رواية الاء من الله الفصل الثاني والعشرون22بقلم حنين سامي
(آلاء)
استيقظتُ في ذلك الصباح وأنا لا أزال أفكر في مكالمة أبي .
" تعالي بكرة ضروري انتي وحبيب ."
منذ أن قالها، وأنا أحاول تخمين السبب، لكنه رفض أن يخبرني بأي شيء .
كان السؤال يلاحقني منذ الليلة الماضية، وكلما حاولتُ أن أجد له إجابة، وجدتُ نفسي أعود إلى النقطة نفسها من جديد . لماذا يريدنا أبي بهذه الضرورة؟ ولماذا أخفى عني السبب؟
خرجتُ من غرفتي بعد أن انتهيت من ارتداء ملابسي ، فوجدتُ حبيب قد انتهى من الاستعداد هو الآخر .
نظر إليّ و قال : "جاهزة ؟"
أومأتُ، ثم سألته للمرة التي فقدتُ عددها : "انت متأكد إنك متعرفش بابا عايزنا ليه؟"
ابتسم وهو يلتقط مفاتيح السيارة : "متأكد ."
ضيقتُ عينيّ و أنا أنظر إليه بشك : "طب ليه حاساك هادي كده ؟"
ضحك وقال : "يعني عايزاني أقلق ليه ؟"
قلت : "أصل بابا لما يقول تعالوا ضروري وميرضاش يقول السبب ، الواحد يقلق ."
اقترب مني وقال مطمئنًا : "متقلقيش ، لو كان في حاجة وحشة لا قدر الله كان قال ."
أومأتُ ، لكن فضولي لم يهدأ .
كان من السهل أن أقتنع بكلام أبي، أو حتى أن أترك الأمر حتى أعرف السبب، لكن عقلي لم يكن يتوقف عن اختلاق الاحتمالات . ومع ذلك، كان وجود حبيب بجانبي يجعل قلقي أخف بطريقة لم أعد أفهمها .
وقبل أن نخرج ، أذّن الظهر ، فنظر إليّ حبيب و قال : "نصلي الأول ؟"
ابتسمتُ و أومأت .
صلينا الظهر سويًا ، وبعد أن انتهينا جلستُ للحظات أقرأ الأذكار ، بينما كان هو يرتب المكان .
لم أكن أعرف لماذا شعرتُ براحة كبيرة في تلك اللحظة .
ربما لأن الصلاة معه أصبحت شيئًا مألوفًا .
شيئًا يشبه تفاصيل البيت التي بدأت أعتادها دون أن أشعر .
في البداية، كنتُ أتعامل مع كل شيء في حياتي الجديدة وكأنه شيء مؤقت، وكأنني أعيش أيامًا لا أعرف إلى أين ستقودني . أما الآن، فهناك تفاصيل صغيرة بدأت تستقر داخلي دون استئذان .
الصلاة معه .
صوته في البيت .
سؤاله الدائم عن دوائي .
طريقته في الاطمئنان عليّ .
حتى وجوده في الغرفة نفسها أصبح شيئًا يبعث في داخلي هدوءًا غريبًا .
لم أكن أعرف متى تحولت هذه الأشياء من مجرد تفاصيل إلى شيء أحتاجه كي أشعر أن يومي طبيعي .
بعدها نزلنا واتجهنا إلى السيارة .
وفي منتصف الطريق ، توقف حبيب أمام أحد محال الحلويات .
نظرتُ إليه باستغراب : "انت هتعمل إيه؟"
قال وهو يفتح باب السيارة : "هنجيب حاجة حلوة و احنا رايحين ."
قلتُ : "ليه ؟"
"هنروح لأهلك بإيدينا فاضية يعني ؟"
ضحكتُ : "بابا أصلًا مش بيحب الحلويات أوي ."
قال : "مش مهم ، والدتك بتحبها ."
نزل و دخل المحل .
جلستُ أراقبه من خلف زجاج السيارة و أنا أبتسم .
كان يتصرف و كأنه يعرف بالضبط ماذا يفعل . حتى في التفاصيل الصغيرة، كان دائمًا يجد طريقة ليجعل الآخرين يشعرون بالاهتمام .
