رواية الاء من الله الفصل الثامن عشر18 بقلم حنين سامي
( حبيب )
كنت أقف بجانب " آلاء " و أنظر إلى " عمرو " الذي يحدثنا عن أنّ أمجد أثناء التحقيق أنكر ما فعله و قال أنه لم يكن بوعيه .
لفتَ نظري رعشة جفنها ، فنظرتُ لها بترقب ؛ فإذا بها تفتح عينها ببطء و تأوهت .
وقفنا جميعًا ننظر لها بفرحة ، و قلت لهم : " فتحت عينها ، شايفينها و لا أنا بيتهيألي برده ؟! "
ضحكَ والدها و قال : " فتحت عينها بجد ."
هرول " عمرو " مناديًا للطبيب ، بينما وقفتُ أنظر لها بابتسامة واسعة و كأن روحي عادت إلى جسدي بعد غياب .
قلتُ لها بابتسامة فرِحة و أعين دامعة : " حمدًا لله على سلامتك يا آلائي ."
نظرَت إليَّ و قالت باستنكار : " انت مين ؟ "
اتسعَت عيناي بذهول و انفرجت شفتاي من هول الصدمة فرؤيتي لها و هي تنظر لي بهذه الأعين الباردة لم احتملها ..
لقد انتظرتُها طويلًا لتفتح عينينا ، كنت أريد أن أخبرها كم كان العالم مظلمًا بدونها .. لكن حين نطقت بتلك الكلمتين ( انت مين ) شعرتُ و كأن رصاصة اخترقت صدري ..
هرول الجميع إليها و نظروا لها بقلق ..
قالت والدتها بأعين دامعة : " آلاء حبيبتي عاملة ايه ؟ مش فاكراني ؟ "
( آلاء )
كنت أنظر إليهم بغرابة و خاصة عندما نطقت أمي بهذا الكلام الغريب ..
قلتُ لها باستنكار : " ازاي مش هعرفك يا ماما ؟ " ثم أكملتُ بتعب : " ايه اللي جابني هنا ؟ "
جاء الطبيب في هذه اللحظة و أخذ يطمئن على علاماتي الحيوية ثم شرع في إجراء باقي التقييمات الطبية للتأكد من استقرار حالتي ..
كنت أنظر إلى السقف و أحاول تذكر ما حدث لي و لكن كل ما أراه الفراغ ..
قال الطبيب بابتسامة : " حمدًا لله على سلامتك يا مدام آلاء "
قهقهتُ بتعب و قلت : " مدام ؟ هو انا اتخطبت أصلًا لما ابقى مدام ؟ "
كان هذا الغريب الذي يقف متسمرًا بجانبي ينظر لي بقلق و ذهول ..!
قال الطبيب : " طيب يا جماعة ممكن تتفضلوا دلوقتي عقبال ما أخلص باقي الكشف ."
خرج الجميع و بقيَ هذا الشخص و هو ينظر لي بنظرة لم أفهمها ..
ألتفتَ له الطبيب و قال : "يا ريت تتفضل يا أستاذ حبيب و هنادي عليك كمان شوية ."
أومَأَ دون أن يتفوه بكلمة و خرج من الغرفة .
نظر الطبيب لي و قال : "احكيلي يا أستاذة آلاء ايه اللي حصل ؟"
نظرتُ له بتيه فقال : "طب ايه آخر حاجة فاكراها؟"
قلتُ بعد تفكير : "عادي إني كنت في الجامعة مع غادة صاحبتي و كنا بنمتحن انجليزي ."
قال باهتمام : " طب و بعدين ."
أغمضت عيني بتعب و أخذَت أنفاسي تتسارع و شعرتُ كأن هناك سكين حاد في معدتي و لم يكن هذا فحسب بل أشعر بأنّ جسدي كله مكسور .
نظر الطبيب إلى المحلول المعلق بجانبي و قال بابتسامة : " متقلقيش مفعول المسكن راح .. هطلب من الممرضة تعلق لك واحد تاني ."
أومأتُ بإرهاق و أخذتُ أحاول تنظيم أنفاسي و أنا أضع يدي على مكان الألم لعلَّ و عسى أن يختفي .
