رواية الاء من الله الفصل الخامس والعشرون25 بقلم حنين سامي



رواية الاء من الله الفصل الخامس والعشرون25 بقلم حنين سامي



(حبيب)

جلستُ على طرف الأريكة ، وأنا أحدق في الباب المغلق أمامي منذ أن دخلت آلاء الغرفة.

لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت وأنا جالس على تلك الحال ، أحدّق في الباب كأنني أنتظر منه أن يُخبرني بما يدور خلفه ، أو أن يفتح من تلقاء نفسه فتخرج منه آلاء ، وتنظر إليّ بالطريقة التي اعتدتُها منها ، فأعرف عندها أن كل شيء سيكون بخير .

لكن الباب ظل مغلقًا .

وآلاء لم تخرج .

كنتُ قد خلعتُ سترتي وربطة عنقي ، وألقيتُهما بإهمال فوق المقعد القريب ، وما إن عدتُ إلى البيت حتى شعرتُ أنني أريد التخلص من كل شيء يضغط على صدري ، حتى لو كان مجرد قطعة قماش تلفّ عنقي .

لكنني لم أستطع التخلص من ذلك الشعور الذي ينهشني من الداخل .

وضعتُ يدي على وجهي وزفرتُ بضيق .

"أنا عملت إيه بس عشان كل ده يحصل؟"

خرج السؤال من بين شفتيّ خافتًا ، وكأنني أخشى أن تسمعني آلاء من خلف الباب ، فتظن أنني ألومها على ما حدث .

لم أكن ألومها .

كيف ألومها وأنا أعرف ما مرّت به ؟ كيف أطلب منها أن تثق بي ثقة كاملة ، بينما هي نفسها لا تستطيع الوثوق بذاكرتها ؟

لكنني ، رغم تفهّمي لكل ذلك ، لم أستطع منع الألم من التسلل إلى قلبي .

منذ أن رأيتها تفتح باب مكتبي ، وأنا أشعر أن كل شيء خرج عن سيطرتي .

لم أكن أتوقع أن تأتي إلى المكتب أصلًا ، ولم أكن أتوقع أن تجد نرمين هناك في تلك اللحظة تحديدًا .

كنتُ أحاول منذ أسابيع أن أغلق ذلك الباب نهائيًا ، أن أنهي الأمر دون أن أسمح للماضي بأن يمدّ يده إلى حياتي من جديد .

نرمين كانت من الماضي .

ماضٍ لم أعد أريده ، ولا أريد أن يكون له أي مكان في حياتي الحالية .

لم تكن آلاء تعرف كل شيء عن ذلك الماضي ، لكنني لم أكن أريد أن تعرفه بهذه الطريقة ، ولا أن تجد نفسها فجأة أمام امرأة تتصرف وكأن لها الحق في الاقتراب مني ، بينما أنا لم أعد أريد منها شيئًا .

والآن ، بسبب ظهورها المفاجئ ، عادت آلاء إلى البيت وهي تحمل في عينيها تلك النظرة التي رأيتها يومًا بعد الحادثة .

نظرة الخوف .
نظرة الشك .

نظرة شخص يريد أن يصدّق ، لكنه يخشى أن يكون تصديقه بداية وجع جديد .

مررتُ يدي في شعري ، وأغمضتُ عينيّ ، فظهرت صورتها أمامي من جديد .

كيف نظرت إليّ حين رأت نرمين بين ذراعيّ .

كيف تراجعت تلك الخطوة الصغيرة ، وكأن شيئًا ما بداخلها انكسر قبل أن أتمكن حتى من إبعاد نرمين عني .

كنتُ أريد أن أركض خلفها ، أن أمسك يدها وأخبرها أن الأمر ليس كما ظنت ، لكنني كنتُ أعرف أن الكلمات وحدها لن تمحو الصورة التي رأتها بعينيها .

والآن ، لم أعد أعرف إن كان صمتي سيمنحها فرصة للهدوء ، أم سيترك عقلها وحيدًا مع أسوأ الاحتمالات .

وضعتُ يدي على رأسي وزفرتُ ببطء .

"يا رب بس تفهمني ..."

لم أكن أعرف ماذا أفعل .

هل أطرق الباب مرة أخرى ؟

هل أتركها تهدأ ؟

هل أشرح لها كل شيء الآن ، حتى لو اضطررتُ إلى مواجهة أسئلة لا أملك لها إجابات كاملة ؟

لكنها حتى لم تسمح لي أن أتكلم .

وفجأة ، سمعتُ صوت المفتاح .

رفعتُ رأسي بسرعة ، واستقمتُ في جلستي ، ثم نهضتُ قبل أن أستوعب أنني تحركت .

انفتح باب الغرفة ، وخرجت آلاء بخطوات بطيئة .

توقفتُ في مكاني .

كانت عيناها متورمتين من البكاء ، وملامحها شاحبة بصورة جعلت قلبي ينقبض .

حتى وقفتها بدت مختلفة ؛ كتفاها منخفضان قليلًا ، وأصابعها متشبثة بشيء تحمله في يدها ، وكأنها تستمد منه ثباتًا لا تجده في نفسها .

لكنها لم تنظر إليّ .

كانت تنظر إلى شيء في يدها .

هاتف ..
هاتفها القديم !

شعرتُ وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميّ .

لم أستطع حتى أن أتنفس للحظات .

نظرتُ إليها ، ثم إلى الهاتف ، ثم عدتُ لأنظر إليها ، محاولًا أن أستوعب كيف وصل إليها ، وماذا رأت فيه ، وكم سؤالًا آخر ستضطرني إجاباته إلى فتح أبواب كنتُ أؤجل فتحها منذ عودتها إلى حياتي .

قالت بصوت هادئ بصورة أخافتني أكثر من صراخها :

"إيه ده يا حبيب؟"

لم أجب .

لم تكن المشكلة أنني لا أملك إجابة ، بل أنني كنتُ أعرف أن أي إجابة سأقولها الآن لن تكون كافية لتهدئة ما في عينيها .

ابتلعتُ ريقي وقلت :

"آلاء ..."

رفعت الهاتف قليلًا ، دون أن ترفع عينيها إليّ .

"انت قلت لي إن التليفون ده ضاع ."

أغمضتُ عيني للحظة .

كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما .

لكنني لم أتخيل أنها ستأتي بهذه الطريقة ، بعد يوم كهذا ، وبعد أن أصبحت المسافة بيننا أكبر مما يحتمله قلبي .

قلتُ بهدوء :

"أنا كنت هقولك ."

ضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي فرح و قالت :
"إمتى؟ بعد ما ألاقيه بالصدفة؟"

تقدمتُ نحوها خطوة ، ثم توقفت حين لاحظتُ كيف اشتدت أصابعها حول الهاتف .