عاد بعد دقائق و هو يحمل عدة علب .
رفعتُ حاجبي : "إيه ده كله ؟"
قال وهو يضعها في السيارة : "مش عارف ، حسيت إننا محتاجين نكرمهم ."
ضحكتُ: "انت غريب ."
ابتسم و لم يرد .
نظرتُ إليه للحظات، وشعرتُ بدفء صغير في صدري .
لم يكن يفعل شيئًا عظيمًا في تلك اللحظة . مجرد علب من الحلوى، وربما كان الأمر عاديًا بالنسبة له . لكنني بدأت ألاحظ تلك الأشياء الصغيرة فيه أكثر مما كنت أفعل من قبل .
وهذا وحده كان يربكني قليلًا .
وصلنا إلى منزل والدي ..
وما إن دخلنا حتى شعرتُ أن هناك شيئًا مختلفًا .
كان البيت أكثر حركة من المعتاد ، و هناك أصوات تأتي من الداخل .
نظرتُ إلى حبيب .
كان يحاول إخفاء ابتسامة صغيرة .
قلتُ بشك : "في إيه؟"
قال بسرعة : "مفيش ."
"حبيب ..."
"يلا ندخل ."
دخلتُ وأنا لا أفهم شيئًا .
وما إن رفعتُ عيني حتى توقفتُ في مكاني .
كان يقف أمامي شخص لم أتوقع رؤيته هنا .
اتسعت عيناي وخرجت الكلمات من فمي دون تفكير : " زيزو ...! "
ابتسم وقال : " ايوا يا ست آلاء ."
لم أصدق عيني .
"إنت جيت ؟!"
ضحك : "لا لسه هناك ."
اقتربتُ منه بسرعة ، ثم تذكرتُ جروحي فتوقفتُ قبل أن أحتضنه بقوة .
اقترب هو مني و احتضنني بحذر .
همس : "وحشتيني ."
ابتسمتُ وأنا أشعر بعينيّ تدمعان : "انت نزلت امتى؟ وليه محدش قالي ؟"
جاء صوت أبي من خلفنا وهو يضحك : " مهو لو عرفناكي ، كانت هتبقى مفاجأة إزاي؟"
التفتُّ فورًا إلى حبيب .
ضيقتُ عينيّ : "إنت كنت عارف؟"
رفع كتفيه ببراءة : "كنت عارف إن في مفاجأة ."
"يعني كنت عارف !"
ضحك : "بصراحة اه ."
ضربته بخفة على ذراعه وقلت : "وأنا قاعدة طول الليل بفكر بابا عايزنا ليه ! ماشي يا حبيب ."
ضحك الجميع .
لم أستطع منع ابتسامتي .
كان وجود أخي أمامي، بعد كل ما مررتُ به، أشبه بقطعة من حياتي القديمة عادت فجأة لتجلس أمامي . شيء مألوف وسط حياة تغيّرت أشياء كثيرة فيها دون أن أختار ذلك .
شعرتُ بسعادة حقيقية، لكن خلفها كان هناك امتنان صامت لكل من أحاط بي في تلك الفترة . لأبي، ولأمي، ولأخي، وحتى لحبيب الذي كان يقف دائمًا في المسافة نفسها، قريبًا دون أن يفرض نفسه عليّ .
جلستُ بجوار أخي، و لم أتوقف عن سؤاله عن رحلته ..
متى وصل؟
لماذا لم يخبرني؟
كيف كانت الرحلة؟
وكم سيبقى؟
وكان هو في المقابل لا يتوقف عن السؤال عني .
"لسه الجرح بيوجعك؟"
"أحيانًا."
"والدواء؟"
قلبتُ عيني و قلت : "باخده ."
نظر إلى حبيب : "متأكد إنها ملتزمة؟"
ضحك حبيب : "بقيت أنا المسؤول عن الدواء والأكل والنوم وكل حاجة ."
نظرتُ إليه بضيق مصطنع : "يا سلام على أساس اني لسه صغيرة ؟!"
ضحك أخي : "خليه يتعب معاكي شوية ."
ابتسمتُ و قلت : " حقيقي هو عامل الواجب و زيادة ."
