رواية سدره ويونس الفصل الثاني2بقلم ساميه عبد القادر


رواية سدره ويونس الفصل الثاني2بقلم ساميه عبد القادر

ـ سِدْرَة!
ـ يا زفتة!

فتحت عينيّ بفزع، وأنا لسه مش مستوعبة حاجة:

ـ في إيه يا عُمر؟ حد يصحي حد كده؟

رد عُمر بسخرية:

ـ صباح الفل يا عسل، الساعة 8!

قمت من السرير بفزع، وأنا بلف في الأوضة بتوهان:

ـ مصحيتنيش من بدري ليه يا عُمر؟ هوصل الكلية إزاي كده؟

ـ هوصلك، يلا إجهزي.

خلصت بسرعة، وركبت مع عُمر، ومشينا في طريق الكلية.

وصلنا، ومشي عُمر ناحية شغله، وأنا وقفت قدام المدرج بخوف شديد، وأنا بكلم نفسي:

ـ لو دخلت مش هيسمح لي، وهرجع تاني... فخلينا هنا لحد ما يخرجوا وأدخل المحاضرة اللي بعدها بكرامتي أحسن.

كنت لسه همشي، بس سمعت صوت عارفاه كويس أوي:

ـ سِدْرَة! واقفة كده ليه؟!

التفت لها بترقب:

ـ خوفت أدخل... أنتِ عارفة دكتور كامل، هيمسح بكرامتي الأرض.

اتكلمت وهي بتقرب مني:

ـ لا، متخافيش. دكتور كامل مجاش النهارده أصلًا.

اتنفست براحة:

ـ الحمدلله!

وبعدين أكملت بحماس:

ـ حيث كده بقى يلا نفطر، لأني خرجت من البيت من غير فطار.

مسكت إيدي بحماس، ومشينا ناحية الكافيتيريا.

ــــــــــــــــــــ

ـ ده مصر نورت والله يا دكتور يونس!

ابتسمت بهدوء:

ـ منورة بأهلها يا دكتور.

قولتها لزميلي الدكتور أنس، وإحنا قاعدين في كافيتيريا الجامعة.

ـ كنت أخدت كام يوم راحة، ليه تنزل الشغل بدري كده؟

ـ أنت عارف إني مش بحب الراحة. أنا جيت من المطار على هنا، لأن جو الجامعة وحشني أوي.

ـ ويزن؟!

ـ يزن راح الشركة لوالدي.

ـ ناويين تستقروا ولا هتسافروا تاني؟

ـ لا، بإذن الله هنستقر.

اتكلم بمراوغة:

ـ استقرار استقرار؟!

ضحكت بخفة:

ـ ادعيلي أنت بس.

وفجأة، قطع كلامنا صوت مرتفع جاي من ورايا:

ـ وأنا مش هسكت على اللي عملتيه غير لما تتفصلي!

التفت أنا وأنس نشوف في إيه.

لمحت شلة بنات واقفين، وفي واحدة منهم صوتها عالي ومزعج، والموضوع كله كان لافت للنظر.

سمعتها بتقول:

ـ لا يا حبيبتي، متفكريش نفسك هتفلتِي بعملتك دي.

ردت عليها بنت تانية بهدوء:

ـ أنا اتأسفت لك يا رحيق، ملوش لزوم كل ده.

ردت رحيق بصوت أعلى:

ـ لا، ليه لزوم! الطقم اللي أنتِ وقعتي عليه العصير ده يبقى أغلى منك!

أخذت البنت نفسًا هادئًا، وقالت:

ـ أنا هسكت وهحترم إننا في مكان علم، وبتأسف لك للمرة المليون يا رحيق.

ـ وأنا قلتلك يا سِدْرَة، يا إما تدفعي تمن الطقم، يا إما هتتفصلي من الجامعة خالص!

ـ في إيه؟ إيه المهزلة اللي بتحصل هنا؟

قولتها وأنا بتدخل، ووقفت على بُعد منهم.

أول ما شافتني، اتغيرت ملامح رحيق للسعادة:

ـ دكتور يونس! إيه الصدفة الحلوة دي؟

رمقتها بنظرة ضيق.

من دقيقة صوتها كان مسمع الكلية كلها، ودلوقتي بقت فجأة أشطر  واحدة في الرقة!

وجهت نظري للبنت اللي كانت بتتخانق معاها.

كانت هادية بشكل لافت، واقفة ثابتة وعيونها في الأرض، ولابسة دريس أسود رقيق، وعليه حجاب مغطي تقريبًا نص جسمها.

ملامحها كانت بسيطة وهادية، وفيها شيء خلاني أخد بالي منها رغم إني مكنتش أعرفها.

فوقت من نظراتي لما سمعت البنات وهما بيحاولوا يهدوا رحيق عشان متروحش مكتب العميد، إستغفرت ربنا فـ سري 
وجه فـ بالي جُمله لشيخ فاضل وهيَ 
فتنه المُلتزم بـ المُلتزمه
من أصعب الفتن 
يمكن إني مشوفتش فـ هيئتها المُلتزمه دي فـ عشان كدَ لفتت إنتباهي ، غفر الله لنا 
لكَ النظره الأولي 

اتنفست بزهق، وقربت منهم:

ـ آنسة رحيق، أظن إنها اتأسفتلك كتير، ومكنش قصدها إنها توقع عليكِ العصير.

