
رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الواحد والثلاثون31بقلم ايه محمد رفعت
عدد مهول من الروبوتات المصفوفة جوار بعضها البعض، أغلبها قد تشكلت أذرعهم على شكل أسلحة تراها "قدس" بعينيها للمرة الاولى، فإذا بها تمر من بينهم وهي تبرق بدهشةٍ محملة بالإنبهار.
تخطو بتلك المساحة الكبيرة المُخبأة خلف ذلك الحائط الخفي، تمر بين التوابيت المُغلفة وهي تتفقد ما وُضع بداخله بحالة من الذهولٍ، ومن خلفها يتبعها "عثمان" وهو يتابع كل رد فعل تصدره ببسمة ماكرة خبيثة!
ارتاب عقلها وتخبط مما رأته، أسلحة تراها لأول مرة بحياتها، مدبدبة بشكل لم تراه من قبل، بل و وجوههم تحاكي أشكال البشر.
وبينما كانت تمر من بينهم في رحلتها، اذ بها ترى تابوتا باللون الذهبي، معزول ومنفرد بمساحةٍ خاصة، اقتربت منه وفضولها يسوقها إليه، فاذا بها تبرق بصدمةٍ جعلتها ترتد للخلف حتى تعركلت بمقعده، فاستدارت تطالعه بنظراتها الغاضبة، فابتسم وقال بثباتٍ:
_عيونها مش غزال زي عيونك، بس جمالها مقارب لجمالك يا دكتورة!
احتقنت مُقلتيها بشكلٍ مُلفت، وهي تعود ببصرها إلى الربوت الذي صنعه قريبًا من شكلها، بل هو نسخة متقاربة منها، ملامح وجهها كأنها مطبوعة بكل تفاصيلها.
مزقت"قدس" صمتها الطويل حينما هتفت بحنقٍ:
_إنت مستحيل تكون إنسان طبيعي!
ظهر على وجهه ابتسامة عريضة، وأكد لها بتفاخرٍ:
_أكيد اللي يعمل كل الابداعات دي مش معقول يكون طبيعي، أنا عارف إني عبقري وعقلي مستحيل تلاقيه عند شخصين.
ربعت يديها أمام صدرها وتأملته بسخرية لحقت نبرتها:
_غرورك مجمل صورتك المزيفة.
وأضافت وهي تستدير صوب الروبوت المشابه لها:
_ثم إني شكلي مش مخيف كده.
تعمق بعينيها وهمس لها بصوته الرخيم:
_اجتهدت أقربها من ملامحك، وبالرغم من إنها قريبة بس تفوقتي عليها برقتك وجمال ملامحك الطبيعية.
وأضاف وهو يشير بعينيه لخاصتها:
_خصوصًا عيون الغزال دول، استحالة أي قوة تقدر تجسد جمالهم.
لمست "قدس" بذكائها أن حديثه يمحي به أي جمال ألهي قد وضعه الله فيها، وكأنه يستثني الله عز وجل من حديثه، ربطت بعقلها الذكي اللوحات التي رأتها بجناحه وحديثه، فإذا بها تردد:
_طبيعي أن الفنان مهما اجتهد أنه ينقل ملامح الوش استحالة يجسدها بالكامل، والروبوتات كمان مش هتقدر بيها تجسد الانسان الحي، بمعنى أنك مهما عملت فيه فهو بالنهاية آلة من غير روح، فده كلنا يخلينا نقول سبحان الخالق ولا إيه؟
امتقعت ملامحه بشكلٍ واضح، بل ودار بمقعده وهو يحاول تغيير الحديث:
_جايز، على فكرة المنظر من هنا مش هتقدري تقاوميه، لإن المكان ده الوحيد اللي بيطل عليه، تحبي تشوفي؟
تأكدت ظنونها وقد بدأت برصد كل حركة تخصه، في ظاهر الأمر أنه من يحتجزها ولكن بالحقيقة حصلت على فرصة تجمع عنه كل تفصيلة قد تفيد فريقها بالقضاء على رأس الأفعى.