ثم نظرتُ إلى "حبيب" بحب دون أن أشعر و بادلني النظرات ..
توقفت عيناي عند عينيه للحظات .
لم تكن نظرة طويلة، ولم يحدث فيها شيء استثنائي، لكنها تركت بداخلي ذلك الشعور نفسه الذي بدأ يتكرر كثيرًا مؤخرًا .
شعور يجعل قلبي يهدأ لمجرد أن أراه .
خفضتُ عيني سريعًا، وكأنني أخفي عن نفسي قبل أن أخفي عنه شيئًا .
كان وجود أخي بجانبي يعطيني شعورًا بالأمان .
حتى عندما كان يسألني عن أشياء لا أتذكرها ، لم يجعلني أشعر بالنقص أو الإحراج .
كان كلما لاحظ أنني لا أتذكر شيئًا يغير الموضوع ببساطة .
وربما لهذا أحببتُ وجوده إلى جواري أكثر مما استطعتُ التعبير عنه . كان يذكرني بأنني، رغم كل ما فقدته من ذاكرتي، لم أفقد الأشخاص الذين أحبهم .
و بعد قليل ، أذّن العصر .
ذهب الرجال للصلاة ، وجلستُ أنا و أمي نتحدث .
نظرت إليّ أمي بحنان و قالت : "انتي فعلًا بقيتي أحسن يا حبيبتي ؟"
ابتسمتُ : "الحمد لله يا ماما ، أحسن كتير ."
أمسكت يدي وقالت : "وحبيب عامل معاكي إيه؟"
نظرتُ إليها للحظات ، ثم ابتسمت : "زي الفل يا ماما "
"بيخاف عليكي؟"
ضحكتُ : "ده أنا ساعات بحس إنه بيخاف عليا أكتر مني ."
ضحكت أمي وقالت : "المهم إنه يكون سند ليكي ."
أومأتُ : "هو فعلًا كده .. بجد مش مخليني محتاجة حاجة ."
ثم سألتني : "وانتي مرتاحة معاه؟"
توقفتُ للحظة .
لم أعرف لماذا بدا السؤال أبسط مما أشعر به .
نظرتُ إلى مكان جلوس حبيب ، ثم قلت بهدوء:
"آه يا ماما ... مرتاحة ."
خرجت الكلمة بسيطة، لكنها حملت داخلي أكثر مما توقعت .
مرتاحة .
نعم، كنتُ مرتاحة معه .
أشعر بالأمان عندما يكون بجواري، وأهدأ عندما أسمع صوته، وأبحث عنه بعينيّ دون أن أنتبه . وحتى غيابه القصير بدأ يترك فراغًا صغيرًا لا أعرف متى ظهر أصلًا .
ربما لم يكن هذا حبًا بعد .
وربما كان شيئًا لا أعرف له اسمًا .
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط ...
أن وجوده لم يعد غريبًا عني .
ابتسمت أمي و ربتت على يدي .
"ربنا يهدي سركم ويبعد عنكم أي شر ."
ابتسمتُ دون أن أعرف لماذا شعرتُ بتلك الدفعة الصغيرة في قلبي .
ربما لأنني، للمرة الأولى، لم أشعر أن كلمة "جوزي" مجرد حقيقة أعرفها بعقلي .
بدأتُ أشعر بها في قلبي أيضًا .
بعد انتهاء الصلاة، عاد حبيب و بقية الرجال، وجلسنا جميعًا نتحدث .
وفي أثناء ذلك ، أخذتُ هاتفي واتصلت بغادة .
ما إن ردت حتى قلتُ بحماس : "غادة .."
ضحكت وقالت : "في إيه؟ صوتك فرحان كده ليه؟"
قلتُ بسرعة : "أخويا نزل !"
صمتت للحظة، ثم قالت : "بجد؟!"
"ايوا، ومفاجأة كمان ! بابا و حبيب كانوا عارفين وأنا آخر واحدة أعرف ."
ضحكت : "يا بنتي حمد لله على سلامته ، بجد فرحت أوي ."
"و أنا كمان ."
تحدثنا قليلًا ، وأخبرتها عن كل ما حدث، ثم أغلقت معها وأنا أشعر بسعادة حقيقية .
