
كدت تموت بسببي
القصر ليس بغريب عليها لكن ذلك الجناح هو حقا مختلف، هو يعادل شقتها كلها ومع ذلك لم تكن تهتم وهي تذرع الغرفة بخطوات مجنونة مما يحدث بل مما حدث وهي تفرك أصابعها والغضب والجنون أصابها
منذ ما حدث ورجاله ألقوها بتلك الغرفة واختفى هو وهي لن تبقى هنا..
كانت حبيبة نائمة فهي لم تشعر بما حدث وأعجبت بالقصر والمكان وقت وصولهم لكنها عادت للنوم مرة أخرى..
تحركت خارجة بلا هدى ولا تعرف إلى أين تذهب؟
النهار بدأ بالظهور والممر الطويل أمامها جعلها تلتفت يمينا ويسارا محاولة تذكر أي اتجاه حتى اتخذت قرارها
نزلت السلم المستدير عندما اتضح البهو الكبير أمامها ورأت رجال كثيرة تتحرك هنا وهناك حتى رأت سيف يخرج من مكان جانبي ويغلق بابه الكبير خلفه وتحرك للرجال
تحركت تجاهه عندما انتبه لها وتوقف باحترام وهي تقول بغضب "أين راكان سيف؟"
تجهم وجهه وهو يرى الغضب المرتسم بعيونها الذهبية وهو يندهش أنها لا تهاب العمدة وتناطحه العناد والقوة
قال "بالمكتب دكتورة و.."
وبدون أن يكمل استنتجت أن المكتب هو المكان الذي خرج منه فتحركت تجاهه وسيف يستوعب ما تفعله ليتبعها
لكنها كانت قد وصلت وفتحت الباب بلا تفكير ودخلت وهي تهتف "اسمع راكان أنا.."
وتوقفت وعيونها تتسع عن آخرها عندما سقطت عيونها عليه يجلس على الأريكة وبلا قميص، صدره وظهره عاري..
لم تكن تلك هي المشكلة، بل الرجل الواقف خلفه يمسك بالأداة الطبية ويخيط الجرح والشاش والقطن الملقاة على المائدة ملطخة بالدماء فشعرت بالذهول يتولاها والرعب يأخذها عليه
لف وجهه لها وكأن الرجل لا يخيط جرحه وظلت جامدة ويدها على المقبض ولم تشعر بسيف بجوارها وهو يقول "آسف يا عمدة ولكن.."
هز رأسه وقال "لا عليك سيف، أين الخطأ دكتورة؟"
شحب وجهها وهي بالأساس كانت شاحبة مما رأت وهي تستوعب ما حدث وما يحدث وتتذكر ما كان عند السيارة وسقوط جسده عليها ثم التفت هو وسلاحه بيده وطلقاته تنطلق مع رجال حراسته وأضاء الظلام بأعيرة النيران
حتى هدأ الجميع فدفعها للسيارة بجوار حبيبة ولم تسمع كلماته عندما دخل أحد رجاله وانطلق بالسيارة مبتعدا عن المكان وهي تنظر خلفها بذعر وراكان اختفى وسط رجاله وانتهت هنا بالقصر بلا كلمة واحدة
خرج سيف ونزعت يدها من المقبض ولم تنطق وكأن لسانها قيد بسلاسل من حديد لا تستطيع فكها، ظلت ثابته مكانها حتى انتهى الرجل والذي بالتأكيد كان طبيب
أعاد الطبيب أدواته لحقيبته وقال "تعرف الدواء يا عمدة، هل تأمر بشيء؟"
نهض وكأنه سليم ليس به أي شيء ولمعت بشرته البرونزية مع أضواء الصباح وظهرت عضلات ظهره بشكل جعلها تخجل من رؤيتها ولكنها رأت ندبات أخرى بجسده وهو يتحرك لمكتبه
جذب سيجار فكه وأشعله بولاعة جده الذهبية ونفخ الدخان وقال "لا، يمكنك الذهاب"
تحرك الطبيب من جوارها ليخرج مغلقا الباب وهي متجمدة مكانها حتى قال دون النظر لها "ألا يأتي يوم تطيعين فيه ما يطلب منك؟"
استعادت نفسها والباب يدق مرة أخرى وسيف يدخل بقميص مطوي بيده وجاكيت وتحرك بهم له وهو يقول "الملابس"
تركهم سيف على الأريكة وتحرك خارجا وهي تستجمع نفسها وتبلل شفاها بلسانها ثم قالت "ذلك الجرح كان من المفترض أن أناله أنا"
أغلق قميصه الذي ارتداه بحرص من جرحه وقد اعتاد الألم منذ الصغر فبدا وكأن لا وجود له، ثبت ربطة العنق وقال دون أن يرتدي الجاكيت "ما الفارق؟"
تحركت وهو يقف أمام النافذة ويكمل التدخين فوقفت خلفه وقالت "كدت تموت بسببي"
لم ينظر لها وهو يقول ودخانه يخفي ملامحه "بل هو أنتِ من كاد يموت بسببي"
نبرته تبدلت والجدية كانت واضحة، العمدة الآن هو من يتحدث فقالت "ولماذا بسببك؟"
التفت لها أخيرا ليلتقي بالذهب بعيونها وشعرها المتهدل بعد ليلة طويلة وما زالت بنفس الفستان العاري والإجهاد واضح على وجهها وقال "ماذا تعنين؟"
رفعت وجهها وقالت بلا تردد "قد يكون لي أعداء أنا أيضا، بعد تجربة الأمس قد يعبث معي الكثيرين"
ابتسم ابتسامة باردة وقال "لا، لستِ السبب دكتورة"
تحركت له حتى وقفت أمامه وسقطت نظراته عليها وقالت "حتى لو، أنت أنقذت حياتي راكان"
ظلت نظراته ثابتة عليها من ارتفاعه الشاهق وهو لم يتخيل أنه بالفعل لم يفكر بحياته عندما لمع بريق السلاح أمامه من نافذة بعيدة وبسرعة الفهد كان يغطيها بجسده ليتلقى الرصاصة بكتفه بدلا منها..
مال تجاهها وقال "العمدة، العمدة هو من أنقذ حياتك، لأن العمدة هو من تعلم كيف يتعامل مع الرصاص"
ظلت جامدة وهو يشير لكلماتها ولم تبعد عيونها عنه وعاد الجفاف لحلقها ولمعت الدموع بعيونها عندما رمشت سقطت واحدة
رفعت يدها ومسحتها وهي تخفض وجهها وتقول "سأظل مدينة بحياتي للعمدة، أعدني بيتي"
رفع وجهها بأصابعه ورأى دموعها وقال "تلك الدموع بسبب ماذا؟"
كانت تحاول التنفس ومجاراة قلبها المتألم بسبب كلماته ودموعها تغطي عيونها وهي تقول "كدت تموت راكان"
ابتسم ولان غضبه فدفع يده بعنقها وجذبها له محتضنا إياها بقوة وهي رفعت يداها وأحاطت خصره بهما وهي تشعر بالحزن والألم بسببه والخوف والفزع مما كان يمكن أن يحدث له
شعر بالراحة لأنها لم تصاب بسوء، هل كان من الممكن أن تصاب هي ويفقدها؟
لا يمكنه تخيل ذلك فلم يعد يمكنه تمرير يوم دون رؤيتها أوسماع صوتها
همس بصوت ظن أنه ليس له "أنا بخير رهف"
ابتعدت دون النظر له وقالت "أنا آسفة لكني خفت، خفت عليك وأنا أفكر بتلك اللحظة وأنك كدت.."
عاد ورفع وجهها له ومرر أصابعه على وجنتها ليسمح دموعها وهو يقول "كدت أموت؟"
الفزع ظهر بعيونها ورفعت يدها لفمه لتوقفه وهي تهتف "لا تقل ذلك أرجوك"
أمسك يدها بين يده وابتسم وعيونها الفزعة تخبره بالكثير وهو أيضا من داخله يشعر بالكثير، الكثير مما لم يعرفه بحياته ومما لم يسمح به زيدان
رفع يدها لفمه وقبلها وقلبها هوى فاقدا للحياة من أنفاسه على يدها وعيونه تخترق عيونها ثم قال "لأول مرة لا أغضب من إصابة أو طلق ناري لأن ذلك جعلني أرى ذلك الخوف بعيونك من أجلي، هل أستحق؟"
عادت الدموع لها وهي تزداد ضعفا بقربه وعيونها لا تفارق عيونه وقالت "بالطبع تستحق راكان، أنت من منحني كل ما أنا عليه الآن، حتى حياتي أنت من حماها من أن أفقدها، السؤال هو، هل أنا من أستحق أن تموت بسببي؟"
عاد يبتسم ويبعد خصلة من شعرها خلف أذنها وقال "بالطبع تستحقين، أنتِ.."
كاد يكمل بكلمات لا يعرف من أين تأتي عندما رن هاتفه بصوت فصلهم جعلها تفزع فتركها وعاد لمكتبه وصوت سفيان يصرخ به بقلق
"راكان هل أنت بخير؟ ماذا حدث؟"
نظر لساعته، كانت الثامنة، هل تسربت الأخبار بتلك السرعة؟
قال "أنا بخير، كيف عرفت؟"
كان سفيان يرتدي جاكته وهو يقول "الميديا راكان"
رفع رأسه لها ولكنها شردت بالمناظر المحيطة بالخارج وقد بدت رائعة حقا
عاد لسفيان وقال "حسنا لقد انتهى الأمر ونحن بخير"
نظر سفيان لنفسه بالمرآة وقال "الدكتورة معك على الميديا راك، الكثير من الشائعات بعيدًا عن أخبار الشركة"
ابتسم وقال "ومنذ متى أهتم بكل ذلك سفيان؟ لا تشغل بالك كل شيء يمر"
هدأ سفيان ولكن علاقة صديقهم ما زالت تحيرهم فقال "وما قلته عن الزواج بالأمس؟"
رفع وجهه وقال "ماذا عنه؟"
تحرك سفيان لخارج غرفته وقال "ماذا عنه؟ لا تلف كثيرًا راكان وأجب، هل كان مزاح بسبب تصرفات تمارا؟"
ابتسم وقال "تعلم أن لا مزاح بمثل تلك الأمور سفيان"
توقف سفيان متجمدا بمكانه وهو لا يصدق فناداه راكان وهو يعلم ما به فقال "حقا لا أصدق ولكن مبارك يا صديقي، حقا أنا سعيد لأجلك"
هز رأسه والباب يدق وقال "أعلم يا صديقي"
أغلق ورأى سيف يتحرك للداخل وهو يقول "الشرطة راكان ويريدون الدكتورة"
التفتت لهم وهو ظل هادئا وهو يقول "هل وصلت الملابس؟"
أجاب سيف "بالطريق، المدير تأخر بفتح المول"
تحرك لها وهي تنظر له حتى وقف أمامها وقال "ستصل ملابس بعد قليل، استبدليها وانزلي لمقابلة الشرطة، يحتاجون أقوالك"
شحب وجهها وهي لا تفهم وتقول "أقوالي بخصوص ماذا راكان؟"
انحنى ليصل لها وقال "لماذا الخوف؟ أنتِ معي، هي بعض الأسئلة بخصوص ما حدث بالفجر"
ظلت تنظر له والباب يدق مرة أخرى والخادمة تدخل وتقول "الملابس وصلت سيدي"
قال بهدوء "ضعيها بجناح الدكتورة"
خرجت المرأة وهي قالت "لماذا لا أعود البيت؟ حبيبة لديها دروس وامتحانات"
قال بنفس الهدوء "أعلم، ستنقلها سيارة لدروسها وتعيدها وامتحان الغد كذلك وأنتِ يمكنك الراحة اليوم"
حدقت به وقالت "لا راكان، لابد أن أذهب الشركة تعلم ماذا ينتظرني، ومن فضلك دعنا نعود البيت"
ابتسم وهو ما زال قريبا منها وقال "لن تذهبي لأي مكان رهف ولا أملك وقت لجدالك الآن فهل تصعدي لتبديل ملابسك، الشرطة لن تنتظر كثيرا ولن تقابليهم هكذا"
كلماته كانت هادئة لكن نبرة الحزم كانت واضحة وتعني أنه لن يسمح لها بالجدال فهزت رأسها وتحركت من أمامه للخارج
بينما ظل هو مكانه وهو يفتح هاتفه ليعبث به وسيف وصل له فقال "هل وصلت لشيء؟"
حدق به سيف وقال "لا، تلك المرة اختفى الرجال كلهم ولم نرى أي واحد منهم"
رأى صوره معها على الميديا وكلها أسئلة عن علاقة العمدة بالدكتورة التي سجلت انتصار رائع بشركاته؟
ثم خبر إطلاق النيران وصورته وهو يحميها بجسده والعنوان "هل هي قصة حب وسط عالم النيران، العمدة يتلقى طلق ناري بدلا من الدكتورة التي أثار وجودها المتتالي معه شكوك الجميع حول وجود علاقة بينهم، هل سقط العمدة أخيرا؟"
ابتسم وقال "الميديا تعشق أخباري سيف"
تجهم وجه سيف "كان عليك توقع ذلك، أنت تصحبها بكل مكان"
رفع وجهه لسيف بنفس الابتسامة وقال "غضب هذا أم اعتراض أم ماذا؟"
نظر له سيف وقال "غضب راكان، كان عليك اتخاذ الحذر"
التف ليقترب من سيف وقال "تجاه ماذا سيف؟"
كانا متماثلين بالطول لذا كانت النظرات بينهم متلاحمة وسيف يقول "تجاه علاقتك بها، ها هم يثيرون الشائعات حولكم، بالنهاية ستعود هي لحياتها وتترك لك الشائعات عن العمدة العابث"
أعجبه اللقب فردده "العمدة العابث، لقب جيد"
وتحرك مبتعدا دون الرد على سيف الذي قال "ماذا ستفعل معها يا عمدة؟ أنت تبقيها ببيتك"
انفتح الباب بلا استئذان ورأى سارة تندفع له وهي تهتف "راكان، راكان ماذا حدث؟ هل أنت بخير؟ ماذا حدث؟"
وقفت أمامه والقلق واضح بعيونها فقال "لا شيء سارة أنا بخير كما ترين، متى عدتِ من شرم؟"
هتفت "بمجرد أن عرفت بالأمر أخذت أول طائرة، من تلك الدكتورة التي كدت تموت بسببها؟"
كان قد وصل لمكتبه وأضاء جهازه وقال "المدير التنفيذي للمشروع الجديد سارة، صورها تغرق الميديا"
تحركت تجاهه والغضب واضح بعيونها "وصورك معها أيضا، هل بينكم شيء؟"
رفع نظراته لها وقال "هل يعنيك الأمر في شيء؟"
تراجعت وهتفت "ماذا!؟ بالطبع راكان، لا تخبرني أن العمدة على علاقة بامرأة غير معروفة؟"
رفع رأسه ومنحها اهتمامه كله وهو يقول "أولا أنا لست على علاقة بها، ثانيا الدكتورة ليست امرأة غير معروفة، الوزير بنفسه أشاد بها وبعملها، ثالثا سارة ماذا لو ارتبط بها ما المغضب بذلك؟"
لم تجد إجابة ولا تعرف لماذا رحلت منها الإجابات فتلعثمت وهي تقول "لا شيء راكان، فقط أنت لم تفكر بالارتباط بأي يوم وهذا يربكني"
عاد للجهاز وقال "لا تفعلي عزيزتي، يمكنني تمييز الخطأ من الصواب"
هتفت بضيق "أنا أتيت لأجلك وأنت.."