لم أرد أن تشعر بأنني أحاصرها ، حتى لو كان كل ما أريده هو أن أقترب منها وأضمها إلى صدري .

قلت : "أنا خبّيته ..."

رفعت عينيها إليّ أخيرًا .

كان في نظرتها شيء جعلني أتمنى لو أنها صرخت في وجهي بدلًا من ذلك الهدوء المؤلم .

"ليه؟"

صمتُّ .

كيف أشرح لها أنني كنتُ أخشى عليها من ذكرياتها ، وأنني في الوقت نفسه كنتُ أخشى من اليوم الذي ستكتشف فيه أنني أخفيتُ عنها شيئًا ؟

كيف أخبرها أنني أردتُ حمايتها ، دون أن يبدو الأمر وكأنني قررتُ وحدي ما يحق لها أن تعرفه عن حياتها ؟

قلتُ أخيرًا : "عشانك ."

قطبت حاجبيها وقالت بسخرية مريرة : "عشاني؟"

أومأتُ ، لكنني لم أستطع أن أزيح عينيّ عن وجهها .

"التليفون ده كان معايا من يوم الحادثة .. و عليه حاجات من الفترة اللي انتي مش فاكرها ... وأنا كنت خايف ترجعي تشوفيها فجأة لان الدكتور قايل نبعد عنك أى ضغط ."

نظرت إلى الهاتف في يدها ، ثم إليّ وقالت :
"يعني كنت بتكدب عليا؟"

تألمتُ من الكلمة .

ربما لأنني كنتُ أعرف أن لها الحق في قولها ، وربما لأنني لم أحتمل أن تراني في تلك اللحظة شخصًا آخر غير الرجل الذي حاول طوال الوقت أن يكون ملجأها الآمن .

"أنا خبّيت الحقيقة اه ... بس مكنش قصدي أخدعك ."

"بس انت قلت لي إنه ضاع ..!"

"عارف ."

خرجت مني الكلمة خافتة .

لم أجد ما أدافع به عن نفسي ، لأنني مهما شرحتُ لها أسبابي ، ستظل هناك حقيقة واحدة لا يمكنني تغييرها .

لقد كذبتُ عليها .

حتى لو فعلتُ ذلك بدافع الخوف عليها ، فإنني لم أمنحها حق الاختيار .

قالت ، وقد ارتجف صوتها للمرة الأولى : "وليه؟ ايه اللي مش عايزني اشوفه؟!"

تنهدتُ ، وشعرتُ أن كل الكلمات التي رتبتها في رأسي طوال الأسابيع الماضية تتزاحم في حلقي ، فلا أستطيع إخراجها كما ينبغي .

"لأني كنت خايف عليكي يا آلاء . كنتي لسه خارجة من حادثة ، وذاكرتك مش كاملة، وأنا كنت شايف قد إيه مجرد ذكرى صغيرة كانت بتتعبك . مكنتش عايز أفتح عليكي كل حاجة مرة واحدة .. كنت عايزك تاخدي وقتك ."

ظلت صامتة .

راقبتُ عينيها وهي تتحركان بعيدًا عني ، كأنها تحاول أن تجد في مكان آخر إجابة لا تستطيع رؤيتها في وجهي .

ثم قالت : "و كان ممكن تقولي .. بدل ما كل يوم بصحى تايهة و حاسه ان في حاجة ناقصة ..!"

توقفتُ للحظة ثم قلتُ بصوت أخفض : "كنت خايف أقولك فتدوري وراء كل حاجة بنفسك ."

سكتنا للحظات .

لم أسمع خلالها سوى أنفاسنا المتقطعة .

ثم رفعت عينيها إليّ وقالت :

"أنا افتكرت حاجة .."

توقفت أنفاسي .

نسيتُ الهاتف للحظة ، ونسيتُ كل ما كنتُ أفكر فيه .

لم يبقَ في رأسي سوى تلك الجملة .

افتكرت حاجة .

أيعني هذا أن ذاكرتها بدأت تعود بالفعل ؟ أم أن الأمر مجرد صورة عابرة ستختفي قبل أن أستطيع فهم ما تعنيه ؟

قلتُ بحذر : "إيه؟"

نظرت إلى الأرض وقالت : "أمجد ."

شعرتُ بشيء يسقط في صدري .

اقتربتُ منها خطوة ، متجاهلًا الألم الذي بدأ يتسلل إلى قلبي ، لأنني كنتُ أعرف أن ما يحدث لها الآن أهم من مشاعري .

قلت : "افتكرتيه؟"

أومأت ببطء وقالت : "افتكرت إنه خانني ."

لم أعرف ماذا أقول .

كانت هذه أول مرة تخبرني بنفسها أن جزءًا من ذاكرتها بدأ يعود .

أردتُ أن أسألها عما تذكرته ، وأن أعرف إن كانت قد استعادت تفاصيل أكثر ، لكنني خشيتُ أن أضغط عليها فتغرق في ذلك الألم من جديد .

قلتُ بحذر : "افتكرتي ايه بالظبط؟"

رفعت عينيها إليّ ، وكانت الدموع تملأهما .

"افتكرت اليوم اللي شفته فيه ... مع واحدة تانية ."

سكتت لحظة ، ثم أضافت بصوت مكسور : "افتكرت إحساسي وقتها ."

انقبض قلبي .

لم أحتج إلى أن تخبرني كيف كان ذلك اليوم ، فقد كنتُ أعرف بعض ما فعله بها .

كنتُ أعرف كيف يمكن للخيانة أن تجعل الإنسان يشك في كل كلمة يسمعها ، وفي كل وعد يُقال له ، بل وفي نفسه أحيانًا .

لكن معرفة ذلك شيء ، وأن تجد نفسك فجأة متهمًا بأنك الرجل الذي تسبب في الجرح نفسه شيء آخر .

ومع ذلك ، حاولتُ أن أتماسك .
لكن ما قالته بعدها جعل أعصابي تفلت مني .

"يمكن عشان كده لما شفتك معاها ... حسيت بنفس الحاجة ."

حدقتُ فيها غير مصدق .

"إيه؟"

"حسيت إني رجعت لنفس اليوم ."

هززتُ رأسي ، وشعرتُ بحرارة الغضب تصعد إلى صدري .

لم يكن غضبًا منها وحدها .

كان غضبًا من نرمين ، ومن توقيت ظهورها ، ومن نفسي لأنني لم أجد طريقة تمنع كل هذا من الحدوث ، ومن الماضي الذي ظل يلاحقنا حتى بعدما ظننتُ أنني أبعدته عنا .

قلتُ نافيًا :

"بس أنا مش أمجد ."

قالت بسرعة ، وكأنها تحاول أن توضح لي شيئًا لم تستطع حتى هي فهمه :

"أنا عارفة ، بس اللي شوفته ..."

