رواية الملاكم الفصل الثاني2بقلم سهر احمد

رواية الملاكم الفصل الثاني2بقلم سهر احمد
 الحلبة اللي كبر فيها... والبنت اللي قلبت حساباته

فيه ناس بتكبر بالعمر، وناس بتكبر بالمواقف، وناس الدنيا بتقرر تختبرها من بدري، كأنها مستعجلة تشوف هتستحمل لحد فين.

وسيف مراد كان من النوع التالت.

من يوم ما كتب الجملة دي في كشكوله، وهو بيحاول يثبت لنفسه قبل أي حد إنه مش مجرد ولد ظروفه صعبة وبيحلم يبقى بطل. كان عايز يبقى راجل يقدر يشيل مسؤولية بيته، ويشوف الفرحة في عين أمه بدل القلق، ويرجع لأبوه إحساسه إنه لسه قادر يطمن على مستقبل ابنه.

بس الطريق للحلم ماكانش مفروش بجوايز وميداليات.

كان مفروش بتعب، وعرق، وأيام يرجع فيها البيت مش قادر يرفع إيده من الوجع، ومع ذلك يصحى تاني يوم يلبس هدومه ويخرج كأن مفيش حاجة حصلت.

والأيام دي عدّت.

والولد اللي كان بيقف قدام باب مركز النصر يتفرج على الملاكمين، بقى واحد من الأسماء اللي الكابتن فؤاد بيعتمد عليها في التمرين.

لكن فؤاد، رغم إعجابه بإصرار سيف، كان دايمًا شايف فيه حاجة ناقصة.

مش القوة.

ولا السرعة.

ولا حتى الجرأة.

كان شايف إن سيف ساعات بيدخل الحلبة وهو شايل فوق كتفه هموم البيت كلها، وعايز يخلصها بضربة واحدة.

وده كان أخطر عيب فيه.

---

قبل النزال بيومين

صوت الجوانتيات كان مالي المركز، والعيال بتتحرك بين الحبال، وكل واحد بيحاول يثبت إنه يستحق مكانه.

سيف كان واقف قدام المراية الصغيرة المعلقة جنب الحلبة، بيربط إيديه، لما الكابتن فؤاد قرب منه وقال:

— بصلي كده يا سيف.

سيف رفع عينه من على الرباط.

— أيوه يا كابتن؟

— فاكر اسم الولد اللي هتلعب قدامه؟

— أدهم الشناوي.

— وعارف عنه إيه؟

— بيلعب من وهو عنده عشر سنين، سريع في إيده الشمال، وبيحب يضغط على خصمه من أول الجولة.

فؤاد هز راسه.

— كويس. وعارف هو ممكن يستغل إيه فيك؟

سيف ابتسم بثقة.

— مش هسيب له فرصة.

فؤاد ما ابتسمش.

— أنا ما سألتكش هتسيب له فرصة ولا لأ. أنا سألتك عارف عيبك إيه؟

سيف سكت.

الكابتن خبط بإصبعه على صدره.

— إنت لما بتتضايق، بتنسى إنك بتلعب ملاكمة. بتفتكر إن اللي قدامك هو الدنيا كلها، وإنك لازم تكسبه علشان تثبت إنك مش ضعيف.

— أنا مش ضعيف يا كابتن.

— وأنا ما قلتش إنك ضعيف. بس اللي بيحاول يثبت قوته في كل ثانية، بيكون أول واحد بيتعب.

سيف شد الرباط حوالين إيده بعصبية.

— يعني حضرتك شايف إني مش جاهز؟

فؤاد قرب منه أكتر.

— أنا شايف إنك جاهز تدخل الحلبة، لكن مش جاهز تسمع نفسك لو خسرت.

الكلام ضايقه.

كان نفسه الكابتن يقول له إنه أحسن واحد، وإن الفوز مضمون، وإن كل التعب اللي شافه هيخلص في يوم واحد.

لكن فؤاد عمره ما كان بيبيع له أوهام.

— طب أعمل إيه؟

— اتعلم تسمع الجرس. أول ما تسمعه، تقف وتفكر. ما تجريش ورا غضبك. إنت مش داخل تنتقم، إنت داخل تلعب صح.