عاد لها مرة أخرى وقال "وأنا ماذا؟"
أشاحت بيداها وقال "لا شيء، اللعنة عليك أيها المغرور"
وانطلقت خارجة بينما قال سيف بعتاب "كنت جاف معها راكان"
عاد للعمل أمامه وقال "وهي ماذا سيف؟ هي لم تأتي بسبب الإصابة بل من أجل رهف"
ابتسم سيف وقال "تغار عليك"
رفع وجهه لسيف فتراجع وقال "سأرى الشرطة"
****
تمارا كانت غاضبة حقا وقد ثار الجدال بينها وبين سفيان بسبب ما فعلته مع رهف بالأمس وتركته ونزلت من السيارة وهما غاضبان ولا تعلم سبب رفضها لرهف
كانت قد انتهت من ملابسها وأمسكت هاتفها واتصلت بليان التي كانت بطريقها للخروج وهي تقول "أهلا تمارا كدت أهاتفك"
تحركت تمارا هي الأخرى للخارج وقالت "لماذا؟"
ركبت ليان السيارة وقالت "ألا تعرفين؟ ما الذي حدث لك بالأمس تمارا؟ ما سبب هجومك على الدكتورة؟"
خرجت تمارا من شقتها وقالت "هي تثير غضبي ليان، تسربت داخل الشركات بشكل لا يمكن تصديقه حتى نالت منصب لا يحلم به أحد، والأكثر من كل ذلك أنها تسربت له هو، ألا تلاحظين كيف يعاملها؟ هو لا يتركها لحظة واحدة ونظراته تأكلها، هل رأيتِ الفرير الذي جلبه لها؟ لقد طلبها للزواج أمامنا ليان"
أجابت ليان بدهشة "وما الذي يغضبك بكل ذلك تمارا؟ هي حياته وهو حر بها، ليته يتزوجها، رهف إنسانة رائعة حقا، أنتِ فقط لم تعرفيها جيدا"
قادت تمارا سيارتها وما زالت لا تفهم سبب غضبها وقالت "يتزوجها؟ العمدة ليس رجل زواج، كلنا نعرف ذلك، هل رأيتِ ما كاد يصيبه بسببها؟ تلقى عيار ناري بدلا منها، أنا لا أصدق أنه يفعل ذلك مع امرأة"
صمتت ليان لحظة فنادتها تمارا فقالت "وكأنك تغارين منها تمارا؟"
توقف كل شيء حول تمارا من الكلمة، لا، هي لا تغار هي تحب سفيان ربما هي تحسد رهف على المكانة التي وضعها بها راكان والطريقة التي يعاملها بها لكن غيرة؟ لا
قالت "تتحدثين مثل سفيان، لقد تشاجر معي بالأمس وألمح لذلك، أنا لا أفكر براكان كزوج ليان لكن لا أحب طريقة تلك المرأة معه وكيف وصلت لذلك بتلك السرعة"
هتفت ليان "هي أستاذة تمارا وتجاربها العلمية كلها معتمدة من الجامعة، ليس بالضرورة أن تكون غنية كي يراها راكان وتعجبه، فكم عرف أميرات وعارضات وبنات عائلات ولكنه كما أخبرني وافي لم يرمش لأي واحدة، راكان ليس رجل سطحي تمارا، لا الجمال ولا المال يعنيه بشيء، هو رجل يقدر العلم ويحترمه ورهف كذلك"
ضحكت ساخرة وقالت "حقا!؟ حسنا لننتظر ونرى ماذا ستفعل أستاذة الجامعة مع العمدة"
وأغلقت كلاهم ولكن ليان كانت تشرد بذهنها لبعيد
لو كان راكان يسقط أمام امرأة فلماذا لا يسقط الرجل الذي أحبته؟
أغمضت عيونها وفتحت هاتفها وبحثت بصفحته ولكن لا شيء، كلها أخبار عن المشروع المشترك مع مصر وصوره وهو يحتفل بالافتتاح وقد بدا أفضل وصحته جيدة ولكن ميرندا ليست معه
امرأة نحيفة شقراء هي من وقفت بجواره، ترى هل هي امرأته الجديدة؟
أغلقت عيونها وهي تمنع الألم من أن يهاجمها فقد تخطت تلك المرحلة ولكنها لم تكف عن حبه
****
نظر الضابط لراكان وقال "هذا يعني أنك لا تشك بأحد سيد راكان؟"
أجاب راكان بهدوء وقد اعتاد تلك الأمور "لا"
التفت الضابط لها وقال "ولا أنتِ دكتورة؟"
هزت رأسها وقالت "ولا أنا"
نهض الرجل وتبعه رجلاه وقال "تمام سنقوم ببعض تحرياتنا ونبلغك بها سيد راكان"
أحنى راكان رأسه للرجل الذي خرج وهي تتابع راكان، هو رجل أكبر بكثير مما يعرفه الجميع، يتعامل حقا بما يليق بمكانته لكن معها رجل آخر يتلقى عنادها بهدوء ورفضها بابتسامة وغضبها بصدر رحب وهذا ما يحيرها
ظل الصمت بينهم حتى قطعته هي "راكان لابد أن أذهب"
نهض وتحرك تجاها حتى جلس أمامها وبدا وسيما رغم أن كلاهم لم ينم ولم يرتاح منذ أيام كثيرة بسبب المشروع وتبعه ما حدث بالأمس
قال "ليس قبل أن تجيبي سؤالي"
كانت تحدق بوجهه وهي تسأله "أي سؤال؟"
كانت تعلم ولكنها ظنت أنه نسى أو تراجع أو أي شيء يبعدها عن الحيرة بالإجابة عليه ولكنه قال "تعرفين ما أقصده رهف"
كان عليها مواجهته لأنها لن تفر، بالنهاية ستصل لطريق سد يدفعها لأن تعود وتواجهه فقالت "أجبتك عليه راكان"
ظل صامتا لحظة قبل أن يقول "ترفضين العمدة لكن هل ترفضين راكان؟"
الآن يعترف بالاثنان؟
سؤال مر على ذهن كلاهم وما قاله يعني أنه يفعل فقالت "هل تدرك من أنا؟ ألم تقرأ ما قيل على الميديا عني؟ الجميع يهاجمك لأنك تعاملني بطريقة مميزة فماذا لو أعلنت عن زواجنا؟"
ظل هادئا وهو يقول "كم مرة عليّ إخبارك أني لا أهتم بآراء الآخرين؟ حياتي أمر يخصني، وعندما أقرر بمن أرغب الزواج ليس من حق أحد أن يشاركني قراري"
هو على حق، هي تعرف ذلك عنه جيدا، لا يهتم برأي أحد وكل قراراته نابعة منه هو
الآن حان وقت قرارها، عندما صعدت لترتدي ملابسها وجدت حبيبة مستيقظة وتناقشا بالأمر وحبيبة توافق قلبا وقالبا فهي تقريبا تعشق راكان
سمعته يقول "هو زواج رهف وليس إعدام"
نهض مبتعدا والغضب يلفه من صمتها
هل ترفض راكان أيضا؟ ما الذي يصيبه؟
هو حتى لا يتحمل الانتظار لقرارها ولا يستطيع حتى إجبارها، أشعل سيجار آخر رغم أنه عادة لا يكثر منها ولكن يريد أن يحرق شيء بدلا من أن يحرقها هي بغضبه لكنها قالت "أخاف أن تندم"
نفخ الدخان بعيدا والتفت لها وقال بحزم "أنا لا أعرف الندم رهف، هو سمة الضعفاء وأنا لست ضعيف"
نهضت وتحركت لتقف أمامه وقد أدركت الغضب الواضح بعيونه فقالت "أنت تفهم ما أعنيه راكان وتمارا أكدت ذلك بالأمس أنا.."
قاطعها بقوة "فقط أجيبي بنعم أو لا رهف ولا علاقة لك بالآخرين، هو أنا من يخصك أمره ومن عليك التفكير به وليس سواه"
نظراته كانت غاضبة وأصبحت تعرفها جيدا وكلماته صحيحة لذا أخفضت وجهها وهزت رأسها بالإيجاب ولكنه لم يكتفي وهو يقول "أريد أن أسمعها رهف"
رفعت وجهها له والتقت بعيونه وهي تقول "ماذا تريد أن تسمع؟"
أحنى رأسه تجاها وقال "أنا أوافق على الزواج منك راكان"
عيونه تأخذها وتدفع بها لعالم مختلف، عالم تمنته منذ كانت مراهقة، أن تجد رجل مثله، تريده ويريدها ولكن بمرور السنوات وكثرة المسؤوليات ضاع الحلم ونسته والآن الحلم يتحقق ويصبح واقع وحقيقة
لذا قالت "أنا أوافق على الزواج منك راكان"
هدأ غضبه وتحرك لمكتبه وفتح درج وأخرج منه علبة سوداء صغيرة ثم عاد لها ووقف أمامها وهي تنظر له بلا فهم
فتح العلبة ورأت خاتم بفص ياقوت رائع، لم ترى له شبيه من قبل، لمعت عيونها من جماله وهو يقول "هو خاتم جدتي منحته لي قبل أن تموت وطلبت مني منحه لمن ستكون شريكة حياتي"
أخرج الخاتم ورفع يدها اليسرى ودفعه بإصبعها ثم رفع يدها لفمه وقبلها وعيونه تخترق عيونها وقال "سنعلن خطوبتنا ونحدد الزواج كما أخبرتك، بعد انتهاء حبيبة من امتحاناتها"
هزت رأسها وقلبها يؤلمها من دقاته وسعادتها بما يدور لها فجذبها له والتقط شفتيها بقبلة أخرى تبدأ برقة كعادته وتلتهب بلحظة ويده تضغط على خصرها وهي ما زالت تستند على ذراعيه
حتى توقف والتقى بنظراتها الحالمة وهي بين ذراعيها وقال "لولا حبيبة لتزوجتك اليوم"
ابتسمت ووجهها يحترق من حرارة جسدها الملتهبة وقالت "لن تفعل ذلك وإلا لتأكدت ظنون تمارا من أن بيننا علاقة، هل كانت تحبك قبل سفيان؟ بدا وكأنها تغار عليك"
داعب خصلة شعرها وقال بلا اهتمام "ربما، لكن الأمر لا يعنيني، هي خطيبته الآن وما قالته لا يمثل لي أي أهمية وأريدك أن تنسيه"
داعبت ربطة عنقه دون النظر له وقالت "لابد أن أذهب للشركة وسأعود البيت بعدها، شكرا لاستضافتك"
لكنه لم يفلتها وهو يقول "الشركة نعم لكن البيت لا، من الخطر بقائك بعيدا عني بعد ما كان رهف"
أجابته "ولا يجوز وجودي هنا راكان وأنت تعلم ذلك، رجالك تحرسني جيدا فلا تقلق"
ظل ينظر لها وهو يعلم أنها على حق فهز رأسه وقال "تمام، هل نذهب؟"
ابتعد لجاكته وهي تقول "راكان ألا ترتاح!؟ أنت مصاب"
ارتدى جاكته بحرص بالفعل ثم جذب هاتفه وقال "لا تشغلي بالك رهف، يمكنني تجاوز الأمر"
ووقف أمامها فقالت "أنت تقتل نفسك"
ابتسم وقال "لن أفعل قبل أن أتزوجك"
ابتسمت وتحركت للخارج وهو لجوارها وسيف ينتظرهم فقال وهو ينتظرها تدخل السيارة "أعلن عن خطوبتنا سيف"
تجمد سيف مكانه لحظة يستوعب كلماته ثم أغلق بابه وتحرك للسيارة الأخرى وركب والسيارات تتحرك
****
ما أن دخل مكتبه حتى رآهم جميعا، سفيان، ظافر وحتى وافي جميعهم يجلسون وهم بانتظاره من أجل اجتماع مجلس الإدارة
ابتسم وقال "مرحى يا رجال، هل هناك شيء لتجتمعوا هكذا قبل الاجتماع الرئيسي؟"
وافي هو من بدأ "بالنسبة لإصابتك راكان ألا تعني شيء؟"
تناول الكوب من ظافر وقال "أخبرت سفيان أني بخير كما ترى"
حدق به الجميع حتى قال ظافر "من كان المعني بالأمر؟"
لم يتناول أي شيء من المشروب وقال "لم أعرف بعد ظافر"
تحرك وجلس على مقعد بجوار سفيان الذي قال "الدكتورة بخير؟"
نظر له وقال "نعم"
صمت قليلا ثم قال "بما أنكم جميعا موجودين فعليّ إخباركم بالأمر"
التفت له وافي وظافر الذي قال "تخبرنا بماذا راكان؟"
وضع الكوب على المائدة وقال "لم أكن أمزح بالأمس وأنا أطلب رهف للزواج وهي وافقت وسأعلن خطبتنا، أما الزواج فعندما تنتهي حبيبة من امتحان نصف العام"
ظل الجميع صامتين، بينما ابتسم وافي وقال "هذا أفضل خبر يمسح خبر الفجر، مبارك يا صديقي"
استعاد الرجال أنفسهم وهتف سفيان "أنا لا أصدق أنك تفعلها، أحسنت رهف"
ضحك ظافر وقال "معك حق، لم أظن أنك ستفعلها بأي وقت"
أجاب "ولا أنا ظافر لكنها مختلفة حقا، تثير غضبي بلحظة لأقصى حد وتعيد لي هدوئي باللحظة التالية"
جلس ظافر بالمقعد الآخر وقال "أنت لم تمنح امرأة ما تمنحه لها راكان"
أجاب بهدوء "لم أجد من تستحق ظافر، لكنها تفعل وكلكم تعرفون ذلك"
ابتسم سفيان وقال "نحن لا نتحدث عن العمل راك"
نظر لسفيان وتفهم كلماته ثم قال "أيضا لم تكن هناك من جعلتني أفكر بالزواج سفيان"
هز سفيان رأسه وقال "هل أنت واثق من رغبتك هذه؟ أنت عرفت نساء كثيرة راكان تستحق أيضا أن تكون زوجتك"
كان هادئا كعادته وهو يقول "تقصد العائلات والثراء؟ لا سفيان لم يكن هذا ليلفت نظري لأي واحدة منهم، رهف مختلفة سفيان، هي تحاربني بكل شيء، حتى طلب الزواج لم توافق إلا بعد صراع"
تراجع ظافر بدهشة وأطلق سفيان صافرة بينما ضحك وافي وقال "وأنت لا تقبل الهزيمة"
نظر له وقال "لأني أعلم أنها ترغب بذلك"
سأل سفيان "وما سبب المماطلة؟"
نهض وتحرك لمكتبه وضغط زر وقال "قهوتي"
أجابت الفتاة "حاضر يا فندم"
جلس وقال "ليست مماطلة سفيان، رهف ترفض العمدة وتظن أننا شخصين منفصلين، ترفض تملك العمدة وغروره وتسلطه وتوافق على راكان الرجل الذي بالنسبة لها شخص آخر"
صمت سفيان بينما جلس وافي وقال "أحسنت، لأول مرة تفهمك امرأة جيدا، أنا أوافق عليها وأمنحها صوتي"
نظر له راكان بدهشة لم يظهرها بينما قال ظافر "وهل أنت كذلك راكان؟ هل تقتنع بكلماتها!؟"
أجاب "أنا لا أعرف سوى أني راكان زيدان العمدة ظافر، هكذا نشأت وسأظل لكن لو هي ترغب بتصديق أفكارها فهو لن يضايقني بشيء، المهم أنها ستكون لي سواء كنت راكان أو العمدة"
هتف سفيان "العمدة لا يخسر ولو اتبع كل السبل"
رد بصوت قاطع "سبل شريفة سفيان"
هز سفيان رأسه وقال "لم نختلف راك"
دق الباب ودخل الرجل بالقهوة ومن خلفه سيف وقال "الاجتماع بعد ربع ساعة"
هز رأسه ونظر لظافر وقال "هل جهزت التصاميم ظافر؟"
أجاب ظافر "نعم وأرسلتهم على حساب المجلس"
فتح جهازه وبدأ العمل وتركوا نقاشاتهم الشخصية لما بعد واندمجوا بالعمل
*****
كان عليها إصلاح الأمر مع سفيان وعندما راسلته لم يجيب، كانت تعلم أنه باجتماع مجلس إدارة المجموعة الجديدة، ترى هل ستكون تلك الدكتورة معهم؟
نزلت وأنهت بعض الأمور الخاصة بزواجهم ثم نظرت لساعتها وقررت وهي تقود تجاه المجموعة الجديدة
العمل هناك حلم وخطيبها رجل ناجح حقا ويستحق ما حققه وهي سعيدة لأنها ستكون زوجته
وصلت للداخل وسألت عن مكتبه، ثم دخلت المصعد حيث عرفت وما أن خرجت حتى سألت الفتاة فأخبرتها بأنه ما زال بالاجتماع فسألتها
"هو خاص بالملاك فقط؟ أقصد هل يحضر المديرين أيضا؟"
أجابت "لا يا فندم، مجلس الإدارة فقط"
التفتت حتى تجلس لتنتظر عندما تفاجأت برهف تدخل وتقول "شيماء هل انتهى الاجتماع؟"
لم ترى تمارا وشيماء تجيبها "لا دكتورة، ليس بعد"
هزت رأسها وقالت "حسنا بلغيني بمجرد انتهائه"
والتفتت لتصطدم بتمارا التي ابتسمت لها وقالت "أهلا رهف كيف حالك!؟"
حاولت أن تبتسم وهي تتذكر كلمات الأمس وقالت "أهلا تمارا"
اقتربت منها تمار وقالت "تبدين مشرقة وأنيقة جدا وكأنك لم تتعرضي لإطلاق نيران بالفجر"
ملابس راكان الجديدة كانت بالفعل ثمينة وفاخرة ومناسبة جدا وبالطبع امرأة كتمارا مصممة أزياء تفهم ذلك
لكنها لم تهتم وهي تقول "ولكني بخير تمارا والعمل بحاجة لوجودي، تعلمين أن الأمر ببدايته"
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت "وأنتِ من سينقذ الغريق"
ضاقت عيون رهف وقالت "لا، أنا فقط أقوم بعملي"
ابتسمت تمارا بخبث وقالت "نفس العمل الذي جعلك تسقطيه بهواكِ وتجعليه يضعك بتلك المكانة؟"
نظرت لشيماء ولكن الفتاة بدا أنها لا تتابعهم فعادت لتمارا وقالت "كفى تمارا، لا يجوز هذا الحديث هنا"
ولكن تمارا لم تنتهي وكأنها تعيد مبالأمس وهي تقول "معكِ حق، ولا يجوز أيضا لخططك وتدابيرك لكنه لن يتزوجك، راكان ليس رجل زواج ولن ينظر لامرأة مثلك، أنا أعرفه جيدا نحن كنا أصدقاء منذ الطفولة"
اقتربت منها رهف وقالت "حقا!؟ ولماذا لم تكوني شيء آخر؟ كزوجته مثلا بدلا من كل هذا الغضب الذي تكنيه لي بلا سبب سوى أنه اهتم بي وأنتٌ لا؟"
شحب وجه تمارا وهتفت "كيف تجرؤين؟"
صوت سفيان أوقفها وهو يقول "تمارا!؟ ماذا تفعلين هنا؟"
التفتت له وقالت بارتباك "أنتظرك"
نظر لرهف وقال "أهلا رهف كيف حالك؟ الحمد لله على سلامتك"
ابتسمت وقالت "أهلا سفيان شكرا لك، هل انتهيتم؟"
أجاب "نعم، مبروك"
ابتسمت وقالت وهي تتابع خروج الرجال "شكرا لك "
نظرت له تمارا وقالت "على ماذا؟"
أجاب بتأني "لقد أعلنوا خطبتهم، هي وراكان"
شحب وجه تمارا بينما سمعت صوت راكان على الميكروفون "قهوة شيماء"
قالت الفتاة "حاضر يا فندم، دكتورة رهف ترغب برؤيتك"
لم تتحدث تمارا لحظة وهي تحدق بها قبل أن يخرج راكان ويقول "دكتورة، تعالي"
استأذنت منهم وتحركت لمكتبه حيث كان ظافر ووافي ما زلوا بالداخل فقالت "مساء الخير"
حياها الرجال ووافي يقول "مبارك رهف"
شكرته وظافر يقول "ألف مبروك رهف، نحن سعداء بأنكِ أخرجته من الصندوق"
ضحكت وتورد وجهها بينما جلس هو متابعا حوارهم وهي تقول "أو ربما جذبني له ظافر"
ضحك وافي وقال "هي حربكم ولا دخل لنا بها، نراك بالليل"
وتحرك خارجا وظافر خلفه وظلت واقفة وهو ينظر لها فقالت "هل عرفت بقرار روما؟ أرادوا إضافة استثمار للشركة لتكون لهم الهيمنة"
هز رأسه وقال "أعلم، اجلسي، رائد كان معنا منذ قليل، من أخبرك؟"
قالت باهتمام "فرعنا بروما"
عبث بالأزرار أمامه وقال "لا تقلقي رائد يدير الأمور جيدا، لن يمكنهم فعل شيء لأن رائد لديه جنسية إيطالية وكل شيء هناك باسمه"
هزت رأسها ونهضت وهي تقول "تمام، لابد أن أعود"
نهض وتحرك لها وقال "لمحت تمارا معك بالخارج"
لم تختلف ملامحها وقالت "نعم، كانت تنتظر سفيان وأنا أسال عنك"
سألها "هل حدث بينكم شيء؟"
ابتسمت وقالت "سأعيد سؤالي، هل فكرت يوما بأن تلك المرأة كانت تحبك؟"
ابتسم وقال "وأنا أخبرتك أن ذلك لا يعنيني، مشاعرها تخصها وحدها"
ظلت تنظر له ثم قالت "ولم تفكر بها؟ أخبرتني أنكم كنتم أصدقاء بالصغر"
قال "ظافر وسفيان بالأخص فهم كانوا جيران، لكن أنا كنت أتواجد بأوقات قليلة"
لم تجادل وقالت "جيد أنا ذاهبة"
أمسك يدها ليوقفها وقال "هل الدخول والخروج سهل هكذا عندك؟"
ظلت يدها بيده وعيونها التصقت بعيونه وهي تقول "لدي عمل يا عمدة"
مرر يده على وجنتها وقالت "العمدة لن يخصم من أجرك لحظات تقضيها معه"
ضحكت وهي تجذب يدها وقالت "كنت معك بالليل والصباح، دعني لدي عمل وعد لعملك"
ابتسم وهي تذهب وتوقفت عند الباب وقالت "ولا تدع تمارا تشغلك، أنت لي"
رفع حاجبه من كلماتها وهي فرت خارجة وتركته بمكانه وكلماتها ترن بأذنه
أنت لي..
