رواية الاء من الله الفصل التاسع عشر19 بقلم حنين سامي
( حبيب)
ظللتُ أنظر إليها للحظات ، و لم أعرف ماذا أقول .
كانت عيناها مليئتين بالخوف ، و ملامحها شاحبة من أثر الكابوس .
شعرتُ بارتجافها بين ذراعي ، فشددتُ من عناقي لها ، وأخذتُ أربت على ظهرها بحنان ، و كأنني أريد أن أطمئنها بأنني لن أتركها وحدها .
قلتُ لها بلطف : " اهدي يا آلائي .. ده مجرد حلم ."
تشبثت بملابسي للحظات ، ثم قالت بصوت مرتجف : "بس كان حقيقي أوي ."
ابتعدتُ قليلًا لأنظر إلى وجهها : "ممكن يكون عقلك بيحاول يفتكر حاجات حصلت لك ، بس مش معنى كده إنك لازم تفتكري كل حاجة دلوقتي ."
نظرت إليّ بحيرة : "طب لو افتكرت؟"
سكتُّ للحظة، ثم قلت : "لما تفتكري ، هكون معاكي ."
ظلت تنظر إليّ ، و كأن كلماتي كانت الشيء الوحيد الذي تتمسك به .
قالت : "وعد ؟"
ابتسمتُ لها و قلت و أنا أقبل جبينها : "وعد ."
استلقت مرة أخرى ، وساعدتُّها في ترتيب الوسادة خلف ظهرها .
قلتُ : "حاولي تنامي شوية ."
قالت بتردد :" هتمشي ؟"
قلت بابتسامة مطمئنة : " لا ، هقعد هنا لحد ما تنامي ."
أومأت ، و أغمضت عينيها .
وبعد دقائق قليلة ، هدأت أنفاسها ، و غلبها النوم من جديد .
بقيتُ جالسًا بجوارها ، أحدق في ملامحها الهادئة .
كنت أتمنى لو أستطيع أن آخذ عنها كل ما مرت به .
لكنني كنت أعرف أن الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله الآن هو أن أكون بجانبها .
لم أشعر بالوقت الذي مرَّ سريعًا إلا أن جاء موعد أذان الفجر ، كنتُ أنظر لها و أتساءل " أصحيها عشان الفجر ؟ بس هي تعبانة و ملحقتش تنام .."
قررتُ أن أوقظها برفق فإن استطاعت كان بها ..
قلتُ بلطف : " آلاء حبيبتي .."
لم أتلقى رد ، فهززتُها برفق و قلت : " آلاء .. اصحي عشان الفجر ."
فتحت عينيها نصف فتحة ، و كان منظرها مضحكًا للغاية ، ثم تمتمت بنعاس : "حاضر يا ماما .. خمس دقايق بس ."
كتمتُ ضحكتي بصعوبة ، ثم قلت : "ماما إيه بس؟ قومي يا آلاء عشان نصلي ."
أغلقت عينيها مرة أخرى ، و كأنها لم تسمعني .
تنهدتُ وأنا أبتسم ، ثم ناديتها مرة أخرى : " آلاء .. يلا يا حبيبتي ، الصلاة ."
فتحَت عينيها هذه المرة ، و نظرت إليّ بنعاس ، ثم قالت بتذمر : "حاضر .. قمت أهو ."
و أخيرًا جلسَت على طرف السرير ، لكنها ما إن حاولت الوقوف حتى ترنحت قليلًا ، فأسرعتُ إليها و أسندتها .
قلت بقلق : " براحة ، على مهلك ."
أومأت ، ثم اتجهنا معًا إلى الحمام .
ساعدتها في الوضوء بحذر ، و حرصتُ ألا تبذل مجهودًا أو تتحرك بطريقة تؤلم جرحها .
و بعد أن انتهينا ، ساعدتها على العودة إلى الغرفة ، ثم فرشنا سجادة الصلاة .