قاطعتها بانفعال :

"اللي شوفتيه إيه يا آلاء؟! واحدة دخلت مكتبي فجأة و حضنتني غصب عني، وأنا طردتها قدامك وقلت لك إني بحبك ومش عايز غيرك و كمان قلت الكلام ده قدامها !"

ارتجفت ملامحها .

رأيتُ ذلك بوضوح ، ورأيتُ كيف انكمشت أصابعها حول الهاتف ، لكنني كنتُ قد فقدتُ هدوئي .

كنتُ أريدها أن تفهم أنني لم أختر ذلك الموقف ، وأنني لم أسمح لنرمين بالاقتراب مني ، وأنني لم أخفِ عنها مشاعري يومًا .

لكنني ، في اندفاعي ، لم أنتبه إلى أنني كنتُ أطالبها بأن ترى الأمور بعينيّ ، بينما هي لا تزال تحاول أن تفهم ما رأته بعينيها هي .

قلتُ بانفعال :

"انتي عايزة تقوليلي إني خنتك؟!"

لم تجب .

انتظرتُ منها كلمة واحدة .

أي كلمة تخبرني بأنها تعرفني ، أو بأنها على الأقل تحاول أن تصدقني .

لكنها بقيت صامتة .

نظرتُ إليها بألم وقلت :

"انتي فعلًا شايفاني زي أمجد؟"

خفضت عينيها .

وكان صمتها كافيًا .

شعرتُ بغصة في حلقي ، وبشيء ثقيل يضغط على صدري حتى صرتُ أجد صعوبة في ابتلاع ريقي .

لم تكن المسألة أنني أريدها أن تراني رجلًا مثاليًا لا يخطئ .

كنتُ أعرف عيوبي جيدًا ، وأعرف أنني لستُ أفضل رجل في العالم .

لكنني كنتُ أريدها أن تعرف شيئًا واحدًا على الأقل .

أنها بالنسبة إليّ لم تكن امرأة عابرة يمكن أن أستبدلها بأخرى .

أنني لم أخترها لأن الظروف دفعتني إليها ، ولا لأنني لم أجد غيرها .

لقد اخترتها بقلبٍ كان يعرفها قبل أن تعرف هي نفسها ماذا تعني له .

والآن ، كنتُ أقف أمامها ، عاجزًا عن إقناعها بأنني لم أفعل بها ما فعله رجل آخر .

قلتُ بصوت أكثر انفعالًا :

"طيب انتي بعد ما اكتشفتي خيانة أمجد ... روحتي لمين؟!"

رفعت رأسها فجأة وقالت :

"إيه؟"

اقتربتُ خطوة ، ولم أعد قادرًا على إخفاء ذلك الوجع الذي تراكم داخلي .

"بعد ما اكتشفتي خيانته، روحتي لمين يا آلاء؟!"

كانت تنظر إليّ وكأنها لا تفهم .

ربما لأنها لا تتذكر .

ربما لأنها لم تتخيل أن وراء ذلك الجزء المفقود من حياتها قصة لا أعرف كيف أحكيها لها دون أن أفضح معها أشياء أخرى .

لكنني كنتُ قد بدأتُ الكلام ، ولم أعد قادرًا على التوقف .

قلتُ بحرقة وأنا أشير إلى نفسي :

"مين اللي وقف جنبك؟ مين اللي شال عنك اللي كنتي فيه؟ مين اللي كان بيشوفك بتنهاري قدامه كل يوم؟ مين اللي كان بيتعذب عشانك وانتي مش قادرة حتى تبصي في عينه؟!"

توقفت الكلمات في حلقي .

وفي اللحظة نفسها ، أدركتُ أنني قلتُ شيئًا لم تكن تعرفه .

رأيتُ ذلك في اتساع عينيها ، وفي الطريقة التي تبدلت بها ملامحها وهي تحاول أن تفهم ما الذي أعنيه .

كان بإمكاني أن أتراجع .

أن أبتلع بقية الكلمات ، وأن أترك لها فرصة لتسألني حين تكون مستعدة .

لكنني كنتُ متعبًا .

متعبًا من أن أرى نفسي غريبًا في عيني المرأة التي أحبها ، ومن أن أحاول حماية قلبها بينما أجد قلبي أنا ينزف بصمت .

فقلت :

"أنا مش أمجد يا آلاء .. أنا ممكن أكون وحش و انسان مش كويس بس أنا عمري ما خنتك ."

صمتُّ لحظة .

ثم خرجت مني الكلمات التالية أكثر هدوءًا ، لكنها كانت أشد إيلامًا من كل ما سبقها .

"أنا كنت الشخص اللي انتي لجأتي له بعده ."

نظرت إليّ بعينين متسعتين .

وهنا شعرتُ أن شيئًا ما تغيّر في ملامحها .

لم أعرف ما الذي يدور في رأسها ، لكنني رأيتُها تتراجع نصف خطوة ، وكأن جملة واحدة كانت كافية لتفتح أمامها بابًا لم تكن تعرف بوجوده .

ولأول مرة منذ أن خرجت من الغرفة ، لم تنظر إليّ باعتباري الرجل الذي أخفى عنها هاتفها فحسب .

بل باعتباري شخصًا ربما كانت له مكانة في حياتها أكبر بكثير مما تتذكر .

(آلاء)

توقفتُ عن التنفس للحظة .

"بعده ...؟"

ظلت الكلمة تتردد داخل رأسي .

بعده؟

ماذا يقصد حبيب؟

كنتُ أعرف أمجد .

أعرف اسمه ، وأعرف أنه خانني ، وأعرف ذلك الألم الذي شعرتُ به وأنا أراه مع امرأة أخرى .

لكن ماذا حدث بعد ذلك؟

لماذا بدا حبيب وكأنه يتحدث عن شيء كان من المفترض أن أعرفه؟

ولماذا شعرتُ أنني على وشك تذكر شيء مهم ، بينما كلما حاولتُ الاقتراب من تلك الذكرى ، وجدتها تتراجع بعيدًا عني؟

رفعتُ عينيّ إلى حبيب .

كان واقفًا أمامي ، والغضب في عينيه بدأ يتحول إلى ألم .

لم أعتد أن أراه هكذا .

حتى عندما يغضب ، كنتُ أشعر أنني أعرف ما وراء غضبه ، وأنني أستطيع الوصول إليه بكلمة أو نظرة .

لكنني الآن لم أكن أعرف ماذا أقول له ، ولا كيف أفسر ما حدث داخلي عندما رأيته مع نرمين .

هل كنتُ أراه هو فعلًا؟

أم أنني كنتُ أرى أمجد للحظة ، وأضع وجه حبيب فوق وجه الرجل الذي جرحني؟

قال بهدوء :

"انتي مش فاكرة ، صح؟"

لم أستطع الإجابة .