سيف بص للحلبة، وبعد لحظات هز راسه.

— حاضر.

— مش عايز حاضر. عايزك تفهم.

سيف ما ردش.

لكن في طريقه للبيت، فضل كلام الكابتن يتردد في دماغه، لحد ما وصل عند محل قطع الغيار ولقى عم جلال بينادي عليه من جوه.

— يا سيف! تعالى شوف الحساب ده، أنا حاسس إن الأرقام بتتخانق معايا النهارده!

سيف دخل وضحك.

— سيبها عليّا يا عم جلال، دي أرحم من اللي بيتخانقوا جوه الحلبة.

عم جلال بص له من فوق نضارته.

— هو إنت فاكر نفسك هتفضل طول عمرك تضرب في الناس؟

— لأ يا عم جلال، إن شاء الله هضرب في الفلوس بعد كده.

ضحك عم جلال من قلبه.

— ربنا يفتحها في وشك يا ابني، بس افتكر إن الفلوس دي كمان ليها جولات، واللي يستعجلها بتغلبه.

سيف هز راسه، ورجع للحساب.

كان كل واحد حواليه بيحاول يعلمه بطريقته، وهو لسه بيتعلم إزاي يجمع النصايح دي كلها في حياة واحدة.

---

اليوم اللي اتغيّر فيه شكل الحلبة

يوم البطولة، مركز النصر كان مختلف.

أهالي واقفين على الجنب، مدربين بيتكلموا بصوت عالي، ولاعيبة بتعمل إحماء، وأسماء بتتنده من الميكروفون وسط التصفيق والصفير.

سيف دخل المكان وهو لابس الترنج بتاعه، وشنطته على كتفه.

أمينة كانت ماشية جنبه، ماسكة إيده للحظة قبل ما تسيبه.

— ربنا معاك يا حبيبي.

سيف حاول يبتسم.

— ادعيلي بس يا أمي.

— أنا بدعيلك من قبل ما تعرف يعني إيه حلبة.

مراد كان واقف وراها، ووشه باين عليه التعب، لكنه أول ما شاف ابنه حاول يخفيه.

مد إيده وصافحه.

— فاكر كلامنا؟

— فاكر يا بابا.

— لو كسبت، افرح. ولو خسرت، ارفع راسك. بس في الحالتين، ما تتكبرش على حد، وما تصغرش نفسك قدام حد.

سيف بص لأبوه، وحس إن الكلام أكبر من مجرد نصيحة قبل مباراة.

— حاضر.

مراد ربت على كتفه.

— روح ورينا اللي اتعلمته.

سيف اتحرك ناحية الكابتن فؤاد، اللي كان مستنيه جنب غرفة اللاعبين.

فؤاد بص له من فوق لتحت.

— متوتر؟

— شوية.

— كويس.

سيف استغرب.

— كويس إزاي يعني؟

— علشان لو مش متوتر خالص، يبقى إنت مش مقدر اللي داخل عليه. المهم ما تخليش التوتر يسوقك.

وبعدين شاور له ناحية الحلبة.

— يلا يا سيف. دورك جه.

لما اسم سيف اتنادى، حس إن كل الأصوات حواليه بقت أبعد.

خطواته ناحية الحلبة كانت ثابتة، لكن جواه كان فيه كلام كتير بيتقال مرة واحدة.

افتكر أبوه.

أمه.

الديون اللي بتتراكم.

الساعات اللي بيشتغلها بعد المدرسة.

والولد الصغير اللي كان واقف زمان ورا قضبان المركز، بيتفرج على الملاكمين وبيسأل أبوه هما بيتخانقوا ليه.

دلوقتي بقى هو اللي واقف قدام الناس.

طلع الحلبة، ووقف في مكانه.

الخصم كان شاب أطول منه شوية، ملامحه هادية، وعينه مركزة.

الحكم ناداهم يقربوا، وشرح التعليمات، وبعدها رجع كل واحد لركنه.

سيف رفع إيديه قدام وشه.

الجرس رن.

وبدأت الجولة الأولى.