وقفنا نصلي معًا ، و بعد أن انتهينا جلسَت آلاء على السرير ، و بدا عليها التعب الشديد .
قلت لها : "نامي انتي و ارتاحي ."
نظرت إليّ باستغراب : "و انت ؟"
أشرتُ إلى الأريكة الموجودة في الغرفة و قلت بابتسامة : "أنا هنام هنا ."
اعترضت : "بس الكنبة شكلها مش مريحة ."
ضحِكت : " يا ستي لأ ، أنا متعود ."
استلقت بهدوء ، و سحبت الغطاء فوقها ، ثم نظرت إليّ للحظات قبل أن تهمس : "تصبح على خير يا حبيب ."
ابتسمتُ لها وقلت : "وانتي من أهلي يا عيوني ."
أغمضَت عينيها ، و بعد دقائق قليلة غلبها النوم .
أما أنا ، فتمدّدت على الأريكة ، وظللت أنظر إليها للحظات قبل أن أغمض عيني .
كان يكفيني أن أراها أمامي بخير ..
حتى لو كان بيننا الآن الكثير من الذكريات التي لا تتذكرها .
( آلاء )
استيقظتُ في الصباح على ضوء الشمس المتسلل من بين ستائر الغرفة .
فتحتُ عيني ببطء ، ثم نظرت حولي .
لثوانٍ ، لم أتذكر أين أنا .
ثم عادت إليَّ أحداث الأمس .
المستشفى ..
حبيب ..
وفقدان الذاكرة .
تنهدتُ بضيق ، ورفعت يدي إلى رأسي .
لماذا لا أستطيع تذكر شيء؟
نهضتُ ببطء من الفراش، لكن الألم باغتني فجأة ، فتوقفت في مكاني .
وضعت يدي على بطني ، وأخذت نفسًا عميقًا .
في اللحظة نفسها ، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب .
"آلاء؟"
كان صوت حبيب .
"ايوا ."
دخل بعد أن سمع إذني ، و كان يحمل كوبًا من الماء و طبقًا صغيرًا .
ابتسم وقال : "صباح الفل ."
ابتسمتُ رغمًا عني و قلت : "صباح النور ."
وضع الأشياء على الطاولة ، ثم نظر إليّ باهتمام وقال : " انتي كويسة ؟"
قلت : "آه ، بس الجرح وجعني شوية ."
اقترب مني فورًا و قال بقلق : "طب متتحركيش كتير و خدي العلاج بعد الأكل ."
قلت بضيق مصطنع : " انت كل شوية تقولي متتحركيش ، متتعبيش ، استريحي ... أنا كويسة صدقني "
ضحك و قال : " أنا بس خايف عليكي و عايزك تخفي بسرعة يا حبيبتي ."
نظرتُ إليه للحظات ، ثم قلت : " انت دايمًا كده ؟"
رفع حاجبه و قال : " كده ازاي ؟"
قلت بابتسامة : "حنين ."
ابتسم و قال بهيام : "معاكي انتي آه ."
شعرتُ بالخجل ، فأشحت بوجهي و قلت : "طب سيبني بقا أفطر ."
ضحك و هو يناولني الطبق : " ده أنا عينيا ."
قلت له بابتسامة : " و أنت مش هتفطر ؟"
ربت على شعري بحنان و قال : " سبقتك يا عيوني .. بألف هنا ."
ابتسمت و تناولت الطعام ببطء ، بينما ظل هو يراقبني من وقت لآخر ، و كأنه يخشى أن يشعرني بنظراته بالضيق .
و بعد أن انتهيت ، تناولتُ كوب الماء ، ثم قلت : "حبيب؟"
قال : "نعم؟"
قلت بتساؤل : " انت .. كنت بتحبني قبل ما أفقد الذاكرة ؟"
صمت للحظة .
ثم ابتسم وقال : "أنا لحد دلوقتي بحبك ."
نظرتُ إليه بدهشة : "طب لو أنا معرفتش أرجع زي الأول؟"
اقترب مني قليلًا و قال : "مش مشكلة ."
