رواية عيون الاسد الفصل الثلاثون30والاخير بقلم اميرة خالد

رواية عيون الاسد الفصل الاخير بقلم اميرة خالد

بعد ما عدى شهرين.. الحياة اتغيرت تماماً وبقت كتل من الشقاوة والجنون!
عين كانت حرفياً هتتجنن من العيال وسهرهم، ولما الوضع زاد، يعقوب جاب لها مربية متخصصة تساعدها معاهم. كانت عين طول الوقت تعبانة متضايقه، وكل همها ودعائها إنها تدخل عملية عيونها وتقوم منها بالسلامة عشان تفتح وتشوف ولادها بعينها لأول مرة.
أما إنجي فكانت بقت في الشهر الخامس من حملها، وعملت للكل صدمات يومية: يا إما قاعدة بتاكل بلا توقف، يا إما شايلة الصغير "أنس" وبتلعب بيه، يا إما مجننة جاسر ويعقوب بطلباتها وجنانها اللي ما بيخلصش!
ويعقوب وجاسر كانوا حرفياً على آخرهما ومنهارين من "ريا وسكينة" اللي في البيت، ده غير ضغط الشغل الكبير عليهم. أما فادي فكان تزوج يارا رسمياً، وكانت هي كمان حامل في شهرها الأول، وبقوا جزء أساسي من الشلة المجنونة دي.
وفي يوم العملية الحاسمة..
كانوا كلكم واقفين قدام غرفة العمليات في المستشفى. يعقوب كان رايح جاي في الممر وعصابه متدمرة من الخوف والقلق، وإنجي كانت قاعدة على الكرسي قدام سراير الأطفال وبتهز رجلها بتوتر، والمربية واقفة جنبها بهدوء ماسكة البيبيين.
قرب جاسر من يعقوب وحط إيده على كتفه وقال بصوت هادئ: – اهدا يا يعقوب واستغفر ربنا.. إن شاء الله هتخرج بالسلامة وتبقى زي الفل، بطل مشي رايح جاي كده عشان دوختنا!
يعقوب بص لـ جاسر بقلب مخلوع ودموع خفيفة في عيونه: – يا رب يا جاسر.. يا رب! أنت مش سامع كلام الدكتور قبل ما تدخل؟! قال إن نسبة 40% ممكن عين ما ترجعش تشوف تاني.. قلبي بيتقطع عليها!
قامت إنجي من مكانها وقربت منه بثقة وقالت بابتسامة دافية: – يا عم يعقوب بلاش تشاؤم ونكد والنبي! عين قوية وهتطلع بالسلامة تشوفنا وتشوف عيالها، متخافش ربنا مش هيوجع قلبك عليها.
يعقوب بتنهيدة حارة ودموع: – يا رب يا إنجي.. يا رب!
بعد وقت مش قصير.. فتح باب أوضة العمليات، وطلع الدكتور وهو بيتنفس براحة ومبتسم.
قرب يعقوب عليه وشدّه من دراعه بلهفة: – طمني يا دكتور! مراتي عاملة إيه؟! الدكتور بابتسامة: – اطمن، العملية تمت بنجاح الحمد لله.. وكمان يومين بالظبط لما نشيل الشاش هنعرف النتيجة النهائية.
اتنهد يعقوب بعمق لدرجة إن روحه رجعت له، وغمض عينه بحمد: – الحمد لله يا رب.. ألف حمد ليك يا رب! قربت إنجي وقالت بفرحة وهي بتطبطب على كتفه: – شفت بقى يا يعقوب؟! قلت لك أختي قوية وهتقوم بالسلامة! الدكتور: – هي دلوقتي هتدخل أوضة عادية، وكمان شوية تقدروا تشوفوها.. عن إذنكم. يعقوب بصوت ممتن: – شكراً يا دكتور، تعبناك.
بص يعقوب لجاسر وإنجي وقال بجدية: – بقولكم إيه.. خدوا العيال والمربية وروحوا على البيت ارتاحوا، وأنا هقعد معاها هنا. إنجي بعناد: – مستحيل! مش هتحرك من هنا غير لما أختي تفتح عينيها وأطمن عليها بنفسي! بص يعقوب لجاسر بنظرة معناها "خلصنا من المجنونة دي".. قرب جاسر من مراته وبطريقة هادية قال: – يا حبيبتي الدكتور طمننا، وكمان "أنس" طول الوقت بيعيط ومش مستحمل جو المستشفيات زيك بالظبط! بصت إنجي لانس وقالت: – صح.. طب خلاص، هشوفها أول ما تدخل الأوضة وبعدين نمشي فوراً. يعقوب في نفسه: – لما تمشي فعلاً، المستشفى دي هتهدى وتبقى فل!