أدهم اتحرك بسرعة، وجرب يضغط على سيف من البداية. سيف رجع خطوة، صد ضربة، وبعدها رد بحركة سريعة خلت الناس تصفر.

من بره الحلبة، صوت الكابتن فؤاد كان واضح:

— هادي يا سيف! بص قدامك!

سيف كان سامع، لكنه كان عايز يثبت نفسه بسرعة.

دخل في تبادل ضربات، ونجح في إنه يحرج خصمه في أول دقيقة، فالتصفيق زاد.

لكن أدهم ما كانش سهل.

استغل اندفاع سيف، وخلّاه يفقد توازنه للحظة، وبعدها سجل عليه نقاط مهمة.

سيف رجع لركنه مع نهاية الجولة الأولى، وأنفاسه أسرع من المعتاد.

فؤاد قرب منه ورفع له المية.

— بصلي.

سيف كان باصص للحلبة.

— أنا كنت مسيطر عليه.

— بصلي يا سيف!

سيف لف له.

— إنت مش بتلعب مع غضبك. إنت بتلعب مع خصم عنده خطة، ولو فضلت مصمم تكسرها بإيدك بس، هتخسر نفسك قبل ما تخسره.

سيف مسح العرق من على وشه.

— أعمل إيه؟

— سيبه يتحرك. راقب رجله الشمال. كل ما يضغط، بيسيب مساحة في الجنب. ما تستعجلش الرد.

الجرس أعلن بداية الجولة التانية.

سيف رجع لمكانه، والمرة دي ما اندفعش.

فضل يراقب.

أدهم هجم، وسيف صد الضربة، وتحرك على الجنب، واستغل المساحة اللي قال له عليها الكابتن.

نقطة.

وبعدها نقطة تانية.

المباراة بقت أصعب، وكل واحد فيهم بيحاول يقرأ التاني، لكن سيف بدأ يفهم إن الفوز مش معناه إنه يضرب أكتر، وإنه ساعات لازم يستنى اللحظة الصح بدل ما يجري وراها.

مع آخر الجولة، الاتنين رجعوا لأركانهم.

فؤاد حط إيده على كتف سيف.

— أهو ده اللي كنت عايز أشوفه.

سيف كان مرهق، لكنه ابتسم.

— لسه الجولة الأخيرة يا كابتن.

— بالضبط. ما تفرحش بدري، وما تخافش بدري.

رن الجرس للمرة الأخيرة.

الجولة التالتة كانت أطول جولة في حياة سيف، رغم إنها ما طولتش غير دقايق.

كل حركة كانت محتاجة تركيز، وكل غلطة ممكن تغيّر النتيجة.

أدهم حاول يرجع للضغط، وسيف صد واتحرك، وبعد لحظة مناسبة سجل ضربة واضحة خلت الحكم يفصل بينهما ويعيدهما لمكانهما.

الجمهور علا صوته.

سيف ما بصش للجمهور.

بص لخصمه، وبعدها للكابتن فؤاد.

ولما الجرس أعلن النهاية، وقف في مكانه وهو بيحاول ينظم نفسه.

الحكم رفع إيد سيف.

كسب.

لثواني، ما استوعبش اللي حصل.

وبعدين سمع صوت أمه وهي بتنادي اسمه، فلف ناحيتها.

أمينة كانت بتعيط من الفرحة، ومراد بيصفق وهو بيحاول يخبي تأثره.

سيف نزل من الحلبة وجري عليهم.

أمينة حضنته وقالت:

— ألف مبروك يا حبيبي!

سيف ضحك، لكنه لما بص لأبوه لقى عينه بتلمع.

مراد شد ابنه لحضنه وربت على ضهره.

— النهارده ما كسبتش مباراة وبس يا سيف.

— أمال كسبت إيه؟

— كسبت نفسك لما بطلت تجري ورا غضبك.

سيف سكت.

لأن دي كانت أول مرة يفهم إن أبوه كان بيشوف فيه حاجة هو نفسه ما كانش شايفها.

---

سنين بتعدي... وسيف بيتغيّر

ما كانتش البطولة دي نهاية الطريق، لكنها كانت أول باب اتفتح قدامه.

بعدها شارك سيف في بطولات تانية، كسب بعضها وخسر بعضها، واتعلم من كل مرة حاجة جديدة.