مضت إليه "قدس" حتى وصلت للحائط الضخم الذي تحول إلى زجاج شفاف يعكس جمال الحديقة الخلفية للقصر، وقفت تتأمل أزهاره السوداء التي رغم قتامتها الا أنها كانت خلابة، تجذبها بشكلٍ جعل أجفانها لم تنحرف عنها.
اختطف "عثمان" النظرات لها، وهمس بما يتفسر بعقلها من رؤية تلك الأزهار:
_غريبة ومميزة زيك تمامًا.
أشاحت بصرها عنها واستدارت إليه تحدجه ساخرة:
_مش بتفوت أي فرصة عشان تتغزل فيا! طيب يا سيدي شكرًا، مع إنك إنت اللي غريب وأغرب من أي إنسان اتعاملت معاه قبل كده.
ابتسم بتفاخرٍ ظهر في نبرته:
_وده شيء كويس، إنك تتعاملي مع شخص مش مفهوم ليكِ مُسلي عن شخص سهل تكوني سيناريو سريع عنه.
راقبته بنظرة خبيثة، ثم رددت بضجر:
_طيب وبعدين؟ أخرة اللي إحنا فيه ده إيه؟
بنفس ابتسامته الهادئة وثباته، ردد:
_أخرته هتقعي في حبي وبعدين تتقبلي جوازنا، وهنخلف أولاد كتير جدًا، ولو عايزة بنات أنا معنديش أي مانع!
شيعته بنظرةٍ باردة، ومن ثم رددت بنبرة واثقة:
_شوفلك جارية تنفذلك طلباتك، وتقبل تكونلك الأرنبة المُطيعة لجنابك.
قالتها وغادرت من أمامه بابتسامة انتصار، حققته على من يراقب خطواتها التي تبتعد عنه ببسمة خبيثة، غامضة، بينما يميل برأسه للخلف وهو يطلق صفيرًا مرعبًا، وكأنه يتهيأ لشيءٍ عقله ذاته لا يعلمه!
******
تحرر عن صمته الثقيل، بعدما تابع تعابيرها حيال ما قال، فاستطرد:
_انقطاع أخبار قدس عننا وراه لغز كبير، وخاصة لانه من ترتيب شخص زي عثمان التميمي.
انتظرته "مرين" حتى انتهى مما قال، وتساءلت بشكلٍ مُباشر:
_حضرتك شاكك إنه يكون آذاها؟
نفى ذلك هاتفًا:
_لو كان عايز يعملها كان عملها من الأول، عثمان شخص مش سهل واللي وراه صعب حد يتوقعه.
وأضاف "ليل" وهو يستقبل طائره الذي عاد يحتل كتفه بكبرياء:
_إنتِ الخيط الوحيد اللي يربطنا بقدس جوه قصر عثمان، وخصوصًا إنه قالب عليكِ الدنيا بعد الضربة القاضية اللي ضربتيها ليه.
بالرغم من أن لثامه القاتم يخفي ملامحه، ولكنها تمكنت من الشعور بابتسامته الخبيثة:
_القلم ده مكنش هيعديه بسهولة لأي واحدة ، بس إنتِ غير اي واحدة عرفها أو سمع عنها قبل كده.
واستطرد وهو يمنحها نظرة عميقة:
_القرار اللي اخدته من سنين طويلة بعدم التعامل مع أي واحدة ست طبقته عليكِ زمان ورفضت أتولى تدريبك رغم إلحاح الاسطورة على ده، ولولا الخدعة اللي عملها عليا مكنتش هشوف بنفسي موهبتك وقوتك اللي خلتني أتعامل لأول مرة مع بنت لا تقل عن أي محارب قوي سبق وإتخرج من تحت ايدي.
ورفع اصبعه المختبئ خلف قفازاته السوداء:
_المحارب الشجاع هو اللي بيهتم بمكاسب المعركة أكتر من الاضرار اللي هتقع عليه، وده أنا شوفته ولمسته فيكِ، عشان كده المرادي مش لازم حد من الفريق يعرف بتحركاتك وبخطتك، وانتظري الاشارة من البشمهندس ، هيعرفك هتقابليه فين وازاي عشان يساعدك بفتح الملفات.