كانت سعادة مختلفة عن تلك التي شعرتُ بها منذ فترة .
فترة طويلة وأنا أشعر أن حياتي معلقة بين ما أتذكره وما لا أتذكره . أما اليوم، فقد شعرتُ أنني أعيش شيئًا جديدًا دون أن أخاف منه .
وربما كان السبب أن الأشخاص الذين أحبهم كانوا حولي .
وربما كان هناك سبب آخر لم أكن مستعدة بعد للاعتراف به .
وجود حبيب بينهم .
(حبيب)
بعد أن جلسنا جميعًا لبعض الوقت و تناولنا الطعام ، وجدتُ " زياد " ينهض ويتجه نحو الشرفة ، ثم التفت إليّ وقال : "حبيب ، ممكن تيجي معايا شوية؟"
أومأتُ له وتبعته .
وقفنا في الشرفة، بينما كان صوت العائلة يأتي من الداخل .
ظل صامتًا للحظات، ثم قال : "بابا حكالي كل حاجة ."
نظرتُ إليه باهتمام .
أكمل : "حكالي عن اللي حصل لآلاء، وعن الفترة اللي فاتت، وعن إنك كنت واقف جنبها من أول لحظة."
تنفستُ بهدوء وقلت : "دي مراتي ، طبيعي أكون جنبها ."
نظر إليّ بابتسامة صغيرة : "أنا عارف ."
ثم أسند يده إلى سور الشرفة وقال : "بصراحة ، أنا كنت خايف عليها جدًا وأنا بعيد . ولما عرفت اللي حصل ، أول حاجة فكرت فيها إني أنزل أشوفها بنفسي و الحمد لله ظبطت أموري بالعافية و عرفت أنزل ."
أومأتُ : "ده حقك يا زياد ."
نظر إليّ مباشرة وقال : "وعايز أقولك شكرًا ."
ابتسمتُ باستغراب :
"على إيه؟"
"إنك بتحبها و بتعاملها كويس ."
سكتُّ للحظة .
لم أجد ما أقوله .
فكلمة "شكرًا" هذه لم تكن بسيطة بالنسبة لي . كنت أعرف حجم ما مرّت به آلاء، وأعرف أن وجودي إلى جوارها ليس فضلًا مني . إنها زوجتي، والمرأة التي أحبها، والشيء الوحيد الذي كنت أريده منذ البداية هو أن تشعر بالأمان معي، حتى لو لم تتذكر لماذا .
ثم قلتُ بهدوء : "أنا مش بعمل حاجة زيادة عن اللي تستحقه ."
ابتسم وقال :."يمكن بالنسبة لك مش زيادة ، بس بالنسبة ليا الموضوع مهم ."
ثم اقترب مني قليلًا وقال بنبرة جادة : "أنا عارف إن الفترة الجاية مش سهلة . هي لسه بتحاول تتأقلم مع اللي حصل ، ولسه في جزء من حياتها مش فاكرينه ."
أومأتُ : "عارف ."
"فخليك صبور معاها معلش .. آلاء بجد طيبة بس صعب إنها تاخد على حد بسرعة ."
ابتسمت : "ده اللي بحاول أعمله و عارف طبع آلاء و هي في عيوني ."
قال : "ومتضغطش عليها إنها تفتكر ."
نظرتُ إليه بثبات : "عمري ما عملت و لا هعمل كده ."
تنفس براحة ، ثم قال : "و أهم حاجة ... متخليش أي حاجة تحصل بينكم تخليها تحس إنها لوحدها ."
قلتُ : "مش هسيبها لوحدها متقلقش ."
ابتسم وربت على كتفي : "كنت محتاج أسمعها منك ."
وفي تلك اللحظة ، رن هاتفي .
أخرجته من جيبي و نظرت إلى الشاشة .
نفس الرقم الغريب ..
تغيرت ملامحي فورًا .
لم تكن المرة الأولى، وهذا ما جعل الأمر أثقل مما ينبغي . منذ أيام، وهذا الرقم يظهر في أوقات متفرقة، وكأن صاحبه ينتظر لحظة معينة ليقتحم حياتي من جديد .