قلت : "مش مشكلة ؟"
قال : " ايوا ، هنتعرف على بعض من الأول كفاية إنك بخير ."
ابتسمتُ رغمًا عني و قلتُ : "إنت بتقولها كأنها سهلة ."
ضحك و قال : "مش سهلة، بس تستاهل ."
شعرتُ بشيء دافئ يستقر في صدري .
( حبيب )
نظرتُ لها بابتسامة و قلت : " آلاء أنا هروح أجيب الدواء و كده عشان أغير لك على الجرح ."
نظرت إليَّ بخوف حاوَلت إخفاؤه : " مش لازم دلوقتي ."
قلت لها معترضًا : " لأ ، لازم دلوقتي لإن الدكتور قايل كده ."
ثم ابتسمتُ لها بلطف وقلت : " متخافيش ."
تركتها و غادرت الغرفة ثم أحضرتُ الأدوات اللازمة و دخلت الغرفة مرة أخرى .. لكنني لم أجدها ..!
ناديتُ اسمها ، لكنها لم تُجب .
عقدتُ حاجبي باستغراب ، فناديتها مرةً أخرى ، فجاءني صوتها من داخل الحمام : "عايز إيه؟"
ابتسمتُ عندما أدركتُ أنها تهرب مني ، فقلتُ : "انتي فاكرة انك هتعرفي تهربي مني ؟"
جاءني صوتها سريعًا : "أنا مش بهرب ."
كتمتُ ضحكتي و قلت : "آه طبعًا ، واخد بالي ."
وضعتُ الأدوات على الطاولة بجانب الفراش ، و عندما لم تخرج قلتُ لها : " آلاء اطلعي يلا أنا مستنيكي "
قالت بسرعة : " متستناش ."
قلتُ لها في محاولة لإقناعها : " تعالي بس و مش هوجعك ."
قالت : " يا سلام .. كده هصدقك يعني ."
فكرتُ قليلًا ثم قلت : " تعالي و هخلي غادة تيجي تقعد معاكي شوية ."
سكتَت لبرهة ثم سمِعتُ صوت باب المرحاض ..
نظرتُ إليها فإذا بها تخرج رأسها من الباب و تقول : " بجد ؟ "
أومأتُ لها مؤكدًا و قلت : " بجد .. تعالي ."
تنهدت ثم خرجت و أخذت تسير ببطء إلى أن جلست على طرف الفراش ، بينما وقفت أمامها أحاول أن أبدو هادئًا .
لكن شيئًا من التوتر اجتاحني فجأة .
كانت هذه المرة الأولى التي أساعدها فيها بنفسي ، و رغم أن الأمر لا يتعدى كونه تغييرًا للضمادات ، فإنني شعرتُ بارتباك لم أعتده .
ظللتُ واقفًا أمامها للحظات ، حتى رفعت عينيها إليَّ و قالت باستغراب : " في حاجة و لا ايه ؟ "
ابتلعتُ ريقي و قلتُ سريعًا : " لا يا حبيبتي ."
ساعدتُّها في خلع البلوزة ..
كانت تراقبني بخجل تارة ، ثم تصرف عينيها بعيدًا تارة اخرى .. يا الله بشرتها بيضاء كالحليب لم أستطع منع نفسي من النظر إليها .. لكني استعدتُّ رباطة جأشي و طلبتُ منها أن تستلقي حتى أستطيع الوصول إلى موضع الإصابة و تغيير الضمادة بطريقة صحيحة .
بدأتُ بإزالة الضمادة القديمة بحذر شديد ، و كلما لاحظتُ انزعاجها توقفت للحظة حتى تهدأ .
قالت بصوت منخفض : " براحة يا حبيب ."
قلتُ لها : " حاضر يا حبيبتي .. أنا قربت أخلص ."
ظللتُ أعمل بحذر حتى انتهيت من الجرح الأول، ثم انتقلت إلى جرح كتفها .
