رواية الي ان نتفرق الفصل العشرون20والاخيربقلم رقية الانصاري
فضلت باصة للدكتورة وأنا حاسة إن كلمة واحدة بس هي اللي معلقة في دماغي.
توأم.
من كام دقيقة كنا داخلين المتابعة وأنا كل اللي شاغلني إن خالد يطمن بعينه، وإنه أخيرًا يبقى موجود معايا في حاجة من الحاجات اللي عاشها من ورا شاشة، ودلوقتي إحنا خارجين من العيادة وإيد خالد ماسكة إيدي بقوة، وهو من ساعة ما الدكتورة قالت إنهم اتنين تقريبًا ما قالش جملة كاملة من غير ما يعيد فيها نفس المعلومة بصيغة مختلفة.
_ يعني هما اتنين بجد؟
ضحكت وأنا ببصله.
= يعني يا خالد الدكتورة كانت بتهزر معانا مثلا.
وقف في نص الممر وبصلي.
_ ليليا أنا لسه امبارح عرفت إنك حامل أصلًا، النهارده بقيت أب لاتنين، اديني فرصة استوعب.
= خد راحتك خالص ياحبيبي.
نزلت عينه ناحية بطني، وبعدها رجع بصلي كأنه لسه مستغرب إن مفيش أي حاجة واضحة قدامه تثبت الخبر.
_ أنا كنت بكلم واحد بس امبارح.
فتحت عيني.
= بتكلم مين؟
_ البيبي…دلوقتي طلعوا اتنين، أنا اعتذر للتاني إزاي؟
ضحكت بصوت عالي وأنا ماشية جنبه.
= معلش، قوله كنت لسه ماعرفتش بوجودك.
_ دي بداية سيئة جدًا لعلاقتي بولادي.
= يا خالد هما أصلًا مش سامعينك.
_ دي وجهة نظرك انتي.
وصلنا العربيه وركبنا، لكن قبل ما يتحرك بالعربية فضل ساكت شوية، وبعدها قال:
_ أنا مش عايز أرجع لندن.
كنت عارفة إننا هنوصل للنقطة دي، عشان كده حتى ما اتفاجئتش.
= خالد احنا…
قاطعني.
_ مفيش خالد.
= هترجع.
لفلي.
_ انتي حامل في توأم يا ليليا.
= طب ما انا عارفه.
_ في الشهر الاول او في الشهر التاني كمان ولسه في البداية، والدكتورة قالت المتابعة أهم والراحة أهم وكل حاجة أهم.
= وقالت كمان إن كل حاجة مطمئنة.
_ ده لحد دلوقتي.
مديت إيدي مسكت إيده.
= بصلي ياحبيبي.
بصلي فعلًا، وكان واضح جدًا إنه مش بيجادل لمجرد الجدال؛ هو فعلًا خايف.
= إحنا اتكلمنا في موضوع لندن ده قبل ما تسافر وقررنا سوا إنك تروح عشان الفرصة مهمة ليك، وأنا مش هخليك أول ما تعرف إني حامل تاخد قرار كبير بسبب خوف لحظي…اتكلم معاهم لو ينفع تقلل المدة أو تكمل جزء من هنا، تمام، لكن لو مينفعش هترجع تكمل، وبعدين المده مش طويله اوي انت كبيرك اوي شهر يا خالد وهترجع.
_ وأنا أسيبك هنا لوحدك شهر وكمان وانتي حامل؟ شهر مش قليل يا ليليا حتى لو قليل بالنسبالك مش قليل بالنسبالي.
= انت مش هتسيبني… انت رايح لشغلك، وبعدين منة معايا، وإنت هتكون معايا كل يوم حتى لو من شاشة زي ما كنا بنعمل.
سكت وهو باصص لإيدينا فـقولت.
= طب وبعدين هتفضل ساكت.
رفعلي عينه.
= انت اللي علمتني ياخالد إن الحب مش معناه كل واحد فينا يرمي حياته عشان التاني…ما تخلينيش أندم إني سمعت كلامك.
ضحك غصب عنه.
_ بتستخدمي كلامي ضدي؟
= عندك اعتراض.
_ غدارة.
= عارفني بقالك قد كده ولسه مكتشف؟
فضل باصلي شوية، وبعدها رفع إيدي وباسها.
_ لو حصل أي حاجة وأنا هناك هركب أول طيارة واجيلك فوريره.
= بطل اوڤر بقى انا مش عيله صغيره.
_ الحق عليا اني بحبك يعني، وبعدين بقولك لو حصل حاجه.
= يارب يبقى لو حصل أي حاجة فعلًا، مش لو عطست.
_ هنبقى نشوف.
ضحكت.
= طيب يلا بقى عشان لسه اهم ناس عايزين نقولهم.
ملامحه اتغيرت فورًا.
_ اه صح، اهلنا.
= آه.
ابتسامته وسعت كأنه كان مستني اللحظة دي من ساعة ما عرف.
_ نكلم مين الأول؟
= ماما وبابا.
_ وبعدها أهلي.
= اتفقنا.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
رجعنا البيت، وأنا من ساعة ما دخلنا البيت وأنا حاسة إن الطاقة فيه اتغيرت…امبارح كان المكان نفسه شاهد على أول مرة خالد يعرف فيها إنه هيبقى أب، والنهارده إحنا راجعين ومعانا خبر أكبر من امبارح، ولسه هنقوله للناس اللي طول عمرهم بيشوفوا حياتنا من بره ومايعرفوش إن بدايتها كانت مختلفة تمامًا عن اللي كانوا فاكرينه.
قعدنا جنب بعض على الكنبة، وحطيت الموبايل قدامنا…قبل ما أطلب ماما بصيت لخالد.
= متقولش موضوع التوأم بسرعة ها.
_ حاضر.
= استنى لما يفرحوا بالحمل الاول.
_ حاضر.
= خالد.
_ والله حاضر.
طلبت ماما، وردت بعد رنتين…وشها ظهر، و بابا كان قاعد جنبها.
_ عاملين إيه يا حبايبي؟
ابتسمت وأنا بصيت لخالد بسرعة.
= كويسين الحمدلله.
بابا قال:
_ ايه ده هو خالد رجع؟
_ انا أهو يا شيكو… نازل يومين ويك اند وراجع.
بابا ضحك.
_ ايه شيكو دي يا ياض.
_ ايه يا شريفو بدلعك.
ضحكنا كلنا وبعدها ماما بصت لنا احنا الاتنين.
_ طب إنتوا قاعدين مبتسمين كده ليه؟ في إيه؟
ضحكت.