هزت رأسها في طاعةٍ، بينما يخبرها بحديثه الاخير:
_الشقة اللي كنتِ فيها متراقبة، فيوم ما تقرري مقابلة عثمان انتِ عارفة هتعملي إيه؟
*****
تسللت من جواره حينما تأكدت من غفوته، خرجت على أطراف أصابعها وهي تحاول أن تتماسك قدر ما تمكنت، اندفعت "رزان" صوب الغرفة الأخرى، والتي وُضعت فيها الحقائب الخاصة بالملابس.
سقطت على ركبتيها أمام حقيبتها، ثم فتحت سحابها بعشوائية وهي تفرك رأسها وأنفها بتعبٍ شديد، إنهالت على ملابسها تفتش فيها بأملٍ كبير، وخاصة بالبيجامات المنزلية التي حملت جيوبا خارجية.
ألقت "رزان" الملابس أرضًا بجنون حينما لم تجد فيها أكياس السموم الصغيرة، التي كانت تدسها بين أغراضها، وقد سبق وأزالها "كِنان" قبل أن يضع الملابس بتلك الحقيبة.
دفعت الحقيبة أرضًا وهي تصرخ بانهيارٍ، فاذا بها تلمح ساقين يستقيمان بالوقوف أمامها، رفعت عينيها الدامعتين إليه، تهمس بصوتٍ يكاد يكون مسموعا:
_كِنان.
اعتصر قلبه بين أضلعه، وانحنى يحملها بين ذراعيه، ثم خرج بها من بين أغراضها المتساقطة أرضًا باهمالٍ.
مضى بها "كنان" حتى وصل إلى الغرفة التي خصصها لها منذ البداية، وقد رفضت البقاء فيها من شدة الخوف، واختار هو البقاء معها في غرفته، ولكن ما رأه جعله يقرر أن تكون هي محل اقامتهما حتى ينتهي هذا العذاب.
وضعها على الفراش وتمدد جوارها، يحتضنها بكل قوة، بينما تهذي هي بضعفٍ:
_مش هقدر أتحمل، أنا تعبانة أوي.
استمر في التربيت على ظهرها، وبمرارةٍ رد:
_هنحاول مرة واتنين وألف يا رزان، مش هسيبك تضيعي مني.
ومال على الكومود من خلفه، ثم حمل حبتين من الأدوية، وضعهما في فمها وقدم لها المياه، مالت برأسها تبتلع ما قدمه لها، وتمددت مجددًا وهي تضع رأسها على صدره.
تمكنت بعد فترة أن تغفو بينما حُرم هو من النوم، وجُل ما يهاجمه المرحلة القادمة والتي تعتبر أشد قوة من تلك التي تحاربها، وأكثر ما يُؤلمه بأنه سيشهد على رحلة عذابها بالكامل، ربما ينعزل المدمن عن أهله في مصحةٍ مُغلقة، لا يعلمون عما يصيبه أي شيء، ولكنه هنا يرى ويسمع ويتألم جراء أفعاله التي إرتكبها بالماضي وظن أن لا عقاب عليها سوى موته، عساه لا يعلم بأن خلاصه من تلك الحياة ستظل أثمن أمنية لن يحصل عليها.
******
تسلقت الفروع وهي تضم يدها المصابة، وبصعوبة حتى وصلت إلى غرفتها، دخلت ومازالت شاردة فيما استمعت له من قائدها الذي ألقى على كاهلها ثقل المهمة، وخاصة حماية "قدس" التي لا يعلم باختفائها سواها هي.
جلست على الفراش تسيطر على قلقها البالغ صوب رفيقتها، خشيت أن يكون أصابها مكروه، ولولا أن أكد لها القائد بأنه من المستحيل أن يتخلص منها لكانت الآن في حالةٍ يرثى لها.
