رواية الاء من الله الفصل الواحد والعشرون21 بقلم حنين سامي



رواية الاء من الله الفصل الواحد والعشرون21 بقلم حنين سامي


(آلاء)

كان يقف أمامي ، قابضًا على الهاتف بقوة ، و قد تبدلت ملامحه بالكامل ؛ لم يعد ذلك الحبيب الودود الذي كان يمازحني منذ قليل ، بل بدا فجأة شاردًا ، متجهمًا ، و كأن شيئًا أثقل صدره في لحظة واحدة .

نظرتُ إليه متسائلة : " مين ؟"

لم يجبني لوهلة، وظل صامتًا، وكأنه لا يعرف ماذا يقول . مرّت دقيقة كاملة وأنا أراقبه، حتى ناديت عليه مرة أخرى، فرفع عينيه إليّ وكأنه لم يكن يشعر بوجودي من الأساس .

قال بابتسامة باهتة : " نعم ."
قلت : "مش هننام ؟"

شعرتُ بصراحة أنه لا يريد إخباري بمن يتصل، ففضّلت أن أترك له خصوصيته وألا أضغط عليه.

قال : " لا هننام أكيد .."

ثم ألقى نظرة سريعة على الفراش ، وكأنه يتأكد من شيء، قبل أن يقول بنبرة مازحة : " لسه العرض متاح ؟"

ضحكت و قلت : " ايوا تعالى ."

جلس بجانبي على الفراش، ثم عدّل الوسادة خلف ظهري بعناية ، وقال : " تصبحي على كل خير يا عيوني ."

ابتسمت و قلت : " وأنت من أهله .."
ثم همست دون أن أشعر : " يا حبيبي ."

استيقظت على صوتٍ مألوف، لكنه كان يبعث الخوف في داخلي لسبب لم أفهمه.

فتحت عينيّ ببطء، ونظرت حولي، فوجدت نفسي في غرفة قديمة، لا يضيئها سوى ضوء خافت يتدلى من السقف.

حاولت التحرك، لكن جسدي لم يستجب. كانت يداي وقدماي مقيدة، والمفاجأة أنني كنت مبللة بالكامل، وكأن الماء يغمر ملابسي وجسدي.

ارتجف صوتي وأنا أقول : " في حد هنا؟"

كنت أسمع صوت أنفاس في الغرفة، أنفاسًا ثقيلة قريبة مني ، فقلت بخوف : " حبيب؟"
لم يجبني أحد .

و فجأة، ظهر شخص من الظلام، وفي يده شيء يشبه السكين، وأخذ يقترب مني بسرعة .

شهقت و فتحت عينيّ ..
وجدت نفسي في سريري، فاعتدلت بسرعة وأنا ألهث، أشعر وكأن قلبي انتُزع من مكانه.

استيقظ حبيب على صوتي، وقال بنعاس وقلق : " في إيه يا آلاء؟"

أغمضت عينيّ بقوة، وقلت بخوف : " كابوس .."

شعرت بأن الهواء لا يصل إلى رئتيّ . كان صدري يضيق بشدة، وكأنني ما زلت عالقة داخل ذلك الحلم. أخذت أسعل محاوِلةً التقاط أنفاسي وتنظيمها، بينما أحاطني حبيب بذراعيه وقال بقلق : " متخافيش يا آلائي، أنا معاكي ."

قلت له بوهن ، وأنا أحاول أن أستوعب ما رأيته : " مين ده يا حبيب؟"

نظر إليّ باستغراب وقال : " هو مين؟"

تعلقت بيده وشددت قبضتي على ملابسه ، و قلت : " اللي بشوفه وبسمع صوته في الكابوس ..!"

نظر إليّ بحيرة، ثم قال بحنان : " مش مهم يا حبيبتي .. المهم إنك بخير دلوقتي ."

تجاهلتُ كلامه وقلت، وما زال الخوف يسيطر على صوتي : " كان جاي عليا بسكينة ."

مد يده إلى كوب الماء الموضوع فوق الكومودينو ، وقال بهدوء : " ده مجرد كابوس .. مش لازم يدل على حاجة ."

ناولني الماء ، فأمسكته بكلتا يديّ وشربت منه، لكن ارتجاف جسدي لم يتوقف.

كنت أشعر وكأنني ما زلت داخل الحلم؛ جلدي كله كان يبعث إليّ إحساسًا بالبرودة والرطوبة، حتى إنني كنت أشعر بالماء على ملابسي وجسدي رغم أنني كنت جافة تمامًا. كان عقلي لا يزال عالقًا في تفاصيل الحلم إلى درجة أن إحساس البلل بدا حقيقيًا، وكأن جسدي لم يدرك بعد أنني استيقظت.

ربت حبيب على كتفي برفق، ثم نظر إلى الساعة وقال : " تعالي نتوضى ونصلي الفجر دلوقتي .. باقي شوية و يأذن، وسيبيها لله يا حبيبتي ."