وبعد دقایق.. اتنقلت عين الأوضة العادية، وكانت نايمة على السرير وتعبانة، وعينيها ملفوفة بشاش أبيض.
قربت إنجي منها بحب وطبعت بوسة على راسها: – ألف حمد لله على سلامتك يا قلبي.. هسيبك ترتاح دلوقتي وراجعة لك تاني. يلا يا جاسر. يعقوب بغيظ خفيف: – بقولك إيه يا جاسر.. ارمي مراتي دي في النيل وأنت ماشي، بس ابقى خد عيالي في العربية التانية عشان حرام! ضحك جاسر وقال: – وتفتكر هتسيبني أتحرك من غيرها؟! مستحيل! يعقوب: – خلاص، غوروا أنتوا الاتنين على البيت! جاسر: – حاضر، أول ما نوصل هطمنك.
خرجوا وقفل يعقوب الباب وراه، وقعد جنب عين على الحرف، مسک إيدها وباسها وبدأ يتكلم بصوت دافئ وهادي: – قلبي كان واقف مكانه وأنتِ جوه.. بس الحمد لله إنك رجعتي لي بالسلامة. وعموماً، حتى لو لاسمح الله النتيجة ما كانتش زي ما نتمنى، أنا هفضل جنبك طول عمري ومش هسيبك ابداً.. فاهمة؟!
ردت عين بصوت تعبان ودموعها نازلة تحت الشاش: – بس أنا نفسي أفتح عيني وأشوفك.. وأشوف ولادي يا يعقوب. يعقوب بحب وهو بيمسح دموعها: – هتشوفيهم يا قلبي.. اهدي بس وبلاش توتر. عين: – حاضر يا يعقوب.
وفجأة.. الباب اتفتح وفادي دخل مستعجل: – عاملة إيه يا حبيبتي دلوقتي؟! كويسة؟! يعقوب بضيق: – يا ابني براحة، الصوت العالي بيوجعها! هي كويسة الحمد لله. فادي بعصبية خفيفة: – ينفع كده يا يعقوب؟! أختي تدخل العمليات وما اعرفش إلا بالصدفة من يارا؟! يعقوب ببرود: – معلش.. عين هي اللي طلبت ما أقولكش عشان كانت خايفة عليك من السواقة بالليل. فادي وهو بيمسك إيد عين: – مهما يكن.. دي عين، توامي!
عين ابتسمت بتعب وقالت: – ربنا يخليك ليا يا حبيبي. فادي وهو بيبوس إيدها: – ويخليكِ لينا يا قلبي. يعقوب خبط على كتفه بغيرة واضحة: – بقولك إيه.. روح لمراتها الحامل واطمن عليها، يلا يا بابا من هنا! فادي باستغراب: – أنت بتغير من توامي ولا إيه؟! يعقوب بغيرة: – أه بغير! يلا بره عشان تعبانين وعايزين ننام لوحدنا! فادي بضحكة: – خلاص يا عم، ما تحولش تاكلني.. سلام.
سابه وخرج.. قالت عين بتعب: – ما ينفعش تكلم اخويا كده يا يعقوب! يعقوب بملامح طفولية: – لا ينفع.. بالذات العيلة دي، دول عايزين صاروخ يطيرهم! ضحكت عين بصوت خفيف، فقال يعقوب بحب: – طب افضلي دايما دافعي عنهم كده لحد ما أسيبك وأمشى! مسكته عين بسرعة وخوف: – اوعى تقولي الكلمة دي تاني! باس راسه بحب: – مستحيل أسيبك.. ده أنتِ الروح! يلا نامي. عين بتعب وهي بتوسع له: – طب تعالى نام في حضني.
ما صدق يعقوب، طلع جنبها وشدها لحضنه بكل قوته، وغطاها وراحوا في نوم عميق وأمان تام. 
بعد يومين..
كانت المستشفى مقلوبة وبقت كأنها جناح بيتي لإنجي؛ قاعدة بكل برود وفاتحة التلفزيون، والأكل والفاكهه في كل حتة، ومروقة على الآخر، ويعقوب كان خلاص جيله شلل وعقله هيطير من العفرتة بتاعتها، ده غير المربية اللي واقفة بالعيال وراها في كل مكان!