كنت أحاول أن أركز فيما أفعله ، لكن وجودها أمامي و أنفاسها الحارقة التي تداعب عنقي جعلت أفكاري تتشتت للحظات ..
أخذتُ نفسًا عميقًا و حاولت تنفيض هذه الافكار لكن عندما همست باسمي تصلبت جميع عضلاتي .. نظرتُ لها و قلت : " عيونه ."
قالت : " شكرا يا حبيب ."
ثم طبعت قبلة سريعة على وجنتي .
جحظت عيناي و سمعتُ دقات قلبي تعلن عن بدأ معركة في صدري .
قلت لها بهمس : " آلاء .. "
همهمَت ، فقلت : انـتي هتستعيدي ذاكرتك امتى ..؟
نظرت إليَّ بحيرة ، و كأنها لم تفهم سبب سؤالي فتابعتُ بصوت خافت : "كان فيه ميعاد بينا يا آلائي .."
عقدَت حاجبيها و قالت : "ميعاد ايه ده ؟"
توقفتُ للحظات و أنا أحدق بها و أساعدها في ارتداء ملابسها .
عاد بي عقلي إلى تلك الليلة .. الليلة التي انتظرتها فيها طويلًا ، و لم تأتِ .
فلم أكن أعرف أن كل شيء سيتغير بعدها ..
نظرتُ إليها للحظات ، ولم أعرف بماذا أجيب .
نعم ... خرجت الكلمات من فمي ، لكنها حملتني بعيدًا عنها ...
إلى تلك الليلة ..
الليلة التي كنت أظن أنها ستكون من أجمل ليالي حياتي .
أغمضتُ عيني للحظة ، فبدأت التفاصيل تعود إليّ واحدة تلو الأخرى ..
( فلاش باك )
عدتُ إلى المنزل قبل موعد عودة آلاء بوقتٍ كافٍ ، فقد كنتُ أريد أن أجهز لها مفاجأة صغيرة .
فتحتُ باب الغرفة ، و أخذتُ أنظر حولي أتأكد أن كل شيء كما أريد .
وضعتُ بعض الورود في أرجاء المكان ، و أشعلتُ الشموع ، ثم عدلتُ إحداها بعدما وجدتها مائلة قليلًا .
ابتسمتُ لنفسي وقلت : "كده تمام ."
ذهبتُ إلى المطبخ لأضع الطعام الذي أعددته لها ، ثم عدتُ إلى الغرفة و أخذتُ أنظر إلى الساعة .
كانت لا تزال أمامي فترة من الوقت .
جلستُ على الأريكة ، لكنني لم أستطع البقاء في مكاني أكثر من دقائق .
نهضتُ مرة أخرى ، عدلتُ إحدى الورود ، ثم نظرتُ إلى هاتفي .
"هي قالت هترجع بدري .. اومال اتأخرت ليه ؟"
ابتسمتُ عندما تذكرتُ أنها كانت عند غادة منذ الظهر ، كنتُ أعرفها جيدًا ..
من المؤكد أنها جلست مع غادة تتحدثان و تضحكان ، ثم نسيت الوقت كعادتها .
رنَّ هاتفي فجأة فالتقطته بسرعة .
كانت رسالة منها : " أنا خلصت و جايه يا حبيبي "
شعرتُ براحةٍ كبيرة ، و كتبتُ لها :
"طيب يا عيوني ، مستنيكي "
وضعتُ الهاتف جانبًا ، وجلستُ أنتظر .
مرّت عشر دقائق ... ثم عشر أخرى .
نظرتُ إلى الساعة ، ثم إلى الهاتف ..
لا توجد رسالة أخرى .
"يمكن الطريق زحمة."
انتظرتُ قليلًا ، ثم اتصلتُ بها .
رن الهاتف ، لكن لم تجب .
أغلقتُ المكالمة ، و انتظرتُ دقيقة أخرى ، ثم اتصلتُ مجددًا .
