رواية ما بيني وبينه قدر الفصل الاول1بقلم رقية الانصاري
_ صعيد إيه يا بابا اللي هنروحها دي؟! إنت بتتكلم بجد؟
كانت واقفة قدام والدها في نص الصالة، لسه شنطتها على كتفها ووشها عليه آثار يوم طويل، لكن كل التعب اللي كانت حاساه من شوية اختفى أول ما سمعت الجملة اللي قالها بمنتهى الهدوء، كأنه بيبلغها إنهم خارجين مشوار عادي مش بينقلوا حياتهم كلها من مكان لمكان.
عماد رفع عينه لها من فوق فنجان القهوة اللي كان ماسكه، وبصلها شوية قبل ما يقول بهدوء حاول يحافظ عليه:
= أيوه يا أحلام بتكلم جد، ومش فاهم إيه اللي مستغرباه للدرجة دي.
قربت خطوة وهي لسه مش مستوعبة:
_ مستغربة إيه؟! بتقولي هنسيب القاهرة ونروح نعيش هناك، وبتسألني مستغربة ليه؟ ما طبيعي أستغرب! إحنا آخر مرة روحنا البلد من كام سنة أصلًا، وفجأة دلوقتي هننقل ونستقر هناك؟
حط الفنجان قدامه على الترابيزة وقال:
= أولًا دي بلدنا مش مكان غريب، وثانيًا محدش قالك إننا رايحين نقعد في مكان منعرفش فيه حد…أهلك كلهم هناك، جدك وأعمامك وولاد عمك، يعني رايحة وسط ناسك.
_ ما أنا عارفة إنهم أهلي، وأنا مقولتش إنهم مش أهلي، بس دي حاجة وإننا نروح نعيش هناك حاجة تانية خالص…أنا حياتي كلها هنا يا بابا.
= وحياتك هتكمل هناك عادي.
ضحكت بعدم تصديق وهي بتشيل شنطتها من على كتفها وتحطها على الكنبة:
_ عادي إيه؟ عادي ازاي؟ أنا جامعتي هنا، شغلي هنا، صحابي هنا، كل حاجة تخصني هنا…هو إزاي كل ده بالنسبالك عادي يتحط على جنب ونقول هنروح نعيش هناك وخلاص؟
عماد اتنهد ببطء، واضح إنه كان متوقع الاعتراض ده ومستعد له:
= الجامعة ليها حل، وأنا سألت بالفعل عن موضوع النقل ولو في حاجة لازم تخلصيها هنا هنظبطها…شغلك كمان مش مربوط بمكان للأبد، وصحابك مش هيتبخروا يعني، هتفضلي تكلميهم وتنزلي تشوفيهم.
بصتله شوية قبل ما تقول بنبرة أهدى، لكن أضيق:
_ وإنت كل ده مرتبله من غير ما تقولي؟
= ما كنتش هقولك حاجة قبل ما أتأكد إن الموضوع ينفع.
_ لأ، ما هو واضح إنك أصلًا كنت مقرر ومش فارق معاك أنا هقول إيه.
رفع صوته وقال بـحدة:
= أحلام احترمي نفسك! أنا أبوكي ومش باخد قرار زي ده عشان أعاندك.
_ طب عشان إيه؟
سكت لحظة وبعدين قال:
= عشان جدك.
عقدت حاجبيها:
_ ماله جدو؟
= كبير في السن، وصحته بقت أقل من الأول، وبقاله فترة طويلة بيطلب مني أرجع…وأنا كل مرة بأجل وأقول شغلي وحياتنا هنا، لكن هو طلب المرة دي بشكل واضح، وقال إنه عايز أولاده وأحفاده حواليه.
أحلام زفرت بضيق ومشت خطوتين في الصالة قبل ما تلف له تاني:
_ طب ما نروح نزوره، نقعد أسبوع، أسبوعين، شهر حتى، وأنا معنديش مشكلة..إنما ليه استقرار؟ ليه لازم ننقل حياتنا كلها؟
= عشان أنا شايف إن ده الصح.
_ بالنسبالك إنت.
= بالنسبة للعيلة كلها.
_ وهو أنا مش من العيلة دي؟
السؤال خلاه يسكت لحظة.
كملت وهي بتحاول تمسك عصبيتها:
_ يعني لما جدو يطلب حاجة، حضرتك تشوفها وتحسبها وتحترم رغبته، لكن أنا لما أقولك إني مش عايزة أمشي من هنا يبقى كلامي مالوش قيمة؟
= متقوليش كلام أنا مقلتوش.
_ ما ده اللي حاصل يا بابا.
= اللي حاصل إنك معترضة قبل ما حتى تروحي وتقعدي وتشوفي الدنيا.
_ أنا روحت قبل كده وعارفة المكان.
= آخر مرة روحتي وإنتي صغيرة.
_ مش صغيرة أوي يعني.
= صغيرة كفاية إنك متحكميش على حياة كاملة من زيارة.
أحلام سكتت ثواني، وبعدها قالت:
_ طب وأدهم؟
ملامح عماد اتغيرت بخفة عند ذكر الاسم، لكنه قال عادي:
= ماله أدهم؟
_ يعني إيه ماله؟ أدهم خطيبي يا بابا، وهيبقى جوزي، هو هنا وشغله هنا وحياته هنا، يعني ده كمان مش مهم؟
= لو متمسك بيكي، هيعرف يتصرف.