أومأت له بصمت، وما زالت آثار الخوف عالقة بداخلي .
وبالفعل، توضأنا وصلينا الفجر، ثم عدنا إلى الفراش.
هذه المرة، لم أترك بيني وبينه أي مسافة . استلقيت داخل حضنه، وأحاطني بذراعيه كأنه يحاول أن يمنع عني كل ما أخاف منه.

شعرت بالأمان يتسلل إليّ شيئًا فشيئًا، وكأن دفء جسده يعيدني إلى الواقع ويؤكد لي أنني لست وحدي.

أغمضت عينيّ، واستمددت من حضنه القوة التي احتجتها بشدة في تلك اللحظة.

وبالفعل، لم أرَ أي كابوس آخر.
ـــــــــ

مرَّ أسبوعين منذ عودتي إلى المنزل ، وخلاله بدأت صحتي تتحسن بشكل ملحوظ .
لم يختفِ الألم تمامًا ، لكنه أصبح أخف بكثير مما كان عليه في الأيام الأولى ، و لم يعد يلازمني طوال الوقت كما كان . كنتُ أشعر بوخزٍ مزعج أحيانًا ، خاصةً عندما أتحرك كثيرًا أو أستخدم كتفي ، لكنني صرتُ أستطيع القيام ببعض أموري دون مساعدة .

ظلّت الكوابيس الغير مفهومة تطاردني في منامي، لكن في كل مرة عندما أستيقظ فزعة يقابلني حضن حبيب و كلماته التي تجعلني أشعر أن الأمور تحت السيطرة و أنه لا بأس .
أما الجروح ، فكانت تتحسن هي الأخرى ، وحبيب لم يكن يسمح لي بالإهمال فيها ولو للحظة .
في البداية كنتُ أشعر بالضيق من اهتمامه الزائد ، و كثرة أسئلته عن الدواء والطعام والراحة ، لكنني مع الوقت بدأت أعتاد الأمر .
بل إنني بدأت أفتقده حين يتأخر في العمل .

عاد حبيب إلى عمله بعد أن اطمأن إلى أن حالتي أصبحت مستقرة ، وكان يخرج في الصباح ويعود غالبًا عند الخامسة مساءً ، و أحيانًا يتأخر قليلًا بحسب ضغط العمل .

وقبل أن يخرج كل يوم، كان يقف أمامي وكأنه يراجع قائمة طويلة :
"أكلتي؟"
أجيبه وأنا أتنهّد :
" ايوا "
"والدواء؟"
" أخدته يا حبيب ."
"والجرح ؟ وجعك ؟"
فأرفع حاجبي و أقول : "لا ، الحمد لله ."
فيبتسم قائلًا : "طب لو وجعك اتصلي عليا ، اتفقنا ؟"
كنتُ أومئ له في كل مرة ، رغم أنني كنتُ أشعر أحيانًا أنه يتعامل معي و كأنني طفلة صغيرة .
وفي أحد الأيام، قلت له مازحة :
"انت فاكرني عندي خمس سنين؟"
ضحك و قال :
"لا ، بس انتي بتنسي نفسك ، و أنا مش هسيبك تهملي في نفسك ."
كنتُ أبتسم دون أن أشعر .

الغريب أنني لم أعد أرى اهتمامه أمرًا غريبًا .
بل أصبح شيئًا أبحث عنه دون قصد .

خلال تلك الفترة ، كانت أمي وأبي يزورانني باستمرار للاطمئنان عليّ، وكانت أمي في كل مرة تحمل معها أشياء كثيرة وكأنني كنتُ غائبة عن المنزل منذ سنوات .
أما غادة، فلم تتركني تقريبًا .
كانت تأتي مع عائلتها من وقت لآخر ، وتجلب معها بعض الأشياء التي تظن أنني سأحتاج إليها، ثم نجلس سويًا ونتحدث عن كل شيء ولا شيء .
وفي إحدى زياراتها، جلست بجانبي وهي تنظر إلى الجرح في كتفي بقلق و قالت :
"بقيتي أحسن بكتير الحمد لله ."
ابتسمت وقلت : "ايوا ، الحمد لله ."
ثم نظرتُ إليها للحظات وقلت :
"حاسه إني اتبهدلت اوي الفترة اللي فاتت ."
ضحكت وقالت : "بس المهم انك بقيتي كويسة ."
أومأت لها بابتسامة .

كانت دعاء أيضًا تزورني من وقت لآخر .
لم تكن تكتفي بالاتصال ، بل كانت تأتي بنفسها لتطمئن عليّ ، وتجلب معها بعض الأشياء وتتحدث معي قليلًا قبل أن تغادر .
أما بقية أهل حبيب ، فلم تكن علاقتي بهم كما توقعت .
اكتفوا باتصال واحد للاطمئنان على صحتي ، ثم لم يتكرر الأمر .
لم أكن منزعجة .
فأنا أصلًا لا أتذكر حياتي معهم، و ربما كان الأمر يحتاج إلى وقت حتى أعتاد عليهم ويعتادوا عليّ .
لكن دعاء كانت مختلفة .
ربما لأنها الأقرب إلى حبيب ، أو ربما لأنها ببساطة كانت تحاول أن تجعلني أشعر بأنني لست غريبة عنهم .
وفي نهاية آخر أسبوع ، حدث شيء جعلني أشعر أن حياتي بدأت تعود إلى طبيعتها .
عدتُ إلى الجامعة .