هذه المرة كان هاتفها مغلقًا .
قطبتُ حاجبي "تليفونها فصل؟"
حاولتُ الاتصال مرة ثالثة .
لا شيء .
بدأ القلق يتسلل إلى صدري ببطء .
أخذتُ مفاتيحي ، ثم عدتُ إلى الهاتف وأرسلتُ لها :
"آلاء ردي عليا لما تشوفي الموبايل ."
انتظرتُ قليلًا .
لا رد .
خرجتُ من المنزل ، وأغلقتُ الباب خلفي .
كنتُ أحاول إقناع نفسي بأنها ربما عادت إلى منزل أهلها ، أو أنها ما زالت عند غادة ، لكن شيئًا بداخلي كان يرفض كل تلك الاحتمالات .
ركبتُ سيارتي ، و انطلقتُ .
لم أكن أعرف إلى أين أذهب أولًا .
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط ...
كان يجب أن أجدها .
ذهبتُ إلى منزل غادة، وصعدتُ إليها وأنا أطرق الأبواب بعشوائية حتى وصلتُ إلى شقتها .
وبعدها بدأت الأسئلة .
ثم منزل أهلها .
ثم المكالمات التي لم تجدِ نفعًا .
ثم هشام ...
و شهاب ...
كل شيء عاد إلى ذهني كما حدث تمامًا .
أتذكر خيبة أملي في كليهما ، أتذكر غضبي ، و تلك اللحظة التي شعرتُ فيها أنني وحيد تمامًا .
ثم أتذكر المسجد ...
أتذكر كيف كنتُ أبحث عن أي شخص يساعدني ، بينما نسيتُ أن أرفع يدي إلى من يملك كل شيء .
أتذكر سجودي ...
ودعائي ...
ثم عمرو .
ذلك الرجل الذي ظهر أمامي في اللحظة التي كنتُ أظن فيها أنني لن أجد أحدًا .
أتذكر يده على كتفي ، وصوته و هو يقول:
"قوم معايا هنعمل محضر."
وتذكرتُ كل ما جاء بعد ذلك ...
حتى اللحظة التي عرفتُ فيها أين كانت آلاء ..
رؤيتها بين ذراعيّ و هي تلتقط أنفاسها بصعوبة و اعترافها لي بحبها لأول مرة ..
توقفتُ عند تلك النقطة .
لم أستطع الاستمرار في تذكر التفاصيل .
فتحتُ عيني ببطء .
عدتُ إلى الغرفة .
إلى آلاء الجالسة أمامي .
إلى وجهها الذي لم يعد يعرف شيئًا من كل ما حدث .
"حبيب؟"
انتفضتُ قليلًا عند سماع صوتها .
كانت تنظر إليّ باستغراب ، وقد عقدت حاجبيها :
"أنت سرحان في إيه؟"
نظرتُ إليها طويلًا .
كان بإمكاني أن أخبرها .
كان بإمكاني أن أقول لها كل شيء .
لكنني تذكرتُ كلام الطبيب ، وتذكرتُ حالتها ، وتذكرتُ أنها لم تكن بحاجة إلى صدمة جديدة .
ابتسمتُ لها بهدوء وقلت : " و لا حاجة يا آلائي .. افتكرت حاجة قديمة بس ."
نظرت إليّ بشك وقالت : "حاجة إيه؟ مش هتقول ميعاد ايه ؟"
ابتلعتُ غصتي، ثم أخذتُ يدها بين كفي وقلت : "مش مهم دلوقتي ."
صمتت للحظات ، ثم قالت : "طب ليه شكلك اتغير فجأة؟"
ابتسمتُ محاولاً إخفاء ما بداخلي : "عشان افتكرت قد إيه أنا كنت خايف أخسرك ."
نظرت إليّ بحيرة : "بس أنا قدامك أهو ."
شدَدتُ على يدها برفق وقلت :
"وعشان كده أنا بحمد ربنا كل يوم ."
