رواية عشق ملوث بالانتقام الفصل الرابع والثلاثون34بقلم ريتاج حبيب
استنشقت ليان أنفاسه، وتشبعت برائحته التي افتقدتها
طوال أربعة أشهر، ثم طبعت شفتيها على جبهته وقالت هامسة: أسر؟
لكنها لم تتلقَّ منه أي رد، فقد كان غارقًا في نوم عميق تحت تأثير البنج. أنزلت رأسها على صدره لتستمع إلى دقات قلبه، وظلت تستشعر نبضاته وكأنها تحاول أن تطمئن نفسها بأنه ما زال هنا، وأنه لم يغب عنها مرة أخرى. رفعت رأسها بسرعة فور أن شعرت بيده تتحرك بخفة فوق يدها، فسحبت نفسها سريعًا من جواره، ونظرت إليه لتجده منهكًا بشدة، وقد بدت علامات التعب واضحة على ملامحه. للحظة، أشفقت عليه، وشعرت بوخزة ألم في قلبها وهي تراه بهذه الحالة، لكن سرعان ما تذكرت كل ما فعله بها، وكل ما تسبب فيه من وجع، فانكمشت ملامحها بألم، وألقت عليه نظرة أخيرة امتزج فيها الحب بالخذلان، ثم خرجت مسرعة من الغرفة، لتجد الطبيب أمامها مباشرة. اقتربت منه وسألته بصوت خافت: هو هيفوق امتى؟ أجابها الطبيب بعملية، وهو يتفحص التحاليل الموجودة أمامه: مخابيش عليكي يا مدام ليان، أستاذ أسر محتاج للراحة التامة، لأن الجهاز التنفسي عنده فيه مشاكل، فهنضطر نحجزه هنا مش أقل من أسبوعين رعاية. شهقت ليان بقلق، وسألته: طيب هو في خطر على حياته؟ الطبيب: لا، حضرتك، إن شاء الله خير، متقلقيش. أنهى حديثه وغادر من أمامها، وفي تلك اللحظة رأت وائل قادمًا من خلفه، يلتقط أنفاسه بقلق واضح، وسألها فور وصوله: خير، قالك إيه؟ أجابته ليان بهدوء حزين: عنده مشاكل في الجهاز التنفسي، وهيتحجز أسبوعين. قالتها ثم تحركت مبتعدة عنه بهدوء، حتى إن وائل استغرب سكونها وجمود ملامحها وهي تغادر، فلم تكن تبدو عليهما تلك اللهفة التي كان يتوقعها من امرأة جاءت لتطمئن على الرجل الذي أحبته يومًا بكل ما فيها.
__________
واصلت ليان سيرها وهي غارقة في شرودها، لا تكاد تشعر بما يدور حولها، فقد كان عقلها مشغولًا بما فعلته بأسر، وبالقرارات التي اتخذتها، وبكل ما عاشته معه طوال الأشهر الماضية. توقفت قدماها عند السلم، وظلت واقفة للحظات، تحدق في الفراغ وكأنها تحاول إقناع نفسها بما اتخذته من قرار، ثم قالت لنفسها بصوت خافت: أنا صح... صح... واللي عملته صح، الصح كمان. أخذت نفسًا عميقًا، ثم نزلت الدرج واستقلت سيارة أجرة متجهة إلى بيتها... بيت أبيها الذي اشتاقت إليه كثيرًا، البيت الذي يحمل بين جدرانه ذكريات طفولتها وأيامها التي لم تكن تعرف فيها معنى الوجع الذي عاشته لاحقًا. وما إن وصلت حتى ترجلت من السيارة ودخلت مدخل البيت، وأخذت تتأمل جدرانه بعينين دامعتين، بينما راحت الدموع تنساب على وجنتيها بحب وحنين. عادت بذاكرتها إلى أيام طفولتها، حين كانت تضع قطتين في شعرها، ثم تركض في أرجاء البيت محاولة الاختباء من أبيها، الذي كان يلاحقها بابتسامته الحنونة وضحكاته الدافئة. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وسط دموعها، لكنها لم تلبث أن تلاشت حين تذكرت أنه لم يعد موجودًا ليحتضنها، وأن كل تلك اللحظات لم تعد سوى ذكريات تسكن قلبها. دخلت البيت الذي كان مفروشًا بالكامل باللون الأبيض، وتقدمت بخطوات بطيئة حتى وقفت أمام صورتهما معًا، صورتها وهي بين ذراعي أبيها، وهو يبتسم لها بحنان بينما تبدو السعادة على وجهها. مدت يدها والتقطت الصورة من إطارها، ثم ضمتها إلى صدرها بقوة، وراحت تقبلها بحب واشتياق، وهي تهمس بصوت مرتجف: وحــــشتــــنــي أوي يــــا بــــابــــا... وحــــشــتــــنــــي جــــــدًا... نــــفــــســــي