( حبيب )
كنا نقف بجوار الغرفة في انتظار الطبيب ، حماي و حماتي يجلسون سويًا بفرحة و غادة تقف بجوار عمرو الذي كان ينظر إليَّ يطمئنني .
خرج الطبيب فجأة فانتبهنا له ، و نادى على الممرضة كي تحضر لآلاء مسكن قوي .
قال حماي : " ايه يا دكتور أخبارها ايه ؟"
قال الدكتور و هو يعقد حاجبيه : " حد فيكم اسمه غادة ؟ "
قالت غادة بلهفة : " ايوا أنا"
قال الطبيب : " آخر حاجة آلاء فاكراها إنكم كنتم سوا في امتحان الانجليزي في الجامعة"
قالت غادة باستنكار : "بس احنا مخدناش انجليزي إلا السنة اللي فاتت ..!"
كانت النظرات موزعة بين القلق و الدهشة و الذهول .
قال الطبيب : " يبقى كده هي عندها فقدان ذاكرة مؤقت من الصدمة .. يمكن الصدمة كانت شديدة عليها شوية .. مع الوقت ذاكرتها هترجع بس ياريت بلاش ضغط نفسي ."
أشعرُ بأن لساني انقطع و دماغي لا تعمل فقط أقف لا حول لي و لا قوة .
أفقتُ على جملة الطبيب : " بإذن الله هتابعها انهاردة لغاية بليل و لو بقت كويسة تقدر تخرج"
دخلنا الغرفة مرة أخرى و جلستُ على المقعد بجوار النافذة لأني شعرتُ بالاختناق .. لكن في نفس الوقت أشعر بسعادة عارمة بأنها استيقظت .
كنتُ أتابع الممرضة التي كانت تعلق المحلول ثم ابتسمَت لها وقالت : " شوية و مفعوله هيبدأ "
عضت آلاء شفتيها بألم و أومأت .
كانت والدتها تجلس بجانبها و كذلك غادة اللتان كانتا تعبران عن فرحتهما بالتقبيل و الأحضان .. وددتُ لو أنني هناك بجانبها أغمرها بين ذراعي فقد اشتقت لها و بشدة .
قالت والدتها : " حمدًا لله على سلامتك يا لولا .. كنا قلقانين عليكي ."
قال حماي و هو ينظر لي بابتسامة : " فعلًا بس الحمد لله .. البركة في حبيب اللي كلّم عمرو و عرفوا ينقذوكي ."
نظرَت لي و قالت بخفوت : " شكرًا ليك يا أستاذ حبيب ."
ماذا ؟! من قال لها بأني أعمل بالتدريس !
كدت أرد عليها لكن حماي قاطعني و قال : " أستاذ ايه يا آلاء ده جوزك يا بنتي ."
فجأة أمسكت برأسها و قالت بأنين : " ايه ؟! استحالة ."
قفزت من مكاني و ذهبت لها و قلتُ بقلق : " آلاء مالك حاسه بإيه ؟"
نظرت لي و قالت : " دايخة شوية "
قلتُ لها بابتسامة : " أنا هخرج أجيب لك مايه ".
خرج عمرو معي ، أنا أعلم أنها لن تتقبلني و لن تتذكرني أيضًا .
( آلاء )
قالت أمي بعتاب : " يا آلاء يا بنتي شوفتي اتضايق و مشي ازاي !"
قلتُ : " يا ماما انتوا ازاي تجوزوني من غير ما تعرفوني ! "
قالت غادة : " يا آلاء احنا عملنا فرح و كانت ليلة كبيرة أوي سعادتك ."
قال أبي : " حبيب بيحبك يا آلاء و كان هيضحي بنفسه عشانك ."
قلت بأعين دامعة : " الكلام ده كان امتى ؟ و ايه اللي حصل ؟ "
سكت الجميع و لم ألق رد .
تنهدت بتعب فأنا حقيقةً لا أقوى على الكلام .
أغمضتُ عيني عَلِّي استريح قليلًا .
بعد فترة جاء هذا الحبيب و معه صديقه و وضع بجانبي الماء و قال بابتسامة حنونة : " اتفضلي يا آلاء ."
قلتُ و أنا مغمضة العينين : " شكرًا تعبت نفسك "
لم اتلقى رد أيضًا ..!