هو لم يكن سوى لزيدان وكان يغضب من ذلك لكن لها هي! الأمر اختلف والغريب أنه أحب ذلك ولم يرفضه أو يغضب منه
الجميع انشغل بالفترة التالية خاصة سفيان وتمارا لتجهيز الزفاف الذي تبقى عليه اسبوع، تمارا اتخذت ليان ومليكة وصيفات لها وصممت الفساتين الخاصة بهم أما فستانها فطلبته من دار الأزياء الشهير بفرنسا
قاعة راكان استعدت لهم بأفضل ما لديها بتوصية من المالك، وحصل سفيان على بدلته السوداء من مكانه المعروف ورغم علاقته بميرفت إلا أنها ساعدت بانتقاء ملابسه وهو لم يعترض، لم تكن علاقتها بتمارا جيدة لكن لم يهتم أحد بذلك
التقى الرجال بالليل بمطعم راكان حيث اعتادوا وجلسوا بارتخاء وظافر يقول "ستكون ليلة رائعة سفيان"
هز سفيان رأسه وقال "أتمنى ظافر ما يشعرني بالراحة هو وجودكم معي"
وافي رد "سنكون معا دائما"
أطلق ظافر قنبلته "وماذا عن رائد؟"
تجهم وجه وافي وتحول الجو للجدية وراكان ينظر لوافي وسفيان يقول "لابد أن أدعوه وعليه أن يأتي"
أبعد وافي وجهه فقال ظافر "لم نفترق بتلك المناسبات وافي، كما وأن خلافكم هذا لابد أن ينتهي"
أشاح وافي بيده وقال بغضب مكتوم "وجود ليان لا ينهيه ظافر"
قال سفيان "وجود ليان لن يتبدل وصداقتنا أيضا وافي، أم أنك ترى أن ما بيننا لا يستحق؟"
تحركت نظرات وافي له وقال "تعلم أن ذلك غير صحيح، لكن ماذا لو عاد وتلاعب بها؟"
أجاب ظافر "لو أراد ما رحل وافي ومع ذلك أنت لم تفكر بصدق مشاعره ولو مرة"
تجهم وجه وافي أكثر وهتف "أي مشاعر ظافر؟ منذ متى رائد لديه مشاعر؟"
نظر سفيان لراكان الذي كان صامتا ويتابع من بعيد وقال "اسمع وافي، ليان ليست فتاة صغيرة تحتاج لوصايتك وتعرف جيدا الصواب من الخطأ، رائد أيضا يعرف حدوده جيدا، لكن لو صدف أن نشأت عاطفة بينهم فما المانع من منحهم فرصة؟"
نهض وافي واقفا ولولا الغرفة الزجاجية لسمع الزبائن صوته وهو يقول "أي عاطفة سفيان؟ لن يكون بينهم شيء أبدا هل تعرف لماذا؟ لأسباب كثيرة أولها فارق السن وأهمها سمعته الشهيرة، لن يفعل ذلك بأختي لن أسمح له"
رد ظافر "فارق العمر لم يوقف أشخاص كثيرة من الارتباط وافي، ولو على سمعت، أنا كنت مثله وسفيان أكثر وكلانا تبدل يوم أحب وأخلصنا لنسائنا فما مشكلتك يا رجل؟"
أشاح بيده وقال "أنتم مختلفين ظافر، كان يعيش مع امرأة خمس سنوات"
رد راكان "وتركها وافي، ألقاها خارج حياته وبسبب أختك"
شحب وجه وافي وتجهم سفيان وظافر ووافي يلتفت لراكان وقال "ومن أين تعرف ذلك؟"
رفع راكان عيونه له وقال بحزم "لا تسألني أنا سؤال كهذا وافي"
ابتعد وافي وقال "ليأتي ولكني لن ألقاه"
وقف سفيان وتحرك له وقال "أنا أرغب بكم جميعا معي وافي، كلكم"
التفت له وافي وبدا سفيان جاد وهو يحدق بعيونه ثم نظر لراكان وقال "لتضمن لي أنه لن يقترب منها"
لم يتحرك راكان وقال "لن يمكنني ذلك وافي، كنت أعلم بما يحمله كلاهم للآخر ولو نفذت رغبتك أصبح غير صادق معك ومعهم"
هتف بقوة "إذن قد يعيد الكرة مرة أخرى"
نهض راكان وتحرك ليغلق دائرتهم الثلاثية ووجه كلماته لوافي وقال "ألا تفكر بليان وافي؟ ألا تفكر لحظة بأنها قد تكون تحبه؟ ألم تراجع نفسك وتنظر بحيادية للأمور وتدرك أن رائد لو أراد السوء لما رحل ولا اهتم بك ولا حتى بها؟"
ظل وافي يحدق براكان وتدخل ظافر "راكان على حق وافي، أرى أن تمنح رائد الفرصة بأن يثبت لك خطأ أفكارك عنه ونحن جميعا معك، لو فكر بالتلاعب بها فلن يمكنه ذلك لأننا جميعا سنوقفه وأنا لا أظن أنه سيفعل، لقد اختار البعد وربما أدرك كلاهم أن الأمر كان مجرد نزوة وانتهت"
كان يتمعن بكلمات أصحابه ورفع يده لشعره ودفعه للخلف وقال "حسنا طالما ستكونون معي"
ربت ظافر على كتفه وقال "أنت قلتها وافي، نحن دائما معا"
ابتسموا جميعا لتلك المقولة التي لا تتركهم هم بالفعل معا دائما ولن يفرقهم شيء
****
انتهت مليكة من يومها بالمعهد وأخذت سيارة أجرة لتذهب للمكان الجديد الذي رشحت له بعد المسابقة التي فازت بها، اوركسترا كبير طلب المايسترو انضمامها لهم وفعلت
ما أن وصلت حتى التقت بالرجل الذي قال "أهلا مليكة، سعيد لأنك استجبتِ لطلبي، تعالي"
جذبها لداخل المبنى القديم ورأت مكان واسع وسمعت أصوات الآلات التي تعشقها والعازفين هنا وهناك حتى قال الرجل "انتبهوا جميعا"
توقفت الأصوات والتفتوا له ثم لها وهو يقول "الآنسة مليكة، ستنضم لنا، هي فازت بالمسابقة الأخيرة، ما زالت تدرس بالمعهد لذا أرجوا أن يساعدها الجميع، مليكة سأتركهم يقدمون لك أنفسهم"
ابتسمت بتوتر من هذا الجمع من كبار العازفين رجال ونساء بأعمار مختلفة، لكن بالتأكيد هي أصغرهم
بالفعل تعارفت على الجميع لكن لم تحفظهم كلهم بالطبع، انضمت لمجموعة الكمان والذين منحوها فكرة عن عملهم والحفلات التي يشاركون بها مما منحها سعادة بأنها ستجد نفسها هنا
من أول تدريب لفتت انتباه المايسترو ووجه اهتمامه لها وهي أجادت الاستماع لكل كلمة منه وبنهاية الاسبوعين كانت تعزف كل ما كانوا يعزفوه منذ سنوات وهو ما جعلها تتفوق على الجميع واعترفوا أنها موهوبة حقا
أخذت مكان بعيد وحدها وعزفت قطعة موسيقية لموسيقار معروف، كانت حقا صعبة ولكنها كانت تتدرب عليها لأن بها مشاعر تجعلها تتناغم وتعبر عما داخلها، بعد تجربتها مع يحيى تعلمت ألا تبحث عن الحب وأن الموسيقى هي هدفها الأول والأخير، ستعيش لها حتى تكون أفضل عازفة
عندما انتهت فتحت عيونها على تصفيقات متتالية لترى رئيسها يبتسم ويقول "رائع، تلك المعزوفة من الأشياء الصعبة وليس أي أحد يجيدها مليكة"
أخفضت الآلة وابتسمت وهي تقول "كنت أتدرب عليها منذ فترة لأنها تعجبني بشدة، أشعر أنها تأخذ الروح"
ابتسم وهو يقترب منها وقال "أنتِ موهوبة مليكة، وأنا أتنبأ لكِ بمستقبل حافل ربما أستغل مهارتك هذه بالحفل القادم"
هتفت "هل هناك حفل؟"
أجاب "نعم الشهر القادم، سأرتب معك مواعيد معينة كي أدربك فيها على تلك المقطوعة ومقطوعة أخرى مع باقي الفرقة أريد إظهار موهبتك"
لم تصدق نفسها، هل حقا سيفعل ذلك!؟
قالت بسعادة "شكرا لك جدا، أنا لا أعرف كيف أعبر لك عن امتناني"
****
جلست مي بجوار ظافر بالسيارة بعد أن انتهت سهرتهم مع ياسمين ومليكة وكالعادة المرأة تفتح موضوع الإنجاب ومي لا تجيب وظافر يحاول تهدئة الأجواء
ما أن قاد حتى قالت "ظافر دورتي الشهرية تأخرت"
التفت لها ولكنها لم تفعل، كانت خائفة، تتمنى الحمل وتخاف من نتيجته، تريده وتهابه
سمعته يقول "وماذا؟ ألم تجري اختبار حمل؟"
هزت رأسها بالنفي والخوف يوقف كلماتها وهو أدرك ذلك فأمسك يدها لتلتفت له وقال "حبيبتي لقد اتفقنا على أن نرضى بما سيمنحه الله لنا"
هزت رأسها وقالت "نعم ولكني خائفة ظافر، خائفة ألا أستطيع تحمل الأمر أو ألا أكون أم صالحة له"
قبل يدها وقال بحنان "بل ستكونين أفضل أم بالعالم مي، قلبك مليء بالحب والحنان حبيبتي وستغرقينه به فلا تقلقي"
كانت تنظر له بدموع فجذبها له وقبل جبينها وقال "سنشتري اختبار ونحن بطريقنا للبيت"
لم ترد وهي تحاول أن تشعر بالراحة من تشجيعه وكلماته ومع ذلك ما زال الخوف يأخذ جزء كبير من قلبها
****
دخل وافي فيلا ليان ونزلت هي بسرعة عندما رأت سيارته من النافذة وابتسم لها وهو يقول "أهلا وردتي، لم أرك منذ الافتتاح"
ابتسمت له بسعادة وقالت "الامتحانات وافي والحمد لله انتهت والشركة تأخذ الكثير، دكتورة رهف لا ترحم"
تحركوا للمقاعد ليجلسوا ودادة صفية تهرع لتحيته وقالت "مرحبا حبيبي كيف حالك؟"
ابتسم لها وقبل وجنتها وقال "بخير دادة، كيف حالك أنت؟"
أجابت "بخير حبيبي، هل ترغب بقهوة أم عصير؟"
أجاب "قهوة يا دادة"
ابتعدت المرأة فقالت ليان "كيف حالك وافي؟"
قال بهدوء "بخير، أتيت لأتحدث معك"
شعرت بالقلق على ملامحه وقالت "بخصوص ماذا وافي؟"
تأنى قليلا ثم قال "رائد"
شحب وجهها وانتفض قلبها، وافي لم يفتح ذلك الحديث منذ ذلك اليوم ولا هي لذا لا تفهم ماذا يريد
عندما لم ترد ولاحظ تبدل ملامحها قال "سفيان سيدعوه لحفل زفافه"
قلبها لا يتوقف، لقد توقعت ذلك ولم تعرف ماذا ستفعل، تمارا اختارتها وصيفة ولن يمكنها الاعتذار
تراجعت بالمقعد وهي تقول "نعم، كان لابد أن أتوقع ذلك"
تحرك للأمام ليقول "ما زلتِ تكنين له مشاعر ليان؟"
لفت وجهها له وسؤاله هاجمها بقوة، هل من الممكن أن تخبره عن مشاعرها؟ لو فعلت هل سيتفهم ويقبل بها أم يهاجمها ويثور؟
وضعت صفية القهوة وابتعدت وما زال ينتظر الرد فقالت "ماذا تريد أن تسمع وافي؟"
إجابتها أعادت له الشك فقال "الحقيقة ليان، منذ وفاة بابا وأنا اعتبرتك أختي الصغرى أخاف عليكِ وأحبك وأبحث عن صالحك وظننت أنكِ تكنين لي المثل"
أسرعت تقول "أنا أفعل وافي، صدقني أفعل"
ظل ينظر لها ثم قال "إذن تحدثي بصراحة، أنا لست غاضب الآن والأمر هدأ"
الحيرة أخذتها ولم تعرف هل تصرح بما داخلها أم تخفيه وتكتفي به لنفسها؟
وماذا لو تواجهت مع رائد وظهرت مشاعرها على الملأ؟
بالرغم مما فعله معها مع ميرندا ورحيله دون اهتمام بكسرة قلبها، إلا أنها لم تستطع وقف قلبها عن حبه
عاد يقول وهو يشعر بالحيرة داخلها "ليان أعلم أن الأمر صعب ولكن الحقيقة دائما تبعث الراحة بالقلوب وعليكِ أن تمنحيها لي كي يمكنني التعامل بالمواقف القادمة"
كان على حق لذا نهضت ومنحته ظهرها، لا يمكنها إخباره ذلك وهي تنظر بعيونه فقالت "ماذا تريد أن تعرف وافي؟"
تراجع بمكانه وقال "مشاعرك"
فركت أصابعها ببعضها وقالت "لم أستطع نسيانه"
أغمض عيونه وهو يستوعب كلماتها، هي ليست نزوة كما كان يظن
عندما فتح عيونه رآها تنظر له وتقول "ظننت أنها نزوة وأن ما حدث منه سيعيدني لصوابي ولكن صدقني وافي لم أستطع، رحيله وضعني بحيرة أكثر وجعلني أتساءل هل رحل بسببي أم بسببك أم لأجل ميرندا أم ماذا؟ لكني بمضي الوقت وجدت إجابات، قد يكون رحل من أجل إنهاء النزاع بينكم فهو دائما كان يخبرني بأنه لا يريد أن يخسرك، وقد يكون رحل لأنه أراد الابتعاد عني كما كان يفعل دائما، كان يفر من مواجهتي وافي ولولا الحادث وزيارتي له وضعفي أمامه ما ضعف هو الآخر أمامي، وقد يكون عاد من أجلها"
نهض ووقف أمامها فرفعت وجهها الحزين له وهو يقول "لا، ليس من أجلها فقد انتهت علاقتهم، راكان أخبرني بذلك وربما هذا ما جعلني أعيد التفكير بالأمر"
ملامح الحيرة من كلماته بدت على وجهها ولم تفهم وهي تسأله "لا أفهم"
قال بهدوء "ربما كنت غاضب وثائر وقتها ولكن كانت لي أسبابي وأنت تعرفينها لكن الآن أحاول أن أنظر للأمر بشكل مختلف، مشاعرك التي تظهر بعيونك، ياسر الذي رفضتيه، عماد زميلك بالعمل الذي أغلقت الأبواب أمامه، كل ذلك جعلني أرى أنكِ لن تتراجعي إلا لو خضتِ التجربة بنفسك وعليكِ تحمل نتائجها كاملة"
هزت رأسها بلا وعي وهي تقول "وافي أنت لا تتحدث بوضوح"
قال بحنان "أنا لن أمنعك منه ليان لكن ماذا لو لم يكن يفكر بكِ؟ ماذا لو كنتِ مجرد امرأة عابرة وتجربة من تجاربه التي اعتاد عليها؟ ماذا لو منحك الأمل وفجأة ظهرت حقيقة ما بداخله وانجرح قلبك وتألمت؟"
أخفضت وجهها وقالت "هو حاول إبعادي وافي، صدقني هو لم يغويني بأي يوم ولا تلاعب بي، كان يعرف كل الفروقات ويضعها نصب عينه وعيني لكننا لم نستطع الوقوف عندها ولم نتحاور بشيء، لقد أنهت ميرندا كل شيء قبل أن يبدأ"
ظل صامتا يحدق بعيونها حتى هز رأسه وقال "حسنا، أنا راحل مع سفيان لإيطاليا غدا لدعوته وتصفية الأمور وأكيد سيعود معنا ولكِ حرية التصرف بعد ذلك معه، لن أقف بطريق سعادتك طالما أنتِ تريدين ذلك ولكني سأكون بجوارك بكل الأوقات الجيدة والسيئة"
ابتسمت وتهلل وجهها وهي لا تعرف أيهم سبب سعادتها!؟
أن وافي سينهي خلافه مع رائد أم لأنها سترى رائد مرة أخرى بعد أن يئست من ذلك؟
****
عندما خرجت من الحمام كان الانتظار قد قتله، التفت لها وبدت شاحبة وعيونها دامعة لا تعبر عن شيء
تحرك تجاها وهو يقول "ماذا حدث حبيبتي؟ هل الاختبار تم أم لا؟"
رفعت عيونها له ثم يدها بالاختبار فأخذه وهو ينظر له ولم يفهم شيء فقال "أنا لا أفهم شيء مي، أين التعليمات ربما.."