أغلقت الاتصال دون تردد .
نظر إليّ باستغراب : "مش هترد؟"
قلتُ وأنا أعيد الهاتف إلى جيبي : "رقم غريب مش مهم ."
أومأ ولم يسأل أكثر.
لكنني كنت أعرف أن الأمر ليس مجرد رقم عشوائي.
لقد بدأ الاتصال يتكرر منذ أيام.
والآن ، أمامي شخص من الماضي يرفض أن يختفي تمامًا .
شعرتُ بانقباض في صدري، لكنني دفعته جانبًا .
ليس الآن .
ليس وآلاء بدأت أخيرًا تستعيد هدوءها .
نظرتُ من الشرفة إلى الداخل ، فوجدت آلاء تضحك مع والدتها .
هدأت ملامحي .
كانت تضحك من قلبها .
وهذا وحده كان كافيًا لأعرف أنني لن أسمح لأي شيء أن يفسد الهدوء الذي بدأت تعيشه .
لن أسمح للماضي أن يصل إليها .
حتى لو اضطررتُ لأن أواجهه وحدي .
( آلاء )
مر الوقت سريعًا ، و حان وقت العودة .
ودعتُ أهلي و أخي ، ووعدني أخي أن يزورنا قريبًا .
وفي طريق العودة ، كنتُ أتحدث بحماس عن كل شيء حدث .
قال حبيب وهو يبتسم : "واضح انك كنتي محتاجة تشوفيه ."
قلتُ : "أوي بجد ."
ثم نظرتُ إليه بازدراء : "وشكرًا إنك كنت عارف و مقولتليش ."
ضحك : "لو كنت قولتلك ، مكنش هيبقى في مفاجأة "
"بس كنت هرتاح من التفكير ."
"و كنتي هتبوظي المفاجأة ."
ضحكتُ : "ماشي هعديها المرة دي ."
ابتسمتُ وأنا أستند إلى مقعدي .
كان الطريق عاديًا، لكنني كنت أشعر بشيء مختلف .
كنت أتكلم معه بسهولة، أضحك معه دون أن أفكر، وأعاتبه على أشياء صغيرة دون أن أشعر أنني أتعامل مع شخص غريب .
وهذه العفوية تحديدًا كانت أكثر ما يربكني .
متى أصبح الأمر بيننا بهذه السهولة؟
متى أصبحتُ أبحث عن ابتسامته بعد أن أقول شيئًا؟
ومتى أصبحتُ أشعر أن طريق العودة إلى البيت لا يكتمل إلا بوجوده إلى جواري؟
عندما وصلنا إلى المنزل ، دخلتُ لأغير ملابسي ، بينما ذهب حبيب ليغير هو الآخر .
وبعد دقائق، خرج مرتديًا ملابس منزلية بسيطة، وشعره مرتب بعناية .
نظرتُ إليه للحظات دون أن أشعر .
فلاحظ وقال بابتسامة : "مالك ؟"
أبعدتُ عيني سريعًا : "ولا حاجة ."
اقترب قليلًا : "كنتي بتبصيلي ."
ضحكتُ بإحراج : "هو ممنوع أبص لجوزي يعني؟"
قال : " لا ده انتي تبصي براحتك و تعملي أكتر من كده كمان ."
هززتُ رأسي : "خلاص بقا ."
شعرتُ بحرارة خفيفة في وجهي، وحاولتُ أن أنشغل بأي شيء آخر حتى لا يلاحظ ارتباكي .
لم يكن هناك شيء غريب في أن أنظر إلى زوجي .
لكن الغريب أنني بدأت أراه بطريقة مختلفة .
كنت ألاحظ تفاصيله أكثر .
ابتسامته .
نبرة صوته .
طريقته في النظر إليّ .
وأشياء كثيرة لم أكن أنتبه لها من قبل .
جلس بجانبي ، و تحدثنا قليلًا عن اليوم .
كنتُ أشعر براحة غريبة .
كأن حياتي بدأت تستقر فعلًا .
وكأنني، بعد كل الفوضى التي مررتُ بها، بدأت أخيرًا أجد مكانًا أستطيع أن أتنفس فيه دون خوف .