جاءت الممرضة و قالت لهم : " معلش يا جماعة لازم مرافق واحد بس مع آلاء "
فتحتُ عيني و نظرتُ لأمي كي تبقى معي ، لكن والدي قال : " ماشي يلا يا جماعة نسيب آلاء تستريح ، و أنت يا حبيب خليك مع مراتك "
نظرتُ بذهول لأبي و كدت أعترض لكن نظرته قالت لي ( الأمر مُنتهي ) .
نظرتُ باستنجاد لأمي و غادة لكن أمي ابتسمت و أخدتني في عناق و قالت بهمس : " متقلقيش يا لولا .. حبيب طيب و بيحبك "
قلبتُ عيناي من هذه الكلمة و أومأتُ على مضض .
سلّم حبيب على صديقه و شكره بحرارة و كذلك على الجميع ثم غادروا .
أحضر هذا الحبيب الكرسي و جلس بجانبي .. كان فقط ينظر لي بأعين دامعة على ما أعتقد ..!
حممتُ و قلت : " في حاجة ؟"
لم يرد حتى لم يرمش بعينه .. فقلتُ مرة أخرى : " أنت يا أخ "
تنهد طويلًا كأنه يحمل جبل على صدره ثم قال بصوت حنون : " أنا جوزك يا آلائي "
اتسعت عيناي و دق قلبي من هذا اللقب الجديد ..
أكمَل : " أنا حبيب .. حبيبك انتي مش فاكراني ؟!"
شعرتُ بألم في قلبي لا أعرف مصدره لكنني قلت : " لا أنا معرفكش"
كاد يُمسك بيدي لولا دخول الطبيب و معه الممرضة و الأدوات و قال : " دلوقتي هنغير على الجرح يا آلاء "
أومأتُ بخوف و بدأت أنفاسي تتسارع مرة أخرى لكن انتشلني من هذا الخوف يد حبيب و هو يضغط على يدي بحنان .. نظرتُ له فحرك شفتاه بمعنى " لا تخافي "
فك الطبيب اللزق و أزال الشاش و انا أضغط على شفتاي تارة و على يد حبيب تارة .
( حبيب )
كنتُ أراها و هي تتألم بصمت و شعرتُ كأني قلبي تمزق عندما سمعت صرختها لأن الطبيب وضع هذا المطهر على مكان الجرح .
ربتُّ على يدها أكثر .. أغمضَت عينيها بتعب و عندما فتحتها كانت الدموع تملأ مقلتاها البنيتان .
قال الطبيب : " خلاص يا آلاء خلصنا أهو"
ثم وضع الشاش النظيف ثم اللزق حتى يثبته .
قال بابتسامة : " الف سلامة عليكي .. اشربي سوائل كتير و مايه كتير و مش هوصيكي الأكل من هنا و رايح زودي البروتين و الخضار و الفاكهة "
قالت بتعب : " الله يسلمك يا دكتور .. حاضر هحاول ان شاء الله"
خرج الطبيب مرة أخرى بعدما أوصاني بالاعتناء بها .. كإني أنتظر وصايته !
سحبت يدها من يدي و وضعتها في حجرها .. و ساد الصمت المكان .. كانت تتململ في الفراش بعدم ارتياح .
فتحتُ لها زجاجة الماء و قلتُ بحب : " اشربي يا حبيبتي انتي من الصبح مشربتيش . "
ابتسمت بتعب و أخذت الزجاجة و شربت بعض الرشفات ثم أعطتني إياها مرة أخرى و قالت : " شكرًا ."
كنت أشعر بها تقلب بصرها و تنظر إلى تارة ثم إلى دورة المياه تارة ..
قلت لها بتساؤل : " انتي محتاجة حاجة ؟ "
قالت بلا مبالاة : " لا مش محتاجة "
نظرتُ لها بشك ثم سرعان ما قالت : " بصراحة انا عايزة ادخل الحمام و خايفة "
قهقهت و قلت : " طب ما تقولي من الصبح ساكته ليه ؟ "
أنزلتُ قدمها من على السرير و وقفَت .. ثم سرعان ما سندتها لأنها كادت تفقد توازنها .
كانت تمسك ياقة قميصي و أنا أحاوط خصرها الجميل .