= هو لازم يبقى في حاجة؟
_ آه، أنا عارفاكي انتي بالذات.
بصيت لخالد، وهو هز راسه لي كأنه بيسيبلي البداية…أخدت نفس.
= ماما…بابا…إحنا عندنا خبر.
ماما اتعدلت في قعدتها.
_ خير؟
بابا ابتسم.
_ قولي يا حبيبتي.
حطيت إيدي على بطني من غير ما أفكر.
= أنا حامل.
ماما فضلت ثابتة ثانية واحدة، وبعدها حطت إيدها على بوقها.
_ ايه؟! بتهزري يا ليليا؟!!
بابا ابتسامته وسعت بطريقة خلت عيني تدمع فورًا.
_ ما شاء الله…الحمد لله يا حبيبتي، ألف مبروك.
ماما بدأت تعيط وتضحك في نفس الوقت.
_ حامل؟! بجد؟ من إمتى؟ عرفتي إمتى؟ طب انتي كويسة؟ طب الدكتورة قالت إيه؟
خالد ضحك.
_ يا طنط واحدة واحدة.
_ بس يا واد انا مش مصدقه! انتي بتتكلمي بجد يا ليليا؟
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
= ايوه والله ، انا كويسة، وعرفت من حوالي أسبوع، وخالد عرف امبارح.
ماما بصتله.
_ امبارح؟!
رفع إيده.
_ كنت في لندن والله وبنتك المفتريه مقالتليش إلا لما جيت.
بابا ضحك، وبعدها قال بهدوء:
_ ربنا يتمملك على خير ويقومك بالسلامة ياحبيبة بابا.
= يا رب.
خالد كان قاعد جنبي بيتململ حرفيًا، وأنا حاسة إنه هيقولها من نفسه…بصيتله بتحذير، فعض على شفايفه وهو بيحاول يسكت.
ماما رجعت تسأل:
_ عملتي سونار؟
بصيت لخالد وهو اتكلم قبل ما ألحق ارد.
_ اه روحنا انهارده النهارده.
فتحت عيني عليه.
ماما قالت بسرعة:
_ طيب ايه؟ اتطمنتوا؟
خالد ابتسامته وسعت.
_ جدًا.
ضغطت على رجله من تحت الكاميرا.
بصلي وهو بيضحك.
بابا لاحظ.
_ مالك يابت بتزغريله ليه؟ هو في حاجه تاني ولا ايه.
سكتنا.
ماما قربت من الشاشة.
_ في إيه؟
خالد همس:
_ أقول؟
بصيتله.
= قول.
اتعدل بمنتهى الحماس.
_ ليليا حامل في توأم.
ماما صرخت:
_ توأم؟!
ضحكت وأنا بهز راسي.
= آه.
بابا نفسه اتفاجئ.
_ اتنين؟
= آه يا بابا.
فضل يحمد ربنا، وماما تقريبًا بدأت تعيط من أول وجديد.
_ يا حبيبتي…يا روحي…فرحتين مرة واحدة!
بصيت لخالد، وهو عينه لمعت عند الجملة.
ماما كملت فورًا:
_ خلاص بقى، انتي ما تعمليش حاجة…ما تشيليش، ما تتعبيش نفسك، وكلي كويس، وخلي خالد ياخد باله منك.
خالد رد بمنتهى الجدية:
_ من غير ما تقولو والله.
بابا ابتسم.
_ ربنا يباركلكم فيهم يارب ويجيبهم بالسلامه.
بعد ما قفلنا معاهم، فضلت باصة للموبايل وأنا مبتسمة.
خالد قال:
_ أنا قلتلك مش هعرف أستنى.
= ما انا عارفه، فضحتنا خليتهم هما اللي يسألو.
_ المهم فرحوا.
= يلا أهلك.
اتصل هو المره دي، ووالدته ردت، وبعد لحظات برضو والده ظهر جنبها.
_ إيه يا خالد، عاملين إيه؟
خالد بصلي، وبعدها قال بمنتهى البراءة:
_ كويسين الحمدلله.
_ الحمدلله ياحبيبي.
وبعدها قالتلي.
_ وانتي يا ليليا اخبارك ايه؟
= الحمدلله يا طنط كويسه، انتي عامله ايه وعمو عامل ايه؟
_ نحمد ربنا ونشكر فضله ياحبيبتي الحمدلله.
خالد قال فجأه.
_ احنا عندنا خبر.
والدته قالت فورًا:
_ إيه؟
بصلي وأنا هزيتله راسي.
_ ليليا حامل.
وش والدته اتغير كله، ورفعت إيدها وهي بتقول:
_ بسم الله ما شاء الله! بجد يا ليليا؟
ابتسمت.
= بجد.
_ ألف مبروك يا حبيبتي! ربنا يتمملك على خير يارب.
والده ضحك وهو بيبارك لنا، وخالد كان مستني ثانيتين بس قبل ما يرمي القنبلة التانية.
والدته كانت لسه بتقول:
_ والله قلبي كان حاسس إن في خبر حلو—
خالد قاطعها:
_ وفي خبر أحلى.
بصيتله.
= خالد!
والدته اتخضت.
_ إيه كمان؟
_ توأم.
نفس الصمت اتكرر.
والده قال:
_ توأم؟
_ آه يا بابا.
والدته حطت إيدها على صدرها.
_ يا نهار أبيض…اتنين مرة واحدة يا خالد؟
هو ضحك.
_ أنا مالي يا ماما؟
الكل ضحك، ووالدته قالت:
_ خلاص أنا هاخد واحد.
فتحت عيني.
= واحد إيه؟
_ من الاتنين، تقعد عندي.
خالد رفض بسرعة غريبة.
_ لأ.
والده ضحك.
_ لسه ما اتولدوش وبدأت؟
_ آه، مفيش توزيع.
والده قال:
_ ربنا يقويكم ويباركلكم فيهم يا رب.
بعدها بدأت نفس سلسلة النصايح تقريبًا، وخالد المرة دي ماكانش بيقول “حاضر” بس، ده كان بيسأل كمان، وأنا في الآخر سندت راسي على الكنبة وقلت:
= أنا كده عندي أنت واهلك وأهلي ومنه وسلمى، الحمل ده مش هيعدي عليا بسلام من الزن.
والدته ضحكت.
_ استحملي يا حبيبتي.
خالد مال ناحيتي.
_ لسه بدري.
غمضت عيني.
= ربنا يستر.
ولما قفلنا، البيت سكت فجأة بعد كل الفرحة والصوت العالي…خالد فضل باصلي ثواني، وبعدها قرب وحضني.
_ حاسس انه بقى حقيقي أكتر لما قولنا لهم.