وضعها بين عدة عقبات وتركها، وأكثر ما يقلقها حينما أخبرها بأن الشخص المُنتظر يعمل سريًا في نطاق المشفى التي تعمل فيها شقيقتها،هل يعني ذلك أن "مارال" تواجه خطرًا ما؟!
استندت على ركبتيها وأخذت تفكر فيما ستفعله، وخاصة بأن "قدس" قد تم تجنيدها وتدريبها على أعلى مستوى ولكنها بالنهاية ستتفوق عليها، كونها بنطاق عملها الاساسي، التي خاضت عمرها بأكمله تكتسب المهارات اللازمة حتى باتت برتبة رائد، وتستمر بتحقيق النجاحات المستمرة التي جعلت لها إسمًا يليق بابنة الجوكر والاسطورة.
حزمت "مرين" أمرها، وقررت أن تعود لشقتها التي يعلم بها "هارون" ورجال "عثمان"، أو بالمعنى الأدق أن تظهر نفسها إليه حتى تتمكن من العودة لمحيطه، لكشف ما حدث مع" قدس"، وما يخطط له هذا اللعين، ولكن يقع على كاهلها الاصعب من ذلك.... "الجنرال"!!!
طالت حساباتها حتى إشراقة شمس الصباح، فاذا بصوت طرق على الباب يأتيها، ومن بعده صوت أخيها:
_صحيت يا باشا ولا لسه سارح من تأثير الادوية.
تنهدت بارتياحٍ حينما وجدته" زين"، لفت جسدها تجاه الباب ورددت:
_صاحية يا زين، تعالى.
حرر مقبض الباب انصياعًا لأذنها، وابتسامته تشرق على وجهه الرجولي الجذاب:
_يسعدلي صباح الحلو اللي نجى من عزارئيل بالعافية، بس بإذن الله إبليس توابيت هيجيب أجله وأجلنا كلنا.
ضحكت على حديثه، ومالت له حينما انحنى يقبل رأسها، قائلة بدهشةٍ:
_ده إيه الدلع ده كله، إيه خوفت عليا؟
جلس قبالتها وهو يسحب بسمته، وهاتفها ساخطًا:
_الحق عليا إني بروق عليكِ بكلامي الرايق يا بايرة، شكلك نسيتي المعاملة الرقيقة من كتر المعاملة الميري الناشفة اللي بنتعامل معاكِ بيها.
واضاف وهو يلكزها بقوة:
_طب صبح يا زميل، ها حديد ولا لسه ملبن؟
زوت حاجبيها بعدم فهم، فزفر بنزقٍ:
_لا فاهمه في كلام الشباب ولا البنات، معرفش محلك إيه من الاعراب انتِ، يعني بقيتي كويسة ولا لسه تعبانة يعني؟!
هزت رأسها بخفوتٍ، وقالت:
_أحسن الحمد لله.
وراحت تقتنص فرصتها، وهي تتمدد على الفراش مجددًا وتجيد تمثيل دورها بصوتٍ واهن:
_بس الادوية اللي بخدها بتخليني أنام نوم مش طبيعي ا زين.
سيطر الضيق على ملامحه لما أصابها، وردد بحنان:
_ده أفضل ليكِ لحد ما الجرح يلم وتبقي زي الفل.
أومأت برأسها بتفهمٍ ومالت على الوسادة، ثم قالت وهي تتفحصه باستغراب:
_إنت متشيك كده ورايح فين؟
تفقد حالته بنظرة فخر، ثم عدل من جاكيته الأسود الفخم وهو يجيبها:
_مليت من جو المغامرات والاكشن وصدمة لقاء رحيم توابيت فرايح أهون عن نفسي وأقابل قطعة الكوكيزاية بتاعتي، أصلها وحشتني أوي!
