة كما كانت تخبرُني .

حين انتهيتُ، عدتُ إلى مقعدي وجلستُ من جديد، ثم تعلّقتُ بأناملها كالغريق المتشبث بقشّةٍ وحيدة، كأنني أخشى أن أفقدها إن أفلتُّ يدها ولو للحظة.

ظللتُ أحدّق في وجهها، أراقب أنفاسها الهادئة، وأدعو في سري أن تعود إليّ، أن تفتح عينيها، أن تناديني باسمي كما كانت تفعل دائمًا.

لكن التعب كان أقوى من مقاومتي، شيئًا فشيئًا بدأ وعيي يذوب، حتى أدركتني غفوة لم أشعر بها.

وكأن ساعة الزمن توقفت عن الدوران، وكأن الكون بأسره أغمض جفنيه ليشاركني غفوتي.

استيقظتُ على أنامل تعبث بشعري برفق.

فتحتُ عينيّ ببطء، فإذا بآلاء أمامي!

توقفت أنفاسي للحظة، ولم أصدق ما رأته عيناي.

كانت تنظر إليّ بابتسامتها التي اشتقت إليها .

ابتسمتُ لها، وأنا لا أكاد أصدق نفسي، وشعرتُ بشيءٍ دافئ يغمر صدري، كأن الحياة قد عادت إليّ دفعةً واحدة.

قلتُ لها بلهفةٍ لم أستطع إخفاءها :"آلاء انتي صحيتي..؟"

لم تُجبني، واكتفت بابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي كانت كفيلة بأن تطمئن قلبي من دون كلمة واحدة.

مددتُ يدي نحوها لأضمها إليّ، أردتُ أن أحتضنها طويلًا، أن أطمئن إلى أنها أمامي حقًّا، وأنها لن تختفي مني مرة أخرى ...

لكنني ما إن اقتربتُ منها حتى انفتحَت عيناي فجأة على شعاع شمسٍ ساطع تسلّل من النافذة.

توقفتُ للحظات، أحدّق أمامي في ذهول.
لم تكن هناك آلاء تبتسم لي.
لم تكن يدها تعبث بشعري.
كان كل ما شعرتُ به قبل لحظات مجرد حلم.

وجدتُ نفسي متكئًا على الفراش، وقد أثقل النوم جسدي حتى شعرتُ بوجعٍ حادّ في ظهري.
حاولتُ الاعتدال في جلستي، ثم أخذتُ أدلّك رقبتي بيدٍ واحدة، بينما ظلت يدي الأخرى متشبثةً بيد حبيبتي، وكأن قلبي رفض أن يصدق أن ما حدث لم يكن حقيقيًا.

التفتُّ إليها.

كان وجهها ساكنًا، جميلًا كما عهدته، لكنها ما زالت غارقة في نومها.

تأملتُ ملامحها طويلًا، ثم اقتربتُ منها قليلًا وهمستُ، وكأنني أختبر آخر خيطٍ من الأمل بداخلي : "آلاء .."
انتظرت.
لكنها لم تستجب .
لم تتحرك .
لم تفتح عينيها .

عندها فقط أغمضتُ عينيّ للحظة، وقد تسلّل إلى قلبي ذلك الشعور الثقيل الذي حاولتُ الهرب منه.

كان مجرد حلم.

حلمًا تمنيتُ لو لم أستيقظ منه أبدًا.

ليتني بقيتُ هناك ...

ليتني ظللتُ أراها أمامي، تبتسم لي، وتلمس شعري، حتى لو كان ذلك في حلم.

تنهدتُ ببطء، ثم تركتُ يدها برفق، واتجهتُ إلى الحمّام.

وحين خرجتُ، كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحًا.

جلستُ بجانبها و أمسكتُ يدها بدفء ؛ حتى تشعر أنِّي معها .
رنّ هاتفي و قد كان " هشام " فلم أجب .
رنّ مرة أخرى و كان " شهاب " لم أجب أيضًا .
قرأتُ رسائلهم التي بعثوها و أنا نائم و قد كانت : 
" فينك يا بوب دلوقتي ؟ "
"عملت ايه ؟ "
" لقيت آلاء ؟ " 

هه الآن تذكروا أن هناك شخصًا يسمى بحبيب ! 
قد كنتُ أرجوهم كي يأتوا ، كي لا أبقى وحيدًا !
لكن وجود " عمرو " خفف عني الكثير .

تفاجأتُ بحركة ضعيفة في يدي ، نظرتُ بسرعة إلى أنامل " آلاء " التي ترتعش ، ثم وجهتُ بصري إلى وجهها ، و اتسعت عيناي و أنا أجدها تفتح عيونها ببطء و هي تأنّ ..
قلتُ فرحًا : " آلاء انتي صحيتي ؟ "
لم تنظر لي فقط قالت بهمس : " حبيب ."
أومأتُ لها عدة مرات و قلت لها : " ايوا يا آلائي ، هروح انادي الدكتور ." 

ذهبتُ كي أنادي الطبيب ، فتحتُ الباب بعنف و أنا أقول بفرح : " دكتور ، آلاء صحيت ."
ذهبنا معًا إلى الغرفة و قلتُ له و أنا أشير إليها : " صحيت ، شوفها يا دكتور بالله عليك ."
ذهب إليها و نادى باسمها لكنها لم تُجب .
تقدمتُ و قلتُ بتوتر : " آلاء ، و الله كانت لسه مفتحة و نادت عليا ."
قال لي بابتسامة : " متقلقش معنى كده انها بتستعيد وعيها ، شوية و هتصحى ان شاء الله ."
أومأتُ ، فذهب .

جاء " عمرو " و معه الملابس و أخبرته بما حدث .
بعدها بفترة جاء حمايَ و زوجته و غادة ، و أخبرتهم بما حدث كبُشرى لهم .

كنت أقف بجانب " آلاء " و أنظر إلى " عمرو " الذي يحدثنا عن أنّ أمجد أثناء التحقيق أنكر ما فعله و قال أنه لم يكن بوعيه .

لفتَ نظري رعشة جفنها ، فنظرتُ إليها بترقب ؛ فإذا بها تفتح عينها ببطء و تأوهت .
وقفنا جميعًا ننظر لها بفرحة ، و قلت لهم : " فتحت عينها ، شايفينها و لا أنا بيتهيألي برده ؟! "
ضحكَ والدها و قال : " فتحت عينها بجد ."
هرول " عمرو " مناديًا للطبيب ، بينما وقفتُ أنظر لها بابتسامة واسعة و كأن روحي عادت إلى جسدي بعد غياب .

قلتُ لها بابتسامة فرِحة و أعين دامعة : " حمدًا لله على سلامتك يا آلائي ." 
نظرَت إليَّ و قالت باستنكار : " انت مين 
تعليقات



<>