في البداية كنتُ مترددة، لكن الطبيب أخبرني أنني أستطيع العودة تدريجيًا ما دمتُ لا أُرهق نفسي.
وبالطبع، لم يسمح لي حبيب بالذهاب وحدي.
كان يوصلني في الصباح، وينتظر حتى يتأكد من دخولي، ثم يأتي ليأخذني عند انتهاء محاضراتي.
وفي أول يوم، وقفت أمام السيارة وأنا أنظر إليه باستغراب وقلت : "حبيب ، أنا هعرف أروح لوحدي عادي ."
نظر إليّ بثقة وقال : "عارف ."
"أومال بتوصلني ليه؟"
ابتسم وقال : "عشان أنا عايز أطمن عليكي بنفسي ."
حركت رأسي بيأس و أنا أقول : "مفيش فايدة فيك ."
ضحك وقال : "ولا فيكي ."
وبمرور الأيام ، لم أعد أعترض .
بل أصبحت أنتظره عند انتهاء محاضراتي، وما إن أراه حتى أشعر براحة غريبة.

كنتُ أعود معه إلى المنزل، نتحدث عن يومنا، وأحيانًا نتوقف في الطريق لشراء شيء بسيط.
حتى حياتي معه داخل المنزل أصبحت مألوفة.
لم أعد أفكر كل يوم في سؤال: كيف تزوجته وأنا لا أتذكره؟
بل بدأت أعيش معه كما لو أن ذاكرتي لم تكن ناقصة أصلًا.
كنتُ أعرف متى يكون متعبًا من نبرة صوته، ومتى يكون مزاجه جيدًا من ابتسامته، وحتى صمته بدأت أفهمه.
أما هو، فكان يتعامل معي بصبر غريب.
لم يحاول يومًا أن يجبرني على تذكر شيء، ولم يضيق عندما أسأله عن تفاصيل من حياتنا للمرة الثانية أو الثالثة.
كان دائمًا يقول:
"مش مهم تفتكري دلوقتي، المهم إنك بخير ."
وكنتُ أصدقه.
بل بدأت أشعر بالأمان معه.
ذلك الشعور الذي لم أكن أظن أنني سأشعر به تجاه شخص لا أتذكر أنني أحببته.

وفي مساء أحد الأيام، كنتُ جالسة في الصالة أرتب بعض الأشياء ، بينما كان حبيب يجلس على الأريكة يتصفح هاتفه .
نظرتُ إليه للحظات دون أن يشعر .
كان هادئًا، مرتاحًا، وكأنه أصبح جزءًا ثابتًا من تفاصيل يومي.
ابتسمت دون قصد.
رفع عينيه فجأة وقال : "بتبصيلي كده ليه؟"
ارتبكت وقلت : "ولا حاجة ."
رفع حاجبه وقال : "آلاء ..."
ضحكت وقلت : "بقولك مفيش يا حبيب ."
ابتسم وعاد إلى هاتفه، بينما شعرتُ بدفء غريب يسري في صدري .
لم أكن أعرف متى حدث ذلك بالضبط ...
لكنني بدأت أتعود عليه.
وبدأت أحب وجوده بجانبي.
وفي تلك اللحظة، رنَّ هاتفي.
نظرت إلى الشاشة فوجدتُ اسم أبي.
أجبت بسرعة و ألقيت السلام و رد عليّ ثم قلت : " عامل ايه يا بابا؟"
جاءني صوته هادئًا، لكنه كان يحمل شيئًا من الجدية : "آلاء ، عايزك انتي وحبيب تيجوا عندنا بكره . "
عقدتُ حاجبي باستغراب وقلت : "بكره ؟ ليه؟ في حاجة و لا ايه ؟"
ضحك ضحكة قصيرة وقال : "لا مفيش ، بس تعالوا ضروري ."
"طب ما تقولي في ايه؟"
قال ببساطة : "لما تيجوا هتعرفي ."
ثم أغلق الهاتف .
ظللتُ أحدق في الشاشة للحظات ، قبل أن أرفع عيني نحو حبيب .
كان ينظر إليّ بتساؤل.
قلتُ : "بابا عايزنا عندهم بكره ، ومش راضي يقولي ليه ..!"
ابتسم وقال : " خير يا حبيبتي بكره نعرف ان شاء ."
نظرتُ إليه بحيرة : "طب مقالش ليه ؟"
قال وهو ينهض من مكانه : " متقلقيش يا آلاء هنشوف بكره ."
أومأتُ، لكن الفضول ظل يعبث بأفكاري.
لم أكن أعلم أن الغد يحمل لي مفاجأة لم تخطر ببالي قط ...

           الفصل الثاني والعشرون من هنا 
تعليقات



<>