قال حديثه وهو يتحسس عنها الغضب الذي سيظهر على ملامحها بين الحين والآخر، ولكنه تفاجأ بها تعتدل بجلستها، وتقول بلهفة:
_بجد؟
راقبها بدهشةٍ، وتساءل:
_سر الدهشة والفرحة الغريبة دي أعرفه وحالًا، في وغوشة احتلت كل ذرة في كياني لأجل الفرحة الغريبة دي؟
عادت تتكئ على الوسادة بثباتٍ واتزان:
_ولا سر ولا حاجة، كل الحكاية انها وحشتني أوي وعلى بالي من كام يوم، كان نفسي أشوفها بس للأسف مش قادره.
واسترسلت بهدوءٍ مُتقن:
_بلغها بسلامي، وطمني عليها لما ترجع.
ضيق زيتونته بشكٍ:
_مع إني مش بالع الكلام بس عنيا يوصل ياخويا.
ونصب عوده الفارع مشيرًا لها:
_يلا هطير أنا وأشوفك حسب ما شوقي يهفني للرجوع، ويارب يفضل طاير ومينزلش على عقلي يعقلني ويرجعني هنا تاني، نفسي أطفش منكم كلكم.
أوقفته وهو يهم بالخروج من غرفتها:
_زين، هو ياسين هنا؟
أحاطها بنظرة منزعجة، وقال بخشونة:
_مش هنا، راح الشقة اياها لإن وارد إن تيام يروحله هناك، وان شاء الله مش راجع غير لما أرجع أنا، لأني نبهته بده وشددت عليه ميتواجدش هنا تاني في غيابي.
وأضاف بحزمٍ وهو يجتهد ليبدو صارمًا:
_ومن هنا ورايح لو شوفتوا بعض ولا كإنكم تعرفوا بعض لحد ما نخلص المهمة المنيلة دي ونشوف هنعمل معاكم إيه، يا تتنيلوا تتجوزوا يا تفشكلوا فشكلة أبدية ونخلص من جو قيس وليلى ده.
وربع ذراعيه بينما يتفحصها بنظرة إجرامية:
_كلامي مفهوم يا بايرة؟
منحته نظرة غاضبة، طعمتها بالإستحقار، بينما تميل بجسدها تطفئ انارة الكومود المجاور لها، وتتمدد وهي تسحب الغطاء من فوق جسدها.
حك "زين" لحيته وهو يتمتم:
_كده إتفهم، سلام مؤقت يا نحس.
وغادر بينما تزيح "مرين" الغطاء، وتبتسم بخبث لنيلها تلك الفرصة الذهبية بغياب القائد وانشغال "زين" عنها.
*****
رنين جرس الباب جعله يتأهب لاستقباله، فتح الباب فاذا به يرى شخصًا مُنهكًا للغاية، يترنح بخطواته المُتعبة إلى أقرب أريكة قابلته، جلس "تيام" حزينًا، شاردًا، مُشتتًا فيما سيقول وكيف سيحرر المُحتجز داخله.
سحب "ياسين" المقعد المُقابل إليه، ورغم اندهاشه من حالته الغريبة، الا أنه بدأ بحديثه المشاكس:
_أخيرًا إفتكرتني بعد الموقف السخيف اللي عملته.
واضاف وهو يعاتبه:
_إزاي تبعتلي لوكشين مكان زي ده من غير ما تعرفني أنا رايح فين ولا لمين؟
رفع "تيام" عينيه المجهدة عن الأرض، يسلطهما إليه، وبانهزامٍ فاه:
_أنا سبق وحذرتك من صداقتنا يا عمر، واترجيتك ترجع مصر، قولتلك إني مش من عيلة عادية، وأن اللي وراهم أبشع بكتير من اللي ممكن عقلك يصوره، بس إنت مسمعتش كلامي وعارضتني.
وبوجعٍ اعتصر نبرة صوته المُهتز:
_وبالرغم من كل التشديدات اللي أخدتها جيت بردو أحذرك للمرة الأخيرة، وأقولك أهرب من هنا يا عمر، عثمان ناويلك على الشر.