نظرتُ إلى هاتين العينين البنيتين كلون القهوة التي أحبها و تهتُ فيهما .. كانت تبادلني النظرات إلى أن قالت : " هنفضل كده لحد امتى ؟"
قلتُ لها بهيام :" لحد آخر نفَس في عمري ."
قالت و هي تقلب شفتيها : " طيب متزعلش بقا لو بوظت هدومك ."
قهقهتُ و قلت : " فداكي يا روحي انتي "
سندتُّها إلى دورة المياه ثم انتظرتها في الخارج .. مرت دقائق و لم أسمع صوت .. انتظرت قليلًا ثم ناديت باسمها لكنها لم ترد .. ناديت مرة أخرى لكنها لم ترد ..
طرقت الباب و قلت بقلق : " آلاء ... انتي كويسة ؟"
حين لم أتلقى ردًا هذه المرة ، فتحتُ الباب و أكاد أسمع دقات قلبي ..
وجدتها تجلس على الأرض و هي مغمضة العينين و أثر الدموع على خديها ..
قلتُ بفزغ و أنا أهز كتفيها : " آلاء .. آلاء ."
فتحت عينيها بتعب فقلتُ بقلق : " مالك ايه اللي حصل ؟ "
قالت بصوت ملئ بالدموع : " مش قادرة "
حملتُها بين ذراعي و وضعتها برفق على السرير و قلتُ : " ثواني هنادي الدكتور "
قالت لي بسرعة : " ملوش لزوم .. كده كده المسكن بدأ يشتغل "
نظرتُ لها بتردد و قلت : "متأكدة ؟ "
ابتسمت بوهن و قالت : " ايوا بجد متقلقش "
( آلاء )
كنتُ أنظر إليه و داخلي رغبة ملحة أن أربت عليه فهو يبدو عليه القلق فعلًا .. أيعقل هذا زوجي حقًا ؟
قلت له بابتسامة و أنا أشير على الكرسي : " أقعد .. هتخليك واقف ؟ "
جلس ثم قال لي : " بجد لو تعبانة قولي .. هروح أقول للدكتور يتصرف ."
نفيتُ برأسي و قلت : " انا زي الفل الحمد لله "
تنهد براحة و قال : " ربنا يتم شفاكِ على خير يا عيوني "
لما أشعر بهذه الضربات المزعجة ..!
جحظتْ عيناه فجأة و بعدها نظر إلى الساعة و قال " يا الله .. الضهر ! "
كانت الساعة تشير إلى الثانية ظهرًا .
" لم أكن أعرف أنه ملتزم في صلاته بدأت اقتنع أنه زوجي بالفعل "
قهقهتُ بخفة فقال لي بحاجب مرفوع : " بتضحكي على ايه يا ست آلاء ؟"
نفيتُ برأسي و قلت بجدية مصطنعة : " و لا حاجة ."
قام و ذهب إلى دورة المياه ، ما هي إلا دقائق حتى خرج و شعره يقطر ماء على جبينه ثم على وجهه سيرًا إلى رقبته .
أرجع شعره بخفة ثم وضع سجادة الصلاة التي كانت موضوعة في الغرفة على الأرض .
قلتُ له : " حبيب ممكن بعد اذنك تطفي النور ؟ "
فجأة نظر إليّ كأنه لم يكن يشعر بوجودي من قبل .. ثم اقترب مني بابتسامة ساحرة حتى لم يفصل بيننا شيء ..
نظرتُ له بخجل و بأعين متسعة .. كدت أتحدث لكني أغمضتُّ عيني جراء تقبيله لجبيني بحنان و قوله بصوت أذابني : " انتي تؤمري يا عيون حبيب "
أشعر كأن قلبي خرج من قفصي الصدري من شدة ضرباته .. لمَ هو بهذه الحنية ؟
لمَ يعاملني هكذا ؟ حتى أنا لا أتذكره .!
تركني و ذهب ليطفئ النور ثم وقف على السجادة كي يصلي .. لكنني استوقفته و قلت : " حبيب .. انا كمان عايزة اصلي ."
أومأ بلطف و أقترب مني مرة أخرى و فجأة حملني بين ذراعيه .. صرختُ بتفاجؤ و قلت بسرعة : " نزلني يا حبيب ."
قال بابتسامة : " لو نزلتك هتقعي "
قلتُ نافية : " لا مش هقع نزلني و هنشوف ."