_ يتصرف إزاي؟
= ييجي يتكلم معايا، نشوف ظروفه وظروفنا، وكل حاجة ليها حل.
_ بجد ليه بتتكلم كإن الموضوع بسيط أوي.
= وأنا مش شايفه مستحيل.
_ بس أنا شايفاه مش منطقي أصلًا.
عماد قام من مكانه، وقف قدامها وقال بنبرة واضحة:
= القرار اتاخد يا أحلام.
بصتله ثواني:
_ يعني إيه؟
= يعني إحنا مسافرين بعد يومين.
اتسعت عينيها:
_ بعد يومين؟!
= أيوه.
_ بعد يومين يا بابا؟! وبتقولي دلوقتي؟
= كل الأساسيات اتظبطت.
_ وإنت شايف إن ده طبيعي؟
= شايف إن ده الأفضل.
_ بس أنا مش شايفة كده.
= ده حقك.
_ طيب، وأنا مش هسافر مش عايزه أسافر.
الجملة نزلت بينهم مباشرة من غير لف ولا تلميح.
عماد بصلها بحدة وقال:
= أحلام.
_ أنا بتكلم جد…مش هسافر.
= وإنتي فاكرة الموضوع اختيار؟
_ أيوه، حياتي أنا يبقى اختياري.
_ طول ما إنتي بنتي وعايشة معايا وتحت مسئوليتي، في قرارات أنا اللي باخدها.
_ أنا عندي اتنين وعشرين سنة، مش طفلة.
= وأنا عارف سنك كويس.
_ يبقى تعاملني على الأساس ده.
بدأ الغضب يظهر في ملامحه أكتر:
= أنا بتعامل معاكي باحترام، لكن الاحترام مش معناه إنك تقفي قدامي وتقوليلي “مش هعمل”… أنا ابوكي يا أحلام تسمعي كلامي من سكات ومتجادليش معايا أصلا.
_ أنا مش بجادل يا بابا! أنا بقول رأيي، لان قرار زي ده هيبقى له تأثير عليا وعلى حياتي وكبير كمان! وانا فعلا مش عايزه اروح.
_ واللي أنا قلته هيتنفذ.
سكتت شوية، وعينيها بدأت تلمع بالدموع من كتر الغيظ، مش عشانها عايزة تعيط قد ما كانت حاسة إن محدش بيسمعها أصلًا.
قالت بصوت أوطى:
_ يعني كده خلاص؟
= أيوه.
_ لا رأيي ولا حياتي ولا أي حاجة تفرق؟
= أحلام، بلاش تجيبي الكلام بالطريقة دي.
_ ماهو ملوش تفسير الا كده.
مسكت شنطتها من على الكنبة وقالت:
_ تمام.
ومشت ناحية أوضتها.
قبل ما تدخل، عماد ناداها:
= وأدهم متدخليهوش في الموضوع بيني وبينك.
وقفت لحظة من غير ما تلف:
_ ده مبقاش موضوع بيني وبينك لوحدنا يا بابا.
ودخلت أوضتها وقفلت الباب وراها.
أول ما الباب اتقفل، حطت الشنطة على الكرسي وقعدت على طرف السرير، فضلت باصة قدامها شوية، وهي بتحاول تستوعب إن كل ده اتقال في أقل من نص ساعة.
من كام ساعة كانت بتفكر هتخلص شغلها إمتى، وهتشوف أدهم بكرة ولا لأ.
دلوقتي بقى قدامها يومين تجمع فيهم حياتها كلها.
مسكت موبايلها من غير تفكير ودخلت على اسم أدهم.
فضلت باصة عليه ثواني، وبعدين اتصلت.
رن مرتين، وبعدها رد:
= أيوه يا أحلام.
نبرته العادية ضايقتها أكتر، كأنها محتاجة منه يحس من صوتها إن في مصيبة من غير ما تتكلم.
قالت بسرعة:
_ إنت فين؟
= في البيت، ليه؟
_ محتاجة أشوفك.
= دلوقتي؟
_ أيوه.
سكت لحظة:
= حصل إيه؟
_ لما أشوفك هقولك.
= أحلام، إنتي كويسة؟
_ لا.
الكلمة خرجت منها من غير ما تحسبها.
نبرته اتغيرت شوية:
= طب خلاص، انزلي نتقابل في المكان اللي جنبكم.
_ ماشي.
قفلت المكالمة، غيرت هدومها بسرعة، عدلت طرحتها وخرجت من أوضتها.
عماد كان لسه في الصالة، بصلها وهي ماشية ناحية الباب:
= رايحة فين؟
_ أقابل أدهم.
سكت ثواني، وبعدها قال:
= متتأخريش.
_ حاضر.
بعد حوالي نص ساعة كانت قاعدة قدام أدهم في كافيه قريب، وهو من أول ما شافها عرف إن في حاجة كبيرة.
قال وهو باص لوشها:
= مالك؟ شكلك متعصب أوي.
_ بابا قرر ننقل البلد.
عقد حاجبيه:
= بلد إيه؟
_ الصعيد.
_ هتزوري جدك يعني؟
_ لأ، ننقل نعيش هناك.
سكت شوية وقال:
= تعيشوا هناك؟ فجأة كده؟
_ أيوه، وفوق ده كله مسافرين بعد يومين.