هززتُ رأسي ببطء .

"أنا ... مش فاكرة بجد."

خرج صوتي ضعيفًا ، وكأن الاعتراف نفسه أثقل مما أستطيع احتماله .

كنتُ أكره هذه الجملة .

أكره أن أضطر إلى قولها كلما سألني أحد عن شيء من حياتي ، وأكره أكثر أن أراها في عيون الأشخاص الذين يحبونني ، حين يحاولون إخفاء حزنهم لأنني لا أتذكر ما يتذكرونه عني .

اقترب مني حبيب ، لكنه توقف قبل أن يصل إليّ .

قال :

"بعد ما عرفتي اللي حصل، كنتِ منهارة . وأنا اللي أخدتك معايا البيت . وأنا اللي فضلت جنبك ."

وضعتُ يدي على رأسي .

لماذا لم أتذكر؟

لماذا بدا وكأنه يعرف عني أشياء أكثر مما أعرفه عن نفسي؟

أغمضتُ عينيّ ، أحاول أن أتشبث بأي خيط يقودني إلى تلك الفترة المفقودة .

وفجأة ...

رأيتُ شيئًا .

كنتُ أمشي في الشارع ، والهواء يلامس وجهي ، وأنا أتحدث على الهاتف .

لم أكن أرى ملامحي بوضوح ، ولم أستطع تذكر المكان ، لكنني شعرتُ بذلك الإحساس الغريب الذي يسبق البكاء ، حين يكون الإنسان على وشك الانهيار ولا يريد أن يسمعه أحد .

كنتُ أقول :

"حبيب .. خليك معايا."

ثم أتى صوته .

صوته الذي أعرفه .

صوته الذي بدا لي في تلك اللحظة مألوفًا إلى درجة جعل قلبي ينقبض من الحنين ، رغم أنني لم أكن أعرف إلى أي شيء أحنّ .

"أنا معاكي دايما يا حبيبتي."

ارتجفتُ .

لم تكن مجرد كلمات سمعتها في رأسي .

كان هناك شيء في نبرة صوته ، شيء جعلني أشعر أنني لم أكن أطلب منه أن يبقى معي فحسب ، بل كنتُ أتشبث به كما يتشبث الغريق بشيء ينقذه من الغرق .

ثم رأيتُ مشهدًا آخر .

يدًا تمتد نحوي .

حضنًا دافئًا .

قبلاته المتفرقة .

وصوتًا حنونًا يقول :

"يا بخت اللي في حياته آلائي ، حياته كلها هتبقى مليانة بالنِعَم التي لا تُعد و لا تُحصى."

كدتُ أمد يدي نحو تلك الصورة .

كدتُ أتمسك بها ، أن أطلب منها أن تبقى قليلًا ، أن تمنحني فرصة لأرى وجه صاحب ذلك الصوت بوضوح .

لكنها اختفت .

اختفت فجأة ، كأن أحدهم أغلق بابًا في وجهي .

أغمضتُ عينيّ بقوة ، ثم فتحتهما وأنا أتنفس بصعوبة .

كان حبيب لا يزال أمامي .

كان ينظر إليّ بقلق ، وكأنه رأى التغيير الذي حدث في ملامحي ولم يعرف سببه .

قلتُ بصوت متردد :

"أنا شفت حاجة ..."

سألني حبيب :

"إيه؟"

حاولتُ أن أرتب ما شعرتُ به ، لكن الكلمات لم تكن كافية .

كيف أشرح له أنني رأيته في مكان ما داخل رأسي ، وأن صوته كان مألوفًا إلى حد جعلني أشعر بأنني أفتقد شيئًا لا أعرف ما هو؟

قلت :

"مش عارفة ... بس حسيت إني سمعت صوتك."

سكت للحظة .

رأيتُ شيئًا يتبدل في عينيه ، شيئًا يشبه الأمل الذي يحاول صاحبه ألا يرفعه عاليًا حتى لا ينكسر .

ثم قال :

"لأن صوتي كان فعلًا جنبك و أنا شخصيًا كنت جنبك يا آلاء."

شعرتُ بالدموع تنزل على وجهي .

لم أعرف إن كنتُ أبكي لأنني بدأتُ أتذكر ، أم لأنني لا أستطيع تذكر المزيد .

ربما كان الأمران معًا .

رفعتُ يدي ومسحتُ دموعي ، لكن دموعًا أخرى سبقتها .

قلتُ بلوم :

"ليه أنا مش فاكرة؟"

قال بهدوء :

"عشان اللي حصل لك كان كتير .. والذاكرة مش مفتاح بندوس عليه فتفتح كلها مرة واحدة."

نظرتُ إليه .

كنتُ أريد أن أصدقه .

أردتُ أن أصدقه لأن صوته كان يطمئنني ، ولأن شيئًا في داخلي شعر بالراحة حين سمعتُه يقول إنه كان بجانبي .

لكنني كنتُ خائفة أيضًا .

خائفة من أن أستعيد ما حدث فأكتشف أنني فقدتُ أشياء أخرى لا أعرف حتى الآن أنني فقدتها .

وخائفة من أن أظل هكذا ، أعيش نصف حياتي وأبحث عن نصفها الآخر في ذاكرة لا تستجيب لي .

انخفضت عيناي إلى الهاتف القديم .

كان لا يزال بين يديّ ، باردًا وثقيلًا ، وكأنه يحمل تلك الفترة التي لا أستطيع الوصول إليها .

قلت :

"و عشان كده خبيت التليفون؟"

أومأ .

"آه."

"كان عليه إيه؟"

تردد للحظة ، ولم يفتني ذلك التردد .

راقبتُ وجهه وأنا أنتظر إجابته ، وشعرتُ أنني أحاول أن أقرأ بين كلماته أكثر مما أستمع إليها .

قال :

"عادي صور ورسائل وحاجات من الفترة اللي انتي مش فاكرها."

انقبض قلبي .

صور ورسائل .

أشياء تخصني ، وتخص حياتي ، وتخص أيامًا عشتُها بالفعل ، لكنني لا أستطيع تذكرها .

نظرتُ إليه وقلت :

"كنت خايف منها؟"

أجابني دون تردد هذه المرة :

"كنت خايف عليكي منها."

أخفضتُ عينيّ .

لم أكن أعرف ماذا أفعل بهذه الإجابة .

جزء مني أراد أن يغضب منه لأنه أخفى عني شيئًا يخصني ، وجزء آخر أراد أن يصدقه ، لأنني رأيتُ في عينيه خوفًا لم أعرف كيف أفسره .

كنتُ أشعر أنني أقف بين بابين .