حطيت راسي على صدره.
= آه.
_ مبسوطة؟
= اوي يا خالد.
_ وأنا.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
يوم رجوعي لندن كان أسوأ من اللي كنت متوقعه، مش عشان السفر نفسه، لكن عشان دلوقتي وأنا بقفل الشنطة كنت عارف إني مش بسيب ليليا لوحدها بس…كنت ببص لها وهي واقفة عند باب الأوضة وحاسس إن كل حاجة جوايا بتقولي اقعد، وفي نفس الوقت عارف إن لو قعدت بالطريقة دي هي نفسها هتضايق.
_ آخر فرصة.
رفعت حاجبها.
= لإيه؟
_ تقوليلي ما تسافرش.
ضحكت.
= لا مش هقولك… هتسافر.
_ ده انتي باردة.
= وإنت اللي مربي فيا العقل.
_ ما انا ندمت.
قربت منها وحطيت إيدي على بطنها، رغم إن لسه مفيش حاجة تقريبًا تتشاف أو تتحس.
_ إنتوا الاتنين لو ليكم رأي قولوه.
ضربت إيدي بخفة.
= ما تدخلهمش في صفك.
_ دول ولادي.
= وأنا مامتهم.
_ حلو، اهي أول خناقة أسرية.
ضحكت، وبعدها ابتسامتها هديت.
= هتخلص وترجع بسرعة.
بصيتلها.
_ وإنتي هتاخدي بالك من نفسك؟
= آه.
_ ومنهم؟
= آه.
_ وما تخبيش عليا لو في أي حاجة؟
= حاضر اوعدك.
قربتها مني وخدتها في حضني، وبصراحة لو هي كانت قالتلي في اللحظة دي “اقعد” كنت لغيت كل حاجة…بس ما قالتش، ويمكن هي كانت عارفة إني مستنيها تقولها، عشان كده مسكت فيا شوية وبعدين بعدت بنفسها.
قبل ما أخرج قلت:
_ خلي بالك من التلاتة.
ابتسمت.
= التلاتة؟
_ انتي والاتنين.
عينيها لمعت.
= حاضر.
بوست جبهتها، وبعدين نزلت لمست بطنها بإيدي مرة أخيرة.
_ بابا هيرجع بسرعة… متخافوش.
ضحكت.
= يا خالد والله هما مش سامعينك.
_ انتي مالك؟ حد دخلك؟
_ عندك حق أنا مالي فعلًا.
رجعت لندن، والمرة دي المهمة نفسها كانت أسهل من أول أسابيع، مش عشان الشغل خف، لكن عشان بقى عندي عد تنازلي واضح…كل يوم يخلص يعني يوم أقل للرجوع لليليا والولاد.
كنت بكلمها الصبح قبل الشغل وبالليل بعد ما أرجع، وأوقات في نص اليوم لو لقيت عشر دقايق فاضيين.
_ أكلتي؟
= آه.
_ أكلتي إيه؟
= يا خالد بقى.
_ ايه؟ بسأل.
= أكلت.
_ ايوه إيه.
= إنت مش طبيعي.
أضحك.
_ والولاد؟
= كويسين.
_ وانتي عرفتي منين.
= إحساس أم… متدخلش انت.
_ حاضر.
كنت بتكلم معاهم من الفيديو وهي تتريق عليا، لكني كملت غصب عنها، ولما بعتتلي أول صورة سونار واضحة شوية فضلت فاتحها عندي يمكن نص ساعة وأنا أصلًا مش فاهم أي حاجة فيها. سألتها:
_ مين فيهم مين؟
قالت:
= إنت فاكر الدكتورة كاتبة أسماء عليهم؟
_ طب دول فين أصلًا؟
= يا خالد أنا نفسي باخد الصورة من الدكتورة ومش بفهم غير لما تشاورلي.
ومع كل متابعة كنت أحس إني بفوّت حاجة، وده أكتر حاجة كانت بتخليني عايز أخلص بسرعة…عشان كده لما المشروع دخل آخر أسبوعين، اشتغلت حرفيًا أكتر من أي وقت فات، ولما المدير قالي إن الجزء الأساسي اتقفل وإن المطلوب مني في لندن خلص، أول شخص كلمته كان ليليا.
ردت وهي في البيت.
= ألو؟
_ خلصت.
سكتت.
= إيه؟
ابتسمت.
_ خلصت رسمي.
= يعني هترجع؟
_ هرجع…ومش ويك إند المرة دي.
عينيها لمعت.
= إمتى؟
_ بعد بكره.
ابتسمت.
= هستناك.
ولما رجعت، أول حاجة عملتها بعد ما حضنتها إني بصيت لبطنها…كانت بدأت تبان سِنة صغيرة جدًا، بس بالنسبالي كانت فرق ضخم.
_ ولادي كبروا.
ضحكت.
= ما هما مش هيستنوك.
_ لا مش عاجبني الموضوع ده.
= معلش.
رجعت حضنتها.
_ وحشتيني.
ومن يومها ما فوّتش متابعة واحدة.
بعد أسابيع، الدكتورة قالت إنها تقدر غالبًا تحدد جنس الطفلين…ليليا بصتلي وسألتني:
= عايز تعرف؟
بصيتلها بصدمة.
_ هو ده سؤال؟
ضحكت، والدكتورة بدأت تبص للشاشة.
_ واحد ولد.
حسيت ابتسامتي طلعت غصب عني.
_ ولد.
وبعد ثواني قالت:
_ والتاني بنت.
لفيت لليليا.
_ ولد وبنت.
هي ضحكت.
= الحمدلله الاتنين.
بعد ما خرجنا، قعدنا في العربية أكتر من نص ساعة نتخانق على الأسماء…كل اسم أقوله ترفضه، وكل اسم تقوله أعمل نفسي بفكر قبل ما أقول رأيي عشان ما تقولش إني موافق بسرعة.
في الآخر قالت:
= تميم.
كررتها.
_ تميم.
= حلو؟
_ حلو أوي.
_ يبقى الولد تميم؟
_ موافق.
سكتت ثواني.
_ والبنت…تالين.
بصيتلها.
_ تالين.
= اهدعاجبك؟
ابتسمت.
_ جدًا.
حطيت إيدي على بطنها.
_ تالين وتميم.
من بعدها بقوا أسماء فعلًا، مش مجرد “الولاد”. كنت أصحى الصبح وأقول:
_ صباح الخير يا تالين.
وبعدين أحرك إيدي الناحية التانية.
_ صباح الخير يا تميم.
ليليا تضحك.
= هو إنت عارف مين فين؟
_ لأ.