ظلّت تنظر إليّ للحظات ، وكأنها تحاول فهم شيء لا تستطيع الوصول إليه .
ثم قالت : "حبيب .."
قلت : "عيونه ."
قالت بشك : "أنا حاسة إن في حاجات كتير أنت مخبيها عني ."
توقفتُ للحظة .. ثم ابتسمتُ لها وقلت : "في حاجات هتفتكريها لوحدك يا آلائي .. وأنا مش عايز أكون السبب إنك تتعبي ."
خفضت عينيها إلى يدي التي ما زالت ممسكة بيدها ، ثم قالت بهدوء : "خلاص .. هستنى ."
نظرتُ إليها بحب : "وأنا هستناكي ."
لكنني في داخلي كنت أعرف شيئًا واحدًا ..
أن ذاكرتها بدأت تتحرك من جديد .
وأن اليوم الذي ستتذكر فيه كل شيء ..
لم يعد بعيدًا كما كنت أظن .
( آلاء )
مرّ الصباح بهدوء .
ساعدني حبيب في تناول الدواء ، و أدينا صلاة الظهر ، ثم جلسنا سويًا في غرفة المعيشة .
كان يحاول أن يجعل اليوم طبيعيًا قدر الإمكان .
أخذ يحدثني عن بعض المواقف التي مررنا بها ، لكنه كان ينتقي كلماته بعناية حتى لا يضغط عليّ .
وفجأة قال : "على فكرة ، غادة هتيجي تزورك كمان شوية ."
رفعتُ رأسي بسرعة : "بجد أنت قولتلها ؟"
قال بغرور مصطنع :"ايوا يا بنتي .. أنا كلمتي واحدة ."
ابتسمتُ بحماس لأول مرة منذ استيقظت : "أنا عايزة أشوفها ."
قال بغيظ : "أنا بدأت أغير من غادة دي .. بس طالما انتي مبسوطة خلاص ."
ضحكتُ بدلع و قلت : " دي صاحبتي انما أنت جوزي و تاج راسي ."
قال بشك : " بجد ؟ "
أومأتُ بابتسامة و قلت : " أكيد طبعًا ."
ابتسم و ذهب إلى الشرفة ليتحدث في الهاتف ..
كنت أشعر بالسعادة لأنها ستأتي ؛ فعلى الأقل هناك شخص واحد أعرفه حقًا .
جاء حبيب بعد فترة و قال : " حبيبتي أنا مجهز عصير في التلاجة و في كيكة ممكن تقدميها لغادة ."
قلتُ له بامتنان : " شكرًا بجد ."
قال بحب : " لا شكر على واجب يا آلائي ."
ثم أضاف بجدية : " أنا هلبس و أنزل أقابل عمرو عشان تقعدي مع غادة براحتك .. مش هتأخر عليكي ."
أومأتُ له ، دخل حبيب ليبدّل ملابسه ، وما هي إلا دقائق حتى شعرتُ برائحته تملأ المكان ، فرفعتُ بصري نحو باب الغرفة .
خرج بعدها مرتديًا بنطالًا و تيشيرت بسيطًا ، و قد صفف شعره بعناية ، وبدا أكثر وسامة مما توقعت .
ظللتُ أنظر إليه لثوانٍ دون أن أشعر ، حتى انتبهتُ إلى نفسي سريعًا و أشحتُ بنظري عنه .
لا أعلم ما الذي يحدث لي كلما نظرتُ إليه ..
أهو حقًا زوجي؟
ولماذا أشعر أن قلبي يعرفه ، حتى و إن كانت ذاكرتي لا تعرفه ؟
رفع حاجبه وقال بابتسامة : "بتبصيلي كده ليه؟"
ارتبكتُ وقلتُ سريعًا : "ولا حاجة .. عادي يعني ."
ضحك وقال : "عادي؟ ماشي يا آلائي ."
فازداد خجلي ، و تمنيتُ لو أن الأرض انشقت و ابتلعتني من شدة إحراجي .