كان فيه يوم يرجع فيه شايل ميدالية، ويوم يرجع ساكت مش عايز يتكلم.

وفي كل مرة كان الكابتن فؤاد يقوله نفس الجملة:

— النتيجة بتتكتب في ورقة، لكن اللاعب الحقيقي بيتكتب جواه.

ومع مرور السنين، سيف بقى معروف في المركز بقوة تحمله، وبإصراره، وبإنه عمره ما كان بيستخبى ورا ظروفه.

لكن ظروفه ما اختفتش.

فضل يشتغل في محل قطع الغيار، ويفضل جنب أهله، ويقسم يومه بين التمرين والشغل ومسؤوليات البيت.

لحد ما بقى عنده عشرين سنة.

شاب ملامحه اتغيرت، وصوته بقى أهدى، وحركته بقت محسوبة، لكن لسه جواه نفس الولد اللي كان بيحلم يقف في الحلبة من غير ما حد يقوله إن ده أكبر من إمكانياته.

وفي صباح يوم زحمة، كان سيف خارج من المركز بعد تمرين طويل، لما موبايله رن.

كان عم جلال.

— إنت فين يا ابني؟

— في الطريق للمحل. مالك؟

— تعالى بسرعة، فيه شغل متراكم، وأنا مش عارف ألحق عليه لوحدي.

— جاي يا عم جلال.

قفل المكالمة، وغيّر طريقه ناحية المحل.

ما كانش يعرف إن الطريق اللي اختاره في اللحظة دي هيحطه قدام روح ناصر، المرة دي مش من بعيد، ولا بنظرة عابرة.

المرة دي هيسمع صوتها، وهيحفظ ملامحها، وهيكتشف إن فيه مواقف بتدخل حياة الواحد من غير ما تستأذن.

---

روح ناصر... البنت اللي ما بتحبش حد يفرض عليها رأيه

روح كبرت هي كمان.

بقت عندها عشرين سنة، بتدرس في الجامعة، وبتحاول توازن بين دراستها وحياتها مع أهلها، خصوصًا أبوها ناصر اللي كان شايف إن بنته مهما كبرت، هتفضل محتاجة حد يطمن عليها.

روح كانت بتحبه، لكن كان عندها رأي في كل حاجة، ومش بتسكت بسهولة لو حسّت إن حد بيحاول يتحكم فيها.

في اليوم ده، كانت راجعة من الجامعة، وماشية في شارع جانبي علشان تختصر الطريق.

الموبايل كان في إيدها، وبتتكلم مع صاحبتها مريم.

— يا بنتي أنا مش فاهمة إنتِ عايزاني أعمل إيه! أروح أقول له إني مش هقدر أقدم المشروع لوحدي؟

مريم ردت من الناحية التانية:

— ما أنا بقول لك خلي بالك من نفسك، وارجعي بدري، وبعدها ابقي شوفي حكاية المشروع.

روح ضحكت.

— حاضر يا ماما التانية، هقفل دلوقتي علشان أوصل قبل ما أبويا يعمل بلاغ اختفاء.

قفلت المكالمة، وحطت الموبايل في شنطتها.

كانت ماشية وهي بتراجع في دماغها الكلام اللي هتقوله لأبوها عن مشروع الجامعة، لما لاحظت عربية واقفة على جنب الشارع، وجواها اتنين بيتكلموا بصوت واطي.

ما اهتمتش في البداية.

لكن بعد ما عدّت من جنبهم، سمعت صوت خطوات وراها.

لفت بسرعة.

— خير؟

واحد من الراجلين وقف على مسافة منها، والتاني ظهر من الناحية التانية.

قال الأول بنبرة حاول يخليها هادية:

— آنسة روح ناصر؟

وشها اتغير.

— أيوه، مين حضرتك؟

— إحنا عايزين نتكلم معاكي في موضوع يخص والدك.

روح رجعت خطوة.

— لو موضوع يخص بابا، كلموه هو.

الراجل قرب خطوة.

— الموضوع مش هينفع يتقال في التليفون. اتفضلي معانا دقيقة.