كان يتحرك للحمام للحصول على العلبة ولكنها قاطعته "حامل ظافر"
توقف بجوارها ولا يعلم خليط المشاعر الذي دب داخله فجأة، التفت لها كما فعلت هي والدموع تسقط من عيونها
تحرك لها وهتف "حبيبتي هذا أسعد خبر سمعته فلماذا تلك الدموع؟"
قالت بألم "أنت تعلم السبب ظافر، خائفة"
ابتسم وهو يمسح وجنتيها براحتيه بحنان وقال "لا تفعلي، أنا واثق أن الله سيمنحنا طفل سوي فقط ثقي بالله، ربما فعلت أخطاء كثيرة بحياتي لكني منذ عرفتك طلبت من الله أن يغفر لي ويعيدني للصواب وقد فعلت واستقمت وأنا واثق أننا بالدعاء سنحصل على طفل سوي، فقط لا تفقدي الأمل"
قالت بأمل من كلماته "وجودك معي يمنحني الأمل والحياة ظافر، أنا لا أعرف كيف كنت سأتخطى ذلك بدون وجودك معي"
جذبها له واحتضنها بقوة وقال "ستفعلين مي، أنتِ قوية وستكونين أقوى بوجوده معنا، من الغد سنذهب للطبيب ليخبرنا بالتعليمات اللازمة وحاولي التقليل من مجهودك والحفاظ على نفسك، أريدكم بصحة جيدة فأنتم الحياة التي أحيا من أجلها"
شعرت بالراحة تدب بقلبها وهو كذلك ولم تعد خائفة، بل الأمل الذي بعثه داخلها جعلها تسعد بتلك اللحظة وتفعل كما قال
تدعو ليل نهار أن ينجي طفلهما ويأتي الحياة بصحة وسلامة
****
انتهت من العمل وأغلقت الجهاز والتفتت لتنهض لتفزع من رؤيته كالعادة يستند بكتفه على الباب ويضع يداه بجيوبه
لم تكن قد رأته منذ عدة أيام، كلاهم مشغول ومع ذلك كان يهاتفها باستمرار لكن رؤيته كانت لا غنى عنها
ابتسم وكم يبدو جذابا جدا عندما يفعل، وضعت يدها على قلبها وقالت "ستقتلني بمرة بسبب ذلك"
اعتدل وتحرك تجاها وقال "العمل يأخذك بشكل غير طبيعي"
نهضت لتضع أشيائها بالحقيبة دون النظر له وقالت "أحب عملي وأنت تعلم ذلك"
جذبها من ذراعها لتعود له دون أن يتحرك وهي تنظر له وهو يقول "وأعلم أني لم أرك منذ ثلاثة أيام وأنتِ لا تهتمين"
تراجعت وقالت بدهشة "حقا؟ هو أنا من لا أهتم"
ابتسم وهو يسقط نظراته عليها ويقول "ها هو العمل يأخذك"
لم تتركه وهي تقول "وأنت ماذا يأخذك سواه؟"
رفع يده لوجهها وهو يحب أن يلمس نعومة بشرتها وقال "تعلمين حجم أعمالي"
ابتعدت من أمامه وقالت "لم أحاسبك"
جذبها له مرة أخرى لكن ليقبض عليها بين ذراعيه وهي تسند يداها على صدره لتوقف اصطدامها به وهو ما زال يبتسم ويقول "لا أحد يجرؤ على حساب العمدة"
هتفت "أنا لا أحاسب العمدة، أنا أحاسب راكان خطيبي"
زادت ابتسامته وهو يقول "أول مرة تنطقين بها"
تورد وجهها وهي تدرك كلماتها ومع ذلك لم تتراجع وهو يكمل "راكان جائع، لم يتناول شيء منذ غداء الأمس فهل ترأفي بحاله وتتناولين العشاء معه؟"
لانت ملامحها وهي تقول "وهل العمدة سيتركك تذهب معي؟"
أحنى رأسه تجاها وعطره يفوح حولها وقال "أنا أطرد العمدة قبل أن أقف أمامك دكتورة"
ضعفت خاصة قربه الشديد منها والذي يطغى على كل حصونها ويسقطها وقالت "بمطعمك؟"
أجاب "الدكتورة تأمر وأنا أنفذ"
نظرت لربطة عنقه وداعبتها بيداها وقالت "لنذهب لمكان مختلف راكان، لا أريد أجواء العمدية من حولك، أنا وأنت فقط"
هناك شيء داخله يتحرك مع تلك المرأة وهو لا يفهمه، هي تخرجه من عالمه الذي عاش به كل سنوات عمره لتضعه بمكان آخر..
مكان نسى أين هو وكيف يكون
هي لا ترغب بأن يخدمها كل من حولها ويهتمون بها كملكة ولكن ترغب بكل ما هو بسيط، رفضت السيارة والسائق وعادت لسيارات الأجرة، رفضت قصره وعادت لشقتها البسيطة، رفضت ملابسه وارتدت خاصتها
هي مختلفة بكل شيء..
غمر يده بشعرها الغزير الحريري وقال "أنتِ ترفضين كل ما أقدمه لكِ رهف"
هزت رأسها بالنفي وقالت "لأني أريد ما يقدمه لي راكان"
لم تمنحها نظراته أي شيء وهو يقول "طالما يسعدك ذلك فلا مانع عندي"
وزاد قربه منها ليقبلها بطريقته المعتادة وهي تتقبل قبلته بلا اعتراض فهي أيضا تشتاق لها وترغب بها وتطمئن أنه ما زال يريدها ولن تنتهي رغبته بها
أبعدها وقال "متى ستعانقينني؟"
فرت منه ووجهها يلتهب من حرارتها وعبثت بحقيبتها وقالت "أنت تعلم الإجابة"
تحركت لكنه أوقفها وقال "ما رأيك بمنتصف فبراير للزواج؟"
ارتدت له ونظرت بعيونه وقالت "تعلم أني لن أعترض على ما يناسبك، فقط نحدد كي أستعد"
ابتسم وقال "وأنا فعلت وبالعشاء نتفق على التجهيزات"
تنحي لها لتتحرك ونزلا سويا وسيف يقف عند السيارة لكنه فتح لها الباب الأمامي فتراجع سيف وأغلق هو بابها وقال "هل وافي وسفيان هاتفاك؟"
لم يتحرك وسيف يقول "نعم، الطائرة بالسادسة صباحا"
هز رأسه وتحرك تجاه مقعد القائد وسيف يقول "سأكون خلفك"
منذ تلك الليلة لم يتركه بأي مكان وحده وكأنه سيمنع قدره، لم يمنعه، هو يعرف أن سيف يهتم بأمره بصدق، هما معا منذ سنوات كثيرة، راكان منحه الكثير وأنقذ حياته مرات كثيرة مما جعل سيف مدين له بالكثير، وسيف يلقي نفسه بالجهيم لأجله
اختار مطعم على سفينة نهرية بالنيل، السماء هي سقفهم والنجوم الأنوار والقمر عين حارسة عليهم
تنشقت الهواء البارد وقالت "فكرة رائعة حقا، عقلك يعمل بعيدا عن العمل الروتيني"
ضحك من كلماتها وقال "أنتِ حقا تكرهين العمدة"
تجولت على عيونه وقالت "غروره وتملكه"
كان يسترخي بمقعده ويتأمل ملامحها الرقيقة وقال "ألن تندمي لأنكِ ارتبطي برجل مثلي؟"
حدقت به بذهول من سؤاله وهي تجيب "أندم، أحدهم أخبرني يوما أن الندم للضعفاء وأنا لا أحب الضعف"
ابتسم وأبعد وجهه عنها فأكملت "لماذا تظن أني قد أندم؟"
عاد لها وقال "أنتِ لا تعرفيني جيدا رهف"
ظلت تتأمله كما كان يفعل حتى قالت "أعرف ما يكفيني"
اعتدل واقترب من المائدة وقال "أنا لست جيد كما تعرفيني، سارة وغيرها قالوا أني بلا قلب وأحيانا أصدق ذلك، كثيرا عندما أعاقب من يتخطى الحدود معي أتأكد من ذلك فأنا حتى لا أشعر بالأسف تجاههم"
قالت بتأني "هذا هو العمدة الذي نشأت عليه وهو ما لن يتبدل بك بأي يوم"
ظل ينظر لها ثم قال "لذا تفرقين بيننا؟"
هزت رأسها بالإيجاب وقالت "نعم، لأنك خارج رداء العمدية لن تفعل أيا من ذلك"
تراجع بالمقعد وقال "تبدين متأكدة"
قالت بثقة "لأن هذا هو ما كنته معي ومع حبيبة ومع أصحابك، راكان فقط بلا عمدية"
ظل ينظر لها وكأنها تخترقه وترى داخله بعمق
وضع الرجل الطعام فنظرت للأطباق وقالت "أنا من اختار فأخبرني رأيك بعيدا عن طعامك الإيطالي"
اعتدل وأبعد كلماتها جانبا وقال "أنتِ تبدلين الكثير فلماذا الطعام لا؟"
ضحكت وهو يتناول الطعام ويتذوق طعمه ثم رفع حاجبه وقال "جيدا"
هتفت "جيد فقط؟"
لم ينظر لها وقال "لن يتخطى الإيطالي"
هتفت "ربما تجرب طعامي؟"
رفع عيونه لها وقال "حقا؟ تساءلت متى ستدعيني للبيت؟"
تورد وجهها وقالت "آسفة أني لم أفعل ولكنك تعلم أننا نعيش وحدنا"
أبعد عيونه وقال "سبق وتواجدت عندكم ولم يمنعني شيء، أتمنى أن تدعيني للغداء عندما أعود"
توقفت عن الطعام وهي تنظر له وتقول "تعود!؟ تعود من أين؟"
أنهى الطعام وقال "روما، سأرحل بالسادسة صباحا"
فقدت شهيتها ومزاحها وتراجعت تاركة الطعام وقالت "سترحل لروما بالصباح؟"
أشعل سيجاره ونفخ الدخان وهو يجيبها "نعم لابد من دعوة رائد على زفاف سفيان ولابد أن أكون هناك ووافي أيضا"
صمتت ولاحظ تبدل ملامحها وتركها للطعام فقال "لم تكملي طعامك؟"
لم تهتم وهي تسأله "هل ستبقى كثيرا هناك؟"
أبعد الرجل الأطباق وابتعد وراكان يطلب قهوة وهي رفضت أي شيء حتى عاد لها وقال "يوم أو اثنان، لابد أن نعود وإلا لن يتم الزفاف"
انقبض قلبها لسفره ومع ذلك أخفضت وجهها ولم ترد فناداها "رهف ماذا بك؟"
عادت له وقالت "أول مرة تسافر منذ تعارفنا الجدي"
ابتسم وقال "لنا ثلاثة أيام لم نتقابل فما الفارق؟"
أجابت بلا تفكير "ثلاثة أيام ولكني أعلم أنك موجود معي وبأي وقت سأحتاجك سأجدك، لكن أن تسافر"
وصمتت فقال "ستجديني أيضا رهف، طائرتي الخاصة تحت أمري بأي وقت"
هزت رأسها ولم تجادل وهو أدرك صمتها وهي تحاول أن تبدو قوية ولا تفضح مشاعرها رغم أنه تمنى لو أنها تفعل فحزنها لسفره أسعده..