اقترب مني و قال و هو يطبع قبلة على جبيني : " أنا نازل يا حبيبتي ، متنسيش تاخدي علاجك ، عايزة حاجة من تحت ؟"
نفيتُ برأسي و قلت : " عايزة سلامتك ."
سمعتُ جرس الباب فذهب كي يفتحه و كانت غادة أخيرًا ..
بعدما رحب حبيب بها ذهب و تركنا ..
دخلت غادة مسرعة ، وما إن وقعت عيناها عليّ حتى اتجهت نحوي واحتضنتني بقوة .
تأوهتُ دون قصد ، و وضعتُ يدي على موضع جرحي ، فابتعدت عني بسرعة ، و قد ارتسم القلق على وجهها .
قالت بفزع : " آلاء ، أنا آسفة بجد نسيت الجرح ."
ابتسمتُ لها رغم الألم وقلت : "ولا يهمك ، أنا كويسة ."
جلست غادة بجانبي على طرف الفراش ، و أخذت تتفحصني بعينيها و كأنها تريد أن تتأكد بنفسها أنني بخير .
قالت بقلق : " قوليلي بجد ، انتي أحسن دلوقتي؟"
أومأتُ لها بابتسامة : "الحمد لله ، بقيت أحسن بكتير ."
تنفست غادة براحة ، ثم أمسكت يدي و قالت : "أنا كنت هموت من الخوف عليكي والله ."
نظرتُ إليها بحنان وقلت : "حبيبة قلبي بجد .. وحشتيني أوي ."
ابتسمَت ، ثم بدأنا نتحدث طويلًا ، نطمئن كلٌّ منا على الأخرى ، و نسأل عن كل ما فاتنا خلال الأيام الماضية ، و كأننا نحاول تعويض كل تلك الفترة التي لم نكن فيها معًا .
بعد فترة ذهبتُ إلى المطبخ و وجدتُّ حبيب قد وضع العصير في الأكواب الخاصة بها و كذلك الكعك في الأطباق .
كدتُّ أحملها و ما إن حملتها بيدي اليمنى حتى وقع الطبق على الأرض و تكسر إلى أجزاء ..
جاءت غادة مسرعة و هي تقول : " في ايه يا آلاء ؟"
دخَلت المطبخ و تفاجأت بقطع الزجاج المنثورة على الأرض ..
قلتُ لها بهدوء محاولة إخفاء الألم الذي شعرت به في كتفي : "مفيش حاجة .. الطبق وقع غصب عني ."
قالت بقلق : " طب انتي كويسة؟ اتعورتي ؟"
هززتُ رأسي نفيًا و قلت : " لا متقلقيش ."
قالت : " طب اطلعي بره و انا هلمهم ."
حاولتُ منعها لكنها أصرت ..
فذهبتُ إلى غرفة المعيشة مرة أخرى و أنا أشعر بالضيق فأنا لا أستطيع حتى أن أمسك طبقًا بسيطًا .
جاءت غادة و على وجهها تلك الابتسامة التي تشعرني بأن " الدنيا لسه بخير " ..
وضعَت الأطباق و العصير على الطاولة و قالت : " قوليلي بقا يا ستي .. حبيب عامل معاكي ايه ؟ "
قلت لها : " عادي كويس .. بيعاملني حلو .."
ثم نظرتُ لها بعمق و أضفت : " غادة .. هو كان بيعاملني ازاي قبل ما أفقد الذاكرة ؟ "
رفعت غادة كتفيها بحيرة ، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت : "مش عارفة يا آلاء ، بس اللي أنا متأكدة منه إنك كنتي مبسوطة معاه و فرحانة ."
ابتسمتُ داخليًا فأنا حقًا أشعر كأنني لا أحمل همًا بوجوده .