ضحك و قال : " في المشمش"
لم أكن أقدر على مقاومته .. لكن جزء بداخلي كان يشعر بالسعادة .
وقفنا أمام الحوض و أخذ يساعدني في الوضوء حتى انتهينا .. سندني للخارج ثم وضع كرسيًا خلفه كي أصلي عليه .
صلى بنا الظهر و كان صوته جميل .. دعوت الله أن يرجع لي ذاكرتي و ينير بصيرتي ، فأنا أشعر و كأن جزءًا من حياتي قد سُرق مني ، و لا أعرف كيف أستعيده .
جلستُ أقول أذكار الصلاة بعد الانتهاء ، فجلس بجانبي و قال بفضول : " بتقولي ايه ؟"
قلتُ له بابتسامة : " آية الكرسي بنقولها بعد كل صلاة ، مش هيبقى بينك و بين الجنة إلا الموت .. و بسبح ربنا ( ٣٣ مرة ) و بحمده ( ٣٣) و بكبره ( ٣٣) و تختمها ب لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .. ساعتها ربنا بيغفرلك جميع خطاياك بإذن الله ."
نظرتُ إليه فإذا بعيناه دامعتان ، قال لي : " الحمد لله على نعمة الإسلام ."
أومأتُ مؤكدة .. ثم أكمل : " تعالي نتمشى شوية في الأوضة زي ما الدكتور قال ."
قلت باعتراض : " بس أنا مش عايزة ."
لم يرد عليّ ، لكنه أمسك يدي و حاوط خصري بيده الكبيرة ، و بدأنا في التحرك .
كنت أسير بوهن لكنه كان معي يشجعني إلى أن انتهينا و جلست مرة أخرى على الفراش بينما هو على الكرسي بجانبي .
رنَّ هاتفه فجأة ..
" صحيح .. أين هاتفي ؟!"
رأيته يقطب حاجبيه ، و يقلب عينيه بضيق ، ثم ترك الهاتف و نظر إليّ و قال : " حاسه بتحسن دلوقتي ؟"
أومأتُ و كنت أريد أن أسأله عما حدث لكن هاتفه رن مرة أخرى ..
هذه المرة أمسك الهاتف و بكل غضب فتح المكالمة ..
( حبيب )
أجبت على مكالمة هشام بغضب ..
ألقيت السلام فلم يرد و قال : " ايه يا بوب فينك ؟ طمني عليك يا عم "
قلت باستهزاء " ده على أساس انك مهتم و كده ؟!"
قال : " اوعى تكون لسه زعلان مني ، انت عارف انه غصب عني يا صاحبي و اني مكنتش هنا "
قلت بغضب : " اه صح و لما أحتاج لك مش مهم صح ؟ أصل الرقص و قلة الأدب أهم . "
سكت لبرهة ثم قال : " اكيد لا يا صاحبي متقولش كده ."
قلت بانفعال رادًا عليه : " و أنت متقولش صاحبي .. متقولش دي تاني ."
فجأة أمسكَت " آلاء " بيدي و ربتت عليها بمعنى " اهدى "
تنهدت ثم قلت : " الخلاصة يا هشام أقفل عشان مش فاضي ."
ثم أغلقت الخط بوجهه ، فلم أعد أريد سماع صوته أكثر من ذلك .
قالت آلاء بقلق : " في حاجة و لا ايه ؟ "
نفيت بابتسامة و قلت : " لا يا حياتي استريحي انتي ."
كانت ما زالت ممسكة بيدي فطوقتها بين كفيّ و قبلتها بحب .
ابتسَمت بخجل و قالت : " أنت بتحبني للدرجة دي ؟ "
نظرتُ إليها بعمق و قلت : " أنا محبتش غيرك في حياتي ."
سحبت يدها و قالت بحزن : " تفتكر ايه اللي بهدلني كده ؟ "
قلتُ لها بحنان : " متضغطيش على نفسك يا آلائي .. مش لازم تفتكري اللي حصل ."
قالت باعتراض : " ازاي مش لازم ؟ انا حتى مش فاكرة اتجوزتك امتى ، و أنت مين أصلًا و شخصيتك ايه ! "
ابتسَمتُ لها و قلت و ربتُّ على كتفها بحنان : " هنتعرف على بعض من أول و جديد يا حياتي ..تعالي نبدأ صفحة جديدة ."