روح بصت للعربية، وبعدها رجعت بصت له.

— أنا ماعرفكوش، ومش هروح مع حد في حتة.

حاول الراجل يمسك دراعها.

روح سحبت إيدها بسرعة وعلت صوتها:

— إنت بتعمل إيه؟ ابعد عني!

الراجل التاني اتحرك ناحية الشارع، كأنه بيحاول يمنع حد يقرب.

في اللحظة دي، سيف كان داخل الشارع بعربيته الصغيرة اللي بيستخدمها في نقل بعض طلبات المحل، ولما سمع صوت بنت بتستنجد، وقف على جنب ونزل بسرعة.

شاف روح بتحاول تبعد عن الراجل، وشاف التاني واقف في طريقها.

ما فكرش كتير.

— إيه اللي بيحصل هنا؟

الراجل الأول لف له بعصبية.

— مالكش دعوة. امشي في حالك.

سيف بص لروح.

— تعرفيهم؟

روح ردت بسرعة:

— لأ! بيحاولوا ياخدوني معاهم غصب عني!

سيف رجع بعينه للراجلين، ووقف بينهم وبينها.

— سمعتوا البنت. ابعدوا عنها.

الراجل الأول ضحك ضحكة مستفزة.

— إنت فاكر نفسك مين؟

سيف ما ردش على الاستفزاز.

— واحد بيقول لك ابعد عنها، بدل ما الموضوع يكبر.

الراجل مد إيده علشان يزقه، لكن سيف صد إيده وأبعدها عنه.

التاني حاول يلف من الجنب ناحية روح، فسيف اتحرك بسرعة وسد الطريق، ورفع صوته:

— يا جماعة! حد يطلب الشرطة!

صوت الناس بدأ يتجمع، وواحد من أصحاب المحلات خرج من مكانه.

الراجلين بصوا لبعض، ولما لقوا إن الشارع بدأ يتلم عليهم، رجعوا ناحية العربية.

قبل ما يركب، الأول بص لسيف بنظرة غاضبة.

— إنت دخلت نفسك في حاجة ما تخصكش.

سيف رد من غير ما يتحرك من مكانه:

— لما حد يستنجد، الموضوع بيخص أي حد يقدر يساعده.

العربية اتحركت بسرعة واختفت عند أول تقاطع.

سيف فضل واقف مكانه ثواني، بيتأكد إنهم مش هيرجعوا، وبعدها لف ناحية روح.

كانت واقفة جنب الحيطة، ماسكة شنطتها بإيدين مرتعشتين، وبتحاول تبان متماسكة.

سألها بهدوء:

— إنتِ كويسة؟

روح أخدت نفس طويل.

— أيوه... أظن.

— أظن دي مش إجابة تطمن.

بصت له بضيق رغم خوفها.

— هو لازم كل الناس تسأل أسئلة كتير بعد أي موقف؟

سيف رفع حاجبه.

— لا، بس أنا لسه شايف اتنين كانوا بيحاولوا ياخدوكي بالعافية، فاسمحي لي أسأل سؤالين تلاتة.

روح سكتت لحظة، وبعدين قالت:

— أنا كويسة. شكرًا إنك وقفت.

— العفو. تعرفي هما مين؟

— لأ، ولا عمري شفتهم قبل كده.

— قالوا لك إن الموضوع يخص والدك؟

روح هزت راسها.

سيف فكر للحظة، وبعدها قال:

— الأفضل تكلمي حد من أهلك ييجي ياخدك، وما تمشيش لوحدك دلوقتي.

روح رفعت دقنها بعناد.

— أنا أقدر أروح لوحدي.

سيف بص لها باستغراب.

— أنا ما قلتش إنك ما تقدريش. أنا بقول إن اللي حصل مش طبيعي، ولازم ناخد بالنا.

روح اتضايقت من طريقته، أو يمكن من خوفها اللي لسه ما راحش.

— على فكرة، أنا مش محتاجة حد يقرر لي أعمل إيه.

سيف أخد نفس، وحاول يتحكم في رده.

— وأنا مش بقرر لك. أنا بنبهك إن فيه اتنين حاولوا يخطفوكي من الشارع. فيه فرق.