تساءلتُ مرة أخرى : " طب هو احنا اتجوزنا ازاي ؟ أنا فاكرة اني مكنتش عايزة أتجوز أصلًا في الوقت ده ، ده أصلًا حبيب بيقولي إني كنت مخطوبة قبله كمان بس محصلش نصيب ..!"
قالت لي : " اييه ؟ حيلك حيلك ، براحة يا لولا و انتي هتفتكري كل حاجة ."
قلتُ لها بإلحاح : " طب قولي أى حاجة ."
قالت لي بخوف مصطنع : " لا يا حبيبتي .. حبيب منبه علينا منقولش حاجة عشان منضغطش عليكي ."
نظرتُ إليها بضيق ثم قلت : " ماشي لما أشوفه ."
وبعد فترة ، ودّعتني غادة عند باب الشقة ، بعدما أدّينا صلاتَي العصر و المغرب كلٌّ في وقته ، ثم غادرت و هي تلوّح لي بابتسامة ، فلوّحتُ لها و أنا أبتسم حتى أغلقتُ الباب خلفها .
عدتُ إلى الصالة، ونظرتُ إلى المكان الذي قضينا فيه وقتنا معًا ، فوجدتُ بعض الأشياء مبعثرة ، فقررتُ أن أرتّبها قبل أن يعود حبيب .
أخذتُ أرتّب المكان بهدوء ، لكنني حرصتُ على ألّا أستخدم يدي اليمنى كثيرًا ، فقد كان كتفي يؤلمني منذ أن حملتُ ذلك الطبق ، و كلما حاولتُ تحريك ذراعي شعرتُ بوخزٍ مزعج .
تنهدتُ بضيق وأنا أنظر إلى يدي ، و تمتمتُ :
"أنا حتى مش قادرة أعمل حاجة بسيطة لوحدي ."
دخلتُ إلى الحمام ، وحاولتُ الاستحمام قدر استطاعتي ، مع الحرص الشديد على ألّا تصل المياه إلى جروحي . كان الأمر مرهقًا بعض الشيء ، لكنني انتهيتُ أخيرًا ، ثم ارتديتُ ملابسي وعدتُ إلى الغرفة .
جلستُ على السرير ، و أسندتُ ظهري إلى الوسادة ، ثم تناولتُ المصحف و بدأتُ أقرأ ، منتظرةً عودة حبيب .
و بعد فترة ، أذّن العشاء ، فأغلقتُ المصحف ووضعته بجانبي ، ثم توضأتُ وصليتُ العشاء ، وبعدها صليتُ قيام الليل .
انتهيتُ من الصلاة ، لكن حبيب لم يكن قد عاد بعد . نظرتُ إلى الباب بقلق ، وبدأتُ أتساءل أين تأخر كل هذا الوقت .
فكرتُ أن أتصل به ، ثم تذكرتُ فجأة أنني لا أملك هاتفًا من الأساس منذ الحادثة ، و أنني نسيتُ أن أسأله عنه .
تنهدتُ بضيق ، ظللتُ جالسةً على السرير ، أراقب الباب بين الحين و الآخر ، و كلما تأخر حبيب ازداد قلقي عليه .
لم أجد أمامي سوى الانتظار ، فضممتُ المصحف إلى صدري ، وأخذتُ أدعو الله أن يعود إليّ سالمًا .
و في مكانٍ آخر ..
(نرمين)
كنتُ جالسةً أتصفح هاتفي بملل ، حين وصلني إشعار برسالة من رقمٍ مجهول .
فتحتُ الرسالة ، و ما إن وقعت عيناي على محتواها حتى تجمدتُ في مكاني .
"حبيب اتجوز ."
حدقتُ في الكلمات طويلًا ، و كأن عقلي يرفض تصديقها .
"حبيب ... اتجوز ؟!"
قبضتُ على الهاتف بين يدي ، و تبدلت ملامحي من الصدمة إلى الغضب ، بينما اشتعلت عيناي بنظرة لم تكن تبشّر بالخير .
يبدو أن هناك شيئًا لن يمرّ بهذه السهولة ..