= أمال؟
_ ببدل بينهم كل يوم عشان العدالة.
= ربنا يعينهم عليك.
بس الحقيقة أنا اللي كنت بدعي ربنا كل يوم يعينني عليهم ويخليني أعرف أعمل الصح، وان ربنا يقدرني على تربيتهم ومسؤوليتهم، لأني كل ما الحمل يتقدم كنت بكتشف قد إيه المسؤولية أكبر من كل الهزار اللي بنقوله.
وفي وسط ده كله، البرنامج نفسه قرب يخلص، وظهر قدامنا السؤال اللي من سنة تقريبًا كان مستحيل نتخيل إننا هنسأله بالشكل ده: هنعيش فين بعد ما كل ده يخلص؟
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
قعدنا ليلة قدام اللابتوب، وكل الخيارات مفتوحة قدامنا…كان ممكن نفضل في برشلونة، وكان قدام خالد دور كويس جدًا هناك، وكان عندي فرصة أكمل في نفس الشركة، وفي نفس الوقت كان عندنا اختيار نرجع القاهرة ونكمل شغلنا في شركتنا هناك مع تغييرات بسيطة.
فضلت باصة للصفحة قدامي، وبعدها ضحكت.
خالد لفلي.
_ بتضحكي على إيه؟
= افتكرت أول مرة البرنامج ده دخل حياتنا.
ضحك.
_ أنا مش عايز أفتكر.
= كنت واقف بمنتهى الثقة تقول “أيوه دي مراتي.”
_ ماهو كان حل سريع بس.
= وبعدها “هتجوزك.”
_ ده بقى حل أسرع.
بصيت لبطني اللي بقت واضحة بشكل ملحوظ..
= حلولك كلها نتائجها بعيدة المدى.
ضحك.
_ وانتي بقى مبسوطة بالنتيجة؟
بصيتله.
= جدًا.
سكتنا شوية، وبعدها هو سأل:
_ انتي عايزة إيه بجد؟
رجعت بصيت للاختيارات.
= عايزة نرجع مصر.
ما اتفاجئش.
= ليه؟
= عشان الولاد يكبروا ويتربوا في بلدهم وكمان في وسط أهلنا…عايزة ماما تبقى قريبة، وبابا، وأهلك…وعشان بعد الحمل ده كله، ولما أتخيل إني هولد وأبقى لوحدي هنا معاك من غير حد حوالينا…وانا مش عايزة ده، برشلونة كانت مهمة لينا، ويمكن لو ما جيناش هنا أصلًا ماكنّاش وصلنا لكل ده، بس مش حاسة إنها المكان اللي نفسي نربي فيه تالين وتميم.
خالد فضل باصلي، وبعدها قال:
_ وأنا كمان عايز نرجع.
اتنهدت براحة.
= بجد؟ كنت خايفة تبقى عايز تكمل هنا.
_ لو كنت عايز كنا هنتكلم…بس القاهرة أنسب دلوقتي، وأنا الدور الجديد أقدر أكمله من هناك مع سفر بسيط لو احتاجوا، وانتي كمان عندك اختيار كويس.
ابتسمت.
= يبقى خلاص؟
مد إيده مسك إيدي.
_ نرجع مصر.
= عارف إيه أحلى حاجة؟
_ إيه؟
= إن دي أول مرة البرنامج يخلص دوره فعلًا.
_ بمعنى؟
= أول مرة قرار كبير زي ده يبقى إحنا اللي بناخده من غير ما يكون في ورقة أو شرط أو ست شهور أو حد مزنوق في التاني.
ابتسامته هديت.
_ المرة دي إحنا اللي اخترنا.
= آه.
قرب باس إيدي.
_ ربنا يخليكي ليا.
رجعنا القاهرة قبل الولادة بمدة كفاية، واستقرينا في بيت قريب نسبيًا من أهلنا، ومجرد وجود ماما على بعد مشوار صغير بدل طيارة فرق معايا أكتر مما كنت متخيلة…والدته كمان تقريبًا كانت عايزة تنقل عندنا من كتر ما بقت تيجي، وكل واحدة فيهم عندها نظام كامل للأكل والنوم والحمل، وأنا بين الاتنين وخالد بقيت حاسة إن مفيش قرار يخصني شخصيًا.
مرة ماما قالت:
_ اقعدي، أنا هعملك العصير.
وفي نفس اللحظة خالد قال:
_ آه اقعدي.
بصيتلهم.
= يا جماعه والله أنا مش مريضة.
دخلت والدته من المطبخ وقالت:
_ محدش قال انك مريضة، بس دول توأم يا بنتي.
رفعت إيدي باستسلام.
= خلاص اعملوا اللي انتوا عايزينه.
خالد ابتسم.
_ أخيرًا.
لكن رغم الزن، كنت مرتاحة…وفي آخر أسابيع الحمل بالذات كنت محتاجة الإحساس ده؛ إن في ناس حواليا، وإن لو خالد اتوتر في حد هيهديه، ولو أنا خفت في أربع إيدين هتمسك فيا قبل ما أقع.
وطلع خوفي الحقيقي كله يوم الولادة.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
من أول ما صحيت اليوم ده وأنا عارف إني متوتر، كنت مقتنع إني مخبي كويس…طلعت مش مخبي أي حاجة.
كنا في المستشفى في القاهرة من الصبح، والدكتورة كانت مرتبة كل حاجة من قبلها، وأهلنا تقريبًا وصلوا بعدنا بدقايق….ماما قاعدة جنب ليليا، وأمها من الناحية التانية، أبوها وأبويا برا الأوضة، وأنا واقف قدامها عامل نفسي طبيعي.
ليليا كانت ساكتة زيادة عن اللزوم.
قربت منها.
_ انتي كويسة ياحبيبتي؟
بصتلي.
= آه.
بعد خمس دقايق سألتها تاني:
_ متأكدة؟
= والله كويسة.
لفيت ومشيت خطوتين.
سمعتها بتقول لمامتها:
= والله ده متوتر أكتر مني.
ردت أمها وهي بتضحك:
_ ماهو باين عليه.
لفيت بسرعة.
_ أنا سامعكم على فكره.
ماما قالت:
_ طب اقعد يا ابني بدل ما إنت هتعمل حفرة في الأرض كده من كتر ما عمال تتمشى.
_ أنا قاعد.
أبويا من برا قال:
_ إنت كده قاعد؟
بصيتله.
_ هو ايه كله عليا النهارده؟
ضحكوا، وليليا ابتسمت، وده كان كفاية بالنسبالي.