رجع بضهره للكرسي وقال باستغراب:
= بعد يومين؟
_ أيوه.
_ طب ليه؟
_ جدو طلب إننا نرجع عشان عايز العيلة حواليه، وبابا خلاص قرر…حاولت أتكلم معاه وأفهمه إني حياتي هنا، مفيش فايدة.
أدهم فضل ساكت.
أحلام كانت مستنية رد أقوى من كده، أي حاجة تحسسها إنه شايف اللي بيحصل كبير زي ما هي شايفاه.
قالت:
_ إنت ساكت ليه؟
= بفكر.
_ في إيه؟
= يعني… الموضوع كبير.
ضحكت بخفة وهي متضايقة:
_ أيوه ما أنا عارفة إنه كبير، عشان كده كلمتك.
= طب إنتي عايزاني أعمل إيه؟
بصتله شوية:
_ يعني إيه عايزاك تعمل إيه؟
= يعني إيه الحل من وجهة نظرك؟
_ تتصرف.
= أتصرّف إزاي يا أحلام؟
بدأت نبرتها تتشد:
_ معرفش، إنت خطيبي يعني…كنت متخيلة إنك على الأقل هتقول هنفكر سوا، هتكلم بابا، أي حاجة.
= ما أنا ممكن أكلمه، بس هقوله إيه؟ ما هو في الآخر ده قرار عيلتكم.
_ قرار عيلتي اللي هيأثر على خطوبتنا.
= اه.
_ يبقى ليك علاقة.
تنهد وقال:
= أحلام، أنا مش قصدي أسيبك لوحدك، بس إنتي حطتيني فجأة في حاجة كبيرة وأنا مش عارف أتعامل معاها إزاي.
سكتت ثواني، وبعدها قالت:
_ نكتب كتابنا.
بصلها فورًا.
= نعم؟
_ نكتب كتابنا.
= دلوقتي؟
_ اكيد مش حالا يعني، بس اليومين دول.
= أحلام، إحنا لسه مخطوبين بقالنا أربع شهور.
_ ما أنا عارفة.
= وأنا أصلًا مكنتش مجهز للخطوة دي دلوقتي.
_ مش لازم نعمل فرح بكرة… بقول نكتب كتاب بس، أو على الأقل نتفق رسمي إن الجواز قريب، عشان بابا يعرف إن في حاجة مخلّياني هنا.
= الموضوع مش بالبساطة دي.
_ أنا عارفة إنه مش بسيط، بس دي ظروف حصلت فجأة.
= طب وأنا ظروفي؟
_ إيه ظروفك؟
اتلخبط جزء صغير من ملامحه، حاجة خلتها تركز.
قال:
= يعني شغلي وشقتي وحاجات كتير لسه مش مترتبة.
_ ما إحنا من أول الخطوبة عارفين إن في شغل وتجهيزات.
= أيوه، بس كنا متفقين نستنى.
_ والظروف اتغيرت.
_ ده عندك إنتي.
بصتله بصدمة صغيرة:
_ يعني إيه عندي أنا؟
عرف إنه قالها بشكل وحش، فقال بسرعة:
= قصدي إن المشكلة حصلت عندك فجأة، وأنا مينفعش أغيّر كل خطتي في يوم وليلة.
_ أنا مش بطلب منك تغير حياتك كلها، أنا بطلب منك تقف معايا.
= وأنا واقف معاكي.
_ فين؟
_ بكلمك أهو وبفكر معاكي.
ضحكت بسخرية:
_ انت كده بتفكر معايا؟
= طب عايزاني أعمل إيه يعني؟
_ مش عارفة، بس أكيد مش الرد ده.
سكتوا شوية.
أحلام بدأت تلاحظ إنه مش بس متردد…كان بارد بطريقة غريبة…كل مرة يدخلوا في نقطة، يهرب منها، كل مرة تحاول تقرب منه ناحية حل، يرجع.
قالت:
_ أدهم.
= نعم؟
_ في إيه؟
= مفيش.
_ لأ، في.
_ أحلام بلاش نكبر الموضوع.
_ أنا أصلًا مش بتكلم عن السفر دلوقتي.
بصلها.
قالت:
_ إنت من أول ما قعدنا وإنت غريب.
= غريب إزاي؟
_ مش مهتم.
= مش مهتم؟ إزاي يعني؟
_ زي ما سمعت…أنا جاية أقولك إن بعد يومين هسيب القاهرة ومش عارفة هرجع إمتى، وإنت كل ردودك كإننا بنتكلم عن مشكلة عادية جدا.
= طب أعملك إيه؟ أعيط يعني؟
_ لأ، بس تحسسني إن وجودي وغيابي فارق.
سكت.
السكتة دي تحديدًا كانت أسوأ من أي رد.
أحلام حركت عينيها على وشه، وبعدها قالت بهدوء:
_ ادهم إنت في حاجة مخبيها.
= مفيش.
_ لا في.
_ قولت مفيش يا أحلام.
_ أنا عارفاك يا أدهم.
= إحنا بقالنا قد إيه نعرف بعض عشان تقولي عارفاني للدرجة؟
الجملة ضايقتها.
قالت:
_ وقت كفاية.
= مش قصدي.
_ طب قول اللي قصدك عليه.
أدهم زفر، بص ناحية الشباك شوية، وبعدها رجع بصلها.
قال:
= أنا كنت ناوي أتكلم معاكي أصلًا.