سكتت روح، وبصت بعيد.

بعد لحظة، طلعت موبايلها، واتصلت بأبوها.

---

أول مرة يعرف اسمها

ناصر رد من أول رنة.

— أيوه يا روح، وصلتي؟

صوتها خرج متماسك بالعافية.

— بابا، أنا محتاجاك تيجي لي.

نبرة ناصر اتغيرت فورًا.

— إنتِ فين؟ حصل إيه؟

روح قالت له اسم الشارع، وحاولت تشرح اللي حصل، لكن الكلام كان بيتلخبط منها.

سيف كان واقف على مسافة، مديها خصوصيتها، لكنه فضل متابع الشارع بعينه.

بعد حوالي ربع ساعة، عربية ناصر وقفت عند أول الشارع.

نزل منها بسرعة، وراح ناحية بنته.

— روح! إنتِ كويسة؟

روح أول ما شافته، قربت منه وحضنته.

— أنا كويسة يا بابا.

ناصر بص لوشها، وبعدها بص لسيف.

— حضرتك اللي كنت معاها؟

سيف هز راسه.

— أيوه يا فندم. سمعت صوتها، ولما قربت لقيت اتنين بيحاولوا ياخدوها معاهم. أول ما الناس اتجمعت، مشيوا.

ناصر مد إيده وصافحه بقوة.

— أنا مش عارف أشكرك إزاي. ربنا يجازيك خير.

سيف رد باحترام:

— ده واجب يا فندم. المهم إنها بخير.

ناصر رجع بص لبنته.

— إنتِ تعرفي الشاب ده؟

روح هزت راسها.

— لأ، أول مرة أشوفه.

ناصر رجع لسيف.

— اسمك إيه يا ابني؟

— سيف مراد.

— ربنا يحفظك يا سيف. أنا ناصر، والد روح.

سيف بص لروح للحظة، وبعدها رجع بعينه لأبوها.

— تشرفنا يا فندم.

روح كانت سامعة الحوار، لكنها ما قالتش حاجة.

كان فيه شيء في هدوء سيف ضايقها وريحها في نفس الوقت. ضايقها لأنه كان بيتعامل مع الموقف بعقلانية، وهي كانت لسه مش قادرة تستوعب اللي حصل، وريحها لأنه ما حاولش يستغل خوفها، ولا طلب منها أي حاجة، ولا وقف مستني شكر طويل.

ناصر قال له:

— لازم تيجي تشرب معانا حاجة. أقل واجب نعمله.

سيف ابتسم.

— متشكر يا فندم، بس عندي شغل، وصاحب المحل مستنيني.

روح تدخلت بسرعة:

— أيوه يا بابا، هو ساعدني وخلاص، أكيد عنده شغله.

سيف بص لها، وابتسم ابتسامة صغيرة.

— بالضبط. عندي شغل.

ناصر ما حبش يضغط عليه، لكنه أصر إنه ياخد رقمه علشان يشكره مرة تانية.

سيف تردد في البداية، ثم أعطاه الرقم.

وقبل ما يمشي، بص لروح وقال:

— خلي بالك من نفسك، ولو حصل أي حاجة غريبة تاني، كلمي أهلك فورًا.

روح عقدت حاجبيها.

— حاضر يا أستاذ سيف.

قالت اسمه بنبرة فيها شيء من العناد.

سيف ابتسم.

— كويس إنك عرفتي اسمي على الأقل.

ردت بسرعة:

— ما هو أبويا سأل.

— كنت فاكر إنك مركزة معايا.

روح فتحت بقها علشان ترد، لكنه كان سبقها ومشي ناحية عربيته.

وقفت مكانها، وبصت له وهو بيبعد.

— مغرور أوي!

ناصر سمعها، فبص لها باستغراب.

— مين؟

— مفيش يا بابا. يلا نمشي.

لكن وهي راكبة العربية، فضلت تفكر في طريقته، وفي السؤال اللي سألها إياه، وفي إنه ما حاولش يثبت إنه بطل، رغم إنه كان يقدر يحكي الموقف كله وكأنه أنقذ الدنيا.

أما سيف، فكان راجع للمحل، ومشغول بتفكيره في الراجلين اللي هربوا.