هو لم يؤثر بحياة أحد من قبل والآن هناك من يهتم
وضع الرجل القهوة وابتعد فاعتدل وقال "تعلمين شيء عن ليان؟"
رفعت وجهها له وقالت "ليان؟ أي شيء؟"
ظل صامتا لحظة وقد تذكر أنها كانت موجودة بذلك اليوم فقال "تلك الليلة والنزاع الذي كنتِ موجودة وقت حدوثه بالقصر"
تذكرت وقالت "آه، نعم، وافي ورائد، نعم ليان حكت لي ولكنك رفضت التحدث"
هز رأسه وقال "أعلم، السفر لهذا السبب بجوار العمل، دعوة رائد بالهاتف لن تكمل بسبب خلافهم"
تفهمت معنى كلماته وقالت "وليان؟"
أجاب وهو يتناول القهوة "تحبه، أعلم، ولكن وافي يشك بنجاح علاقتهم؟"
سألته "هل رائد يحبها؟"
نظر لها وقال "رائد يدرك الفروقات بينهم وهو ما جعله يتراجع، لكن لا أعرف ماذا سيكون وضعه لو عاد ورآها، هل تجاوز الأمر أم لا؟ وهي أيضا قد يمكنها تجاوزه من أجل وافي"
قالت بصدق "لا أظن، من كلماتها معي أدركت أنها تحبه ولم تتراجع، زميل لها كان معجب بها وصدته بطريقة جعلته يبتعد وكل من حولها تدفعهم بعيدا، هي تحبه والحب مرض مزمن لا شفاء منه"
ظل يحدق بعيونها وخطر السؤال بذهنه وأطلقه على لسانه "هذا يعني أنكِ عرفت الحب من قبل؟"
ضحكت وقالت "وأين رحل لو كنت أحببت؟"
ضاقت عيونه وقال "سنوات الكلية والتدريس كلها مرت دون تجربة سوى فايز؟"
ابتلعت ابتسامتها وقالت "لم يكن هناك ما يشغل ذهني وقتها سوى الدراسة والنجاح، الالكترونيات هي عشقي وتملكت وقتي وتفكيري، حتى فايز كان تجربة فاشلة لاختيار خطأ مني بوقت لم أفكر فيه جيدا"
لم يهتم لذكر فايز واهتم بكلماتها عن الحب فعاد وقال "هذا من حسن حظي"
ابتسمت وقالت "وحظي أنا أيضا فهو سبب دخولك حياتي"
رد بهدوء "ليس فايز دكتورة، أخبرتك أني اهتممت بكِ من أول لحظة سقطت بين ذراعي أمام الشركة وعرفت بها أنكِ الخبيرة المرشحة للوظيفة، سيف تابعك من وقتها والرجال هي من أخبرتني بملاحقة فايز لك"
ظلت تنظر له وقالت "أنا مدينة لك بالكثير راكان"
ابتسم واعتدل وقال "ليس دين، هو واجب فرضته على نفسي، حمايتك ومن بعده حمايتك أنتِ وحبيبة"
رن هاتفه فأخرجه ليرى اسم سارة التي قالت "لم أجدك بالقصر فظننت أنك قد تهتم لو عرفت بعودتي"
أجاب بهدوء "أهتم، هل هي أجازه أم انتهى عملك هناك؟"
انتبهت أنه يتحدث مع امرأة وبدأت التساؤلات تدب داخلها وهو يتابع وسارة تقول "انتهيت راكان، هل حقا خطبت تلك المرأة؟"
قال بنفس الهدوء ونظراته فارغة "نعم"
هتفت "دون أن تخبرني راكان؟ ما زلت أختك"
أجاب بتمهل "ولكنك لستِ ولي أمري لأستأذنك"
الغضب ظهر بصوتها وهي تقول "ألم تفكر بدعوتي على الخطوبة؟"
رد بلا تعبير بنبرته "لم تكن هناك واحدة لأفعل"
صمتت قليلا ثم عادت وقالت "ومتى ستقدمني لها؟"
أجاب "عندما أعود من روما"
تبدلت نبرتها وقالت "ستذهب؟ متى؟ أريد الذهاب لرؤية المزرعة"
أطفأ السيجارة وقال "لا، وافي وسفيان معي ولن نتغيب من أجل الزفاف ربما مرة أخرى"
سألته "لن أراك قبل السفر"
نظر لساعته وقال "لا، لن أعود القصر الليلة"
أنهت قائلة "حسنا ربما تقضي الليلة مع الدكتورة"
ابتسم وقال "ربما"
وأغلق وهي أيضا بينما كانت هي تفرك أصابعها ولم تستطع كتم فضولها وهي تسأله "لديك موعد بالقصر؟"
انتبه لنبرتها وعيونها اللامعة وقال "موعد؟ أي موعد بهذا الوقت؟"
أخفضت عيونها وقالت "كنت تخبر من تحدثها أنك لن تعود"
ابتسم وفهم وأعجبه الأمر فقال "نعم"
رفعت عيونها له وهو لا يمنحها شيء ويتلاعب بها فقالت بعصبية "كانت امرأة؟"
لم ترحل ابتسامته وهو يهز رأسه ليزيد من غضبها الذي يمتعه
لم تعرف ماذا تفعل أو تقول؟
ظلت صامتة وهي تبعد وجهها عنه فاقترب من المائدة ولمس يدها فعادت له ولم تبعد يدها وهي تلتقي بنظراته وقال "لم تسألي؟"
يده الدافئة احتوت يدها وعيونه أسرت نظراتها وهي تقول "أعلم أنك لست رجل نساء"
رد "ومع ذلك تبدين غاضبة؟"
هزت رأسها فقال "ولم تسألي؟"
رفعت عيونها له وقالت "من هي؟"
ابتسم وقال "هل سيغضبك صمتي؟"
جذبت يدها منه وهو يتلاعب بها فضحك وهي تتراجع بالمقعد ورأى دمعة بعيونها فعاد وقال "أنتِ تدعين ثقتك بي؟"
لم تنظر له فعاد وقال "هل يغضبك وجود امرأة أخرى؟"
لفت وجهها له وقالت بحزم "ستتركني فورا راكان، أخبرتك أنك لي ولا أقبل شريك"
قال بحزم "أنا لست ملك لأحد رهف"
ظلت صامتة وهو استوعب ما قال فأبعد وجهه لحظة بينما قالت "لا تستطيع التخلي عن العمدة أليس كذلك ؟"
ارتد بالمقعد وقال "هو أنا رهف لم لا تفهمين؟"
هزت رأسها وقالت "فهمت، هل هذا يعني أن أقبل بامرأة أخرى تشاركني بك؟"
ظل يحدق بها وقبل أن يجيب قالت "لا تفكر راكان لأني لن أقبل بذلك، حتى ولو تنافى ذلك مع رغبات العمدة، هو أيضا لن يقبل أن يشاركه بي أحد"
تبدل وجهه وقد انقلبت لعبته عليه فتنفس بقوة وقال "اهدئي رهف لقد تحول الهزل لجد، لا مكان لامرأة أخرى بحياتي"
تراجعت وقالت "وأنا لن أسألك من هي لأني أثق بكلمات راكان"
ظل ينظر لها ثم قال "هي أختي سارة، كانت بشرم تصور فيلمها الأول وعادت اليوم"
ضاقت عيونها وقالت "أنت لم تقدمني لها حقا"
هز رأسه وقال "عندما أعود سأفعل، هل نذهب؟"
هزت رأسها ونهضت معه وقد ترك أموال كافية على المائدة ونزلا من السفينة وعادا للسيارة وسيف التفت له وتحرك تجاهه وقال "موعدك مع مدحت بعد ساعة"
هز رأسه ولم يرد وهو يتحرك ورجل حراسة يفتح له باب السائق
قاد فقالت "لديك عمل؟"
أجاب "نعم، هل اشتريت فستان للزفاف؟"
التفتت له ورغم أنها لم تفعل إلا أنها قالت "نعم"
نظر لها فأبعدت وجهها فعاد للطريق وقال "هل هذا يعني لا تفعل؟"
كان يفهمها جيدا وهي قالت "هذا يعني أني لا أريد ذلك، لم أصبح زوجتك بعد"
عاد ينظر لها وتسرب له غضب مكتوم وقال "هذا الخاتم عنى لي ذلك"
واجهته وقالت "راكان أنا حقا لا أرغب بكل ذلك، دعني أفعل ما يريحني"
أبعد وجهه وقال "لنعتبرها هدية الخطوبة أنا لم أمنحك حتى حفل ولا دبل خطوبة"
ابتسمت وقالت "وبالنسبة لهذه الثروة بيدي ماذا تسميها؟"
لم ينظر لها وقال "هذا مجرد تقليد بالعائلة رهف، فستانك سيكون عندك بمجرد عودتي ولن أقبل الرفض"
لف وجهه لها كأنه يتحداها أن ترفض فلم ترد وهو يرتد للطريق والصمت يلفهم
****
كان الأمر صعب بالنسبة لوافي أن يتغاضى عن رغبات ليان ورائد ولكنه بسبيل استعادة صديقه وسعادة أخته لم يرفض السفر مع راكان وسفيان
الآن وهما ينزلان من الطائرة لقاعة كبار الزوار بدا التوتر على وجهه وسفيان يقول "أنت تبدو كمن يساق للإعدام"
لم ينظر له وهو يقول "لا أعلم ماذا عليّ أن أفعل سفيان؟"
أجاب سفيان "فقط اترك الأمور تسير ولا توقفها، ربما تكون أفضل مما ظننت"
هنا التفت له فابتسم سفيان وقال "بعد سقوط العمدة أمام امرأة، لم يعد شيء مستحيل"
رغما عنه ابتسم لتعليق صديقه وعاد للأمام عندما سمع صوت رائد يهتف "مرحى، مرحى، ثلاثتكم هنا"
احتضن رائد راكان بصدق وهتف "مبارك الخطوبة يا رجل"
ابتسم له راكان وتركه ليحتضن سفيان وهو يقول "العريس المنتظر، لن نتركك قبل أن نغرقك بليلة مع النساء قبل التوبة"
ضحك الجميع حتى توقف رائد أمام وافي والتقت النظرات ورائد يقول "كان لابد أن أكون أنا من يأتي إليك لأعتذر لك ولكني لم أستطع مواجهتك"
تراجع كل الغضب من داخل وافي وعرف ما عليه فعله وهو يقول "ليس بيننا اعتذارات رائد، نحن أصدقاء وليس أي أصدقاء"
ابتسم الرجال واحتضن رائد وافي ومع ذلك همس بأذنه "لا تغضب مني وافي"
ربت على أكتافه وقال "لست كذلك رائد"
ابتعد الرجال وسفيان يقول "أراك بأفضل حال"
ابتسم رائد ورحب بسيف وقال وهم يتحركون بين رجال الحراسة "حظيت بعناية جيدة من صديقي"
لم ينظر له راكان وسفيان يقول "كان مجنون بتلك الليلة، كاد يقتل موظف الاستقبال"
هتف رائد "هو قريني سفيان، أرواحنا مرتبطة منذ مولدنا"
أجاب وافي "معك حق، ورغم اختلاف طباعكم إلا أنكم متلازمان كالماء والهواء لبعضكم البعض"
قال راكان "ولا يختلف الأمر معكم وافي"
وصلوا لخارج المطار وسفيان ووافي بسيارة والصديقان بالأخرى وخلفهم سيارات حراسة كالعادة ورائد يربت على ساق راكان وقال "تبدو مشرق"
نظر له بهدوء لا يتركه إلا معها عندما تجادله وتخرجه من هدوئه وقال "بل لم أنم منذ عدة أيام رائد"
ضحك رائد وقال "العمدة يشكو"
أبعد وجهه وقال "لا، فقط مشغول حقا"
تبدل للجد وقال "بماذا؟"
عاد لرائد وقال "الطلق الناري كان موجه لرهف رائد وليس لي فهل تفهم سبب انشغالي؟"
هز رائد رأسه وقال "ألم تخبرني أنها بالقصر؟"
نفخ وقال "رفضت، هي ترفض كل ما أمنحه لها"
ابتسم رائد وقال "لذا هي مختلفة وأخرجتك من اعتزالك"
أبعد وجهه وقال "أحيانا أظن أنها تهتم وأحيانا أخرى تثير جنوني"
ضحك رائد فنظر له حتى توقف وقال "يقولون عندكم، لا يفل الحديد إلا الحديد"
قال "تصورني كوحش"
قال رائد "ألا تكون وقت غضبك؟"
أبعد وجهه ولم يرد فقال رائد "هل دق؟"
عاد له بنظرات استفهام وهو يردد "دق؟ ما هو؟"
ضحك رائد مرة أخرى فلم يتحدث بينما قال رائد "من يلقي بنا بالجحيم راكان، من يغرقنا حتى الممات"
ضاقت عيونه ولم يفهم عندما توقفت السيارات وأدركا أنهما وصلا ولم يكملا وهو يردد داخله ماذا كان يعني رائد؟
قصر رائد يبعث عليهم الراحة..
تناولوا الغداء معا ثم تحركوا للمكتب وتبادلوا الحديث عن العمل وبالمساء كان اللهو بأحد الملاهي الشهيرة ووافي يقول
"تعشق تلك الأماكن رائد"
تناول رائد المشروب وقال "ليس مؤخرا وافي، العمل الجديد أخذ وقت فراغي كله"
لم يخبره أنه لم يعد يهتم بتلك الحياة العابثة التي كان يعيشها بعد أن سقط بهواها وتحدث سفيان "وأين النساء؟"
لمعت عيون وافي بانتظار الاجابة ولم يتحدث راكان ورائد يبتسم ويقول "يمكن للرجال استدعاء ما تشاء سفيان طالما تمارا لن تعرف"
زمجر سفيان وابتسم الرجال وسفيان يقول "لا، لم تعد لي رغبة بامرأة، أنتظر الزواج"
ضحك رائد وقال "شهران تتبدل بهم أحوالكم جميعا، وأنت وافي ألا توجد امرأة بالطريق؟"
ضحك وافي وقال "أصبحت محصن تجاههم وتركت لهم الساحة"
هاتف سفيان أضاء فأخرجه وقال "وكأنها تسمعنا؟"
ضحك الجميع ونهض ليجيبها بينما نظر رائد لراكان وقال "وأنت ألا تفعل؟"
نظر له وقال "الدكتورة تثق بي"
ضحك رائد ووافي وابتسم هو ورد وافي "بمحلها يا رجل، ولكن ألا ترغب بالاطمئنان عليها؟"
أجاب رائد "وماذا يفعل سيف؟ ألا يمنحه تقرير عن خطواتها؟"
ضحكوا مرة أخرى وقال "هي لا تبحث عني، العمل دنيتها"
نظر له رائد وقال "لا تصدق ذلك، المرأة تجعل الرجل كل حياتها وأي شيء هو بالخلف، على عكسنا"
صمت وسفيان يعود ويتحدث بمرح وجاراهم هو بالحديث لكن كلمات رائد علقت بذهنه لأن ما قاله لا ينطبق عليها
هي لا تمنحه هذا الاهتمام، بل تتركه يبحث عنها وهو من يهتم فهل هي مختلفة أم هو لا يمثل لها شيء؟
انتهت السهرة وعادوا للقصر وما أن دخل جناحه حتى وقف أمام النافذة وما زال يفكر بكلمات رائد وبدا أنه غاضب لأنها ..
رنين هاتفه قطع أفكاره فأخرجه من جاكته ليرى اسمها
هل تهتم؟ هي تقريبا لم تهاتفه مرة واحدة
أجاب "ظننت أنكِ سعيدة برحيلي؟"
جلست على الفراش وقالت "بالتأكيد، فأنت تلاحقني ليل نهار"
ابتسم غصبا وهي حقا تخرجه من النار إلى الماء بلحظة، قال "أين أنتِ؟"
أجابت "بالبيت وأنت؟"
قال بعد أن استعاد هدوئه بسماع صوتها "البيت أيضا، كان يومك طويل؟"
قالت بهدوء "لا، لقد عدت مبكرة من الشركة"
وضع يده بجيبه وقال "لماذا؟ أنتِ تغرقين بالعمل"
قالت بصدق "ليس وأنت خارج مصر"
رفع وجهه وهو لا يصدق أنها تمنحه كلمات تطفئ النيران التي أشعلتها كلمات رائد داخله فقال "لماذا؟"
أجابت بما تشعر به "كنت قلقة عليك، أنت لم تهاتفني كي تخبرني بوصولك"
رد "مرة أخرى"
انتبهت لما قال بلا فهم ورددت "مرة أخرى ماذا راكان؟"
قال "أخبريني أنكِ قلقة عليّ مرة أخرى"
ابتسمت وقالت "وكأنك لا تعرف"
الظلام بالخارج كان يمنع عنه الرؤية لكنه كان يراها أمامه بوجهها المبتسم ونظراتها العنيدة فقال "لا، لا أعرف أي شيء، أنتِ لا تخبريني بأي شيء"
رغم عدم وجوده إلا أن وجهها تورد وهي تقول "وماذا تريد أن تسمع؟"
أجاب "ما يجعلني أصدق أنكٌ تهتمين"
اندهشت وقالت "أنا أهتم يا عمدة ولكنك لا ترى، يكفيك حجم أعمالك الكبير"
ذكية وتعرف كيف تلاعبه بالكلمات فقال "حقا؟"
ضحكت وقال "أنت تختفي بالأيام وتنسى أن لك امرأة"
أعجبته الكلمات فقال "أنتِ لا يمكن نسيانك دكتورة، أنتِ دائما معي"
صمتت وتلاعبت بها الكلمات، انطلقت لقلبها الحالم بقلبه وهي تعلم أنه لن يكون لها
مع ذلك قالت "مرة أخرى"
ابتسم مرة أخرى وقال "أنتِ دائما معي رهف، فقط لم أعتاد على الأمر ربما أحتاج للوقت"
تخطت الأمر وقالت "فقط لا تأخذ وقت كثير فأنا نافذة الصبر"
ضحك وقال "والنتيجة؟"
ضحكت وقالت "سأتركك لمخيلتك، ماذا عن رائد هل هو بخير؟"
تراجع للمقعد وجلس وقال "نعم، أفضل بكثير ويبدو أنه تخطى ليان"
قالت بثقة "لا أظن، ربما فقط لوجود وافي"
وضع ساق فوق الأخرى وقال "ربما، اللقاء سيكون صعب"
قالت "سأحاول أن أكون معها، أحيانا أشعر أنها بحاجة لأم أكثر من صديقة"
قال بدعابة "ماما رهف"
رق قلبها للكلمة وقالت "أحب الكلمة، ألا ترغب بأولاد"
صمت والسؤال علق بذهنه ولا إجابة له، أبناء بعالمه تعني الهزيمة أو مأساة كالتي عاشها مع زيدان، لا هو لا يرغب بأولاد
نادته "راكان هل أغلقت!؟ راكان"
أجاب "موجود رهف، هل حبيبة أنهت امتحاناتها؟"
أبعدت الهاتف لحظة وهي لا تعرف هل قصد تجاوز السؤال أم لم يسمعه أم ماذا ولكنها عادت وقالت "نعم بالأمس"
أسند رأسه على أصابعه وقال "هل تجدين صعوبة بالتعامل معها، حبيبة؟"
قالت "بالعكس، نحن صديقتان، دائما كنت أتعامل معها على هذا الأساس وأعلم أنها تفعل المثل معي، هي ليست متهورة وأفكارها كلها بتحقيق حلمها، هندسة الميكانيكا"
ابتسم وقال "تشبهني بمثل عمرها تقريبا"
تمددت على الفراش وقالت "ولماذا لم تفعل؟"
ذهبت ابتسامته وقال "لم يتناسب ذلك مع مكانة العمدة، الأعمال تأتي بالمقدمة لكن بالهواية أعرف الكثير عن الميكانيكا وأنوي مساعدتها بالأمر"
قالت "تقصد تدللها، أنت تلبي لها طلباتها وهي تستغلك"
ابتسم وقال "أحب نظرتها عندما تنظر للسيارة، وكأنها تقرأ كل ما يخصها بلحظة، لذا أهتم بها وبكل ما ترغب به"
سألته بنبرة مختلفة "هذا قد يوقع بيني وبينها"
ضاقت عيونه وهو يقول "الذي هو ماذا؟"
قالت بخجل "اهتمامك بها؟"
ابتسم وقال "أنتِ ترفضين المثل"
اعتدلت وقالت "لا أقصد الأموال راكان"
تفهم وقال "حسنا أعدك أن أتبدل وأهتم"
قالت "حسنا هذا الوعد من راكان أم العمدة؟"
قال "الاثنان عزيزتي"
ردت بابتسامة "أعجبتني عزيزتي هذه، لقد تطورت يا عمدة طابت ليلتك لا تسهر كثيرا"
ابتسم وهي تغلق بلا انتظار له وأبعد الهاتف وهي تحول كل مزاجه من القطب الشمالي للجنوبي بلحظة وهو يدرك أنه أدمنها ولا يعرف متى سيتخلص من هذا الإدمان أو..