قلبها اتقبض.
_ فـ إيه؟
سكت.
_ أدهم، في إيه؟
= أنا… مش هقدر أكمل.
فضلت باصة له.
_ مش هتقدر تكمل إيه؟
= الخطوبة.
في ثانية واحدة، ملامحها ثبتت.
كأن عقلها رفض يترجم الجملة.
قالت:
_ إنت بتهزر.
= لأ.
_ أدهم، والله ما وقت هزار.
= وأنا مش بهزر.
سكتت شوية وبعدين قالت:
_ يعني إيه مش هتقدر تكمل؟
= يعني إحنا مش مناسبين لبعض.
_ من إمتى؟
= من فترة.
_ فترة قد إيه؟
= مش مهم.
_ لا بالنسبة لي مهم.
= أحلام، الموضوع مش محتاج تحقيق.
_ لا محتاج، لأنك خطيبي من أربع شهور، وقبلها بقالنا فترة بنتعامل، وفجأة دلوقتي وإحنا قاعدين وأنا بقولك بابا هينقلني، تقوليلي مش هكمل؟
= أنا كنت هقولك سواء حصل السفر أو لا.
_ إمتى؟
مردش.
قالت:
_ إمتى يا أدهم؟
= معرفش.
ضحكت بخفة وهي مش مصدقة:
_ متعرفش؟
= كنت مستني وقت مناسب.
_ وده وقت مناسب؟
= إنتي اللي فتحتي كلام مستقبلنا دلوقتي.
_ أيوه، عشان كنت فاكرة إن في مستقبل أصلًا.
بص بعيد.
قالت:
_ أنا عملت حاجة؟
= لأ.
_ طب إنت زعلان مني في حاجة؟
= لأ.
_ يبقى ليه؟
سكت.
كانت حاسة إن فيه حاجة لسه مش بيقولها.
قالت بـتريقة:
_ ايه بتحب جديد؟
رفع عينه بسرعه.
لحظة واحدة كانت كفاية تخليها تشك فعلا رغم انها كانت بتهزر.
قالت:
_ في واحدة تانية يا أدهم؟
سكت.
_ رد عليا!
= أيوه.
نزلت عينها للترابيزة.
فضلت باصة للمعلقة اللي قدامها كأنها أهم حاجة في المكان.
قالت بعد شوية:
_ من إمتى؟
= أحلام…
_ سألتك من إمتى.
= من فترة.
_ وإنت خاطبني؟
= أنا مكنتش مخطط لكده.
رفعت عينها له:
_ مكنتش مخطط إنك تحب واحدة تانية؟
= الموضوع حصل.
_ آه، أصل دي حاجة بتحصل كده لوحدها.
= أنا آسف.
_ بتحبها؟
سكت.
قالت:
_ أدهم، بتحبها؟
= أيوه.
بلعت ريقها، ومدت إيدها ناحية الدبلة.
حاولت تطلعها، إيديها كانت بتترعش لدرجة إن الدبلة علقت في صباعها شوية.
هو مد إيده وقال:
= استني يا أحلام.
سحبت إيدها بسرعة:
_ اوعى! متلمسنيش.
وقف مكانه.
طلعت الدبلة أخيرًا، حطتها قدامه.
قال:
= أحلام، أنا عارف إن اللي حصل صعب…
قاطعته:
_ لأ، إنت مش عارف حاجه.
= أنا فعلًا مكنتش عايز أوجعك.
ضحكت بمرارة:
_ طب كويس إنك مكنتش عايز، أمال لو كنت عايز كنت عملت إيه؟
_ حقك عليا.
_ اسكت يا ادهم.
= أنا…
_ أنا مش عايزه اسمع حاجه تاني خلاص، انت قولت اللي عندك…وانا فهمت.
قامت وقفت.
أدهم قام وراها:
= طب استني أوصلك.
_ لا.
= أحلام، متخرجيش وإنتي بالحالة دي لوحدك.
بصتله:
_ من شوية كنت بتقولي دي مشكلة عيلتي وإنت ملكش دعوة، دلوقتي بقيت خايف عليا؟
= ما تقلبيش الكلام.
_ أنا مش بقلبه.
شالت شنطتها.
قال:
= طب على الأقل نتكلم لما تهدي.
_ مفيش كلام تاني.
_ أحلام.
وقفت، بصتله.
قالت:
_ ربنا يكملكم على خير.
ملامحه اتحركت، واضح إن الجملة ضايقته.
كملت:
_ وآسفة لو كنت عبء عليك في يوم من الأيام.
= إنتي مكنتيش عبء.
_ خلاص يا أدهم، سلام.
مشيت قبل ما دموعها تنزل قدامه.
خرجت من المكان، وأول ما وصلت الشارع نزلت أول دمعة.
مسحتها بسرعة، لكن اللي بعدها نزلت، وبعدها واحدة تانية.
طلبت عربية، وقعدت طول الطريق باصة من الشباك.
مكنتش بتفكر في البنت التانية.
ولا حتى في أدهم نفسه.
كانت بتفكر في كمية الحاجات اللي انهارت فوق بعض في يوم واحد.
رجعت البيت، دخلت بهدوء.
عماد كان في الصالة، رفع عينه لها، وأول ما شاف وشها عرف إن في حاجة.
قال:
= مالك؟
_ مفيش.
= أحلام.
_ بابا لو سمحت سيبني.
