هذه المرة كان قاصداً ومستقصداً؛ مشى بخطواته الرزينة متعمداً ألا تشعر بقدومه، وهي مندمجة في تقشير الذرة بانهماكٍ شديد، بينما العرق يغطي بشرتها البرونزية الجميلة. كانت تجسد بوضوح صورة الفلاحة المصرية الناصعة التي طالما رآها في الأفلام القديمة؛ حتى زيّها الفلاحي الأصيل كان ملتزماً بطبيعة البلد وتراثها، بعيداً كل البعد عن الثياب العصرية الدخيلة.
رفعت عينيها دون قصد والتقت بعينيه، فذهلت لحظات وكأنها لا تستوعب وجوده في "غيط" الذرة الخاص بهم. وبرد فعل غريزي، اتسعت عينها بفزع، ثم أخذت تلتفت يمنة ويسرة بحثاً عن عزازي أو أحد أبناء عمومتها ممن قد يرافقونه.
أثارت حيرتها الخائفة تبسمه، فاقترب منها بمنتهى الأدب والذوق، وقال بلهجته السعودية الدافئة:
ـ مساء الخير.. أرجو ما تكوني فزعتِ مني اليوم؟ أنا جاي أرضكم يعني أعتبر ضيفكم!
شعرت صابرين وكأن قاموس الكلام قد مُحي تماماً من رأسها؛ تجمدت مكانها تنظر إليه في صمتٍ مذهول، مما زاد من تسليته ورغبته في ملاطفتها:
ـ يا أخت صابرين.. أنا أكلمك!
خرجت منها الكلمات دون تفكير وهي ترمشه بذهول:
ـ وكمان عارف اسمي؟!
اتسعت ابتسامته بسعادة أكبر وقال:
ـ إي نعم عرفت اسمك.. ومعزوم الليلة بعد عندكم بدعوة من أخوك منتصر، أرجو ما أكون أزعجتك!