أومأَت و قالت بخجل : " ماشي بس معلش بقا هتصبر عليا "
تنهدتُ و قلت : " و الله يا آلائي كفاية عندي إنك كويسة و بخير ، متعرفيش بجد أنا كنت بموت قبل ما تفوقي .. و لما صحيتي كإن روحي رجعت لي تاني .."
حدقت بي بذهول و قالت : " الله يسعدك يا حبيب بجد ."
قهقهت و قلت : " تاني ؟ رجعنا من أول السطر ."
تحدثنا سويًا و أخبرتها عن زواجنا من شهر و أننا نحب بعضنا و بالطبع لم أذكر موضوع ذلك القذر .. فقط أخبرتها أنها كانت مخطوبة قبلي و لم يحصل نصيب .
بعدما أدينا فريضة العصر دخل الطبيب الغرفة مرة أخرى .
وبعد أن اطمأن على حالتها، نظر إلينا وقال بهدوء : "حالتها مستقرة دلوقتي، وممكن تخرج النهاردة . هكتب لها العلاج والتعليمات اللازمة، وأهم حاجة تلتزموا بيها ."
سكت لحظة، ثم تابع : "ممكن تحس بتعب أو ترتفع حرارتها ارتفاع بسيط خلال اليومين الجايين، وده وارد مع حالتها. لو الحرارة ارتفعت، تستخدموا خافض الحرارة اللي هكتبه لها، لكن لو الحرارة فضلت عالية أو ظهرت أي حاجة غير طبيعية في الجروح، لازم ترجعوا المستشفى فورًا."
ثم أضاف وهو ينظر إلى الضمادات : " وخلي بالكم من الجروح كويس، خصوصًا جرح البطن والكتف. ما تتعرضش للمياه، وتلتزم بتغيير الضمادات في مواعيدها. والأهم إنها ترتاح وما تبذلش مجهود الفترة دي."
أومأتُ له، بينما أغلق ملفها وقال : "أنا هكتب كل حاجة بالتفصيل، ولو التزمت بالعلاج والراحة، إن شاء الله هتتحسن كويس ."
شكرتُ الطبيب ثم غادر بعدما أعطاني الروشتة و التعليمات اللازمة .
نظرتُ إلى آلاء و قلتُ : " تحبي نخرج دلوقتي و لا عايزة تستريحي شوية ؟ "
قالت : " لا عايزة أروح ، أنا مش بحب المستشفيات "
ابتسمتُ لها و قلت : " طيب لازم تغيري لبس المستشفى ده ، الحمد لله عمرو جاب اللبس ."
نظرَت إليَّ باستغراب و قالت : " عمرو مين ؟ "
قلتُ لها : " ده واحد صاحبي و في نفس الوقت خطيب صاحبتك غادة ."
نظرَت إليَّ بذهول و قالت : " حتى غادة اتخطبت ؟ احنا كبرنا امتى ! "
ضحكتُ و أنا أتجه نحو حقيبة الملابس : " انتي عمرك ما هتكبري في نظري يا آلائي ."
ابتسمت بخجل فأخرجتُ الفستان الخاص بها و كذلك الخِمار ، ثم وضعتهما على الفراش .
قلتُ بتساؤل : " يلا ؟ "
قالت باستنكار : " يلا ايه ؟ "
قلت بغمزة : " يلا عشان تلبسي"
قالت و هي تنزل من الفراش : " ايوا يلا عشان ألبس ."
و أشارت بيدها نحو الباب بمعنى " أطلع بره "
قلت باستياء مصطنع و أنا أنظر للباب : " طيب أنا غلطان اني عايز أساعدك يا زوجتي ."
ثم نظرتُ إليها و قلت بابتسامة لعوب و أنا أغادر الغرفة : " محسساني انها أول مرة ."
لم أتلقى سوى مخدة المستشفى في ضهري .. فخرجت و أنا أضحك .
أغلقتُ الباب خلفي، وما إن اختفت ضحكتي حتى تنهدتُ بعمق .
لم أكن أريد أن أُظهر لها خوفي .