منحه "ياسين" نظرة حملت الاستهزاء الصريح،ثم قال:
_شر أكتر من اللي شوفته بالمكان القذر اللي كنا فيه؟
أراد بذكاء معرفة إن كان "تيام" على علم بتلك الجزيرة المرعبة، وقد إلتمس فيه الصدق حينما قال:
_معرفش بس اللي أنا على ثقة منه إن أي شيء ورا عثمان هيكون أسوء ألف مرة من اللي شوفته، عشان كده بقولك اهرب، عثمان عقله شيطاني عايز يدخلك مكان هارون لإنه بالنسباله بقى كرت محروق.
تلألأت مُقلتيه بفرحةٍ لقرب تحقيق هدفه دون أي مجهود منه، ولكنه مازال يحافظ على ثبات معالمه بمهارةٍ، حتى سؤاله خرج هادئًا:
_وإيه اللي يخليه يقرر فجأة يحرق كرت هارون؟
اشتعلت جمرات الغضب بعينيه كاللهيب:
_لأن وساخته كلها اتكشفت ليا ولكِنان، الحيوان استخدم مع رحيق نفس العقار اللي أنا كنت السبب في اختراعه، متخيل الكدبة اللي خلاها تعيش فيها طول الفترة دي.
وأحنى رأسه بخذلان شديد وهو يستكمل:
_ولما قربت أوصلها خلاص وكلي يقين أني أكفر عن كل اللي عملته، خفاها بمكان مش قادر حتى أخمنه، بس اللي واثق منه إن عثمان عارف بيه.
طالعه بنظرة خبيثة، ماكرة، وحرر كلماته الثقيلة:
_طبيعي إنك متعرفش المكان ده، لإنه مبيدخلوش غير هارون وعثمان، بس أنا محظوظ كفايا إني عرفت اسمه... جزيرة الشيطان!.
توسعت مُقلتي "تيام" في صدمةٍ، فدقق النظر فيه، ولسانه الثقيل يتحرك بصعوبة:
_إيه الجزيرة دي؟ وإنت عرفت عنها ازاي؟!!!
******
جاب الطرقة ذهابًا وإيابًا وهو ينفث غضبه الشديد، ومازال ينتظر أن ينفتح باب جناح "الديزل" لاستقباله، بل وما زاده تعصبًا بأنه يبدو بأنه غير مُرحب به.
وقف "هارون" أمام باب الجناح يعيد الطرق وهو يصيح بانفعالٍ:
_مش هنزل غير لما أقابلك يا عثمان، فهمني طيب معناته إيه اللي حصل ده؟ غرضك إيه إن الخاينة دي تعيش ولا تموت!!!
ترقب سماع أي إشارة الكترونية توحي بفتح الباب الموصد ولكنه لم يستمع إلى أي شيء، فتملكه الغضب وجعله يصيح:
_ده مالوش معنى واحد عندي، انك حطيت ايدك في ايدهم واتحالفت معاهم ضدي!!
وبينما يردد ما قال، فإذا به يهز رأسه بجنون وفزع:
_لا يا عثمان، أنا طوع امرك من زمان، غدرك بيا يعني موتي، معقول هتضحي بيا بعد خدمتي وإخلاصي ليك!!
تجلت شفتاه بابتسامة خبيثة، ورماديتاه تتابع ما يفعله "هارون" من خلف الشاشات، بينما يرتشف عصيره ببرود قاتل، كأن من بالخارج بعوضة ترفرف بجناحيها الهزيلة من أمام الغرفة.
بينما من خلفه تتلصص عليه "قدس" وهي تتابع ما يحدث بتركيزٍ، تسجل بعينيها كل تفصيلة صغيرة تحدث من أمامها، وحينما حصلت على المشهد كاملا انزوت بغرفتها تفكر جاهدة فيما جعل "عثمان" ينقلب ضد "هارون" بتلك الطريقة!!!
*******
كانت تتابع عملها بآلية تامة، فمازالت لا تتخطى ما رأته وعلمته عن تلك المشفى، تتمنى أن تنتهي تلك المدة حتى تعود إلى موطنها، ولكن حتى ذلك الخيار كان يُؤلمها، فهي لن تستطع أن تعيش في سلامٍ وقد علمت بما يحدث بهذا المكان.