باب يقودني إلى الحقيقة التي أريد معرفتها ، وباب يقودني إلى الأمان الذي أحتاج إليه .

ولم أكن أعرف إن كان عليّ أن أفتحهما معًا ، أم أن أحدهما سيغلق في وجهي إن اقتربتُ من الآخر .

سكتُّ قليلًا ، ثم سألتُ السؤال الذي ظل يضغط على صدري منذ عدنا إلى البيت .

"ونرمين؟"

تنهد حبيب .

"نرمين كانت جزء من حياتي قبل ما اتجوزك ، و انتهى . هي اللي رجعت تحاول تدخل حياتي تاني . وأنا من أول مرة اتصلت بيّا وأنا بتجاهلها."

نظرتُ إليه .

"عشان كده كنت بتقفل المكالمات؟"

"آه."

"ومقولتش ليه؟"

قال :

"لأني كنت عارف ان ممكن تضايقي و كنت فاكر إن تجاهلها كفاية."

ظللتُ أنظر إليه .

كنتُ أبحث في وجهه عن شيء لا أعرف ما هو .

علامة صغيرة تطمئنني .

كلمة تزيل الشك .

أي شيء يجعل الصورة التي رأيتها في مكتبه أقل إيلامًا مما كانت عليه .

لكنني لم أستطع أن أنسى منظر نرمين وهي تقترب منه ، ولا اللحظة التي شعرتُ فيها بأنني أقف خارج شيء لا أعرف عنه شيئًا .

كان جزء مني ما زال متألمًا .

وجزء آخر بدأ يتساءل إن كنتُ قد ظلمته .

هل أخذ عقلي المشهد الجديد ، ووضعه فوق ذكرى أمجد القديمة؟

هل رأيتُ حبيب كما رأيتُ أمجد ، لأنني لم أستطع احتمال فكرة أن الرجل الذي أحببته يومًا قد يخونني مرة أخرى؟

هل كنتُ أحاول حماية نفسي من وجع قديم ، أم أنني كنتُ على وشك أن أتسبب في وجع جديد لرجل لم يفعل شيئًا سوى أنه أحبني؟

لم أكن أعرف .

وذلك كان أكثر ما يؤلمني .

أنني لم أعد أعرف كيف أميز بين خوفي والحقيقة .

مسحتُ دموعي وقلت :

"أنا آسفة يا حبيب."

رفع عينيه إليّ .

"على إيه؟"

"إني قارنتك بيه."

اقترب مني هذه المرة .

كان وجهه لا يزال يحمل أثر انفعاله ، لكن صوته حين أجابني كان أهدأ مما توقعت .

قال :

"أنا مش زعلان عشان كده .. أنا زعلان إنك صدقتي إن ممكن أعمل فيكي اللي هو عمله."

شعرتُ بوخزة في صدري .

لم أكن أريد أن أكون سببًا في تلك النظرة بعينيه .

لم أكن أريد أن أجعله يشعر أن كل ما فعله من أجلي لا قيمة له ، أو أنني أضعه في مقارنة مع رجل آخر لمجرد أنني خفت .

خفضتُ رأسي وقلت بتيه :

"أنا نفسي مش فاهمة اللي بيحصل جوا دماغي."

خرجت الكلمات مني صادقة إلى حد جعلني أشعر بالعجز أكثر .

كنتُ أحتاج إلى أن يفهمني أحد ، بينما لم أكن قادرة على شرح نفسي حتى لنفسي .

قال حبيب :

"وأنا مش هضغط عليكي."

ثم مدّ يده نحو الهاتف القديم ورفعه من يدي برفق .

لم يقبض على أصابعي ، ولم يحاول أن ينتزعه مني .

فقط انتظر حتى تركته له .

كانت تلك الحركة الصغيرة كافية لأن تجعلني أتنفس براحة لم أكن أعرف أنني أحبسها .

قال :

"ولو مش عايزة تشوفيه دلوقتي براحتك."

نظرتُ إليه .

كنتُ أعرف أنه يحاول أن يمنحني فرصة للابتعاد عن كل ما يؤلمني ، لكنني لم أعد أريد أن أظل بعيدة عن الحقيقة .

ربما كنتُ أخشى ما سأجده .

وربما كنتُ أخشى أكثر أن أظل أعيش هكذا ، أرى حياتي في عيون الآخرين ولا أستطيع الوصول إليها بنفسي .

قلت :

"بس أنا عايزة أعرف الحقيقة."

أومأ وقال :

"هتعرفيها كلها ... بس واحدة واحدة و أنا معاكي."

تعلقت عيناي بوجهه للحظة .

كانت كلمات بسيطة ، لكنها جعلت شيئًا داخلي يهدأ قليلًا .

لم أكن أعرف إن كنتُ أستطيع أن أستعيد ذاكرتي ، ولا كم سيستغرق الأمر ، لكنني شعرتُ أنني لستُ مضطرة إلى مواجهة كل شيء وحدي .

سكتُّ للحظات .

ثم باغتني حبيب بسؤاله :

"صحيح انتي جيتي المكتب ليه؟ كنتي عايزة حاجة؟"

توترتُ للحظة .

عادت الرسائل إلى رأسي فجأة .

الرسالة التي دفعتني إلى الذهاب إلى مكتبه ، والكلمات التي جعلتني أظن أنني على وشك اكتشاف شيء خطير .

لم تكن نرمين وحدها ما أخافني اليوم .

كان هناك شخص آخر يراقبني من مكان لا أعرفه ، يعرف عن حبيب أشياء لم يخبرني بها ، ويختار بعناية ما يرسله إليّ ومتى يرسله .

نظرتُ إلى حبيب .

كان ينتظر إجابتي دون أن يبدو عليه الشك .

قلت :

"هو أنا مينفعش آجي مكتب جوزي؟"

نفى برأسه وقال :

"أنا بس استغربت لأنها مش من عادتك .. المكتب بتاعك يا مراتي تنوري في أى وقت."

ابتسمتُ ابتسامة صغيرة .

كان بإمكاني أن أخبره .

كان بإمكاني أن أخرج هاتفي وأريه الرسائل ، وأن أقول له إن شخصًا مجهولًا يتعمد إثارة شكوكي ، وإنني لم أذهب إلى مكتبه من تلقاء نفسي تمامًا .

كان بإمكاني أن أضع كل شيء أمامه وأتركه يساعدني في فهمه .

لكنني لم أفعل .

ليس لأنني لا أثق به ...

بل لأنني لم أعد أثق في نفسي .

كيف سأشرح له أنني صدقتُ كلمات شخص مجهول ، ثم ذهبتُ إلى مكتبه وأنا أحمل الشك في قلبي؟

كيف سأعرف إن كانت الرسائل تكشف حقيقة أم تحاول أن تصنع واحدة؟

وكيف سأواجهه إن اكتشفنا معًا أنني ظلمته مرة أخرى بسبب شيء لم أفهمه؟

رفعتُ عيني إلى حبيب وقلت :

"حبيب ..."