ما كانش عارف ليه حس إن الموضوع مش مجرد محاولة خطف عشوائية.

ولا كان يعرف إن اسم روح ناصر هيبقى مرتبط عنده بحكاية أكبر من مجرد مقابلة في شارع جانبي.

---

الليلة اللي ما نامتش فيها روح

في البيت، ناصر كان بيتكلم في التليفون مع شخص يعرفه، وصوته واطي، لكن القلق واضح فيه.

روح كانت قاعدة في أوضتها، بتحاول تراجع محاضراتها، وكل شوية تفتكر إيد الراجل وهو بيحاول يمسكها.

قفلت الكتاب، ونزلت لأبوها.

— بابا، إنت بتكلم مين؟

ناصر قفل المكالمة بسرعة.

— واحد صاحبي.

روح بصت له بشك.

— صاحبك ده ليه صوته اتغير لما قلت له اللي حصل؟

ناصر سكت لحظة.

— يا روح، أنا مش عايزك تقلقي زيادة. يمكن يكونوا ناس غلطوا في العنوان، أو كانوا عايزين يوصلوا لي رسالة بطريقة قذرة. أنا هتصرف.

— رسالة إيه؟ وإنت مخبي عني إيه؟

ناصر قرب منها.

— مفيش حاجة إنتِ محتاجة تشيلي همها دلوقتي.

روح رجعت خطوة، وملامحها اتغيرت.

— أنا مش صغيرة يا بابا. لما اتنين يحاولوا ياخدوني بالعافية ويقولوا إن الموضوع يخصك، يبقى من حقي أفهم.

ناصر فضل ساكت.

كان عارف إن بنته عندها حق، لكن كان فيه أمور قديمة هو نفسه ما كانش عارف يبدأ يحكيها منين.

وفي النهاية قال:

— هحاول أعرف هما مين. لحد ما أفهم، ما تمشيش في الشوارع الجانبية لوحدك، ولو حد كلمك عني، ما تروحيش معاه في أي مكان.

روح هزت راسها، لكنها ما اقتنعتش.

رجعت أوضتها، وفتحت موبايلها، وبصت على الرقم اللي أبوها سجله لسيف.

كانت تقدر تسأله إذا كان شاف أي حاجة زيادة، أو إذا كان يعرف الراجلين.

لكنها تراجعت.

وقالت لنفسها إن آخر حاجة محتاجاها دلوقتي إنها تتصل بواحد قابلته من ساعات، وكل اللي تعرفه عنه إنه ملاكم بيشتغل في محل قطع غيار، وإنه عنده ثقة زيادة عن اللزوم في نفسه.

قفلت الموبايل، ورجعت لكتابها.

لكن الصفحة فضلت قدامها من غير ما تفهم منها كلمة.

---

في مركز النصر... ضربة جديدة

تاني يوم، سيف وصل المركز بدري.

كان محتاج يتمرن، ومحتاج كمان يطلع من دماغه تفاصيل اللي حصل لروح.

الكابتن فؤاد لاحظ إنه ساكت أكتر من العادي.

— مالك يا سيف؟

— مفيش يا كابتن.

— لما واحد يقول لي مفيش وهو باصص في الأرض، أعرف إن فيه حاجة.

سيف ضحك بخفة.

— حضرتك بقيت تعرف تقرأ الأفكار؟

— لأ، بس بعرف أقرأ الوشوش. إنت عايز تحكي؟

سيف فكر لحظة، وبعدها قال:

— قابلت بنت امبارح، واتنين كانوا بيحاولوا ياخدوها بالعافية. تدخلت، والموضوع خلص، بس حاسس إن الحكاية مش طبيعية.

فؤاد بطل يربط إيده.

— تعرف هما مين؟

— لأ.

— والبنت تعرفهم؟

— قالت إنها أول مرة تشوفهم.

فؤاد فكر شوية، وبعدها قال:

— كويس إنك وقفت تساعدها، بس خليك فاكر إنك مش مطالب تحل كل مشكلة تقابلك بنفسك. لو فيه خطر حقيقي، لازم أهلها والشرطة يعرفوا.

سيف هز راسه.