وبينما تتابع يومها بشكلٍ طبيعي، تفاجأت باستمارة مُوضعة أمامها، للمريضة التي تجلس قبالتها، والتي استقبلتها بعملية باحتة:
_تفضلي بالجلوس.
وبينما تتفقد معلوماتها المُدونة من أمامها، قرأت اسمها بوضوحٍ:
_غادة.
رفعت "رحمة" عسليتها صوبها، ودققت فيها، فاذا بفتاة مُحجبة بالعقد الثالث من عمرها، تمنحها ابتسامة رقيقة، حررت "رحمة" أحبالها المتحشرجة حينما سألتها:
_إنتِ عربية؟
هزت الفتاة رأسها، وقالت بحماس:
_أيوا، أنا عربية، وفرحت جدًا لما عرفت أن في دكتور مصرية هنا، فأخترت أبدأ متابعة مع حضرتك.
ابتلعت "رحمة" ريقها بارتباكٍ ملحوظ، ومع سرعة أنفاسها المرتفعة جاهدت لتبدو طبيعية، فسحبت كراسة المتابعة وبدأت بطرح أسئلتها الروتنية:
_عرفيني مشكلتك، وهل في حمل؟
أومأت لها ثم أجابت:
_أيوا انا عملت اختبار وحللت هنا واتاكدت.
هزت "رحمة" رأسها، واشارت على غرفة الفحص:
_طيب اتفضلي، ولما تجهزي عرفيني.
نهضت الفتاة واستجابت لها، بينما مازالت "رحمة" في حيرتها، فودت لو نصحتها بعدم القدوم إلى تلك المشفى مرة آخرى، وبداخلها رعب من مصير تلك الفتاة البائسة، ولكنها على ثقة بأنها لن تلتزم الصمت هذه المرة.
*****
دونت "مارال" اسم المريض من الاستمارة التي قدمتها لها الممرضة على جهاز الحاسوب، بينما تخبرها الممرضة:
_المريض بحاجة لنزع الجيبرة عن يده المكسورة.
أخبرتها بينما تستمر بالتدوين:
_حسنًا، أدخليه واحضري اللازم لقطعها.
وبينما تستمر فيما تفعله، استمعت لخطوات حذاء رجالي تقترب من مكتبها، فقالت بعملية باحتة:
_اتفضل على السرير وشمر قميصك.
اقتادت النيران بزيتونته الحارقة، حتى كاد أن يبصق الدماء من فمه، فاذا بصوتٍ قابض يصل إلى مسمعها فصفعها كالرعد:
_وكل راجل بيدخل لجنابك بتقوليله اتفضل وشمر، ولا لزمتها إيه يشمر ما يقلع ويخلص!
ارتجفت شفتيها، واجتهدت لرفع بصرها صوبه، وبرعشة سيطرت عليها هتفت:
_زيـن!
*****
وصلت "مرين" إلى محيط الشقة التي تقطن بها بشخصيتها الزائفة "غزل"، رأت بعينيها الخبيرة رجال" عثمان" يراقبون المبنى بشكل احترافي، قد لا يشك بهم أحدٌ غير فريق اعتاد أن يلاحظ أدق التفاصيل قبل أهمها.
تعمدت أن تظهر في سيارة أجرة، هبطت منها ترتدي حقيبة على كتفها، كأنها عائدة من مكان قضت فيه بضعة أيام.
تباطأت في دفع الأجرة للسائق، وقصدت أن تدفع فئة كبيرة، لتحصل على المتبقي لها من المال، وتمنح الأعين فرصة رصد حركاتها.
صعدت إلى المبنى، وما هي الا خمس وعشرون دقيقة حتى دق بابها، وظهر من أمامها الأربعة رجال، يتحدث رئيسهم بصرامة:
_السيد عثمان يريد رؤيتك الآن سيدتي!