هل يرغب حقا بالتخلص منه؟
يتبع
الجزء الثاني من الفصل السابع والعشرين
الجميع انشغل بالفترة التالية خاصة سفيان وتمارا لتجهيز الزفاف الذي تبقى عليه اسبوع، تمارا اتخذت ليان ومليكة وصيفات لها وصممت الفساتين الخاصة بهم أما فستانها فطلبته من دار الأزياء الشهير بفرنسا
قاعة راكان استعدت لهم بأفضل ما لديها بتوصية من المالك، وحصل سفيان على بدلته السوداء من مكانه المعروف ورغم علاقته بميرفت إلا أنها ساعدت بانتقاء ملابسه وهو لم يعترض، لم تكن علاقتها بتمارا جيدة لكن لم يهتم أحد بذلك
التقى الرجال بالليل بمطعم راكان حيث اعتادوا وجلسوا بارتخاء وظافر يقول "ستكون ليلة رائعة سفيان"
هز سفيان رأسه وقال "أتمنى ظافر ما يشعرني بالراحة هو وجودكم معي"
وافي رد "سنكون معا دائما"
أطلق ظافر قنبلته "وماذا عن رائد؟"
تجهم وجه وافي وتحول الجو للجدية وراكان ينظر لوافي وسفيان يقول "لابد أن أدعوه وعليه أن يأتي"
أبعد وافي وجهه فقال ظافر "لم نفترق بتلك المناسبات وافي، كما وأن خلافكم هذا لابد أن ينتهي"
أشاح وافي بيده وقال بغضب مكتوم "وجود ليان لا ينهيه ظافر"
قال سفيان "وجود ليان لن يتبدل وصداقتنا أيضا وافي، أم أنك ترى أن ما بيننا لا يستحق؟"
تحركت نظرات وافي له وقال "تعلم أن ذلك غير صحيح، لكن ماذا لو عاد وتلاعب بها؟"
أجاب ظافر "لو أراد ما رحل وافي ومع ذلك أنت لم تفكر بصدق مشاعره ولو مرة"
تجهم وجه وافي أكثر وهتف "أي مشاعر ظافر؟ منذ متى رائد لديه مشاعر؟"
نظر سفيان لراكان الذي كان صامتا ويتابع من بعيد وقال "اسمع وافي، ليان ليست فتاة صغيرة تحتاج لوصايتك وتعرف جيدا الصواب من الخطأ، رائد أيضا يعرف حدوده جيدا، لكن لو صدف أن نشأت عاطفة بينهم فما المانع من منحهم فرصة؟"
نهض وافي واقفا ولولا الغرفة الزجاجية لسمع الزبائن صوته وهو يقول "أي عاطفة سفيان؟ لن يكون بينهم شيء أبدا هل تعرف لماذا؟ لأسباب كثيرة أولها فارق السن وأهمها سمعته الشهيرة، لن يفعل ذلك بأختي لن أسمح له"
رد ظافر "فارق العمر لم يوقف أشخاص كثيرة من الارتباط وافي، ولو على سمعت، أنا كنت مثله وسفيان أكثر وكلانا تبدل يوم أحب وأخلصنا لنسائنا فما مشكلتك يا رجل؟"
أشاح بيده وقال "أنتم مختلفين ظافر، كان يعيش مع امرأة خمس سنوات"
رد راكان "وتركها وافي، ألقاها خارج حياته وبسبب أختك"
شحب وجه وافي وتجهم سفيان وظافر ووافي يلتفت لراكان وقال "ومن أين تعرف ذلك؟"
رفع راكان عيونه له وقال بحزم "لا تسألني أنا سؤال كهذا وافي"
ابتعد وافي وقال "ليأتي ولكني لن ألقاه"
وقف سفيان وتحرك له وقال "أنا أرغب بكم جميعا معي وافي، كلكم"
التفت له وافي وبدا سفيان جاد وهو يحدق بعيونه ثم نظر لراكان وقال "لتضمن لي أنه لن يقترب منها"
لم يتحرك راكان وقال "لن يمكنني ذلك وافي، كنت أعلم بما يحمله كلاهم للآخر ولو نفذت رغبتك أصبح غير صادق معك ومعهم"
هتف بقوة "إذن قد يعيد الكرة مرة أخرى"
نهض راكان وتحرك ليغلق دائرتهم الثلاثية ووجه كلماته لوافي وقال "ألا تفكر بليان وافي؟ ألا تفكر لحظة بأنها قد تكون تحبه؟ ألم تراجع نفسك وتنظر بحيادية للأمور وتدرك أن رائد لو أراد السوء لما رحل ولا اهتم بك ولا حتى بها؟"
ظل وافي يحدق براكان وتدخل ظافر "راكان على حق وافي، أرى أن تمنح رائد الفرصة بأن يثبت لك خطأ أفكارك عنه ونحن جميعا معك، لو فكر بالتلاعب بها فلن يمكنه ذلك لأننا جميعا سنوقفه وأنا لا أظن أنه سيفعل، لقد اختار البعد وربما أدرك كلاهم أن الأمر كان مجرد نزوة وانتهت"
كان يتمعن بكلمات أصحابه ورفع يده لشعره ودفعه للخلف وقال "حسنا طالما ستكونون معي"
ربت ظافر على كتفه وقال "أنت قلتها وافي، نحن دائما معا"
ابتسموا جميعا لتلك المقولة التي لا تتركهم هم بالفعل معا دائما ولن يفرقهم شيء
****
انتهت مليكة من يومها بالمعهد وأخذت سيارة أجرة لتذهب للمكان الجديد الذي رشحت له بعد المسابقة التي فازت بها، اوركسترا كبير طلب المايسترو انضمامها لهم وفعلت
ما أن وصلت حتى التقت بالرجل الذي قال "أهلا مليكة، سعيد لأنك استجبتِ لطلبي، تعالي"
جذبها لداخل المبنى القديم ورأت مكان واسع وسمعت أصوات الآلات التي تعشقها والعازفين هنا وهناك حتى قال الرجل "انتبهوا جميعا"
توقفت الأصوات والتفتوا له ثم لها وهو يقول "الآنسة مليكة، ستنضم لنا، هي فازت بالمسابقة الأخيرة، ما زالت تدرس بالمعهد لذا أرجوا أن يساعدها الجميع، مليكة سأتركهم يقدمون لك أنفسهم"
ابتسمت بتوتر من هذا الجمع من كبار العازفين رجال ونساء بأعمار مختلفة، لكن بالتأكيد هي أصغرهم
بالفعل تعارفت على الجميع لكن لم تحفظهم كلهم بالطبع، انضمت لمجموعة الكمان والذين منحوها فكرة عن عملهم والحفلات التي يشاركون بها مما منحها سعادة بأنها ستجد نفسها هنا
من أول تدريب لفتت انتباه المايسترو ووجه اهتمامه لها وهي أجادت الاستماع لكل كلمة منه وبنهاية الاسبوعين كانت تعزف كل ما كانوا يعزفوه منذ سنوات وهو ما جعلها تتفوق على الجميع واعترفوا أنها موهوبة حقا
أخذت مكان بعيد وحدها وعزفت قطعة موسيقية لموسيقار معروف، كانت حقا صعبة ولكنها كانت تتدرب عليها لأن بها مشاعر تجعلها تتناغم وتعبر عما داخلها، بعد تجربتها مع يحيى تعلمت ألا تبحث عن الحب وأن الموسيقى هي هدفها الأول والأخير، ستعيش لها حتى تكون أفضل عازفة
عندما انتهت فتحت عيونها على تصفيقات متتالية لترى رئيسها يبتسم ويقول "رائع، تلك المعزوفة من الأشياء الصعبة وليس أي أحد يجيدها مليكة"
أخفضت الآلة وابتسمت وهي تقول "كنت أتدرب عليها منذ فترة لأنها تعجبني بشدة، أشعر أنها تأخذ الروح"
ابتسم وهو يقترب منها وقال "أنتِ موهوبة مليكة، وأنا أتنبأ لكِ بمستقبل حافل ربما أستغل مهارتك هذه بالحفل القادم"
هتفت "هل هناك حفل؟"
أجاب "نعم الشهر القادم، سأرتب معك مواعيد معينة كي أدربك فيها على تلك المقطوعة ومقطوعة أخرى مع باقي الفرقة أريد إظهار موهبتك"
لم تصدق نفسها، هل حقا سيفعل ذلك!؟
قالت بسعادة "شكرا لك جدا، أنا لا أعرف كيف أعبر لك عن امتناني"
****
جلست مي بجوار ظافر بالسيارة بعد أن انتهت سهرتهم مع ياسمين ومليكة وكالعادة المرأة تفتح موضوع الإنجاب ومي لا تجيب وظافر يحاول تهدئة الأجواء
ما أن قاد حتى قالت "ظافر دورتي الشهرية تأخرت"
التفت لها ولكنها لم تفعل، كانت خائفة، تتمنى الحمل وتخاف من نتيجته، تريده وتهابه
سمعته يقول "وماذا؟ ألم تجري اختبار حمل؟"
هزت رأسها بالنفي والخوف يوقف كلماتها وهو أدرك ذلك فأمسك يدها لتلتفت له وقال "حبيبتي لقد اتفقنا على أن نرضى بما سيمنحه الله لنا"
هزت رأسها وقالت "نعم ولكني خائفة ظافر، خائفة ألا أستطيع تحمل الأمر أو ألا أكون أم صالحة له"
قبل يدها وقال بحنان "بل ستكونين أفضل أم بالعالم مي، قلبك مليء بالحب والحنان حبيبتي وستغرقينه به فلا تقلقي"
كانت تنظر له بدموع فجذبها له وقبل جبينها وقال "سنشتري اختبار ونحن بطريقنا للبيت"
لم ترد وهي تحاول أن تشعر بالراحة من تشجيعه وكلماته ومع ذلك ما زال الخوف يأخذ جزء كبير من قلبها
****
دخل وافي فيلا ليان ونزلت هي بسرعة عندما رأت سيارته من النافذة وابتسم لها وهو يقول "أهلا وردتي، لم أرك منذ الافتتاح"
ابتسمت له بسعادة وقالت "الامتحانات وافي والحمد لله انتهت والشركة تأخذ الكثير، دكتورة رهف لا ترحم"
تحركوا للمقاعد ليجلسوا ودادة صفية تهرع لتحيته وقالت "مرحبا حبيبي كيف حالك؟"
ابتسم لها وقبل وجنتها وقال "بخير دادة، كيف حالك أنت؟"
أجابت "بخير حبيبي، هل ترغب بقهوة أم عصير؟"
أجاب "قهوة يا دادة"
ابتعدت المرأة فقالت ليان "كيف حالك وافي؟"
قال بهدوء "بخير، أتيت لأتحدث معك"
شعرت بالقلق على ملامحه وقالت "بخصوص ماذا وافي؟"
تأنى قليلا ثم قال "رائد"
شحب وجهها وانتفض قلبها، وافي لم يفتح ذلك الحديث منذ ذلك اليوم ولا هي لذا لا تفهم ماذا يريد
عندما لم ترد ولاحظ تبدل ملامحها قال "سفيان سيدعوه لحفل زفافه"
قلبها لا يتوقف، لقد توقعت ذلك ولم تعرف ماذا ستفعل، تمارا اختارتها وصيفة ولن يمكنها الاعتذار
تراجعت بالمقعد وهي تقول "نعم، كان لابد أن أتوقع ذلك"
تحرك للأمام ليقول "ما زلتِ تكنين له مشاعر ليان؟"
لفت وجهها له وسؤاله هاجمها بقوة، هل من الممكن أن تخبره عن مشاعرها؟ لو فعلت هل سيتفهم ويقبل بها أم يهاجمها ويثور؟
وضعت صفية القهوة وابتعدت وما زال ينتظر الرد فقالت "ماذا تريد أن تسمع وافي؟"
إجابتها أعادت له الشك فقال "الحقيقة ليان، منذ وفاة بابا وأنا اعتبرتك أختي الصغرى أخاف عليكِ وأحبك وأبحث عن صالحك وظننت أنكِ تكنين لي المثل"
أسرعت تقول "أنا أفعل وافي، صدقني أفعل"
ظل ينظر لها ثم قال "إذن تحدثي بصراحة، أنا لست غاضب الآن والأمر هدأ"
الحيرة أخذتها ولم تعرف هل تصرح بما داخلها أم تخفيه وتكتفي به لنفسها؟
وماذا لو تواجهت مع رائد وظهرت مشاعرها على الملأ؟
بالرغم مما فعله معها مع ميرندا ورحيله دون اهتمام بكسرة قلبها، إلا أنها لم تستطع وقف قلبها عن حبه
عاد يقول وهو يشعر بالحيرة داخلها "ليان أعلم أن الأمر صعب ولكن الحقيقة دائما تبعث الراحة بالقلوب وعليكِ أن تمنحيها لي كي يمكنني التعامل بالمواقف القادمة"
كان على حق لذا نهضت ومنحته ظهرها، لا يمكنها إخباره ذلك وهي تنظر بعيونه فقالت "ماذا تريد أن تعرف وافي؟"
تراجع بمكانه وقال "مشاعرك"
فركت أصابعها ببعضها وقالت "لم أستطع نسيانه"
أغمض عيونه وهو يستوعب كلماتها، هي ليست نزوة كما كان يظن
عندما فتح عيونه رآها تنظر له وتقول "ظننت أنها نزوة وأن ما حدث منه سيعيدني لصوابي ولكن صدقني وافي لم أستطع، رحيله وضعني بحيرة أكثر وجعلني أتساءل هل رحل بسببي أم بسببك أم لأجل ميرندا أم ماذا؟ لكني بمضي الوقت وجدت إجابات، قد يكون رحل من أجل إنهاء النزاع بينكم فهو دائما كان يخبرني بأنه لا يريد أن يخسرك، وقد يكون رحل لأنه أراد الابتعاد عني كما كان يفعل دائما، كان يفر من مواجهتي وافي ولولا الحادث وزيارتي له وضعفي أمامه ما ضعف هو الآخر أمامي، وقد يكون عاد من أجلها"
نهض ووقف أمامها فرفعت وجهها الحزين له وهو يقول "لا، ليس من أجلها فقد انتهت علاقتهم، راكان أخبرني بذلك وربما هذا ما جعلني أعيد التفكير بالأمر"
ملامح الحيرة من كلماته بدت على وجهها ولم تفهم وهي تسأله "لا أفهم"
قال بهدوء "ربما كنت غاضب وثائر وقتها ولكن كانت لي أسبابي وأنت تعرفينها لكن الآن أحاول أن أنظر للأمر بشكل مختلف، مشاعرك التي تظهر بعيونك، ياسر الذي رفضتيه، عماد زميلك بالعمل الذي أغلقت الأبواب أمامه، كل ذلك جعلني أرى أنكِ لن تتراجعي إلا لو خضتِ التجربة بنفسك وعليكِ تحمل نتائجها كاملة"
هزت رأسها بلا وعي وهي تقول "وافي أنت لا تتحدث بوضوح"
قال بحنان "أنا لن أمنعك منه ليان لكن ماذا لو لم يكن يفكر بكِ؟ ماذا لو كنتِ مجرد امرأة عابرة وتجربة من تجاربه التي اعتاد عليها؟ ماذا لو منحك الأمل وفجأة ظهرت حقيقة ما بداخله وانجرح قلبك وتألمت؟"
أخفضت وجهها وقالت "هو حاول إبعادي وافي، صدقني هو لم يغويني بأي يوم ولا تلاعب بي، كان يعرف كل الفروقات ويضعها نصب عينه وعيني لكننا لم نستطع الوقوف عندها ولم نتحاور بشيء، لقد أنهت ميرندا كل شيء قبل أن يبدأ"
ظل صامتا يحدق بعيونها حتى هز رأسه وقال "حسنا، أنا راحل مع سفيان لإيطاليا غدا لدعوته وتصفية الأمور وأكيد سيعود معنا ولكِ حرية التصرف بعد ذلك معه، لن أقف بطريق سعادتك طالما أنتِ تريدين ذلك ولكني سأكون بجوارك بكل الأوقات الجيدة والسيئة"
ابتسمت وتهلل وجهها وهي لا تعرف أيهم سبب سعادتها!؟
أن وافي سينهي خلافه مع رائد أم لأنها سترى رائد مرة أخرى بعد أن يئست من ذلك؟
****
عندما خرجت من الحمام كان الانتظار قد قتله، التفت لها وبدت شاحبة وعيونها دامعة لا تعبر عن شيء
تحرك تجاها وهو يقول "ماذا حدث حبيبتي؟ هل الاختبار تم أم لا؟"
رفعت عيونها له ثم يدها بالاختبار فأخذه وهو ينظر له ولم يفهم شيء فقال "أنا لا أفهم شيء مي، أين التعليمات ربما.."