_ أدهم عملك حاجة؟
وقفت لحظة، لكنها قالت:
_ الموضوع خلص.
= يعني إيه؟
_ يعني فسخنا الخطوبة.
قام واقف:
= إيه؟
_ زي ماقولت.
_ ليه؟
_ مفيش نصيب.
_ أحلام.
قالت بسرعة:
_ بابا لو سمحت أنا مش قادره اتكلم ، وياريت تكلم اهله وتخلص معاهم الموضوع.
ومشت لأوضتها.
دخلت وقفلت الباب، المرة دي قعدت على الأرض وسندت ضهرها على الباب نفسه.
عيطت كتير.
مش بس عشان أدهم.
عشان الإحساس إن حياتها بقت كلها بتتغير من غير ما تلحق تمسك حاجة منها.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
بعد يومين، كانت شنط السفر متقفلة.
البيت فاضي أكتر من المعتاد، وحاجات كتير اتبعت قبلهم.
أحلام كانت واقفة في أوضتها، بتبص حواليها للمرة الأخيرة.
المكتب.
الكتب.
اللوحات اللي كانت رسماها بإيديها.
الصور المعلقة.
كل حاجة كانت ثابتة في مكانها، وهي الوحيدة اللي ماشية.
عماد وقف عند الباب.
= العربية تحت.
مردتش.
دخل خطوتين وقال:
= أحلام.
لفتله.
_ انا جاهزة.
بصلها شوية:
= إنتي لسه زعلانة مني؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة:
_ أنا أصلًا مبقتش عارفة أزعل من مين.
ملامحه هديت.
قال:
= أدهم…
_ خلاص يا بابا، أنا مش عايزة أتكلم عنه.
_ طب يلا.
شالت شنطتها.
قبل ما تخرج، بصت للأوضة مرة أخيرة، وبعدها خرجت.
الطريق للصعيد كان طويل، وأحلام قضته أغلب الوقت ساكتة.
عماد حاول يتكلم معاها كذا مرة، وهي ردت، لكن ردود قصيرة.
مش لأنها زعلانة منه، لكن لأنها كانت مرهقة من التفكير.
كل ما تبعد عن القاهرة أكتر، تحس إن النسخة القديمة من حياتها بتبعد معاها.
وصلوا البلد قبل المغرب.
العربية دخلت من بوابة كبيرة، وأحلام بصت من الشباك للمكان.
البيت كان أكبر مما كانت فاكرة.
جنينة واسعة، شجر، باب كبير، والناس بدأت تخرج من جوه أول ما العربية وقفت.
نزل عماد الأول، وبعده أحلام.
صوت الترحيب جه من كل ناحية:
_ حمد لله على السلامة.
_ نورت يا عماد.
_ دي أحلام؟
_ ما شاء الله، كبرت.
كانت بتسلم وتبتسم، بتحاول تربط الأسماء بالوشوش.
عمها أحمد.
مراته زينب.
عمها عبدالله.
بنت عمها ميرال.
ناس كتير كان المفروض إنهم أهلها، لكن الحقيقة إنها متعرفهمش إلا من أسماء واتصالات مناسبات.
من عند باب البيت، صوت جدها جه:
_ تعالي يا بنت عماد.
لفت ناحيته.
كان واقف مستند على عصايته، ملامحه قوية رغم سنه.
قربت منه، حضنها.
قال:
_ وحشتيني يا بنتي.
ردت بابتسامة خفيفة:
_ وإنت كمان يا جدو.
بعد عنها وبصلها:
_ كبرتي وبقيتي عروسة.
_ عادي يا جدو الزمن بيجري.
عبد الحميد ضحك وقال لعماد:
_ أهو رجعت الحمدلله ، ولدي وبنتي.
عماد قال:
= زي ما طلبت.
عبد الحميد بص لأحلام:
_ والمرة دي مفيش هروب.
ابتسامتها خفت، لكنها مردتش.
دخلوا البيت.
الساعات الأولى عدت في سلام وترحيب وكلام كتير.
ميرال كانت أكتر واحدة حاولت تقرب منها، قعدت معاها شوية، ورتبتلها أوضتها، وحكتلها حاجات بسيطة عن البيت.
أحلام كانت بتحاول تكون لطيفة، لكن التعب كان واضح عليها.
بالليل، قعدت لوحدها في أوضتها تبص من الشباك.
هدوء المكان مختلف.
مش وحش.
بس غريب.
هي نفسها مكانتش عارفة هل ممكن تتعود عليه ولا لأ.
تاني يوم، بعد ما صحيت ونزلت، لقت أبوها قاعد في الصالة.
وقفت قدامه وقالت:
_ بابا، ممكن نتكلم؟
بصلها:
= اتفضلي.
قعدت قدامه وقالت مباشرة:
_ أنا عايزة أرجع القاهرة الأسبوع الجاي.
عماد اتنهد:
= أحلام، احنا لسه جايين.
_ ما أنا عارفة.
_ وإنتي لحقتي تشوفي حاجة؟
_ أنا مش محتاجة أشوف…أنا من امبارح وأنا عارفة إني مش هعرف أقعد.
_ ليه؟
_ عشان دي مش حياتي.
_ إنتي هتفضلي تقولي الجملة دي كتير؟
_ لحد ما تفهمني.
= أنا فاهمك.
_ لو فاهمني كنت هتسيبني أرجع.