ـ بس يا دكتور...

قاطعت كلامها بهدوء حازم:

ـ أنا مستعد أدفعلك تمن الطقم اللي فرحانة بيه ده.

وأكملت بسخرية خفيفة:

ـ بس ياريت بقى وقتها متقربيش من الآنسة.

قولتها وأنا بشاور على البنت اللي لحد اللحظة دي معرفش حتى اسمها.

ـ لا يا دكتور يونس، أنا خلاص مش عايزة تمن حاجة. أنا همسح البقع دي وهتبقى كويسة.

قالتها رحيق بتذمر.

ـ كان فين ده من بدري؟ مكنش له لزوم.

قربت للبنت اللي من وقت ما جيت وهي مش بتتكلم، ولا حتى رفعت عينيها من الأرض:

ـ أنا بعتذرلك عن اللي حصل يا آنسة.

رفعت عينيها ليّ لثواني، وبعدها نزلتهم تاني بسرعة:

ـ حضرتك ملكش ذنب في اللي حصل.

ـ لا، ليا.

سكت لحظة، وبعدين أكملت:

ـ لو متعرفيش، رحيق تبقى بنت عمي.

لمحت الصدمه علي هيئتها 

ـ قليل اللي يعرف إنها بنت عمي، لأني مش حابب إن اسمي يتربط باسمها بأي شكل.

هزت رأسها، وهي بتفرك إيديها بتوتر:

ـ هستأذن أنا يا دكتور، عشان عندي محاضرات.

أومأت لها بهدوء:

ـ اتفضلي.

مشت من قدامي، وأنا فضلت باصص على أثرها لثواني.

أنا آه قضيت فترة كبيرة خارج مصر، وكمان عشت فترة كبيرة هنا، وشوفت أشكال وشخصيات كتير جدًا.

لكن هدوءها كان غريب.

مش عارف ليه، بس لفت نظري إنها كانت عايزة تخلص الموقف وتمشي من غير ما تدخل في كلام أو تجذب الانتباه لنفسها، ودَ شيء فرحنـي جدًا 
إن لسه فـ بنات كدَ 

بصيت قدامي وأنا بابتسم ابتسامة بسيطة.

مش عارف هي مين، ولا حتى أسمها ، بس حسيت اني اعرفها ومن زمان 
إيه يـ يُونس هوَ دَ الوعد 
هوَ دَ غض البصر عشان الفتنه ، إيه هنخيب !

هزيت رأسي كأني بحاول أطرد الفكرة من دماغي، وحطيت إيدي في جيب البنطلون، ومشيت في ممر الجامعة لحد ما وصلت لباب معين.

فتحته بهدوء ودخلت القاعة، اللي كان خارج منها أصوات كتير.

وأول ما دخلت، عمّ الصمت في المكان تدريجيًا، ونظرات الاستغراب اتوجهت ناحيتي من معظم الطلاب.

ابتسمت بهدوء:

ـ طبعًا معظمكم مستغرب سبب وجودي... أو أنا مين أصلًا؟!

وأكملت وأنا بحط جاكيت البدلة المزعج على الكرسي:

ـ أحب أعرفكم بنفسي. أنا دكتور يونس، 28 سنة، وهكون معاكم مكان دكتور كامل.

وبابتسامة خفيفة أكملت:

ـ وطبعًا أنا أخ وزميل، قبل ما أكون دكتور رخم.

قلت آخر جملة بهزار، ولمحت كذا حد في المدرج ابتسم.

بدأت شرح ، وكل الأنظار كانت متوجهة عليا بإنتباه شديد 
كأنهم اول مره يشوفوا حد بيشرح مثلا
خلصت المُحاضره واخدت جاكيت البدله وخرجت من المدرج 

ـ إستنـي يـَ يونس 
صوت قاطع طريقي 
وانا رايح تجاه العربيه 
عشان أمشي 

إلتفت بهدوء 
وانا عارف صاحبه الصوت كويس :
ـ خير يـَ رحيق 

قربت مني بإبتسامه 
وهي بتمد إيدها :
ـ مش هتسلم علي بنت عمك ولا إيه ؟!

بصيت تجاه إيدها ببرود ، ولبست نضارتي 
الشمسيه فـ بردو أكتر :
ـ لمّا تبقي بنت عمي 
محترمه !

رجعت إيدها تاني 
ونظرات الغضب رسمت مجراها علي ملامحها :
ـ يُونس 
انا إتجاهلت مُعاملتك ليا قدام البنات هناك 
لكن مش هسمح لك بأكتر من كدَ 

ـ طول ما أنتِ كدَ يـَ رحيق مُعاملتي هتبقا أسوأ من كدَ 
ثمّ إني دكتور يُونس
دكتورك فـ الجامعه يـَ رحيق متنسيش 

اتغيرت نبره صوتها للسخريه :
ـ مش هنسي إنك دكتوري فـ الجامعه 
بس انتَ كمان متنساش إني خطيبتَك !

                  الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>