"لو سمحتِ يا مدام مريم، محتاجين نسحب عينة دم تانية لتأكيد الفحوصات، يا ريت تتفضلي معايا على غرفة التحاليل"
نطقت الممرضة الإنجليزية بتلك الكلمات بنبرة هادئة لكنها كانت تحمل جدية أثارت الرعب في أوصال مريم. هزت مريم رأسها بآلية، وتحركت بخطوات ثقيلة خلفها داخل الممرات المعقمة للمستشفى اللندني الكبير. كانت رائحة المطهرات تحاصرها، وصوت الأجهزة الطبية يدق في أذنها كأنه ناقوس خطر. جلست على المقعد، ووخزت الإبرة ذراعها الناعم، فنظرت مريم إلى دمائها وهي تسحب داخل الأنبوب الزجاجي، وشعرت بغصة في حلقها ودقات قلبها تتسارع
في نفس تلك الساعة، وعلى الجانب الآخر من المدينة، كان ملعب تدريبات النادي الإنجليزي يشهد أجواءً مشحونة بالجدية والحماس. كان ريان يركض في الملعب كالنمر، عيناه تلمعان بتركيز حاد، تسديداته كانت قوية ومتقنة لدرجة جعلت المدير الفني يصفق له بحرارة
ويهتف:
"رائع يا ريان! هذا هو المستوى الذي نريده في دوري الأبطال!".
كان ريان يتعامل مع زملائه في الفريق ببرود واحترافية شديدة؛ لا يمزح كثيراً، ولا يضيع وقته في الأحاديث الجانبية. ملامحه الرجولية الحادة كانت كالصخر الأصم، يفرغ كل طاقته وعصبيته في الكرة، مدفوعاً برغبة عارمة في تحقيق المجد لأجل مريم، لأجل تلك الفتاة التي وثقت به عندما كان لا يملك ثمن حذائه الرياضي.
بعد انتهاء الحصة التدريبية الشاقة، توجه ريان برفقة المدير الفني إلى قاعة المؤتمرات الصحفية لمواجهة وسائل الإعلام البريطانية والعالمية قبل الماتش المصيري. جلس ريان أمام ميكروفونات القنوات الفضائية الكبرى، مرتديًا قميص النادي، وبدت وسامته الطاغية وجاذبيته الشرقية واضحة تحت أضواء الكاميرات التي لم تتوقف عن الوميض
بدأ الصحفيون في توجيه الأسئلة، ورفع أحد الصحفيين الإنجليز يده وسأل بفضول:
"سيد ريان، أنت تعيش موسماً استثنائياً وتعد أغلى لاعب في الدوري حالياً، والجميع يتحدث عن استقرارك الأسري مع زوجتك كسبب رئيسي لهذا التوهج.. هل تعد الجماهير بلقب دوري الأبطال هذا العام؟"
نظرت وسائل الإعلام كلها إلى ريان منتظرة إجابته التمعت عيناه ببريق خاص فور ذكرها ، وتغيرت نبرة صوته الجافة إلى نبرة هادئة قوية تحمل يقيناً كبيراً، ولم يتردد في الإجابة قائلاً بلهجته المصرية التي يعتز بها وترجمها المترجم فوراً:
"الجمهور يستحق البطولة وإحنا هنموت في الملعب عشانها. أما عن زوجتي.. فهي مش مجرد سبب للنجاح، هي حياتي كلها. أنا من غير دعواتها ودعمها ولا حاجة، والبطولة دي لو جت، هتكون هدية ليها هي وبس."
أثارت إجابته الصادقة والقوية إعجاب الحضور، والتقطت الكاميرات ملامحه الواثقة التي لا تعرف الخوف
في هذه الأثناء، كانت مريم تجلس في مكتب طبيب الأورام وأمراض الدم بمستشفى لندن. كان الطبيب يتأمل الأوراق أمامه بملامح يكسوها الأسف الشديد، ثم رفع عينيه ونظر إلى مريم وقال بصوت منخفض:
*"مدام مريم.. أنا آسف جداً إني هقولك الخبر ده، لكن نتائج عينات الدم والتحاليل المتقدمة ظهرت للتو. أنتِ مصابة بنوع شرس ومتقدم من سرطان الدم (اللوكيميا)"
وقعت الكلمات على رأس مريم كالصاعقة. شعرت فجأة ببرودة تجتاح جسدها بالكامل، وتوقفت الكلمات في حلقها لم تفكر في نفسها، ولا في الموت، بل قفزت صورة ريان أمام عينيها؛ ريان الوسيم القوي الذي يملأ الدنيا صخباً، ريان الذي قال لها منذ ساعات
"لو جرالك حاجة أنا هتنتهي"
ابتلعت ريم ريقها بصعوبة، وحاولت استجماع شجاعتها وقالت بصوت مرتعش مخنوق:
"يا دكتور.. أرجوك قولي، في أمل؟ وجوزي.. جوزي مش لازم يعرف أي حاجة دلوقتي، عنده ماتش مصيري في دوري الأبطال بعد أيام، لو عرف هينهار ومستقبله هيضيع."