"نعم؟"

ترددتُ .

كدتُ أتكلم .

كدتُ أخبره بكل شيء .

لكن الكلمات توقفت عند طرف لساني ، وشعرتُ أنني أحتاج إلى وقت أرتب فيه أفكاري ، وأفهم ما الذي أخشاه تحديدًا .

قلت أخيرًا :

"أنا محتاجة شوية وقت."

ابتسم ابتسامة صغيرة ، رغم الإرهاق الذي كان واضحًا على وجهه .

"خدي وقتك."

لم يسألني لماذا .

لم يطلب مني أن أشرح .

ولم يحاول أن ينتزع مني اعترافًا لم أكن مستعدة لتقديمه .

وذلك جعلني أشعر بالامتنان والذنب في الوقت نفسه .

استدرتُ واتجهتُ نحو الغرفة .

كنتُ أشعر بثقل اليوم كله فوق كتفيّ ، وبأن رأسي لم يعد قادرًا على استيعاب المزيد .

وقبل أن أدخل ، توقفتُ للحظة .

شيء ما مر داخل رأسي مرة أخرى .

صورة سريعة ...

أنا أبكي .

أجلس في مكان لا أستطيع تمييزه ، ووجهي غارق بالدموع .

وهو يجلس أمامي .

يده ممدودة نحوي .

وصوته يقول :

"أنا مش هسيبك لوحدك."

ارتعشتُ ووضعتُ يدي على صدري .

لم تكن الصورة واضحة بما يكفي لأعرف متى حدث ذلك ، لكن الإحساس الذي تركته في داخلي كان قويًا .

إحساس بأنني كنتُ ضعيفة في يوم ما ، وأن هذا الرجل الذي أقف أمامه الآن لم يتركني وحدي .

ثم اختفت الصورة .

التفتُّ إليه .

كان لا يزال واقفًا في مكانه ، ينظر إليّ كما لو أنه يريد أن يتأكد من أنني بخير دون أن يسألني مرة أخرى .

نظرتُ إليه طويلًا .

لأول مرة منذ أن فتحتُ الدرج ، لم أره كرجل أخاف أن يخونني ...

بل كرجل ربما كانت هناك قصة كاملة بيني وبينه ، وأنا وحدي من نسي نصفها .

كان ذلك الاحتمال مخيفًا بقدر ما كان مريحًا .

لأنني إذا كنتُ قد أحببته يومًا إلى هذا الحد ، فكيف استطعتُ أن أنسى؟

وإذا كان قد وقف بجانبي في أكثر لحظاتي ضعفًا ، فكيف سمحتُ لخوفي بأن يجعلني أراه غريبًا؟

لم أجد إجابة .

دخلتُ الغرفة وأغلقتُ الباب بهدوء .

أما الهاتف القديم ، فظل في يد حبيب .

ولم أكن أعرف أن الشيء الموجود بداخله لن يعيد إليّ ذكرياتي فقط ...

بل سيقودني إلى الحقيقة التي أخفاها عني الجميع .

وفي مكان آخر ...

كان هاتفي الجديد يضيء برسالة من الرقم المجهول .

لم أفتحها .

ليس الآن .

كنتُ أظن أنني بحاجة إلى بعض الوقت لأستوعب ما حدث اليوم ، ولم أكن أعرف أن الوقت الذي أطلبه لن يمنحني الراحة التي أبحث عنها .

بل سيمنح ذلك المجهول فرصة أخرى ليصل إليّ .

(حبيب)

مرّت ساعات بعد حديثنا ، لكنني لم أشعر أن شيئًا عاد إلى طبيعته تمامًا .

كنتُ جالسًا في الصالة ، أحاول أن أشغل نفسي بأي شيء ، لكن أفكاري كانت تعود إليها مهما حاولتُ الهرب منها .

آلاء لم تعد غاضبة كما كانت ، لكنها أيضًا لم تعد تلك الفتاة التي كانت تضحك معي على أبسط الأشياء .

كنتُ أراها تتحرك أمامي بهدوء ، وتجيبني عندما أسألها ، لكنها كانت شاردة في أغلب الوقت .

أحيانًا كنتُ ألتفتُ إليها فأجدها تنظر إلى شيء أمامها دون أن تراه حقًا ، وأحيانًا أخرى كنتُ ألمحها ترفع يدها إلى رأسها ، ثم تتوقف وكأنها تحاول الإمساك بذكرى أفلتت منها قبل أن تتمكن من فهمها .

وأنا ...

لم أستطع أن ألومها .

هي لا تزال تحاول أن تجمع قطعًا من حياتها المفقودة ، وأنا أخبرتها اليوم عن أشياء كثيرة دفعة واحدة .

ربما كنتُ قاسيًا حين انفعلتُ عليها .

ربما لم يكن من العدل أن أطالبها بأن تفصل بيني وبين أمجد ، بينما هي لا تزال تعيش أثر ما فعله بها ، دون أن تمتلك حتى ذكرياتها كاملة لتفهم ما يحدث داخلها .

لكنني كنتُ بشرًا أنا الآخر .

كنتُ أريدها أن تثق بي .

أن تنظر إلى عينيّ وتعرف أنني لا أكذب حين أقول إنني أحبها .

أن تتذكر ، ولو للحظة ، أنني لم أكن يومًا الرجل الذي يخيفها ، بل الرجل الذي حاول أن يمنحها الأمان حين لم يعد العالم كله يبدو آمنًا بالنسبة إليها .

ومع ذلك ، كنتُ أعرف أن الحب وحده لا يمحو الخوف .

وأنني سأحتاج إلى الصبر ، حتى لو اضطررتُ إلى الوقوف أمامها مرات كثيرة وأنا أشرح لها الحقيقة نفسها .

جلستُ في الصالة وحدي لبعض الوقت ، حتى سمعتُ أذان العشاء .

رفعتُ رأسي نحو الغرفة ، ثم وقفتُ واتجهت إليها .

لم أرد أن أتركها وحدها أكثر مما تحتاج ، ولم أرد أيضًا أن أجعلها تشعر بأنني أراقب كل حركة تقوم بها .

طرقتُ الباب طرقًا خفيفًا .

"آلاء؟"

جاءني صوتها من الداخل :

"نعم؟"

"العشاء أذنت."

سكتت لحظة ، حتى ظننتُ أنها لن تجيب ، ثم قالت :

"حاضر."

ابتعدتُ عن الباب وانتظرتُ .

بعد دقائق خرجت ، وتوضأنا ، ثم وقفنا نصلي معًا كما اعتدنا .