قبل ما يرد، صوت عبدالحميد جه من وراهم:
_ وترجعي ليه يابنت عماد؟
أحلام لفت.
كان داخل الصالة ببطء، واستند على عصايته وهو بيقرب.
قالت بسرعة:
_ أنا مقصدش حاجة يا جدو والله…الناس هنا كلهم على راسي، وأنا فرحانة إني شوفتكم، بس أنا مش متعودة أعيش هنا.
قعد عبد الحميد وقال:
_ والواحد بيتعود.
_ مش كل حاجة بتبقى بالسهولة دي.
_ القاهرة فيها إيه زيادة عن هنا؟
ابتسمت بخفة:
_ يا جدو دي مش مقارنة…هناك جامعتي وصحابي وشغلي وحياتي اللي عايشاها من سنين.
_ وأصلك هنا وناسك هنا.
_ ما أنا عارفة والله بس حقيقي مش هعرف مش متعوده.
_ أصل الواحد أهم من كل ده.
سكتت شوية وقالت:
_ وأنا مقدرة ده، بس مقدرش فجأة أسيب كل حاجة.
قال عبدالحميد:
_ يبت القاهرة ما تعملش ليكي أصل ولا چذور…بلدك هنا، وناسك هنا، وطول ما أنا عايش أحب أشوف ولادي وحفادي حواليا على طول.
أحلام ردت بنبرة هادية:
_ وأنا ممكن أجيلك، وأفضل أزورك، وأقعد فترات…بس الاستقرار هنا بالنسبة لي صعب بجد.
عماد تدخل:
= يا حاج والله أنا قلتلها تقعد شوية الأول وتشوف.
عبد الحميد بصلها وقال:
_ وهي مالها مستعجلة ترجع؟
عبد الحميد اتنهد وقال:
_ وبعدين أنا أصلًا كنت بفكر في موضوعك من قبل ما تيجي.
عقدت حاجبيها:
_ موضوع إيه؟
عماد بص لأبوه كأنه فاهم هو رايح لفين:
= طب يا حاج، بلاش دلوقتي.
عبد الحميد قال:
_ وليه دلوقتي لأ؟ البت لازم تعرف.
أحلام بصت بينهم:
_ أعرف إيه؟
عبد الحميد عدل جلسته وقال:
_ موضوعك مع ولد عمك يوسف.
سكتت لحظة.
_ مالي أنا ويوسف؟
_ أنا شايف إن يوسف أولى بيكي من الغريب.
بصتله ثواني، وبعدها قالت:
_ يعني إيه أولى بيا؟
_ يعني تتجوزيه.
أحلام فضلت ساكتة ثانيتين، وبعدها ضحكت من الصدمة:
_ أنا أتجوز يوسف؟
_ أيوه.
_ يوسف ابن عمي؟
رفع حمد الحميد حاجبه:
_ هو عندنا يوسف تاني؟
عماد قال:
= يا ابويا البنت لسه خارجة من خطوبة.
عبد الحميد رد:
_ وأنا مش بقول بكرة الصبح نعمل الفرح.
أحلام قالت بسرعة:
_ بس أنا أصلًا مش موافقة.
عبد الحميد بص لها:
_ إنتي لسه مسمعتيش.
_ ما هو في إيه أسمعه؟ أنا معرفوش يا جدو.
_ ولد عمك.
_ عارفة إنه ابن عمي، بس ده مش معناه إني أعرفه.
_ وماله، تتعرفوا.
_ و ده بعد الجواز يعني؟
_ لا قبل الجواز، مش لازم تحبيه من دلوقتي.
أحلام سكتت لحظة وقالت:
_ بس أنا أصلًا مش عايزة أتجوز.
_ ليه؟
_ عشان لسه خارجة من تجربة مش حلوة، ومش مستعدة أدخل في حاجة جديدة.
عبد الحميد قال:
_ التجربة الوحشة مش معناها إنك تقفلي حياتك.
_ ما أنا مش بقفلها، أنا بقول محتاجة وقت.
_ ويوسف راجل، ومحترم، ويعتمد عليه.
_ وأنا ما قلتش غير كده، بس أنا مبفكرش فيه بالطريقة دي.
عبد الحميد قال:
_ الحب بيجي بعد العشرة.
أحلام ردت:
_ ممكن عند ناس، وممكن لأ…بس أنا مش هتجوز واحد وأنا مش عايزة الجواز من الأساس وأقول يمكن أحبه بعدين.
عماد قال:
= طب خلاص يا حاج نخلي الموضوع بعدين شوية.
عبد الحميد قال:
_ وبعدين ليه؟
= عشان هي لسه مضغوطة بس شويه.
أحلام قالت:
_ بس أنا مش عايزة حد يتعامل معايا كإن رفضي عشان أنا متضايقة بس…أنا بجد مش عايزة.
في اللحظة دي، صوت خطوات قرب من ناحية الباب.
أحلام بصت، ولقت شاب داخل وهو ماسك موبايله.
قال:
_ السلام عليكم.
عبد الحميد رد:
_ وعليكم السلام، تعالى يا يوسف.
يوسف بص للقاعدين، عينه عدت على أحلام لحظة، وبعدها قرب.
_ خير يا جدي؟
_ اقعد.
قعد جنب عبد الحميد ، وقال بابتسامة خفيفة:
_ ايه يا حاج شكلك ناوي على كلام كبير.