كان يتحرك للحمام للحصول على العلبة ولكنها قاطعته "حامل ظافر"
توقف بجوارها ولا يعلم خليط المشاعر الذي دب داخله فجأة، التفت لها كما فعلت هي والدموع تسقط من عيونها
تحرك لها وهتف "حبيبتي هذا أسعد خبر سمعته فلماذا تلك الدموع؟"
قالت بألم "أنت تعلم السبب ظافر، خائفة"
ابتسم وهو يمسح وجنتيها براحتيه بحنان وقال "لا تفعلي، أنا واثق أن الله سيمنحنا طفل سوي فقط ثقي بالله، ربما فعلت أخطاء كثيرة بحياتي لكني منذ عرفتك طلبت من الله أن يغفر لي ويعيدني للصواب وقد فعلت واستقمت وأنا واثق أننا بالدعاء سنحصل على طفل سوي، فقط لا تفقدي الأمل"
قالت بأمل من كلماته "وجودك معي يمنحني الأمل والحياة ظافر، أنا لا أعرف كيف كنت سأتخطى ذلك بدون وجودك معي"
جذبها له واحتضنها بقوة وقال "ستفعلين مي، أنتِ قوية وستكونين أقوى بوجوده معنا، من الغد سنذهب للطبيب ليخبرنا بالتعليمات اللازمة وحاولي التقليل من مجهودك والحفاظ على نفسك، أريدكم بصحة جيدة فأنتم الحياة التي أحيا من أجلها"
شعرت بالراحة تدب بقلبها وهو كذلك ولم تعد خائفة، بل الأمل الذي بعثه داخلها جعلها تسعد بتلك اللحظة وتفعل كما قال
تدعو ليل نهار أن ينجي طفلهما ويأتي الحياة بصحة وسلامة
****
انتهت من العمل وأغلقت الجهاز والتفتت لتنهض لتفزع من رؤيته كالعادة يستند بكتفه على الباب ويضع يداه بجيوبه
لم تكن قد رأته منذ عدة أيام، كلاهم مشغول ومع ذلك كان يهاتفها باستمرار لكن رؤيته كانت لا غنى عنها
ابتسم وكم يبدو جذابا جدا عندما يفعل، وضعت يدها على قلبها وقالت "ستقتلني بمرة بسبب ذلك"
اعتدل وتحرك تجاها وقال "العمل يأخذك بشكل غير طبيعي"
نهضت لتضع أشيائها بالحقيبة دون النظر له وقالت "أحب عملي وأنت تعلم ذلك"
جذبها من ذراعها لتعود له دون أن يتحرك وهي تنظر له وهو يقول "وأعلم أني لم أرك منذ ثلاثة أيام وأنتِ لا تهتمين"
تراجعت وقالت بدهشة "حقا؟ هو أنا من لا أهتم"
ابتسم وهو يسقط نظراته عليها ويقول "ها هو العمل يأخذك"
لم تتركه وهي تقول "وأنت ماذا يأخذك سواه؟"
رفع يده لوجهها وهو يحب أن يلمس نعومة بشرتها وقال "تعلمين حجم أعمالي"
ابتعدت من أمامه وقالت "لم أحاسبك"
جذبها له مرة أخرى لكن ليقبض عليها بين ذراعيه وهي تسند يداها على صدره لتوقف اصطدامها به وهو ما زال يبتسم ويقول "لا أحد يجرؤ على حساب العمدة"
هتفت "أنا لا أحاسب العمدة، أنا أحاسب راكان خطيبي"
زادت ابتسامته وهو يقول "أول مرة تنطقين بها"
تورد وجهها وهي تدرك كلماتها ومع ذلك لم تتراجع وهو يكمل "راكان جائع، لم يتناول شيء منذ غداء الأمس فهل ترأفي بحاله وتتناولين العشاء معه؟"
لانت ملامحها وهي تقول "وهل العمدة سيتركك تذهب معي؟"
أحنى رأسه تجاها وعطره يفوح حولها وقال "أنا أطرد العمدة قبل أن أقف أمامك دكتورة"
ضعفت خاصة قربه الشديد منها والذي يطغى على كل حصونها ويسقطها وقالت "بمطعمك؟"
أجاب "الدكتورة تأمر وأنا أنفذ"
نظرت لربطة عنقه وداعبتها بيداها وقالت "لنذهب لمكان مختلف راكان، لا أريد أجواء العمدية من حولك، أنا وأنت فقط"
هناك شيء داخله يتحرك مع تلك المرأة وهو لا يفهمه، هي تخرجه من عالمه الذي عاش به كل سنوات عمره لتضعه بمكان آخر..
مكان نسى أين هو وكيف يكون
هي لا ترغب بأن يخدمها كل من حولها ويهتمون بها كملكة ولكن ترغب بكل ما هو بسيط، رفضت السيارة والسائق وعادت لسيارات الأجرة، رفضت قصره وعادت لشقتها البسيطة، رفضت ملابسه وارتدت خاصتها
هي مختلفة بكل شيء..
غمر يده بشعرها الغزير الحريري وقال "أنتِ ترفضين كل ما أقدمه لكِ رهف"
هزت رأسها بالنفي وقالت "لأني أريد ما يقدمه لي راكان"
لم تمنحها نظراته أي شيء وهو يقول "طالما يسعدك ذلك فلا مانع عندي"
وزاد قربه منها ليقبلها بطريقته المعتادة وهي تتقبل قبلته بلا اعتراض فهي أيضا تشتاق لها وترغب بها وتطمئن أنه ما زال يريدها ولن تنتهي رغبته بها
أبعدها وقال "متى ستعانقينني؟"
فرت منه ووجهها يلتهب من حرارتها وعبثت بحقيبتها وقالت "أنت تعلم الإجابة"
تحركت لكنه أوقفها وقال "ما رأيك بمنتصف فبراير للزواج؟"
ارتدت له ونظرت بعيونه وقالت "تعلم أني لن أعترض على ما يناسبك، فقط نحدد كي أستعد"
ابتسم وقال "وأنا فعلت وبالعشاء نتفق على التجهيزات"
تنحي لها لتتحرك ونزلا سويا وسيف يقف عند السيارة لكنه فتح لها الباب الأمامي فتراجع سيف وأغلق هو بابها وقال "هل وافي وسفيان هاتفاك؟"
لم يتحرك وسيف يقول "نعم، الطائرة بالسادسة صباحا"
هز رأسه وتحرك تجاه مقعد القائد وسيف يقول "سأكون خلفك"
منذ تلك الليلة لم يتركه بأي مكان وحده وكأنه سيمنع قدره، لم يمنعه، هو يعرف أن سيف يهتم بأمره بصدق، هما معا منذ سنوات كثيرة، راكان منحه الكثير وأنقذ حياته مرات كثيرة مما جعل سيف مدين له بالكثير، وسيف يلقي نفسه بالجهيم لأجله
اختار مطعم على سفينة نهرية بالنيل، السماء هي سقفهم والنجوم الأنوار والقمر عين حارسة عليهم
تنشقت الهواء البارد وقالت "فكرة رائعة حقا، عقلك يعمل بعيدا عن العمل الروتيني"
ضحك من كلماتها وقال "أنتِ حقا تكرهين العمدة"
تجولت على عيونه وقالت "غروره وتملكه"
كان يسترخي بمقعده ويتأمل ملامحها الرقيقة وقال "ألن تندمي لأنكِ ارتبطي برجل مثلي؟"
حدقت به بذهول من سؤاله وهي تجيب "أندم، أحدهم أخبرني يوما أن الندم للضعفاء وأنا لا أحب الضعف"
ابتسم وأبعد وجهه عنها فأكملت "لماذا تظن أني قد أندم؟"
عاد لها وقال "أنتِ لا تعرفيني جيدا رهف"
ظلت تتأمله كما كان يفعل حتى قالت "أعرف ما يكفيني"
اعتدل واقترب من المائدة وقال "أنا لست جيد كما تعرفيني، سارة وغيرها قالوا أني بلا قلب وأحيانا أصدق ذلك، كثيرا عندما أعاقب من يتخطى الحدود معي أتأكد من ذلك فأنا حتى لا أشعر بالأسف تجاههم"
قالت بتأني "هذا هو العمدة الذي نشأت عليه وهو ما لن يتبدل بك بأي يوم"
ظل ينظر لها ثم قال "لذا تفرقين بيننا؟"
هزت رأسها بالإيجاب وقالت "نعم، لأنك خارج رداء العمدية لن تفعل أيا من ذلك"
تراجع بالمقعد وقال "تبدين متأكدة"
قالت بثقة "لأن هذا هو ما كنته معي ومع حبيبة ومع أصحابك، راكان فقط بلا عمدية"
ظل ينظر لها وكأنها تخترقه وترى داخله بعمق
وضع الرجل الطعام فنظرت للأطباق وقالت "أنا من اختار فأخبرني رأيك بعيدا عن طعامك الإيطالي"
اعتدل وأبعد كلماتها جانبا وقال "أنتِ تبدلين الكثير فلماذا الطعام لا؟"
ضحكت وهو يتناول الطعام ويتذوق طعمه ثم رفع حاجبه وقال "جيدا"
هتفت "جيد فقط؟"
لم ينظر لها وقال "لن يتخطى الإيطالي"
هتفت "ربما تجرب طعامي؟"
رفع عيونه لها وقال "حقا؟ تساءلت متى ستدعيني للبيت؟"
تورد وجهها وقالت "آسفة أني لم أفعل ولكنك تعلم أننا نعيش وحدنا"
أبعد عيونه وقال "سبق وتواجدت عندكم ولم يمنعني شيء، أتمنى أن تدعيني للغداء عندما أعود"
توقفت عن الطعام وهي تنظر له وتقول "تعود!؟ تعود من أين؟"
أنهى الطعام وقال "روما، سأرحل بالسادسة صباحا"
فقدت شهيتها ومزاحها وتراجعت تاركة الطعام وقالت "سترحل لروما بالصباح؟"
أشعل سيجاره ونفخ الدخان وهو يجيبها "نعم لابد من دعوة رائد على زفاف سفيان ولابد أن أكون هناك ووافي أيضا"
صمتت ولاحظ تبدل ملامحها وتركها للطعام فقال "لم تكملي طعامك؟"
لم تهتم وهي تسأله "هل ستبقى كثيرا هناك؟"
أبعد الرجل الأطباق وابتعد وراكان يطلب قهوة وهي رفضت أي شيء حتى عاد لها وقال "يوم أو اثنان، لابد أن نعود وإلا لن يتم الزفاف"
انقبض قلبها لسفره ومع ذلك أخفضت وجهها ولم ترد فناداها "رهف ماذا بك؟"
عادت له وقالت "أول مرة تسافر منذ تعارفنا الجدي"
ابتسم وقال "لنا ثلاثة أيام لم نتقابل فما الفارق؟"
أجابت بلا تفكير "ثلاثة أيام ولكني أعلم أنك موجود معي وبأي وقت سأحتاجك سأجدك، لكن أن تسافر"
وصمتت فقال "ستجديني أيضا رهف، طائرتي الخاصة تحت أمري بأي وقت"
هزت رأسها ولم تجادل وهو أدرك صمتها وهي تحاول أن تبدو قوية ولا تفضح مشاعرها رغم أنه تمنى لو أنها تفعل فحزنها لسفره أسعده..