لكن تلك الراحة لم تستمر طويلًا .
رن هاتف حبيب .
نظر إلى الشاشة .
تغيرت ملامحه للحظة ، ثم أغلق الاتصال .
نظرتُ إليه : "مين؟"
قال : "رقم غريب ."
بعد دقائق ، رن الهاتف مرة أخرى .
ثم مرة ثالثة .
و في كل مرة كان يتجاهله .
قلتُ : "واضح إن الرقم ده مُصر ."
تنهد : "في ناس مبتفهمش من أول مرة ."
لم أعلق .
لكنه في إحدى اللحظات فتح تطبيق التعرف على هوية المتصل ، ونظر إلى الشاشة لثوانٍ .
ظهر له الاسم ..
( نرمين )
تجمدت ملامحه ..
أغلق التطبيق فورًا و وضع الهاتف جانبًا .
أما أنا فلم أرَ الاسم .
كل ما رأيته هو أنه أصبح أكثر ضيقًا .
لاحظتُ ذلك، لكنني لم أسأله .
ربما لأنه لم يكن مستعدًا للحديث .
وربما لأنني، بطريقة ما، وثقتُ به بما يكفي لأترك الأمر يمر .
في وقت لاحق من الليل ، جلستُ على السرير أتصفح هاتفي الجديد .
كنتُ أراجع بعض الرسائل ، عندما ظهر إشعار من رقم مجهول .
فتحتُ الرسالة ..
"انتي متأكدة إنك عارفة كل حاجة عن جوزك؟"
قطبتُ حاجبي .
أعدتُ قراءة الرسالة مرة أخرى .
شعرتُ بشيء بارد يمر داخلي .
لم أفهم لماذا أثرت فيّ جملة واحدة إلى هذا الحد .
ثم وصلت رسالة ثانية :
"في حاجات عن حبيب لازم تعرفيها ."
شعرتُ بانقباض بسيط في صدري .
رفعتُ عيني نحو حبيب .
كان مشغولًا بشيء في الجهة الأخرى من الغرفة ، ولم يكن منتبهًا إليّ .
عدتُ أنظر إلى الهاتف .
حاولتُ أن أقنع نفسي بأنها مجرد رسالة سخيفة من شخص مجهول .
لكن شيئًا بداخلي لم يستطع تجاهلها .
ثم وصلت رسالة ثالثة :
"لو عايزة تعرفي الحقيقة ... متثقيش في كل اللي بيتقالك ."
توقفتُ عن التنفس لثوانٍ .
لم أفهم من أرسلها .
ولم أفهم لماذا اختارني أنا .
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا ...
هناك شخص ما يحاول أن يزرع الشك في رأسي .
نظرتُ إلى حبيب مرة أخرى .
كان أمامي كما هو .
الرجل نفسه الذي كان يطمئنني عندما أخاف .
الرجل الذي كان يذكرني بدوائي .
الرجل الذي كان يصلي معي .
الرجل الذي بدأت أشعر بالأمان لمجرد وجوده بالقرب مني .
فكيف يمكن لشخص منحني كل ذلك أن يكون هناك شيء لا أعرفه عنه؟
حاولتُ أن أدفع الفكرة بعيدًا .
لا .
لا أريد أن أشك فيه بسبب رسالة مجهولة .
لكن الكلمات كانت قد دخلت بالفعل إلى رأسي، وبمجرد أن دخلت، لم يعد من السهل إخراجها .
ولأول مرة منذ أن بدأت أشعر بالأمان معه ...
تساءلتُ :
" ماذا لو كان هناك شيء لا أعرفه؟"
ظللتُ أنظر إليه للحظات .
كان هادئًا، لا يعرف شيئًا عما يدور داخلي .
أما أنا، فكنتُ أشعر بأن شيئًا صغيرًا قد تغيّر .
ليس ثقةً انهارت .
ولا حبًا اختفى .
بل مجرد سؤال ...
سؤال صغير، لكنه كان كافيًا لأن يجعل قلبي الذي بدأ يطمئن إليه، يرتجف للمرة الأولى .
الفصل الثالث والعشرون من هنا