كنت سعيدًا لأنها ستخرج من المستشفى، لكن شيئًا بداخلي لم يكن مطمئنًا ..
فأنا أعرف أن جسدها قد بدأ يتعافى ...
لكنني لا أعرف ماذا سيحدث عندما تبدأ ذاكرتها في العودة .
وقفتُ أمام الباب أنتظرها ، وما هي إلا دقائق حتى سمعتُ صوتها من الداخل : "حبيب !"
اقتربتُ من الباب وقلت : "أيوه يا حبيبتي؟"
جاءني صوتها مترددًا : "ممكن تدخل؟"
فتحتُ الباب ، فوجدتها واقفة بجوار الفراش، وقد بدا عليها الإحراج .
قلتُ بقلق : "مالك؟"
أشارت إلى ملابسها وقالت : "مش عارفة ألبس لوحدي."
نظرتُ إليها لحظة، ثم فهمت أن جرح بطنها وكتفها يجعلان الحركة صعبة عليها .
قلتُ بهدوء : "طب مقولتيش من الأول ليه ؟ تعالي اقعدي ."
ساعدتها على الجلوس، ثم تناولتُ الملابس من فوق الفراش.
قلتُ : "لو أي حركة وجعتك قوليلي فورًا، تمام؟"
أومأت بخجل.
اقتربتُ منها وساعدتها بالقدر الذي تحتاجه فقط، وكنت أتحرك بحذر شديد حتى لا أؤلم جرحها.
قالت بصوت خافت : "آسفة إني بتعبك معايا."
نظرتُ إليها باستنكار : "بتتعبي إيه بس؟ انتي مراتي يعني تطلبي بس و أنا أنفذ ."
رفعَت عينيها إليّ، وبقيت تنظر إليّ للحظات.
قلتُ مبتسمًا : "وبعدين متبصليش كده."
ضحكَت بخجل : "ببصلك إزاي؟"
قلتُ : "كأنك أول مرة تشوفيني."
صمتت للحظة، ثم قالت :
"ما أنا فعلًا حاسه إني أول مرة أشوفك."
اختفت ابتسامتي للحظة ، لكنني أخفيت ذلك سريعًا.
قلتُ بغمزة : "بكره تشبعي مني ."
نظرت إليّ وابتسمت بخجل .
بعد أن انتهيت ، ساعدتها على الوقوف ، ثم أخذتُ حقيبتها.
قلتُ : "جاهزة؟"
أومأَت و قالت : "جاهزة."
خرجنا من الغرفة ، و اتجهنا إلى الخارج .
( آلاء )
كنت أشعر بأن كل شيء حولي يحدث للمرة الأولى.
حبيب، وحتى فكرة أنني متزوجة ...
كلها أشياء أعرفها بعقلي فقط، لكن قلبي لا يتذكرها .
ومع ذلك، كان وجوده بجانبي يبعث بداخلي شعورًا غريبًا بالأمان .
ساعدني حتى وصلت إلى السيارة ، ثم فتح لي الباب بحذر .
قال : " على مهلك "
جلستُ، ثم ابتسمت له وقلت : "حاضر يا سي حبيب ."
ضحكَ و أغلق الباب .
( حبيب )
توقفت السيارة أمام بناية لم ترها آلاء من قبل .
رفعت رأسها تنظر إلى المكان باستغراب ، ثم التفتت إليّ : "إحنا فين؟"
أجبتها بهدوء : "هنطلع شقتنا ."
عقدت حاجبيها : "شقتنا؟"
ابتسمتُ : " آه .. أول مرة تيجي هنا . كنت عايز أبعدك عن دوشة البيت شوية ، خصوصًا بعد اللي حصل ."
شعرَت بشيء من الراحة .
فقالت : "فكرة حلوة ."
اقتربتُ منها ومددتُّ يدي و قلت : " تعالي ."
أمسكَت يدي ، وصعدنا معًا .
فتحتُ باب الشقة ، ودخلتُ أولًا ، ثم ساعدتها على الدخول .
كانت الشقة هادئة تمامًا ، كما أردتها .
لا أحد سيسألها عن الماضي ، ولا أحد سيحاول إجبارها على تذكر شيء .
التفتُّ إليها فوجدتها تنظر حولها بهدوء .
قلت :"إيه رأيك؟"
ابتسمت : "حلوة ."