بس الحاجة الوحيدة اللي كانت مخليّة يعقوب مستحمل دوشة إنجي وجنانها ده كله، هي إن عين كانت مبسوطة وسعيدة جداً لما بتسمع صوت ولادها وصوت ضحكهم حواليها في الأوضة.
والنهارده.. جت اللحظة الحاسمة!
دخل الدكتور الأوضة وبابتسامة هادئة وقف قدام سرير عين وقال: – جاهزة يا مدام عين عشان نشيل الشاش ونطمن على النتيجة النهائية؟
عين بلعت ريقتها وقلبها كان بيدق بسرعة، وقالت بصوت مرتعش: – أه يا دكتور.. جاهزة إن شاء الله.
قرب الدكتور بالراحة وبدأ يفك الشاش من على عيونها بحذر شديد. في اللحظة دي، كانت عين ماسكة في إيد يعقوب بكل قوتها وبتضغط عليها من التوتر، وإنجي كانت قاعدة على الكرسي ودموع الفرحة نازلة على خدها، وجاسر واقف جنبها وماسك إيدها وبيطبطب عليها بحنان ويهديها.
وبعد دقائق معدودة.. خلص الدكتور فك الشاش خالص ورماه على جنب. مسك الكشاف الصغير ووجهه بمسافة آمنة وقال: – جاهزة تفتحي عيونك يا مدام؟ افتحي بالراحة خالص وبالتدريج عشان الضوء.
هزت عين راسها بالموافقة وهي مغمضة.. وبدات تفتح عيونها بالتدريج وببطء شديد. في الأول، النور كان قوي عليها ومكانتش متوضة، بس شوية وشوية بدأت الرؤية توضح قدامها.. عيونها بقت تلف في الأوضة في كل مكان بذهول وفرحة مش مصدقة نفسها، لحد ما وقفت عيونها وابتسامتها الواسعة على وجه يعقوب الواقف قدامها!
الدكتور ابتسم بفرحة وقال: – مبروك يا مدام عين! النتيجة ممتازة ورجعتي تشوفي بوضوح!
من غير ما تفكر.. نطت عين من على السرير وحضنت يعقوب بكل قوتها، ومن شدة فرحته هو كمان، شالها ولف بيها في الأوضة والدموع في عيونه وهو مش مصدق إن حلمهم اتحقق!
إنجي كانت واقفة بتضحك وتعيط في نفس الوقت من كتر التأثر والفرحة بأختها، وقامت بصعوبة من على الكرسي بسبب بطنها، وقربت منهم بسرعة وفتحت دراعاتها: – ألف حمد لله على سلامة عيونك يا قلبي!
حضنتها عين بحب ودموعها نازلة: – وحشتيني قوي يا إنجي.. مش مصدقة إن أخيراً شفتك وشفت الدنيا!
وهنا.. بص جاسر ليعقوب بتهريج وقال بصوت عالي: – مبروك يا عم.. ممكن بقى تاخدوا عيالكم وتخلونا ناخد إحنا إجازة منكم اليومين دول الواحد اتبهدل!
ضحكت عين وقالت باشتياق: – أومال فين الولاد؟! هاتوهمني!
قرب يعقوب بسرعة، وشال طفل وحطه بالراحة في حضنها، وبعدين جاب التاني وقعده جنب اخوه. أول ما عين بصت لهم وشافتهم قدام عيونها بوضوح، عيطت من شدة التأثر والفرحة وقالت بصوت منشج: – أنا.. أنا ما كنتش اعرف إنهم حلوين قوي كده.. وشبهك يا يعقوب بالمللي!
إنجي ردت بسرعة بغيظ مصطنع: – أخص عليكِ يا عين! دول طالعين شبهي وشبهك مستحيل يبقوا شبه يعقوب دول قمرات!
ضحكت عين وسط دموعها وقالت: – طبعا يا حبيبتي.. من عيوني الاتنين! طيب.. مين فيهم بقى "أنس" ؟
قربت إنجي بفخر وشاطرة وراحت شاورَت لها عليه: – أهو ده.. أبو عيون شقية!
يعقوب فضل يضحك عليهم وعلى لمساتهم المجنونة اللي مش بتخلص، وقعدوا كلكم في جو عائلي دافئ وممليان حب وسعادة ملوا المستشفى كلها.

                  تمت بحمد الله
تعليقات



<>