نظر إليها الطبيب بإعجاب وشفقة على تضحيتها، وقال محذراً:
"العلاج الكيماوي والمكثف لازم يبدأ في أسرع وقت، وضعك الصحي الحالي حرج ونزيف الأنف والدوار هيتكرروا. الضغط النفسي أو الحزن ممكن يسرع بتدهور حالتك بشكل قاتل. أنصحك بإبلاغ زوجك فوراً ليدعمك"
خرجت مريم من المستشفى والدموع تحرق وجنتيها سرّاً خلف نظارتها الشمسية. ركبت السيارة وعقلها يدور في دوامة مظلمة. اتخذت قراراً انتحارياً؛ قررت أن تخفي هذا الكابوس عن ريان تماماً حتى تنتهي البطولة ويرفع الكأس التي يحلم بها، وتصنع القوة والابتسام مهما كلفها الأمر
عادت مريم إلى القصر قبل ريان بوقت قليل، أبدلت ملابسها بسرعة وجلست في الصالون تحاول رسم ابتسامة هادئة على وجهها الشاحب، منتظرة عودة معشوقها
دون أن تدري إلى أي مدى ستستطيع الصمود أمام هذا الوحش الكاسر الذي ينهش دمها
°°°°°°°°°°°°°°°°°
"يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. إيه ده كله؟ القمر بتاعي لابس ومستنيني، ولا أنا وحشتك زيادة عن اللزوم انهارده؟"
نطق ريان بتلك الكلمات بنبرة تملؤها البهجة وهو يفتح باب القصر، واضعاً حقيبته الرياضية جانباً. خطى نحو مريم التي كانت تجلس في الصالون تحاول جاهدة رسم الابتسامة على وجهها لتداري بها طعم المرار الذي تركه طبيب المستشفى في حلقها. بمجرد أن رأته بـ قامته الطويلة ووسامته التي خطفت الأضواء في المؤتمر الصحفي منذ ساعات، شعرت برغبة عارمة في الارتماء بـ أحضانه والبكاء، لكنها تماسكت، وقامت متوجهة إليه وقالت بنبرة دلع مصطنعة:
"طبعاً وحشتني يا كابتن، وبعدين أنا شفت المؤتمر بتاعك على فكرة.. إيه الكلام الكبير ده؟ الفضائيات كلها مقلوبة على تصريحك عني!"
ابتسم ريان ابتسامته التي لطالما خطفت قلبها ، واقترب منها ليطوق خصرها بـ ذراعيه القويتين، دافناً وجهه في شعرها وعيونه مغمضة براحة لا يجدها إلا معها، وهمس بصوت دافئ:
"كلام كبير إيه بس؟ أنا مقلتش إلا ربع اللي في قلبي ليكي يا مريم. سيبك من الصحافة والكورة دلوقتي.. الجو بره انهارده غريب، الشمس طالعة في لندن على غير العادة والنسمة ترد الروح. إيه رأيك نغير جو ونطلع نمشي شوية في الشوارع القريبة زي زمان؟ من غير حرس ولا دوشة.. أنا وأنتي وبس"
نظرت إليه مريم بـ تردد، كانت تشعر بـ بعض الإرهاق، لكن رؤية الفرحة في عيني ريان جعلتها توافق فوراً:
"ماشي يا روحي، يلا بينا.. بس استنى ألبس الكاب والنضارة عشان محدش يعرفنا"
بعد نصف ساعة، كان ريان ومريم يسيران في أحد الشوارع الجانبية الهادئة بلندن. ريان يرتدي سترة رياضية بـ غطاء رأس (هودي) يغطي نصف وجهه، ومريم ترتدي كاب ونظارة شمسية ضخمة. كانا يمسكان بـ أيدي بعضهما ويضحكان بـ خفوت، يتذكران الماضي
وفجأة، بدون أي مقدمات، تعثرت مريم في رصيف الشارع واهتزت النظارة الشمسية من على وجهها لتسقط على الأرض. انحنى ريان بسرعة ليلتقطها وهو يضحك:
"جرى إيه يا بنتي؟ مش عاتقة رصيف مصر ولا رصيف لندن؟"
في تلك اللحظة بالذات، مر شاب مصري مغترب التفت اليهم بـ عشوائية ليرى وجه ريان بوضوح، فبرقت عيناه وجمد في مكانه كأنه رأى شبحاً، ثم صرخ بـ أعلى صوته بـ لهجة مصرية هزت الشارع البريطاني:
"الله أكبر!! كابتن ريان؟! والله العظيم هو!! ريان يا جدعان وزوجته المصونة مريم هانم برنسيسة لندن بجلالة قدرها!!"