لكن مع اقتراب الوقت، ضحكتها بدأت تقل…الممرضة دخلت كذا مرة، والدكتور طمنا، وكل حاجة كانت ماشية طبيعي، بس أنا عارف ليليا…كل ما تخاف بجد بتسكت الأول، وبعدها يبدأ عقلها يسبق كل حاجة.
قعدت جنبها.
_ بصيلي ياعمري.
بصتلي.
_ انتي خايفة؟
هزت راسها بسرعة كأنها هتنكر، لكن عينيها لمعت قبل ما تتكلم.
= مش اوي.
مسكت إيدها اطبطب عليها، وهي قالت.
= إنت خايف؟
قولت بمنتهى الثقة.
_ عادي.
بصتلي بنظرة طويلة.
= يا كداب.
ضحكت رغم توتري.
_ بصراحه شوية.
_ شوية؟
_ ياستي كتير، بس مينفعش إحنا الاتنين نخاف بنفس النسبة.
ابتسمت سنة، وبعدها حطت إيدها على بطنها.
= أنا نفسي أشوفهم اوي.
_ هتشوفيهم.
= وخايفة اوي برضو.
_ متقلقيش ياحبيبتي.
بعد شوية دخلت الممرضة وقالت إن الوقت جه وإنهم هيبدأوا يجهزوها للدخول... اللحظة اللي قالت فيها الجملة حسيت إيد ليليا شدت على إيدي.
قامت ببطء، وأنا قمت معاها…ماما وأمها باسوها ودعولها، وأبوها دخل حضنها بسرعة، وأبويا طمنها وقالها إن شاء الله تطلع بالسلامة، وأنا كنت ماشي جنبها لحد الممر.
وفجأة وقفت.
الممرضة بصتلها بلطف.
_ يلا يا مدام ليليا.
ليليا ما اتحركتش.
بصتلي.
= خالد.
_ أنا معاكي اهو.
شدت إيدي أكتر.
= انا مش عايزة أدخل.
قلبي وقع…قربت منها فورًا.
_ ليليا…
هزت راسها، والدموع بدأت تنزل.
= مش عايزة أدخل…أنا خايفة اوي.
حطيت إيدي على وشها.
_ طب بصيلي.
= خالد أنا بجد خايفة.
_ انا عارف يا حبيبتي والله، صدقيني هتعدي وهتكوني ان شاء الله بألف سلامه.
= طب لو حصل حاجة؟
_ مش هيحصل.
= طب لو حصل حاجة للولاد؟
_ مش هيحصل حاجه والله ان شاء الله.
= طب لو—
_ ليليا بصيلي.
بصتلي، ووشها كله خوف بطريقة خلّتني حرفيًا عايز أقولها خلاص مش هندخل ولا هنعمل أي حاجة، بس طبعًا مفيش حاجة اسمها كده.
مسحت دموعها بإبهامي.
_ انتي داخلة مكان فيه ناس شاطرين واحنا عارفين الدكتوره وعارفين انها كويسه وشاطره، وكل التحاليل والمتابعات مطمنة، وأنا هفضل هنا مستنيكي لحد ما ترجعيلي.
هزت راسها وهي بتعيط.
= انا مش عايزة أسيبك.
_ انتي مش هتسيبيني.
= ما إنت مش هتدخل معايا.
_ نفسي والله ابقى معاكي بس مرضيوش قالو مش هينفع، بس أنا هنا…أول ما تخرجي هتلاقيني مستنيكي.
_ وعد؟
_ والله.
الممرضة استنت لحظات من غير ما تضغط عليها... ليليا مسكت في هدومي بإيدها التانية.
= خالد أنا مش عايزة حاجة تحصللي.
حسيت نفسي اتقطع، بس قربت جبهتي من جبهتها وقولت.
_ مش هيحصلك حاجة…هتدخلي دلوقتي، وتطلعيلي بالسلامة، وهتقوليلي بعدها بنفسك حتى انا كنت مكبره الموضوع يا خالد.
ضحكت وسط دموعها… وبعدها قالت.
= ولو الولاد—
_ هيبقوا كويسين، متقلقيش.
= وانت هتفضل هنا؟
_ مش هتحرك خطوة.
سكتت، وبعدها حضنتني فجأة…حضنتها بقوة، بس كنت حذر عشان بطنها، وحطيت إيدي على شعرها.
_ أنا معاكي ياحبيبتي.
= بحبك اوي ياخالد.
غمضت عيني.
_ وأنا بموت فيكي.
بعدت عنها سنة.
_ يلا.
بصتلي بتردد.
_ متمشيش.
_ مش همشي والله.
الممرضة بدأت تمشي بيها، وإيد ليليا فضلت ماسكة إيدي لآخر لحظة ممكنة، لحد ما اضطرينا نسيب بعض…وقفت مكاني وأنا شايفها بتبعد، ولما الباب اتقفل حسيت إني كنت كداب لما قولتلها إني خايف شوية بس.
أنا كنت مرعوب.
رجعت لأهلنا، وماما أول ما شافت وشي قالت:
_ دخلت؟
هزيت راسي.
_ آه.
أم ليليا كانت بتدعي بصوت واطي، وأبوها قاعد ساكت بس رجله بتتحرك من التوتر…أبويا قرب مني وحط إيده على كتفي.
_ اهدى.
ضحكت ضحكة مفيهاش أي حاجة مضحكة.
_ أنا هادي اهو.
بصلي.
_ آه باين جدا.
قعدت، وقومت بعد دقيقة، ومشيت، ورجعت قعدت…كل ما باب يفتح أبص، وكل ما ممرضة تعدي أحس إنها جاية تقولنا حاجة…الوقت اتحول لحاجة غريبة، الدقيقة طويلة بطريقة مستفزة.
أبو ليليا قالي:
_ خالد.
_ نعم يا عمي؟
_ هتبقى كويسة… متقلقش.
هزيت راسي.
_ انا عارف.
لكن يمكن كنت محتاج حد يقولهالي.
بعد وقت حسيت إنه قرن، خرج حد من الطاقم وطمنا إن الأمور ماشية كويس…أخدت نفس لأول مرة من فترة، بس ما هديتش فعلًا.
وبعدين جت اللحظة.
قالولنا إنهم اتولدوا وبخير.
تالين وتميم.
ولادي.
حطيت إيدي على وشي وأنا بضحك، وحسيت الدموع نزلت من غير ما أقاومها المرة دي…ماما حضنتني، أبويا باس راسي، أم ليليا كانت بتعيط، وأبوها فضل يحمد ربنا.
بس أنا كان في سؤال واحد لسه معلق.
_ وليليا؟
طمّنوني إنها كويسة وإنها هتخرج بعد شوية.