وقفتُ بجانبها ، وشعرتُ براحة غريبة تسري في داخلي .

لم يكن كل شيء على ما يرام ، ولم تختفِ المسافة التي شعرتُ بها بيننا منذ ساعات ، لكن وجودها بجانبي كان كافيًا ليذكرني بأن هناك أشياء ما زالت تجمعنا ، حتى لو عجزت ذاكرتها عن استحضارها الآن .

حاولتُ طوال الصلاة أن أهدئ نفسي .

كنتُ أريد أن أترك كل شيء لله ، أن أتوقف عن محاولة إصلاح كل شيء بكلماتي ، وأن أتعلم كيف أكون بجانبها دون أن أطالبها بأن تتجاوز ألمها بالسرعة التي أريدها أنا .

وبعد أن انتهينا ، جلستُ للحظات ، ثم التفتُّ إليها .

كانت تجلس بجانبي ، وعيناها معلقتان في الأرض .

لاحظتُ أن أصابعها تعبث بطرف ثوبها في حركة صغيرة متكررة ، وكأنها تحاول أن تشغل نفسها عن أفكارها .

قلتُ بهدوء :

"آلاء ..."

رفعت عينيها إليّ وقالت :

"نعم؟"

ابتسمتُ ابتسامة صغيرة ، أحاول أن أزيل شيئًا من التوتر الذي يملأ المكان .

"مش عايزنا ننام و احنا زعلانين من بعض."

نظرت إليّ بصمت .

أكملت :

"حتى لو لسه جواكي حاجات كتير مش فاهماها ، وحتى لو لسه مش مطمنة مية في المية ... أنا مش هضغط عليكي."

تنهدتُ ، ثم نظرتُ إلى يديّ للحظة قبل أن أرفع عيني إليها من جديد .

"بس متبعديش عني عشان حاجة حصلت النهارده وانتي أصلًا مش عارفة كل تفاصيلها."

رأيتُ أثر كلماتي في ملامحها .

انخفضت عيناها ، وانطبقت شفتاها للحظة ، ثم قالت بخفوت :

"أنا مش عايزة أبعد عنك يا حبيب."

شعرتُ براحة صغيرة تسللت إلى صدري .

لم تكن تلك الجملة كافية لتمحو ما حدث ، لكنها كانت كافية لتمنحني شيئًا أتمسك به .

كنتُ أخشى أن تكون قد قررت الابتعاد عني ، وأن تكون كل محاولاتي لشرح الحقيقة قد جعلتها تشعر بأنها لا تعرفني كما كانت تظن .

لكنها قالت إنها لا تريد الابتعاد .

وهذا ، في تلك اللحظة ، كان كل ما أحتاج إلى سماعه .

قلتُ : "طيب بصيلي."

رفعت عينيها .

حاولتُ أن أبتسم ، لكنني كنتُ جادًا حين قلت :

"أنا عمري ما هطلب منك تنسي اللي حصل مع أمجد ، ولا هطلب منك تتجاهلي خوفك . بس عايزك تفرقي بيني وبينه."

هزت رأسها ببطء وقالت :

"أنا عارفة إنك مش هو."

ابتسمتُ .

"وده كفاية عندي."

ساد بيننا صمت قصير .

كنتُ أريد أن أقول لها أشياء كثيرة ، لكنني خشيتُ أن أحوّل تلك اللحظة إلى حديث آخر عن الماضي والخوف والشك .

لذلك قررتُ أن أترك لها فرصة تتنفس .

ثم قلتُ ممازحًا :

"وبعدين أنا مش مستعد أخسر لقب أحسن واحد بيعملك فطار."

ضحكت رغمًا عنها وقالت :

"إنت؟ أحسن واحد يعمل فطار؟!"

وضعتُ يدي على صدري بتصنع الصدمة .

"أمال مين؟"

"أنا طبعًا."

ضحكتُ وقلت :

"آه صح ... نسيت إن حضرتك بتعملي فطار وبعدين تفضلي طول اليوم تفكريني إنك عملتيه."

رفعت حاجبها وقالت :

"عشان تعرف قيمتي."

"قيمتك محفوظة يا ست الكل."

ابتسمت .

كانت ابتسامتها هذه المرة أقرب إلى ابتسامتها المعتادة ، ورغم أنها لم تدم طويلًا ، فإنني شعرتُ وكأن نافذة صغيرة فُتحت في غرفة ظلت مغلقة لساعات .

اكتفيتُ بأن أبادلها ابتسامتها ، وأحفظ شكلها في قلبي .

لأنني كنتُ أعرف أنني سأحتاج إلى تذكر تلك الابتسامة في الأوقات التي سيبدو فيها كل شيء بيننا صعبًا .

جلسنا نتحدث قليلًا عن أشياء بسيطة ، عن الجامعة والعمل ، وعن الطعام الذي سنعده في اليوم التالي .

كنتُ أتعمد ألا أفتح موضوع الماضي مرة أخرى .

كنتُ أريد أن أعطيها فرصة تتنفس ، وأن أتركها تشعر بأن حياتنا لم تتحول فجأة إلى سلسلة من الأسئلة والتحقيقات والذكريات المفقودة .

تحدثتُ معها عن أشياء عادية ، وكنتُ أراقبها من حين إلى آخر ، أحاول أن أطمئن إلى أنها لم تعد غارقة في أفكارها كما كانت قبل قليل .

وفجأة ...

أضاء هاتفها .

توقفت عن الكلام .

لم يكن التوقف طويلًا ، لكنه كان كافيًا لألاحظه .

نظرت إلى الشاشة .

ولاحظتُ أن ملامحها تغيرت في لحظة .

اختفت الابتسامة التي كانت على وجهها ، وتصلبت أصابعها فوق الهاتف ، حتى خُيّل إليّ أنها نسيت تمامًا أنني أجلس بجانبها .

قلتُ :

"في إيه؟"

لم تجب .

حدقت في الشاشة لثوانٍ ، ثم أغلقتها بسرعة وقالت :

"ولا حاجة."

نظرت إليها باستغراب .

كان هناك شيء في حركتها لم يطمئنني .

لم تكن حركة شخص تلقى رسالة عادية ، بل شخص فوجئ بشيء لم يكن يريد رؤيته .

قلت :

"حد بعتلك؟"

"آه."

"مين؟"

ترددت للحظة وقالت :

"معرفش."

تأملتُ وجهها .

كانت تحاول أن تبدو طبيعية ، لكنها لم تنجح تمامًا .

رأيتُ التوتر في عينيها ، والطريقة التي أبعدت بها الهاتف عني قليلًا ، وكأنها تخشى أن أرى ما ظهر على شاشته .

قلت :

"رقم غريب؟"

أومأت ، ثم أضافت بسرعة :

"تصبح على خير يا حبيب."