قلتُ : "لو مش عاجباكي ممكن نغير فيها أي حاجة."
هزت رأسها : " لا بجد جميلة ."
قلتُ لها بحنان : " دلوقتي أهم حاجة ترتاحي ."
أومأت ، وجلست على الأريكة .
اقتربتُ منها وسألت : "تحبي تاكلي حاجة؟"
هزت رأسها نافية : "لا .. حاسه اني عايزة أنام ."
ابتسمتُ وقلت : "طيب ، تعالي أوصلك لأوضتنا ."
ساعدتها حتى وصلت إلى الغرفة ، ثم جلسَت على طرف الفراش ، و ساعدتُّها على تغيير ملابسها إلى شيء مريح ثم أدَّينا الفريضة .
ثم قلتُ : "نامي و ارتاحي ، و أنا هبقى بره لو احتاجتي حاجة "
أمسكَت يدي قبل أن أبتعد و قالت : "حبيب ."
التفتُ إليها و قلتُ : "عيونه ."
قالت بتردد : " ممكن متسيبنيش لوحدي ؟ "
شعرتُ بشيء يعصر قلبي.
ابتسمتُ وقلت : "مش هسيبك ."
جلستُ بجوارها حتى اطمأننتُ إلى أنها غفت .
وبعدها خرجت بهدوء كي لا أزعجها .
( آلاء )
لم أعرف كم مر من الوقت .
كل ما أعرفه أنني غرقت في نوم عميق ...
ثم فجأة وجدتُ نفسي في مكان مظلم .
كنت أتنفس بصعوبة ، و لا أعرف أين أنا .
نظرتُ حولي ، لكنني لم أرَ شيئًا.
ثم سمعت صوتًا .
صوتًا جعل جسدي يرتجف دون أن أفهم السبب .
"آلاء ..."
تراجعتُ إلى الخلف .
"مين؟"
لم يجبني أحد .
ثم عاد الصوت مرة أخرى .
"آلاء..."
وضعت يدي على أذني ، و كأنني أريد أن أهرب منه .
لكن فجأة ..
لمحت شيئًا ..
مكانًا لم أعرفه ، و مع ذلك شعرت بخوف شديد بمجرد رؤيته .
حاولتُ الاقتراب ، لكن قدمي لم تتحركا .
ثم سمعت صوتًا آخر .
هذه المرة كان أقرب.
استدرت بسرعة ...
و فجأة فتحت عيني .
شهقتُ بقوة و جلست في فراشي ، و وضعت يدي على صدري .
لم أكن أعرف أين أنا .
كانت أنفاسي متقطعة ، ودموعي تنزل دون أن أعرف سببها .
و فجأة فُتح الباب .
دخل حبيب مسرعًا وقال بقلق : " آلاء ! مالك؟"
نظرتُ إليه ، ولم أستطع الرد .
اقترب مني وجلس بجانبي و قال : "اهدي اهدي متخافيش أنا معاكي مفيش حاجة ."
ظللت أنظر إليه ، ثم قلت بصوت مرتجف : "حبيب ..."
قال : "نعم؟"
قلت بخوف : "أنا حلمت بحاجة ."
قال بقلق : " حلمتي بإيه ؟"
هززت رأسي وأنا أحاول أن أتذكر ، ثم قلت بعدما باءت محاولاتي بالفشل : "مش عارفة .."
وضعت يدي على رأسي : "بس كان فيه مكان... وصوت .."
توقفتُ فجأة .
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
قلت بصوت خافت :"الصوت كان بيناديني باسمي ."
نظر حبيب إليَّ بصمت ، ثم احتضنني برفق ، و أخذ يربت على ظهري بحنان ، و كأنه يحاول أن يطمئنني دون أن يحتاج إلى قول شيء .
أما أنا، فأغمضتُ عيني للحظات ، و كأنني أحاول الإمساك بصورة هاربة من داخلي .
ثم همست : "أنا حاسة إني شفت المكان ده قبل كده ."
ساد الصمت .
ولأول مرة منذ أن فتحت عيني في المستشفى ، شعرت أن هناك شيئًا في ذاكرتي بدأ يتحرك .
شيء أخافني ..
و شيء آخر كنت أشعر أنني على وشك تذكره .