وقتها بس رجلي بطلت تبقى تقيلة.
لما خرجت وشفتها، نسيت كل اللي حواليا.
كانت مرهقة جدًا، وشها شاحب وعينيها شبه مقفولة، لكن أول ما قربت منها فتحتهم وبصتلي.
روحتلها فورًا ومسكت إيدها.
_ حمد لله على السلامة يا حبيبتي.
حركت شفايفها بصعوبة.
= هما فين؟
ابتسمت وأنا حاسس دموعي هتنزل تاني.
_ كويسين…الاتنين كويسين.
غمضت عينيها ثواني براحة، وإيدها شدت على إيدي.
= بجد؟
_ ايوه والله.
قربت وبوست جبهتها.
_ وانتي كويسة…الحمد لله.
ماكانتش قادرة تتكلم كتير، بس فضلت ماسكة إيدي، وأنا ما سبتهاش… حتى لما نقلوها، مشيت جنبها…ولما عينيها قفلت من التعب، فضلت ايديها ماسكه ايدي كأنها بتأكد لنفسها إني لسه هنا.
وبعد شوية، لما جابوا تالين وتميم، كل حاجة بقت حقيقية بطريقة متخيلتهاش.
تالين كانت صغيرة بشكل يخوفني ألمسها، وتميم كمان…الممرضة حطت تالين في إيدي وأنا تقريبًا مكنتش عارف أتنفس.
ماما قالت:
_ اسند راسها يا خالد.
_ ساندها اهو والله.
_ براحة.
_ يا ماما أنا أصلًا مش بتحرك!
أبويا ضحك.
_ الراجل اتجمد.
ليليا كانت بتبصلي من السرير بابتسامة تعبانة.
= خايف؟
بصيتلها.
_ جدًا.
ابتسمت.
= ما انا قولتلك.
قربت ناحية السرير وأنا شايل تالين، والممرضة كانت حاطة تميم جنب ليليا…بصيت للتلاتة، وحسيت إن مفيش مشهد في حياتي كلها ممكن يعدي اللي قدامي ده.
_ دول ولادنا؟
ليليا ضحكت بصوت ضعيف.
= تخيل؟
بصيت لتالين، وبعدها لتميم، وبعدين لها.
_ انا بحبك.
عينيها دمعت.
= وانا كمان والله.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كنت فاكرة إن الحمل هو الجزء الوحيد الصعب.
بعد أول أسبوع في البيت اكتشفت إني كنت غلبانه جدًا.
تالين تنام، تميم يصحى…تميم ينام، تالين تقرر إن الوقت المناسب للصريخ هو اللحظة اللي أنا وخالد نقفل فيها عينينا.
الساعة أربعة الفجر في يوم من الأيام، كنت قاعدة على السرير وأنا حاسة إني ما نمتش من أسبوع، وخالد واقف في نص الأوضة شايل تميم وبيتمشى بيه رايح جاي.
_ هو ليه مش بينام؟
بصيتله.
= اسأله.
بص لتميم بمنتهى الجدية.
_ يا تميم، بابا بيسألك بأدب، إنت ليه مش راضي تنام؟
تميم كمل عياط.
خالد هز راسه.
_ بصي، بيتجاهلني…قليل الادب.
ضحكت رغم الإرهاق، وفي اللحظة دي تالين بدأت تعيط.
خالد وقف مكانه.
_ لا بقى.
غطيت وشي بإيدي وأنا بضحك.
= اهي شرفت.
_ هما بيبدلوا شيفتات؟
= غالبًا.
شال تميم بإيد، وقرب ناحية سرير تالين، وبعدين بصلي.
_ إحنا ليه خلفنا اتنين في نفس الوقت؟
فتحت عيني.
= ايه ده يا خالد!
_ بهزر والله، بحبهم…بس واحد كان ممكن يبقى تدريب.
ومع الوقت بقينا نعرف بعض أكتر كأب وأم…خالد طلع أب قلق جدًا، وأنا طلعت أهدى منه في حاجات وأعصب منه في حاجات تانية…هو ممكن يقوم خمس مرات يتأكد إنهم نايمين كويس، وأنا ممكن أنام وأنا شايلة واحد فيهم من الإرهاق…ساعات نتخانق وإحنا الاتنين مرهقين، وبعد خمس دقايق نبص لبعض ونضحك لأن أصل الخناقة بيكون مثلًا مين آخر واحد غيّر لتالين أو مين نسي يحط الببرونة في مكانها.
وفي وسط التعب كانت في لحظات صغيرة تساوي كل حاجة…أول مرة تميم مسك صباع خالد، ناداني بصوت خلاني أجري مفزوعة.
_ ليليا تعالي بسرعة!
دخلت.
= في إيه؟!
رفع إيده، وتميم ماسك صباعه.
_ ماسكني.
بصيتله بغيظ.
= خوفتني يا خالد! انت جايبني عشان كده.
_ بس بصي.
= ما انا شوفت.
_ يبقى هو كده عارفني صح.
= غالبًا ماسك أول حاجة قابلته.
_ ياشيخه سيبيني أفرح.
ضحكت وقعدت جنبه.
وفي يوم تاني تالين نامت على صدره وهو قاعد على الكنبة، وفضل أكتر من ساعة ما بيتحركش... لما قربت منه قلت:
= حبيبي انت إيدك مش وجعاك؟
همس:
_ وطي صوتك.
= يا خالد ماهي نايمة.
_ ما يمكن تصحى.
= طب اتحرك عادي.
_ لأ.
بصيتله وأنا مبتسمة.
= قلبك راح خلاص.
بص لتالين، وبعدها لي.
_ راح من زمان.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
بعد مرور اربع سنين.
لو حد قالي وأنا في برشلونة، وأنا بعدّ الأيام لحد ما الست شهور يخلصوا، إن بعد كام سنة هصحى في بيتنا في القاهرة على صوت طفلة صغيرة بتتخانق معايا على خالد، كنت هعتبره بيهزر.
بس الحياة واضح إنها بتحب النهايات اللي مستحيل تتوقعها.
كان يوم جمعة عادي، البيت فيه لعب في كل مكان، وأنا بحاول ألم الالعاب اللي مالية الصالة، وتميم قاعد على الأرض مركز في عربية صغيرة، أما تالين فكانت، كعادتها، محتلة خالد بالكامل.
خالد كان قاعد على الكنبة، وتالين واقفة قدامه لابسة فستانها الجديد وبتلف حوالين نفسها.
= بص يا بابي.
خالد رفع عينه من الموبايل فورًا.
_ ايه يا قلب وعيون بابي.
