رواية قلوب علي الهامش الفصل الاول1بقلم يارا علاء الدين


رواية قلوب علي الهامش الفصل الاول1بقلم يارا علاء الدين


لبسها الخاتم، وابتسم يا يوسف... الناس بتبص عليك!

همست لبنى هانم في أذن ابنها، وهي تناوله علبة مخملية صغيرة.
نظر يوسف إلى الخاتم، ثم إلى الفتاة الجالسة بجواره. 

رنا الجارحي، خطيبته منذ دقائق، والفتاة التي يُفترض أن تكون شريكة حياته.

فتح العلبة، وأخرج الخاتم الماسي، ثم التفت إليها بابتسامة باهتة:

- مبروك يا عروسة!

مدّت رنا يدها دون أن تنظر إليه، وقالت ببرود:
- سم!

كتم يوسف ضحكة ساخرة، ثم وضع الخاتم في إصبعها أمام عشرات الكاميرات التي كانت تلتقط لحظة يُفترض أنها من أسعد لحظات العمر.

لكن الحقيقة أن كليهما كان يتمنى لو انتهى الحفل قبل أن يبدأ.

قبل دقائق، كانت فيلا آل المنشاوي بالمعادي تعجّ بالمدعوين، ارتفعت الموسيقى، وتبادلت العائلتان الابتسامات، بينما وقف يوسف أعلى السلم الحلزوني، يراقب المشهد بملامح جامدة.

أما الآن وبعد أن البسها الخاتم، ارتفعت أصوات التصفيق، وانحنت رؤوس المجاملة، لكن يوسف لم يصفّق، فقط نظر إلى الطاولة أمامه، ثم إلى رنا التي تناولت خاتم يوسف من علبة ثانية، زينتها أمها بشريط مخملي، وألبسته له بحركة باردة، دقيقة...
ثم قالت بصوت منخفض وهي تضحك ضحكة قصيرة:
- بقيت خطيبي رسميًا!

يوسف لم يجب, فقط ابتسم بهدوء وهو يهمس لها:
- لحد دلوقتي!

حين انتهت الكلمات الرسمية، والتُقطت الصور، ووضِعت الخواتم، عاد الجميع إلى أماكنهم كأنهم خرجوا من مسرحٍ مكتمل، يخلعون أدوارهم في خفية.

التقط يوسف كأس العصير من على الطاولة، ليس ليشرب، بل يحدّق فيه برتابة.

رنا إلى جانبه، تعدّل طرف الفستان وقد أخذ منها الإرهاق مأخذه، لكن عينيها كانتا يقظتين... تُراقبان الحضور، وتحفظان تعليقاتهم، دون أن تلقي بالًا له!

قال يوسف، دون أن ينظر إليها:

متوقعتش إنك توافقي بسهولة.

قالت، وهي تنظر إليه بتحدي:
- مش لوحدي, مانت كمان وافقت!
- شكلك كنتي هتموتي عليا واضح أوي!
- انتوا معندكوش مرايات في بيتكم يابني!
ابتسم يوسف ولم يرد.

في الجهة المقابلة من القاعة، كانت هدى، تقف قرب طاولة الحلويات، تراقب المشهد بعينٍ ناقدة.
اقترب منها آدم وهو يبتسم بهدوء:
- مبروك ليوسف، عقبالك ياهدى.
ضحكت برقة كعادتها:
- بعد عمرٍ طويل.

نظر لها في صمت، وهو يراقب حركاتها وقال:
بس شكلك جميل انهارده.

- أخت العريس بقى هنعمل ايه، عقبالك انت كمان يا آدم.
- قريب أوي  باذن الله 

في الزاوية الأخرى, اقترب أحد رجال الأعمال من رؤوف بك، وربت على كتفه:
- زواج مبارك... وشراكة رابحة، إن شاء الله.

ضحك رؤوف وقال بثقة:
- أكيد، محدش بيخسر في صفقة محسوبة زي دي.

لكن في تلك اللحظة، كان يوسف يحدّق إليه من بعيد، وقد فهم مايحدث دون أن يسمع!

لم يكن في وجهه غضب، بل خيبة... تشبه الغبار الذي لا يُرى، لكنه يملأ كل مكان.

تسلّلت رنا من بين الحضور، دون أن يشعر بها أحد. مشت نحو الحديقة الخلفية، حيث الشموع لا تزال تضيء الطريق الطويل بين الأشجار.
توقفت عند بركة الماء الصغيرة، نظرت إلى وجهها المنعكس، وقالت بصوت خافت:

- قمر يارنا, خسارة في يوسف الكئيب ده والله.

لم تنتبه إلى أن والدتها، قد لحقت بها.
سألتها بغضب واضح على ملامحها:
- إيه اللي جابك هنا؟ فيه عروسة تسيب عريسها في يوم خطوبتهم وتقف لوحدها؟

استدارت رنا وقالت، بوجهٍ ساكن:
- اه فيه أنا!