عبد الحميد قال:
_ ناوي أفرح بيك.
يوسف ضحك:
_ خير يا رب، هتديني الشركة كلها؟
الجد بصله:
_ عايزك تتجوز.
الضحكة فضلت على وش يوسف ثانية زيادة، وبعدها قال:
_ أتجوز؟
_ أيوه.
_ و دي مين؟
عبد الحميد شاور ناحية أحلام بنظره:
_ بت عمك.
يوسف لفت وبصلها.
أحلام كانت باصة قدامها، ملامحها متحفزة.
رجع بصل لجده:
_ أحلام؟
_ أيوه.
سكت ثانيتين وبعدين قال:
_ لا طبعا يا جدو.
الجد رفع حاجبه:
_ لا؟
يوسف اتعدل في قعدته:
_ أيوه لا ، الموضوع ده اكيد مينفعش.
أحلام رفعت عينها له لأول مرة بتركيز.
الجد قال:
_ وليه مينفعش؟
_ لأن إحنا مفيش بينا أي حاجة أصلًا... هي لسه جاية من يومين، وأنا تقريبًا آخر مرة اتكلمت معاها من سنين واحنا عيال.
_ وده يتصلح.
_ يتصلح إزاي؟ الجواز مش مشروع بنجربه.
الجد سكت.
يوسف كمل:
_ وبعدين حضرتك عارف إني في واحدة في حياتي.
أحلام بصت لجده.
الجد قال:
_ اه عارف وعارف برضو إنها مش مناسبة.
ملامح يوسف اتشدت:
_ مناسبة أو مش مناسبة ده موضوع تاني، بس في الآخر أنا بحبها وكنت ناوي أتقدملها.
_ وأنا مش موافق.
_ ليه؟
_ عشان مش مننا.
يوسف قال بحدة حاول يخفيها:
_ يا جدو دي مش حجة.
_ بالنسبة لي حجة.
_ ماهو بالنسبة لي لأ.
الجد قال:
_ أحلام بنت عمك، من لحمك ودمك، وأعرف أخلاقها وأصلها وأهلها.
يوسف رد:
_ وأنا مش بقول فيها حاجة وحشة، بس ده مش سبب إني أتجوزها.
أحلام قالت بسرعة:
_ ما ده اللي بتكلم فيه أنا كمان.
يوسف بصلها لحظة.
الجد قال:
_ سيبي الكلام له.
أحلام سكتت.
يوسف قال:
_ أنا مش عايز أظلمها ولا أظلم نفسي…الجواز غصب بالشكل ده هيبقى غلط من البداية أصلا.
الجد قال:
_ ومحدش قال غصب.
يوسف ضحك بسخرية خفيفة:
_ حضرتك بتقول أنا قررت، ده اسمه إيه؟
عماد تدخل:
= يا يوسف، هدي كلامك يا ابني.
يوسف قال:
_ أنا هادي يا عمي، بس دي برضو حياتي.
الجد بص له:
_ وأنا بخاف على حياتك أكتر منك.
_ حتى لو، في الآخر أنا اللي هعيشها يا جدو.
الجو بدأ يتشد أكتر.
أحلام كانت ساكتة، لكنها لأول مرة حست إن في حد بيقول نفس الكلام اللي هي عايزة تقوله.
الجد قال:
_ البت اللي معاك دي مش هتنفعك يا يوسف خلي بالك.
يوسف أخد نفس:
_ يا جدو لو سمحت ماتدخلهاش في الكلام.
_ ليه؟ ما هي سبب رفضك.
_ مش هي السبب الوحيد.
_ أمال؟
يوسف أشار بإيده ناحية أحلام:
_ لأننا منعرفش بعض، ومفيش تفاهم، ومفيش أي أساس للجواز أصلًا.
أحلام قالت:
_ وأنا كمان شايفة كده.
الجد بص لها وبعدين له:
_ إنتوا الاتنين مستعجلين في الرفض من غير داعي.
أحلام قالت:
_ ومين قال إننا لازم ندي الموضوع فرصة أصلًا؟
الجد سكت شوية، وبعدها قال:
_ عشان أنا بطلب منكم.
يوسف رد:
_ وأنا بحترمك والله بس مش هقدر أوافق عشان حضرتك طلبت.
الجد بصلهم هما الاتنين، وبعدها قال بصوت هادي لكن حاسم:
_ الكلام لسه مخلصش.
يوسف قام واقف:
_ بالنسبة لي خلص.
الجد رفع عينه له:
_ اقعد يا يوسف.
يوسف سكت لحظة، لكنه فضل واقف.
قال:
_ أنا مش هتجوز غصب يا جدو.
_ محدش هيغصبك.
_ تمام.
الجد قال:
_ بس هتفكر.
يوسف ضحك من غير فرحة:
_ اه هفكر عشان أقول نفس الرد.
الجد بص له، لكنه مردش.
يوسف قال:
_ بعد إذنكم.
ومشي.
أحلام فضلت قاعدة شوية، لكن بعدها قامت هي كمان.
قالت لأبوها:
_ أنا هطلع شوية.
ومشت.
بدل ما تطلع أوضتها، خرجت للجنينة.
كانت محتاجة مكان هادي، بعيد عن كلام الجواز وجدها وأبوها ويوسف وكل اللي بيحصل.