تسمر ريان في مكانه، وبلمح البصر، تحول الشارع الهادئ إلى ساحة حشر. خرجت هواتف المارة الإنجليز، وتجمع العشرات في ثوانٍ، وانقلب المكان إلى موجة عارمة من البشر يهتفون بـ اسم ريان. وفجأة، ظهر ثلاثة مصورين من تحت الأرض بـ كاميراتهم الضخمة وهم يركضون نحو الثنائي!
نظر ريان إلى مريم بـ رعب كوميدي، وقال بـ سرعة وعصبية مضحكة:
"مريم.. لو قفشونا مش هنطلع سليمين، الماتش الجاي هيتأجل بسبب رجلي اللي هتتكسر في الزحمة دي! جاهزة؟"
نظرت إليه مريم بـ عيون متسعة وقالت:
"جاهزة لـ إيه يا ريان؟!"
لم ينتظر ريان الإجابة، بل أمسك بـ يدها بـ قوة وصرخ:
"اجريييييي يا مريم!!"
وانطلق النجم العالمي يركض بـ أقصى سرعته في الشوارع، وهو يجر خلفه مريم التي تطاير الكاب من على رأسها وهي تصرخ من شدة الضحك والخوف معاً. خلفهما كان يركض جيش من المعجبين؛ الشاب المصري يهرول وهو يصيح:
"يا كابتن دقيقة واحدة وحياة أبوك أمي بتدعي لك!"
والمصورين الإنجليز يلهثون وراءهما بـ الكاميرات وكأنهم في مطاردة بوليسية
دخل ريان بـ مريم في زقاق ضيق، ووجد أمامه حاوية قمامة كبيرة كلاسيكية ونظيفة خلف مطعم شهير. وبدون أي تفكير، سحب مريم وراء الحاوية، وحاوطها بـ جسده تماماً وضغط ظهرها إلى الحائط، واضعاً يده على فمها وهو يتنفس بـ صعوبة بالغة وعيناه تترقبان الشارع
مر حشد المعجبين والمصورين يركضون بسرعة الصاروخ من أمام الزقاق دون أن يلاحظوهم، وصوت الشاب المصري يتلاشى في الأفق وهو يقول:
"اختفوا فين؟ ده واد جن مش لاعب كورة!"
بعد ثوانٍ من الصمت الرهيب، أنزل ريان يده عن فم مريم، ونظر إلى وجهها ليجدا نفسيهما في موقف لا يحسدان عليه؛ لاعب من أغلى اللاعبين في العالم يقف وراء حاوية قمامة في لندن مستنداً على الحائط بـ ملابس مبهدلة
نظرت مريم إلى خصلات شعره الطويلة التي سقطت بـ فوضوية على عينيه جراء الركض، وانفجرت في نوبة ضحك هيستيرية تسببت في دموع انهمرت على وجنتيها
ضحك ريان هو الآخر بـ غلب ونظر إليها بـ ملامحه العصبية المضحكة وقال:
"بتضحكي يا مريم؟ بقا أنا ريان واقف متبهدل ورا صندوق زبالة في لندن؟ دنا لو حد صورني اللقطة دي عقدي هينزل للنص!"
قالت مريم وهي تمسح دموع ضحكها وتلتقط أنفاسها بصعوبة:
"مش قادرة يا ريان.. شكلك كان مسخرة وأنت بتجري وتلتفت وراك.. وبعدين الشاب المصري ده عسل أوي، كان ناقص يجيب العيلة تتصور معاك هنا!"
ابتسم ريان بـ حنان غامر عندما رأى ضحكتها التي تضيء وجهها، ونسي تماماً برستيج النجومية. أخذ نفساً عميقاً وقبل رأسها قائلاً:
"فداكي أي حاجة يا روحي، المهم شفت الضحكة دي اللي بتخليني قادر أتنفس."
عادا إلى القصر سرّاً بـ تاكسي بعد أن تنكرا بـ صعوبة، وكانت مريم تشعر بـ سعادة غامرة أنستها للحظات وجع المرض
لكن الأيام القادمة تخبئ ما ليس في الحسبان ....