لفت تاني.
= شوف أنا حلوه إزاي؟
ابتسامته وسعت.
_ أحلى واحدة في الدنيا.
وقفت وأنا ماسكة لعبة في إيدي وبصيتله.
= والله؟
خالد لمحني، فابتسامته زادت.
تالين قربت منه وحطت إيديها الصغيرة حوالين رقبته.
= أنا حلوة أوي يا بابي؟
_ أوي أوي.
باس خدها، فهي باست خده هي كمان بصوت واضح.
= بحبك يا بابي.
_ وأنا بحبك يا قلب بابي.
حطيت اللعبة على الترابيزة.
= على فكرة بقى ده جوزي أنا.
تالين لفتلي بسرعة وكأن الكلام استفزها شخصيًا.
= لأ.
رفعت حاجبي.
= نعم؟
حضنت خالد من رقبته أكتر.
= ده جوزي أنا بس.
فضلت باصالها ثانيتين من الصدمة، وبعدين بصيت لخالد.
= جوزك انتي إزاي بقى ان شاء الله؟
خالد كان بيعض على شفايفه عشان ما يضحكش، وبعدها قرر بكل وضوح يبيعني.
لف إيده حوالين تالين وقال:
_ أيوه، دي مراتي الصغيرة.
بصيتله.
= لا والله؟
رفع حاجبه بتحدي.
_ ايوه.
= طب حلو أوي.
لفيت ناحية تميم اللي كان لسه قاعد على الأرض.
= تعالى يا ميمو.
رفع راسه.
_ نعم.
= تعالى لمامي.
قام وجري عليا، فشيلته وبوسته على خده كذا مرة.
= حبيب مامي أنت.
تميم ضحك وباسني على خدي.
بصيت لخالد مباشرة.
= وده بقى جوزي الصغير.
خالد انفجر ضحك.
_ انتي بترديهالي يعني؟
= آه.
تالين فتحت عينيها.
= لأ! ميمو أخويا.
قلت بمنتهى الجدية:
= وإنتي بنتي، و خدتي جوزي.
فكرت شوية، وبعدها بصت لخالد.
= لا بابي بتاعي لوحدي جوزي انا.
خالد رفع إيده.
_ أنا مليش دعوه، هي اللي اختارت.
بصيتله.
= ماشي حلو اوي الكلام ده.
تميم حط إيده حوالين رقبتي وقال:
_ وانا برضو مامي بتاعتي.
ابتسمت بانتصار.
= شوفت؟
خالد بص لتميم.
_ يا خاين.
تالين رفعت إيدها.
= وأنا بنت بابي حبيبي.
خالد باس راسها.
_ أيوه.
حطيت إيدي على قلبي بتمثيل.
= خلاص، أنا هسيبلكم البيت ده انا وابني ونمشي.
تميم صدقني.
_ بجد يا مامي؟ هنروح فين؟
ضحكت.
= مش هنمشي يا حبيبي أنا بهزر.
خالد قال:
_ هتعملي عيالك الكدب.
= اسكت إنت ملكش دعوه.
تالين نزلت من حضنه وجت ناحيتي فجأة، ومدت إيديها.
= مامي.
نزلت لمستواها.
= نعم؟
حضنتني.
= انتي كمان بتاعتي.
ضحكت وأنا بحضنها.
= أهو كده عدل.
خالد قرب مننا وشال تميم من إيدي، وبعدها فتح دراعه حوالينا كلنا.
_ طب ما إحنا الأربعة بتوع بعض ونخلص من الخناقة دي.
بصيتله.
= بتصلح غلطك؟
_ آه قبل ما تطرديني من البيت.
تالين قالت من وسط الحضن:
= بس برضو بابي جوزي.
غمضت عيني.
= رجعنا تاني.
خالد ضحك بصوت عالي، وتميم بدأ يضحك لمجرد إننا بنضحك، وفي ثواني الحضن نفسه اتحول لخناقة ضحك وتالين بتحاول تطلع على كتف خالد وتميم متعلق فيا، وأنا ببص على المشهد كله وأفكر إن دي أكتر فوضى جميلة حصلتلي في حياتي.
بعد شوية، الولاد جريوا يكملوا لعب، وأنا قعدت على الكنبة جنب خالد.
بصيتله.
= إنت بوظت البنت.
_ أنا؟
= آه، مدلعها زيادة.
_ دي بنتي.
= وأنا مراتك برضو على فكره.
لفلي بابتسامة.
_ انتي غيرانة من بنتك؟
= أنا؟ مستحيل.
_ آه طبعًا.
= بس حبيت أفكرك إن لقب "مراتك” محجوز.
قرب مني.
_ انتي الأصل.
ضحكت.
= وتالين؟
_ النسخة الصغيرة اللي بتستغل إني مقدرش أقولها لأ.
= أهو يعني اعترفت.
تميم من بعيد نادى:
_ ماميييي!
قلت لخالد وأنا بقوم:
= وأنا عندي حبيبي الصغير برضو.
مسكني من إيدي قبل ما أمشي.
_ ليليا.
لفيتله.
_ لو قولتي الجملة دي تاني هغير منه بجد.
ضحكت.
= أخيرًا وقعنا فيك.
ساب إيدي وهو بيضحك.
_ روحي يا رخمة.
رجعتله وبوسته بسرعة على خده.
= بحبك.
مسكني من خصري ثانية قبل ما أهرب.
_ وأنا بموت فيكي.
من بعيد تالين صرخت:
= بابي!
بعد عني فورًا وهو بيضحك.
_ الزوجة الصغيرة بتنادي.
بصيتله بغيظ مصطنع.
= روح لها.
_ حاضر.
فضلت واقفة أتفرج عليه وهو رايح ناحية تالين وتميم، وافتكرت إن البيت ده في القاهرة كان قرار أخدناه إحنا، مش برنامج ولا ظرف ولا ورقة…رجعنا مصر بإرادتنا، وبنينا حياتنا وسط أهلنا، لكن في الآخر أكتر اللحظات اللي بحبها كانت دايمًا اللحظات اللي نبقى فيها إحنا الأربعة بس، والدنيا برا البيت مالهاش وجود.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
بالليل، بعد معركة طويلة عشان تالين تقتنع إن خمس قصص قبل النوم كفاية وإن تميم مش محتاج يشرب مية للمرة السادسة، خرجت من أوضتهم وأنا حاسس إني خلصت وردية شغل كاملة.
ليليا كانت قاعدة على الكنبة، وأول ما شافتني ضحكت.
_ ناموا؟
_ يا شيخه ده حاجه تعل.
ضحكت.
_ ناموا خلاص.