أحــــضــــنــــك بــــــس... نــــفــســــي أشــــبــــع مــنــــك... مــــلــــحــقتــــش، أنــــا ملــــحقــــــتش... كــــان نفــــســي حتــــى عمــــتــو تــبقــــــى كويــســة عــشــان تــــعوضــني، ولــــو إنــــي عــــارفــــة إنــــه مــــستــــحيــل هتــعــــوضــــني عنــــك، بــــس... بــــس كــــان نفــــسي فــــي أي حــــاجــة مــــن ريــحــــتــك... مــــــامــــــا مــــشــيــــت، وإنــــت مشــــيــت، رحتــــلهــا وسيــــبتــــني فــــي الــــدنيــــا أتبــــــهدل... وأتمــــرمط مــــن أكــــتر راجــــل أنــــا عشــــقــــته فــــي حــــياتــــي... يــــارب صــــــبــــرني، يارب وارحمني... ارحمني يارب... ليه... لييييه كده؟ أنا إيه اللي رجعني؟ أنا كنت مرتاحة وأنا بعيدة... ظلت تحتضن الصورة وكأنها تحتضن أباها نفسه، تتمنى لو أن الزمن يعود بها إلى الوراء، ولو للحظة واحدة، لتلقي بنفسها بين ذراعيه وتخبره بكل ما حدث لها، وتبكي كما تشاء دون أن تخشى أن يخذلها أحد أو يتركها وحيدة في مواجهة الحياة.
___________
في صباح يوم جديد، استيقظ أسر أخيرًا بعدما بدأ يشعر بتحسن طفيف في حالته. فتح عينيه، وما إن اصطدم بصره باللون الأبيض المحيط به حتى أغمضهما مجددًا من شدة الضوء، وظل يفتحهما ويغلقهما عدة مرات حتى اعتاد عليهما قليلًا، ثم رفع رأسه بصعوبة ونظر إلى الممرضة التي كانت تقف بجواره تضبط المحلول المعلق إلى جانبه، وقال بصوت مبحوح: بعد إذنك... اندهي الدكتور. ابتسمت الممرضة وقالت: حمد لله على السلامة يا أستاذ أسر، سلامتك، حالًا وهيكون عند حضرتك. أسر: فين وائل، وفين موبايلي؟ الممرضة: موبايل حضرتك مع الأستاذ وائل، اديناهوله هو وكل مستلزمات حضرتك، وهو مش موجود، معرفش، حضرتك خرج الصبح من غرفتك، معرفش بقى. أومأ أسر برأسه، ثم أغمض عينيه وهو يستعيد في ذاكرته ما حدث في الشركة، وكيف اندلع الحريق، وكيف انتهى به الأمر في المستشفى. تنهد بحزن، لكنه ظل متمسكًا بيقينه بأنه سيعيد الشركة إلى حالتها الأولى، بل سيجعلها أفضل مما كانت عليه، مهما كلفه الأمر. قطع شروده دخول وائل، صديقه، الذي ما إن رآه مستيقظًا حتى ابتسم بمرح وقال: يا شيخ، أنا بحسدك! شوف قاعد مروق على حالك إزاي، بنات وتكييف ومبتقومش من على السرير، مزاااج! طول عمرك رايق، اللهم لا حسد. ابتسم أسر وهو مغمض عينيه وقال: احسد احسد براحتك... ريح بقى بدل ما أجي أنيمك جنبي. ثم أكمل ضاحكًا: بتحسدني إني تعبان؟ وائل بمرح وهو يضحك: لا، ده تعب الناس الأغنيا اللي زيك، شوف أول ما تكح بس ينقلوك على المستشفى وتتحجز، إنما واحد فقيــ... احم، واحد زيي كده لو عربية دهست عليه ولا حد هينطق. ضحك أسر وقال: ده أنت حقود، مكسوف تقول فقير، هاا؟ ودهــ إيه؟ وائل بابتسامة: دهست. أسر بتعب: برة... برة، يخربيتك! استنى، صح، إنت كنت فين؟ وائل: إنت مالك يا عم، إنت مراتي؟ أسر: مراتك؟! انطق، كنت فين؟ وائل: ولا حاجة، كام مشوار كده خلصتهم وجيت لك. أسر: محدش جه عندي هنا ودخل؟ ارتبك وائل للحظة، ثم قال متلعثمًا: لوءة. أسر: إيه؟ وائل: لوءة، محدش جه. أسر بجدية: ما تنشف وتسترجل كده، لوءة؟! وائل بضحك: مش إيلك دعوة، وبعدين اتقي الله يا بني آدم، أنا لو زعقت في وشك هطبقهولك وإنت على السرير نايم كتا. أسر بسخرية: كتا؟ ممم... كمل يا حبيبي. ظل أسر يحدق في وائل، محاولًا فهم سبب ارتباكه، بينما حاول الآخر أن يبدو طبيعيًا، مستمرًا في المزاح حتى لا يفتح بابًا للأسئلة التي لا يريد الإجابة عنها.