قعدت على كرسي بعيد، ضمت إيديها لبعض وبصت قدامها.
بعد كام دقيقة سمعت خطوات.
لفت، لقت يوسف.
وقف بعيد شوية وقال:
_ انتي كنتي عارفة؟
عقدت حاجبيها:
_ عارفة إيه؟
_ إن جدو ناوي على الموضوع ده.
_ ما طبعًا لأ.
_ متأكدة؟
بصتله بغيظ:
_ هو إنت بتسألني بجد؟
_ اه بسأل عادي.
_ لا مش عادي، لأن طريقتك بتقول إنك شاكك إني كنت عارفة وموافقة.
_ أنا مقولتش كده.
_ بس انت فكرت.
سكت.
قالت:
_ أنا اتصدمت زيك بالظبط، ويمكن أكتر منك كمان.
يوسف قال:
_ طب كويس.
_ كويس إيه؟
_ إنك مش موافقة.
_ طبعًا مش موافقة.
_ تمام.
أحلام عقدت دراعاتها:
_ وإيه اللي تمام؟
_ عشان يبقى واضح من الأول إن محدش فينا عايز الجوازة دي.
ردت:
_ أنا أصلًا آخر حاجة بفكر فيها دلوقتي الجواز.
يوسف قال:
_ وأنا عندي حياتي.
_ اه عارفه.
_ عرفتي منين؟
_ من كلامك تحت، مش سر يعني.
هز راسه.
قالت:
_ وإنت شايف إن الموضوع هيقف؟
سكت شوية:
_ معرفش.
_ أنا حاسة جدو مش هيسيبها بسهولة.
_ ما هو ده اللي مضايقني.
_ طب هنعمل إيه؟
بصلها:
_ إحنا؟
_ آه إحنا، ما إحنا الاتنين في نفس المشكلة.
يوسف سكت لحظة، وبعدها قال:
_ كل واحد يتمسك برأيه.
_ بس؟
_ وفي إيه تاني؟
_ معرفش، بس حاسة الموضوع مش بالسهولة دي.
يوسف قرب خطوة وقال:
_ بصي يا أحلام عموما يعني عشان نبقى واضحين من دلوقتي، لو الجواز ده حصل بأي شكل… هيبقى عشان خاطر جدو بس، مش عشانك.
بصتله ثواني.
وبعدين قالت:
_ وإنت فاكر إني ممكن أتجوزك عشانك أصلًا؟
_ اه ما أنا مقولتش.
_ لا بس طريقتك مستفزة.
_ وإنتي فاكرة نفسك مين يعني؟ أنا برضو مش واقع في غرامك.
ضحكت بسخرية:
_ الحمد لله، ريحتني بصراحة.
يوسف قال:
_ أنا بتكلم جد.
_ وأنا كمان…إنت آخر واحد ممكن أفكر أعيش معاه أصلًا.
_ المهم ان هو أصلا هيحصل.
أحلام بصتله:
_ وانت واثق اوي؟
_ اه جدًا.
_ يا رب.
سكتوا شوية.
يوسف قال:
_ ولو جدو ضغط عليكي، متوافقيش عشان تخلصي.
_ إنت قلقان عليا ولا على نفسك؟
_ على نفسي طبعًا.
_ وإنت كمان برضو متوافقش لو ضغط عليك.
_ مش محتاج توصية.
_ كويس.
لف عشان يمشي.
أحلام قالت:
_ يوسف.
وقف ولف لها.
_ إيه؟
_ إحنا ممكن منعملش الموضوع حرب بينا.
بصلها.
قالت:
_ يعني إحنا الاتنين رافضين نفس الحاجة، مش منطقي كل واحد يطلع عصبيته في التاني.
سكت ثانية، وبعدها قال:
_ عندك حق.
أحلام رفعت حاجبها باستغراب:
_ إنت وافقتني؟
_ متعوديش نفسك.
ضحكت بخفة من غير ما تقصد.
هو كمان ابتسم ابتسامة صغيرة.
وبعدها قال:
_ بس لو في أي كلام من جدو، قوليلي.
_ وإنت كمان.
_ تمام.
مشى.
فضلت أحلام باصة وراه شوية.
من ساعات كانت شايفاه مجرد ابن عمها المستفز اللي جدها قرر يربط اسمها باسمه.
دلوقتي، ولو للحظة بسيطة، بقى الشخص الوحيد في البيت اللي فاهم بالظبط هي حاسة بإيه.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في الداخل، كان عبد الحميد قاعد مكانه، ساكت من ساعة ما يوسف وأحلام مشيوا.
عماد قال:
= يا حاج، ما تسيب الموضوع شوية.
الجد رفع عينه له.
= أنا مش هجبر حد يا عماد.
_ طب يبقى خلاص.
الجد مسك عصايته وقال بهدوء:
= بس أنا برضو مغيرتش رأيي.
عماد تنهد:
= هما الاتنين رافضين.
_ ده دلوقتي.
_ يعني إيه دلوقتي؟
الجد ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال:
= يعني الأيام بتغير كلام كتير يا ولدي.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
برا، كانت أحلام لسه قاعدة في الجنينة، ويوسف اختفى جوه البيت.
الاتنين متأكدين إن الموضوع انتهى تقريبًا.
والاتنين كانوا غلط.
لأن اللي حصل النهارده مكنش نهاية فكرة الجواز…
كان أول يوم فيها فعلًا.