قعدت جنبها ورميت راسي لورا.
_ أنا محتاج إجازة.
= من إيه؟
_ من الأبوة.
= للأسف مفيش.
_ طب يوم.
= لأ.
_ نص يوم؟
= برضو لأ.
لفيتلها.
_ انتي ظالمة.
= وإنت اللي كنت بتقول هبقى أب ممتاز.
_ وأنا أب ممتاز لسه برضو على فكره.
= ومتواضع جدا كمان.
ضحكت، وبعدها سكتنا شوية. البيت كان هادي أخيرًا، والهدوء بعد يوم كامل مع تالين وتميم بقى حاجة نادرة لدرجة إننا أوقات نقعد نستمتع بيه من غير ما نتكلم.
بصيت لليليا، لقيتها سرحانة.
_ إيه؟
ابتسمت.
= بفكر.
_ في إيه؟
= في إنك لسه رخم.
رفعت حاجبي.
_ وانتي لسه عنيدة.
= ومع ذلك مستحملني.
بصيتلها.
_ لأ.
ضيقت عيني.
= لأ إيه؟
قربت منها سنة.
_ أنا مش مستحملك يا ليليا.
ابتسامتها هديت، وعرفت إنها افتكرت الجملة قبل حتى ما أكمل.
_ أنا مختارك.
سكتت شوية، وبعدها قالت:
= وأنا برضو مختارك.
مديت إيدي شدّيتها ناحيتي، فسندت راسها على صدري، وفضلنا ساكتين ثواني.
ماكنتش محتاج أقولها إن لو رجع بيا الزمن لأول يوم شفتها فيه في الشركة كنت هبص لها برضو…ولا إن لو رجعت للحظة اللي قلت فيها “دي مراتي” وأنا بحل مشكلة، يمكن كنت هقولها تاني حتى لو عارف كل اللي هيحصل بعدها.
كل ده بقى موجود في البيت حوالينا؛ في لعب تالين المرمية تحت الترابيزة، في عربية تميم اللي دوست عليها الصبح وكنت هموت، في صورة لينا إحنا الأربعة، وفي صوت ليليا وهي بتتنفس بهدوء وهي في حضني.
سمعتها بتقول:
= فاكر الست شهور؟
ضحكت.
_ اللي كانت هتخلص ونطلق؟
= آه.
_ بلاش فضايح قديمة.
ابتسمت.
= كنت مرعوبة منها.
_ وأنا كنت عامل نفسي مش فارق معايا.
رفعت راسها.
= كنت كداب.
_ جدًا.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
من خمس سنين كنت فاكرة إن قصتنا مكتوب لها تاريخ انتهاء واضح…ست شهور، وبعدها كل واحد فينا يرجع لحياته، وكأن الشقة اللي عيشنا فيها سوا والجواز اللي بدأ كحل لمشكلة واللحظات اللي اتسللت بيننا واحدة واحدة كلها كانت مجرد مرحلة وهتعدي.
ماكنتش أعرف إن الست شهور دول ماكانوش عد تنازلي للنهاية.
كانوا بس البداية.
بدأنا بكذبة صغيرة قدام موظف قال فيها خالد إني مراته، وبعدها بقينا فعلًا زوج وزوجة على ورق، وبعدها احتجنا وقت طويل عشان نفهم إن الورق بقى أقل حاجة مهمة بينا…واتحولنا من شخصين مش طايقين بعض، لشخصين بيستنوا صوت مفتاح التاني عند الباب، لشخصين خايفين يقولوا إن فكرة الفراق بقت أصعب من فكرة البقاء، وبعدها أخيرًا اخترنا بعض من غير برنامج، ومن غير شروط، ومن غير ست شهور واقفة في آخر الطريق.
سافرنا.
اتخانقنا.
خفنا.
رجعنا لبعض.
خالد سافر ورجع.
عرفنا إننا هنكون أب وأم.
رجعنا مصر بإرادتنا، مش عشان فرصة خلصت بس، لكن عشان دي الحياة اللي اخترناها لينا ولتالين وتميم، وسط أهلنا وبلدنا، وفي بيت بقى مليان دوشة أكتر من أي هدوء عرفناه في بيتنا في برشلونة.
دلوقتي انا قاعدة في حضن نفس الشخص اللي زمان كنت ببصله في الشغل وأقول في سري إنه أكتر بني آدم مستفز في الشركة، كنت عارفة إن الحياة عندها حس فكاهي غريب جدًا.
رفعت وشي له.
= خالد.
_ نعم؟
ابتسمت.
= بحبك.
ابتسم هو كمان.
_ أنا اكتر ياروح قلبي.
قبل ما أرد، جه صوت تالين من جوه:
= بابي!
خالد قفل عينه.
_ ام بابي وسنين بابي.
ضحكت.
وبعد ثانيتين جه صوت تميم:
= ماميي!
بصينا لبعض.
قلت:
= كل واحد يروح لجوزه الصغير بقى.
فتح عينه وبصلي بغيظ.
_ انتي لسه هتكملي فيها؟
قمت وأنا بضحك.
= طبعًا.
قام ورايا، ومسكني من إيدي قبل ما نوصل باب الأوضة.
لفيتله.
= إيه؟
قرب مني، وباس جبهتي.
_ على فكرة، مهما تالين قالت…
ابتسمت.
_ إيه؟
_ انتي مراتي أنا.
ضحكت.
= وتميم؟
_ ابننا، وانتي تبطلي رخامة.
= ماشي.
فتحنا الباب سوا، وأول ما دخلنا تالين مدت إيديها لخالد وتميم مد إيديه ليا.
خالد بصلي.
_ شايفة التقسيم؟
= شايفه.
ضحك، وراح شال تالين وأنا شلت تميم، وفي اللحظة دي حسيت إن دي النهاية الوحيدة اللي كانت تليق بحكاية بدأت وإحنا بنخطط للانفصال.
مش نهاية فيها فراق.
ولا ورقة طلاق.
ولا واحد فينا ماشي في اتجاه بعيد.
كانت نهايتنا بيتنا، وطفلين بينادوا علينا من أوضتهم، وأربع إيدين صغيرين متعلقين فينا، وشخصين فضلوا يختاروا بعض كل مرة كان عندهم فيها فرصة يمشوا.
أنا اخترت خالد.
وخالد اختارني.
ويمكن عشان كده، للمرة الأولى، ما بقيتش أخاف من كلمة النهاية.
لأن نهاية حكايتنا ما كانتش فراق.
كانت بداية عمر كامل.
ظننّا الفراق آخر الحكاية،
فكان الحب أول البقاء.
تمت