هو لم يؤثر بحياة أحد من قبل والآن هناك من يهتم
وضع الرجل القهوة وابتعد فاعتدل وقال "تعلمين شيء عن ليان؟"
رفعت وجهها له وقالت "ليان؟ أي شيء؟"
ظل صامتا لحظة وقد تذكر أنها كانت موجودة بذلك اليوم فقال "تلك الليلة والنزاع الذي كنتِ موجودة وقت حدوثه بالقصر"
تذكرت وقالت "آه، نعم، وافي ورائد، نعم ليان حكت لي ولكنك رفضت التحدث"
هز رأسه وقال "أعلم، السفر لهذا السبب بجوار العمل، دعوة رائد بالهاتف لن تكمل بسبب خلافهم"
تفهمت معنى كلماته وقالت "وليان؟"
أجاب وهو يتناول القهوة "تحبه، أعلم، ولكن وافي يشك بنجاح علاقتهم؟"
سألته "هل رائد يحبها؟"
نظر لها وقال "رائد يدرك الفروقات بينهم وهو ما جعله يتراجع، لكن لا أعرف ماذا سيكون وضعه لو عاد ورآها، هل تجاوز الأمر أم لا؟ وهي أيضا قد يمكنها تجاوزه من أجل وافي"
قالت بصدق "لا أظن، من كلماتها معي أدركت أنها تحبه ولم تتراجع، زميل لها كان معجب بها وصدته بطريقة جعلته يبتعد وكل من حولها تدفعهم بعيدا، هي تحبه والحب مرض مزمن لا شفاء منه"
ظل يحدق بعيونها وخطر السؤال بذهنه وأطلقه على لسانه "هذا يعني أنكِ عرفت الحب من قبل؟"
ضحكت وقالت "وأين رحل لو كنت أحببت؟"
ضاقت عيونه وقال "سنوات الكلية والتدريس كلها مرت دون تجربة سوى فايز؟"
ابتلعت ابتسامتها وقالت "لم يكن هناك ما يشغل ذهني وقتها سوى الدراسة والنجاح، الالكترونيات هي عشقي وتملكت وقتي وتفكيري، حتى فايز كان تجربة فاشلة لاختيار خطأ مني بوقت لم أفكر فيه جيدا"
لم يهتم لذكر فايز واهتم بكلماتها عن الحب فعاد وقال "هذا من حسن حظي"
ابتسمت وقالت "وحظي أنا أيضا فهو سبب دخولك حياتي"
رد بهدوء "ليس فايز دكتورة، أخبرتك أني اهتممت بكِ من أول لحظة سقطت بين ذراعي أمام الشركة وعرفت بها أنكِ الخبيرة المرشحة للوظيفة، سيف تابعك من وقتها والرجال هي من أخبرتني بملاحقة فايز لك"
ظلت تنظر له وقالت "أنا مدينة لك بالكثير راكان"
ابتسم واعتدل وقال "ليس دين، هو واجب فرضته على نفسي، حمايتك ومن بعده حمايتك أنتِ وحبيبة"
رن هاتفه فأخرجه ليرى اسم سارة التي قالت "لم أجدك بالقصر فظننت أنك قد تهتم لو عرفت بعودتي"
أجاب بهدوء "أهتم، هل هي أجازه أم انتهى عملك هناك؟"
انتبهت أنه يتحدث مع امرأة وبدأت التساؤلات تدب داخلها وهو يتابع وسارة تقول "انتهيت راكان، هل حقا خطبت تلك المرأة؟"
قال بنفس الهدوء ونظراته فارغة "نعم"
هتفت "دون أن تخبرني راكان؟ ما زلت أختك"
أجاب بتمهل "ولكنك لستِ ولي أمري لأستأذنك"
الغضب ظهر بصوتها وهي تقول "ألم تفكر بدعوتي على الخطوبة؟"
رد بلا تعبير بنبرته "لم تكن هناك واحدة لأفعل"
صمتت قليلا ثم عادت وقالت "ومتى ستقدمني لها؟"
أجاب "عندما أعود من روما"
تبدلت نبرتها وقالت "ستذهب؟ متى؟ أريد الذهاب لرؤية المزرعة"
أطفأ السيجارة وقال "لا، وافي وسفيان معي ولن نتغيب من أجل الزفاف ربما مرة أخرى"
سألته "لن أراك قبل السفر"
نظر لساعته وقال "لا، لن أعود القصر الليلة"
أنهت قائلة "حسنا ربما تقضي الليلة مع الدكتورة"
ابتسم وقال "ربما"
وأغلق وهي أيضا بينما كانت هي تفرك أصابعها ولم تستطع كتم فضولها وهي تسأله "لديك موعد بالقصر؟"
انتبه لنبرتها وعيونها اللامعة وقال "موعد؟ أي موعد بهذا الوقت؟"
أخفضت عيونها وقالت "كنت تخبر من تحدثها أنك لن تعود"
ابتسم وفهم وأعجبه الأمر فقال "نعم"
رفعت عيونها له وهو لا يمنحها شيء ويتلاعب بها فقالت بعصبية "كانت امرأة؟"
لم ترحل ابتسامته وهو يهز رأسه ليزيد من غضبها الذي يمتعه
لم تعرف ماذا تفعل أو تقول؟
ظلت صامتة وهي تبعد وجهها عنه فاقترب من المائدة ولمس يدها فعادت له ولم تبعد يدها وهي تلتقي بنظراته وقال "لم تسألي؟"
يده الدافئة احتوت يدها وعيونه أسرت نظراتها وهي تقول "أعلم أنك لست رجل نساء"
رد "ومع ذلك تبدين غاضبة؟"
هزت رأسها فقال "ولم تسألي؟"
رفعت عيونها له وقالت "من هي؟"
ابتسم وقال "هل سيغضبك صمتي؟"
جذبت يدها منه وهو يتلاعب بها فضحك وهي تتراجع بالمقعد ورأى دمعة بعيونها فعاد وقال "أنتِ تدعين ثقتك بي؟"
لم تنظر له فعاد وقال "هل يغضبك وجود امرأة أخرى؟"
لفت وجهها له وقالت بحزم "ستتركني فورا راكان، أخبرتك أنك لي ولا أقبل شريك"
قال بحزم "أنا لست ملك لأحد رهف"
ظلت صامتة وهو استوعب ما قال فأبعد وجهه لحظة بينما قالت "لا تستطيع التخلي عن العمدة أليس كذلك ؟"
ارتد بالمقعد وقال "هو أنا رهف لم لا تفهمين؟"
هزت رأسها وقالت "فهمت، هل هذا يعني أن أقبل بامرأة أخرى تشاركني بك؟"
ظل يحدق بها وقبل أن يجيب قالت "لا تفكر راكان لأني لن أقبل بذلك، حتى ولو تنافى ذلك مع رغبات العمدة، هو أيضا لن يقبل أن يشاركه بي أحد"
تبدل وجهه وقد انقلبت لعبته عليه فتنفس بقوة وقال "اهدئي رهف لقد تحول الهزل لجد، لا مكان لامرأة أخرى بحياتي"
تراجعت وقالت "وأنا لن أسألك من هي لأني أثق بكلمات راكان"
ظل ينظر لها ثم قال "هي أختي سارة، كانت بشرم تصور فيلمها الأول وعادت اليوم"
ضاقت عيونها وقالت "أنت لم تقدمني لها حقا"
هز رأسه وقال "عندما أعود سأفعل، هل نذهب؟"
هزت رأسها ونهضت معه وقد ترك أموال كافية على المائدة ونزلا من السفينة وعادا للسيارة وسيف التفت له وتحرك تجاهه وقال "موعدك مع مدحت بعد ساعة"
هز رأسه ولم يرد وهو يتحرك ورجل حراسة يفتح له باب السائق
قاد فقالت "لديك عمل؟"
أجاب "نعم، هل اشتريت فستان للزفاف؟"
التفتت له ورغم أنها لم تفعل إلا أنها قالت "نعم"
نظر لها فأبعدت وجهها فعاد للطريق وقال "هل هذا يعني لا تفعل؟"
كان يفهمها جيدا وهي قالت "هذا يعني أني لا أريد ذلك، لم أصبح زوجتك بعد"
عاد ينظر لها وتسرب له غضب مكتوم وقال "هذا الخاتم عنى لي ذلك"
واجهته وقالت "راكان أنا حقا لا أرغب بكل ذلك، دعني أفعل ما يريحني"
أبعد وجهه وقال "لنعتبرها هدية الخطوبة أنا لم أمنحك حتى حفل ولا دبل خطوبة"
ابتسمت وقالت "وبالنسبة لهذه الثروة بيدي ماذا تسميها؟"
لم ينظر لها وقال "هذا مجرد تقليد بالعائلة رهف، فستانك سيكون عندك بمجرد عودتي ولن أقبل الرفض"
لف وجهه لها كأنه يتحداها أن ترفض فلم ترد وهو يرتد للطريق والصمت يلفهم
****
كان الأمر صعب بالنسبة لوافي أن يتغاضى عن رغبات ليان ورائد ولكنه بسبيل استعادة صديقه وسعادة أخته لم يرفض السفر مع راكان وسفيان
الآن وهما ينزلان من الطائرة لقاعة كبار الزوار بدا التوتر على وجهه وسفيان يقول "أنت تبدو كمن يساق للإعدام"
لم ينظر له وهو يقول "لا أعلم ماذا عليّ أن أفعل سفيان؟"
أجاب سفيان "فقط اترك الأمور تسير ولا توقفها، ربما تكون أفضل مما ظننت"
هنا التفت له فابتسم سفيان وقال "بعد سقوط العمدة أمام امرأة، لم يعد شيء مستحيل"
رغما عنه ابتسم لتعليق صديقه وعاد للأمام عندما سمع صوت رائد يهتف "مرحى، مرحى، ثلاثتكم هنا"
احتضن رائد راكان بصدق وهتف "مبارك الخطوبة يا رجل"
ابتسم له راكان وتركه ليحتضن سفيان وهو يقول "العريس المنتظر، لن نتركك قبل أن نغرقك بليلة مع النساء قبل التوبة"
ضحك الجميع حتى توقف رائد أمام وافي والتقت النظرات ورائد يقول "كان لابد أن أكون أنا من يأتي إليك لأعتذر لك ولكني لم أستطع مواجهتك"
تراجع كل الغضب من داخل وافي وعرف ما عليه فعله وهو يقول "ليس بيننا اعتذارات رائد، نحن أصدقاء وليس أي أصدقاء"
ابتسم الرجال واحتضن رائد وافي ومع ذلك همس بأذنه "لا تغضب مني وافي"
ربت على أكتافه وقال "لست كذلك رائد"
ابتعد الرجال وسفيان يقول "أراك بأفضل حال"
ابتسم رائد ورحب بسيف وقال وهم يتحركون بين رجال الحراسة "حظيت بعناية جيدة من صديقي"
لم ينظر له راكان وسفيان يقول "كان مجنون بتلك الليلة، كاد يقتل موظف الاستقبال"
هتف رائد "هو قريني سفيان، أرواحنا مرتبطة منذ مولدنا"
أجاب وافي "معك حق، ورغم اختلاف طباعكم إلا أنكم متلازمان كالماء والهواء لبعضكم البعض"
قال راكان "ولا يختلف الأمر معكم وافي"
وصلوا لخارج المطار وسفيان ووافي بسيارة والصديقان بالأخرى وخلفهم سيارات حراسة كالعادة ورائد يربت على ساق راكان وقال "تبدو مشرق"
نظر له بهدوء لا يتركه إلا معها عندما تجادله وتخرجه من هدوئه وقال "بل لم أنم منذ عدة أيام رائد"
ضحك رائد وقال "العمدة يشكو"
أبعد وجهه وقال "لا، فقط مشغول حقا"
تبدل للجد وقال "بماذا؟"
عاد لرائد وقال "الطلق الناري كان موجه لرهف رائد وليس لي فهل تفهم سبب انشغالي؟"
هز رائد رأسه وقال "ألم تخبرني أنها بالقصر؟"
نفخ وقال "رفضت، هي ترفض كل ما أمنحه لها"
ابتسم رائد وقال "لذا هي مختلفة وأخرجتك من اعتزالك"
أبعد وجهه وقال "أحيانا أظن أنها تهتم وأحيانا أخرى تثير جنوني"
ضحك رائد فنظر له حتى توقف وقال "يقولون عندكم، لا يفل الحديد إلا الحديد"
قال "تصورني كوحش"
قال رائد "ألا تكون وقت غضبك؟"
أبعد وجهه ولم يرد فقال رائد "هل دق؟"
عاد له بنظرات استفهام وهو يردد "دق؟ ما هو؟"
ضحك رائد مرة أخرى فلم يتحدث بينما قال رائد "من يلقي بنا بالجحيم راكان، من يغرقنا حتى الممات"
ضاقت عيونه ولم يفهم عندما توقفت السيارات وأدركا أنهما وصلا ولم يكملا وهو يردد داخله ماذا كان يعني رائد؟
قصر رائد يبعث عليهم الراحة..
تناولوا الغداء معا ثم تحركوا للمكتب وتبادلوا الحديث عن العمل وبالمساء كان اللهو بأحد الملاهي الشهيرة ووافي يقول
"تعشق تلك الأماكن رائد"
تناول رائد المشروب وقال "ليس مؤخرا وافي، العمل الجديد أخذ وقت فراغي كله"
لم يخبره أنه لم يعد يهتم بتلك الحياة العابثة التي كان يعيشها بعد أن سقط بهواها وتحدث سفيان "وأين النساء؟"
لمعت عيون وافي بانتظار الاجابة ولم يتحدث راكان ورائد يبتسم ويقول "يمكن للرجال استدعاء ما تشاء سفيان طالما تمارا لن تعرف"
زمجر سفيان وابتسم الرجال وسفيان يقول "لا، لم تعد لي رغبة بامرأة، أنتظر الزواج"
ضحك رائد وقال "شهران تتبدل بهم أحوالكم جميعا، وأنت وافي ألا توجد امرأة بالطريق؟"
ضحك وافي وقال "أصبحت محصن تجاههم وتركت لهم الساحة"
هاتف سفيان أضاء فأخرجه وقال "وكأنها تسمعنا؟"
ضحك الجميع ونهض ليجيبها بينما نظر رائد لراكان وقال "وأنت ألا تفعل؟"
نظر له وقال "الدكتورة تثق بي"
ضحك رائد ووافي وابتسم هو ورد وافي "بمحلها يا رجل، ولكن ألا ترغب بالاطمئنان عليها؟"
أجاب رائد "وماذا يفعل سيف؟ ألا يمنحه تقرير عن خطواتها؟"
ضحكوا مرة أخرى وقال "هي لا تبحث عني، العمل دنيتها"
نظر له رائد وقال "لا تصدق ذلك، المرأة تجعل الرجل كل حياتها وأي شيء هو بالخلف، على عكسنا"
صمت وسفيان يعود ويتحدث بمرح وجاراهم هو بالحديث لكن كلمات رائد علقت بذهنه لأن ما قاله لا ينطبق عليها
هي لا تمنحه هذا الاهتمام، بل تتركه يبحث عنها وهو من يهتم فهل هي مختلفة أم هو لا يمثل لها شيء؟
انتهت السهرة وعادوا للقصر وما أن دخل جناحه حتى وقف أمام النافذة وما زال يفكر بكلمات رائد وبدا أنه غاضب لأنها ..
رنين هاتفه قطع أفكاره فأخرجه من جاكته ليرى اسمها
هل تهتم؟ هي تقريبا لم تهاتفه مرة واحدة
أجاب "ظننت أنكِ سعيدة برحيلي؟"
جلست على الفراش وقالت "بالتأكيد، فأنت تلاحقني ليل نهار"
ابتسم غصبا وهي حقا تخرجه من النار إلى الماء بلحظة، قال "أين أنتِ؟"
أجابت "بالبيت وأنت؟"
قال بعد أن استعاد هدوئه بسماع صوتها "البيت أيضا، كان يومك طويل؟"
قالت بهدوء "لا، لقد عدت مبكرة من الشركة"
وضع يده بجيبه وقال "لماذا؟ أنتِ تغرقين بالعمل"
قالت بصدق "ليس وأنت خارج مصر"
رفع وجهه وهو لا يصدق أنها تمنحه كلمات تطفئ النيران التي أشعلتها كلمات رائد داخله فقال "لماذا؟"
أجابت بما تشعر به "كنت قلقة عليك، أنت لم تهاتفني كي تخبرني بوصولك"
رد "مرة أخرى"
انتبهت لما قال بلا فهم ورددت "مرة أخرى ماذا راكان؟"
قال "أخبريني أنكِ قلقة عليّ مرة أخرى"
ابتسمت وقالت "وكأنك لا تعرف"
الظلام بالخارج كان يمنع عنه الرؤية لكنه كان يراها أمامه بوجهها المبتسم ونظراتها العنيدة فقال "لا، لا أعرف أي شيء، أنتِ لا تخبريني بأي شيء"
رغم عدم وجوده إلا أن وجهها تورد وهي تقول "وماذا تريد أن تسمع؟"
أجاب "ما يجعلني أصدق أنكٌ تهتمين"
اندهشت وقالت "أنا أهتم يا عمدة ولكنك لا ترى، يكفيك حجم أعمالك الكبير"
ذكية وتعرف كيف تلاعبه بالكلمات فقال "حقا؟"
ضحكت وقال "أنت تختفي بالأيام وتنسى أن لك امرأة"
أعجبته الكلمات فقال "أنتِ لا يمكن نسيانك دكتورة، أنتِ دائما معي"
صمتت وتلاعبت بها الكلمات، انطلقت لقلبها الحالم بقلبه وهي تعلم أنه لن يكون لها
مع ذلك قالت "مرة أخرى"
ابتسم مرة أخرى وقال "أنتِ دائما معي رهف، فقط لم أعتاد على الأمر ربما أحتاج للوقت"
تخطت الأمر وقالت "فقط لا تأخذ وقت كثير فأنا نافذة الصبر"
ضحك وقال "والنتيجة؟"
ضحكت وقالت "سأتركك لمخيلتك، ماذا عن رائد هل هو بخير؟"
تراجع للمقعد وجلس وقال "نعم، أفضل بكثير ويبدو أنه تخطى ليان"
قالت بثقة "لا أظن، ربما فقط لوجود وافي"
وضع ساق فوق الأخرى وقال "ربما، اللقاء سيكون صعب"
قالت "سأحاول أن أكون معها، أحيانا أشعر أنها بحاجة لأم أكثر من صديقة"
قال بدعابة "ماما رهف"
رق قلبها للكلمة وقالت "أحب الكلمة، ألا ترغب بأولاد"
صمت والسؤال علق بذهنه ولا إجابة له، أبناء بعالمه تعني الهزيمة أو مأساة كالتي عاشها مع زيدان، لا هو لا يرغب بأولاد
نادته "راكان هل أغلقت!؟ راكان"
أجاب "موجود رهف، هل حبيبة أنهت امتحاناتها؟"
أبعدت الهاتف لحظة وهي لا تعرف هل قصد تجاوز السؤال أم لم يسمعه أم ماذا ولكنها عادت وقالت "نعم بالأمس"
أسند رأسه على أصابعه وقال "هل تجدين صعوبة بالتعامل معها، حبيبة؟"
قالت "بالعكس، نحن صديقتان، دائما كنت أتعامل معها على هذا الأساس وأعلم أنها تفعل المثل معي، هي ليست متهورة وأفكارها كلها بتحقيق حلمها، هندسة الميكانيكا"
ابتسم وقال "تشبهني بمثل عمرها تقريبا"
تمددت على الفراش وقالت "ولماذا لم تفعل؟"
ذهبت ابتسامته وقال "لم يتناسب ذلك مع مكانة العمدة، الأعمال تأتي بالمقدمة لكن بالهواية أعرف الكثير عن الميكانيكا وأنوي مساعدتها بالأمر"
قالت "تقصد تدللها، أنت تلبي لها طلباتها وهي تستغلك"
ابتسم وقال "أحب نظرتها عندما تنظر للسيارة، وكأنها تقرأ كل ما يخصها بلحظة، لذا أهتم بها وبكل ما ترغب به"
سألته بنبرة مختلفة "هذا قد يوقع بيني وبينها"
ضاقت عيونه وهو يقول "الذي هو ماذا؟"
قالت بخجل "اهتمامك بها؟"
ابتسم وقال "أنتِ ترفضين المثل"
اعتدلت وقالت "لا أقصد الأموال راكان"
تفهم وقال "حسنا أعدك أن أتبدل وأهتم"
قالت "حسنا هذا الوعد من راكان أم العمدة؟"
قال "الاثنان عزيزتي"
ردت بابتسامة "أعجبتني عزيزتي هذه، لقد تطورت يا عمدة طابت ليلتك لا تسهر كثيرا"
ابتسم وهي تغلق بلا انتظار له وأبعد الهاتف وهي تحول كل مزاجه من القطب الشمالي للجنوبي بلحظة وهو يدرك أنه أدمنها ولا يعرف متى سيتخلص من هذا الإدمان أو..
هل يرغب حقا بالتخلص منه؟