همت أن تنطق بكلام، حين قاطعتها رنا بصرامة:

-عدي اليوم زي ما إنتوا عايزين وإلا هبوظ كل حاجة! أنا على أخري وإنتي عارفة
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
2-
كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل،
حين خرجت مريم من الورشة الصغيرة التي تعمل بها نهارًا، وتسكن أعلاها ليلًا.

الشارع الضيق، الممتد خلف سوق العتبة، بدا أكثر ظلمة من المعتاد.
البرد ينهش أطرافها، فتضم المعطف على جسدها النحيل، وتسرع الخطى نحو سلم البناية.
لكن قبل أن تفتح الباب الحديدي الصدئ، سمعت الصوت.
بكاء؟ رفيع. متقطع. خائف.

تجمّدت.

استدارت ببطء... تلتقط الصوت بأذنيها، كان يأتي من ناحية الحاوية، تحت عمود الإنارة المكسور.

اقتربت… ترددت… ثم لمعت عيناها.

صندوق؟
وطفل؟

طفل… وحيد

أوشكت أن تتراجع، أن تركض وتطرق باب الجيران، أو تتظاهر أنها لم تسمع شيئًا…

لكن قدميها لم تطاوعاها، انحنت، رفعت البطانية الرخيصة. وجه صغير، شاحب، يصرخ بلاذنب.

همست:
- ياحبيبي، مين عمل  فيك  كده؟

لمحت الإسورة التي تحيط بيديه الصغيرتين، فقرأتها… 
ثم أخذته إلى صدرها… 

وقفت، تحمل الطفل وتحدق في الظلام.

ثم قالت، بصوت أقرب إلى النذر:
- معرفش إنت مين… بس من النهاردة، بقيت النور اللي هينور حياتي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
3-
في صباح شتوي هادئ،
كانت صفية جابر تسير في شارع جانبي، حقيبتها اليدوية تتدلّى من كتفها،

وحذاؤها الأسود الملمّع يسير على إسفلت لم يلمع منذ زمن.

صفية فتاة رقيقة في منتصف العشرينات.

نحيلة، متوسطة الطول، بشرتها قمحية، ملامحها عادية لدرجة أنك قد لا تتذكرها لو مرّت بجوارك…

لكن في عينيها شيءٌ ثابت، حاد، لا يلين.

تُدرّس اللغة العربية في مدرسة ابتدائية، خلف سوق المطرية.

لم تكن صارمة، لكنها كانت تُحب النظام.
ولم تكن محبوبة من الجميع، لكنها كانت محترَمة.
وحين تقف أمام السبورة، لا يعود شيء في العالم أهمّ من "الفاعل والمفعول"،

وكأن النحو هو الشيء الوحيد الذي لم يخذلها بعد.

في بيتها، تعيش مع أختها الأرملة سناء، وابن أختها ياسين.

هي التي تُجهّز الفطور، وتُراجع الواجبات، وتدفع الفواتير في صمت.

صفية لم تتزوج.
ليس لأنها لم تُخطَب… بل لأنها لم تُحب.

كانت دائمًا تقول:
- مش هدخل القفص إلا مع واحد يستاهل، واحد يحبني وأحبه.

وعندما يأتي المساء، تجلس في غرفتها، تقرأ من كتاب اللغة العربية،
تشرب شايها الثقيل، وتفكر كثيرًا… ثم تُطفئ النور قبل أن تنتهي أفكارها.

وفي كل ليلة، تسأل نفسها:
- ياترى الحياة نسيتني وهفضل كده لوحدي طول عمري!

كان جرس الحصة الثالثة قد رن للتو،
وصوت الأطفال في الفصل، يشبه سوقًا صغيرًا من الضوضاء والضحك والمناكفات.

دخلت صفية الفصل بثوبها الكحلي البسيط، حقيبتها في يد، ودفتر التحضير في الأخرى.

لم تصرخ.
لم تطرق على الطاولة.

فقط وقفت لحظة، وانتظرت.

ثوانٍ معدودة، وبدأ الصغار يهدؤون، واحدًا تلو الآخر، كأن حضورها في ذاته هو المؤثر هنا!

قالت بصوت هادئ:
- "افتحوا كراسات العربي يا حبايبي عندنا انهارده درس عن توماس إديسون.

رفع طفلٌ يده، هو أدهم، دائم المقاطعة، وسأل بعفوية:
- مين ده ياميس؟

ابتسمت صفية، لأول مرة ذلك الصباح، وقالت:
- ده اللي اخترع المصباح الكهربائي يا أدهم.

قالت سلمى، التي تجلس في الصف الأول، وهمست كأنها تخشى الخطأ:
- اللي بينور البيت ياميس؟

سكتت صفية لحظة، ثم قالت برقة:
- اه، وبينور كل مكان، زي ضحكتك الجميلة دي.

ضحك بعض التلاميذ، وجلست سلمى في خجل.

تحرّكت بين الصفوف، تُصحح جلوس الأطفال، تعدل من طريقة الإمساك بالقلم،
وكلما نظرت في وجه صغير، فكرت:
- من منهم يستطيع يومًا أن يخترع شيئًا ليضيء القلب بعد ظلمته؟

                      الفصل الثالث من هنا

تعليقات



<>