قطبت حاجبي وقلت :

"بدري كده؟"

"أنا تعبانة."

نظرتُ إليها لثوانٍ .

كنتُ أعرف أن هناك شيئًا تخفيه .

لم أستطع أن أحدد ما هو ، لكنني شعرتُ أن الأمر أكبر من مجرد رسالة أزعجتها .

وللمرة الأولى منذ ساعات ، وجدتُ نفسي أتساءل إن كان هناك شيء آخر يحدث في حياتها لا أعرف عنه شيئًا .

لكنني لم أرد أن أضغط عليها .

لقد وعدتُها بأن أمنحها وقتها ، ولم أكن أريد أن أجعلها تشعر بأن عليها أن تخبرني بكل ما يدور في رأسها لمجرد أنني زوجها .

ربما كانت لا تزال متأثرة بما حدث اليوم .

ربما كانت تحتاج إلى أن تختلي بنفسها قليلًا .

قلتُ أخيرًا :

"طيب ... تصبحي على خير يا حبيبتي."

أومأت ، ثم نهضت بسرعة واتجهت نحو الغرفة .

وقفتُ أراقبها حتى أغلقت الباب خلفها .

ظللتُ في مكاني للحظات .

لم أعرف لماذا شعرتُ بذلك الانقباض الغريب في صدري .

شيء ما لم يكن طبيعيًا .

لم يكن لديّ دليل على ذلك ، ولم أكن أريد أن أسيء الظن بها بعد كل ما حدث بيننا .

لكنني كنتُ أعرف آلاء .

وأعرف أن هناك فرقًا بين صمتها حين تكون متعبة ، وصمتها حين تخاف من شيء لا تريد أن تخبرني به .

تنهدتُ ، ثم نهضت لأرتب المكان وأطفئ الأنوار .

حاولتُ إقناع نفسي بأن الغد سيكون أفضل .

لكن صورة وجهها حين نظرت إلى الهاتف ظلت عالقة في رأسي ، حتى بعد أن انطفأت الأنوار .

(آلاء)

أغلقتُ باب الغرفة ، وأسندتُ ظهري إليه .

بقيتُ واقفة في مكاني لثوانٍ ، أحاول تهدئة ضربات قلبي .

لم أكن أعرف لماذا شعرتُ بالخوف بمجرد رؤية الرسالة .

ربما لأنني بدأتُ أربط بين ذلك الرقم المجهول وبين كل ما حدث اليوم .

وربما لأنني كنتُ أخشى أن تكون هناك حقيقة أخرى تنتظرني ، حقيقة لن أستطيع التعامل معها بعد كل ما مررتُ به .

أخرجتُ هاتفي مرة أخرى .

كان الرقم نفسه .

الرقم المجهول الذي أرسل لي الرسائل السابقة .

ظللتُ أحدق فيه ، وشعرتُ ببرودة تسري في أطراف أصابعي .

من أنت؟

ولماذا أنا تحديدًا؟

كيف تعرف أشياء عن حبيب لا أعرفها أنا؟

ولماذا تختار أن ترسلها إليّ بهذه الطريقة ، وكأنك تريد أن تدفعني إلى نتيجة معينة دون أن تمنحني فرصة لفهم ما يحدث؟

كانت هناك صورة .

لم تكن هناك كلمات كثيرة هذه المرة .

فقط صورة وصلتني من شخص لا أعرفه ، في وقت لم أكن أملك فيه القدرة على مواجهة المزيد من الأسرار .

حدقتُ فيها دون أن أفتحها .

كان بإمكاني أن أحذفها .

كان بإمكاني أن أتجاهلها ، وأن أضع الهاتف جانبًا ، وأحاول أن أنام كما قلتُ لحبيب .

كان بإمكاني أن أختار ألّا أعرف شيئًا آخر الليلة .

لكن أصابعي لم تتحرك .

ظللتُ واقفة عند الباب ، والهاتف بين يديّ ، بينما تتصارع داخلي رغبتان .

رغبة في إغلاق كل شيء ، والعودة إلى تلك اللحظة التي كنتُ أجلس فيها بجانب حبيب وأضحك معه على حديث الفطار .

ورغبة أخرى ، أشد قسوة ، كانت تدفعني إلى معرفة ما يريد هذا الشخص إيصاله إليّ .

كنتُ أعرف أن تجاهل الرسالة لن يجعلها تختفي من رأسي .

وأنني إذا تركتها دون أن أفتحها ، فسأظل أتساءل طوال الليل عما تخفيه .

ابتعدتُ عن الباب ببطء ، واتجهتُ نحو السرير .

جلستُ على طرفه ، وأبقيتُ الهاتف أمامي .

كانت الغرفة هادئة إلى حد جعلني أسمع أنفاسي بوضوح .

رفعتُ يدي إلى صدري ، وضغطتُ عليها قليلًا ، أحاول أن أهدئ ضربات قلبي .

لم أكن خائفة من الصورة وحدها .

كنتُ خائفة من نفسي .

من الطريقة التي أصبحتُ بها أرتجف أمام كل شيء لا أفهمه ، ومن أن عقلي بات يحوّل كل احتمال إلى حقيقة محتملة ، ثم يتركني وحدي أواجه الألم الذي يصنعه ذلك الاحتمال .

لكنني كنتُ قد تعبتُ من الهرب .

أردتُ أن أعرف .

حتى لو كانت الحقيقة مؤلمة .

حتى لو اضطررتُ إلى مواجهة شيء لم أكن مستعدة له .

مددتُ إصبعي نحو الشاشة .

توقفتُ للحظة .

نظرتُ إلى الباب المغلق ، وتذكرتُ حبيب وهو يقول لي إنه لن يضغط عليّ ، وإنني سأعرف الحقيقة كلها ، لكن واحدة واحدة ، وهو معي .

شعرتُ بوخزة من الذنب .

لقد طلبتُ منه أن يمنحني وقتًا ، ثم جلستُ الآن أمام سر آخر لا يعرف عنه شيئًا .

كنتُ أريد أن أخبره .

لكنني لم أستطع .

ليس قبل أن أعرف ما الذي أحاول فهمه أصلًا .

عدتُ أنظر إلى الهاتف .

ثم ضغطتُ على الصورة .

انتظرتُ لحظة حتى ظهرت أمامي .

وفي الثانية التي اتضحت فيها تفاصيلها ...

تجمدتُ .

اتسعت عيناي ، وشعرتُ بأن أنفاسي توقفت في منتصف صدري .

وضعتُ يدي على فمي ، وأنا أحدق في الشاشة غير مصدقة ما أراه .

"يا الله ..."

لم تكن الصورة مجرد محاولة لإثارة شكوكي هذه المرة ...

كانت شيئًا أسوأ بكثير .
تعليقات



<>