— أهلها وصلوا، وأبوها كان معاها.

— يبقى سيب الموضوع لأهلها. إنت عندك مباراة بعد شهر، وأنا مش هسمح لك تضيّع تعبك علشان تدخل نفسك في حاجة مش فاهمها.

سيف ابتسم.

— حاضر يا كابتن.

فؤاد أشار له ناحية الحلبة.

— يلا. وريني هتعمل إيه النهارده.

سيف طلع الحلبة، وبدأ التمرين.

لكن بعد دقائق، دخل واحد من المنظمين وسأل عنه، وقال إن فيه فرصة للمشاركة في بطولة أكبر، وإنهم محتاجين يشوفوا مستواه في اختبار جديد.

سيف نزل من الحلبة، وعينه لمعت.

— إمتى؟

— الأسبوع الجاي. لو الكابتن وافق، اسمك هيتسجل.

سيف لف ناحية فؤاد، مستني رده.

فؤاد ما وافقش فورًا.

— البطولة دي مستواها أعلى، واللي هتواجههم مش سهلين.

سيف رد بثبات:

— أنا عارف.

— لأ، إنت لسه ما تعرفش. بس لو هتدخل، هتدخل وأنت فاهم إن اسمك مش هيتحط في القائمة علشان ظروفك صعبة، ولا علشان أنا بحبك. هيتحط علشان إنت تستحق.

سيف مد إيده وصافحه.

— اديني فرصة أثبت لك.

فؤاد بص له طويلًا، وبعدها هز راسه.

— الفرصة ليك. والباقي عليك.

رجع سيف للحلبة.

المرة دي، ما كانش بيفكر في الفوز بس.

كان بيفكر في كل خطوة محتاج يعملها علشان يبقى لاعب أقوى، وفي المسؤولية اللي بتكبر مع كل باب بيتفتح قدامه.

لكنه ما كانش يعرف إن فيه أبواب تانية بتتفتح في حياته من غير ما يختارها.

وإن روح، اللي قابلها بالصدفة، مش هتكون مجرد بنت أنقذها في شارع.

لأن الراجلين اللي حاولوا ياخدوها ما كانوش آخر ناس هيدوروا عليها.

---

نهاية الحلقة الثانية

في آخر الليل، ناصر وقف قدام شباك مكتبه، والموبايل على ودنه.

جاله صوت من الناحية التانية:

— البنت شافتنا، والموضوع كبر.

ناصر قفل عينه للحظة.

— أنا قلت لكم ما تقربوش منها.

الصوت رد ببرود:

— إحنا ما كناش عايزين نأذيها. كنا عايزين نوصل لك إن سكوتك مش هيحميها.

ناصر شد إيده على الموبايل.

— اسمعني كويس... روح مالهاش ذنب في أي حاجة حصلت زمان.

الطرف التاني سكت لحظات، ثم قال:

— المشكلة إن اللي حصل زمان رجع، واللي فات مش هيفضل مدفون للأبد.

المكالمة انتهت.

ناصر فضل واقف مكانه، وعينه على صورة روح وهي صغيرة، قاعدة على كتفه وبتضحك.

همس لنفسه:

— يا رب استرها معاها... أنا مش هسمح لحد يقرب منها.

وفي نفس الوقت، كان سيف راجع البيت بعد التمرين، شايل شنطته على كتفه، ومشغول بموعد البطولة الجديدة.

ما كانش يعرف إن فيه خطر بيتحرك ناحية روح، ولا إن الطريق اللي جمعهم مرة ممكن يجمعهم تاني في ظروف أصعب.

كل اللي كان يعرفه إن بكرة عنده شغل، وبعده تمرين، وبعد شهر مباراة ممكن تغيّر مستقبله.

لكن الحياة كانت مجهزة له اختبارًا مختلفًا.

اختبار مش هينفع فيه يرفع إيده ويحتمي ورا قفاز الملاكمة.

لأن المرة الجاية، سيف مش هيكون واقف قدام خصم في الحلبة...

هيكون واقف قدام حكاية أكبر منه، ولو دخلها من غير ما يفكر، ممكن يخسر أكتر من مباراة.

                   
تعليقات



<>