___________
على الجانب الآخر، كانت ليان تقف في المطبخ تعد طعامها، بينما يعمل التلفاز أمامها على أحد برامجها المفضلة، مسلسل «أبو العروسة»، مستفيدة من كون المطبخ أمريكيًا ومفتوحًا على غرفة الاستقبال، حتى تتمكن من مشاهدة التلفاز أثناء إعداد الطعام. لكن عقلها لم يكن مع المسلسل على الإطلاق، فقد كانت شاردة تمامًا، تفكر في أسر، وفي عمّتها التي ما زالت ترقد في غيبوبتها، وتعلم أنها لا بد أن تذهب لزيارتها والاطمئنان عليها. كانت الأفكار تتزاحم في رأسها، وكلما حاولت إبعاد صورة أسر عن ذهنها، عادت إليها صورته وهو ممدد على سرير المستشفى، وتذكرت كل ما فعله بها، وكل الألم الذي تسبب فيه، فشعرت بقلبها ينقبض رغم محاولاتها المستمرة لإقناع نفسها بأنها اتخذت القرار الصحيح. ولم يكن ما يقلقها أقل من ذلك هو موعد الجلسة، إذ لم يتبقَّ عليها سوى ثلاثة أيام، وكانت تخشى بشدة أن يفقد وائل السيطرة على لسانه، فيخبر أسر بمكانها أو يكشف له أي شيء قد يقوده إليها. توقفت عن تقليب الطعام للحظة، وأسندت يدها إلى حافة الطاولة، ثم قالت لنفسها بضيق: هو أنا هفضل خايفة من كل حاجة كده لحد إمتى بقى يا ربي؟ تنهدت بتعب، ثم أنهت إعداد غدائها، وحملته معها إلى غرفة الاستقبال، وجلست أمام التلفاز تتابع المسلسل، محاولة أن تشغل نفسها بأي شيء بعيدًا عن الأفكار التي لم تترك لها فرصة للراحة، لكن قلبها ظل معلقًا بأشياء كثيرة لم تستطع حسمها بعد.
___________
في صباح يوم جديد داخل المستشفى، وتحديدًا في غرفة أسر، كانت أصوات صراخه تتردد في أرجاء المكان، حتى إن الأطباء والممرضين الذين سمعوه شعروا بالرهبة من غضبه. كان يقف أمام الطبيبة التي بدت على وشك الموت من شدة الخوف، وهو يحدق بها بعينين مشتعلتين، ويقول بصوت مرتفع: هــــــو فــــــي إيــــــــــه بــــالظــــــبط؟ أنتــــــم إيــــــــه، مــحــتــجــزنــي ولــــا إيــــــه؟ بــــصــي يــــا اســــمــك إيــــــه، علــــــى الــصــــبح أنــــــا همــــشــي يــعــنــي همــــشــي، ومــــيــت مــــرة أقــــول إنــــــي بــقيــــت متــــنيــل كــــــويــــــس، أنــــــتــــم مــــــــال أهــــــاليــــكم بقــــى؟ حاولت الطبيبة أن تتحدث، لكنها قالت برعب: يــــا فنــــدم، بــــس... قاطعها بحزم: وقــــــســم بالله لــــو ما فــــتحتيــــش البــــــاب، لأكــــون شــــــاطــبك مــن النــــقابــــة ومــــطــربق المــــســتشــفى دي عــــلى دمــاغــــكم... ســــــــامعــــة؟
أومأت الطبيبة برأسها في خوف، فلم تكن قد اعتادت على هذا الجانب من شخصيته؛ إذ إنه طوال اليومين الماضيين كان يقضي معظم وقته نائمًا، وحين يستيقظ يكون هادئًا بسبب تأثير المخدر، أما الآن فقد عاد إلى حالته الطبيعية، بكل ما تحمله من حدة وعصبية وغضب. اقتربت منه الطبيبة، ووضعت يدها على صدره برقة، محاولة تهدئته، وقالت: طيـب عشـان خــاطــ...ااااااااه
لكنها لم تستطع إكمال جملتها، إذ صرخت بألم فور أن أمسك أسر بيدها وثناها خلف ظهرها. نظر إليها باحتقار وقال بحدة: إنــــتِ اتجــننــتــــي يــــــا روح أمــــــك؟ بتحــــطــــي إيــــــدك الزبــــــالــة عــــليــا يــــا زبــــالــــة؟ اســــمــــك إيــــــــه يــــــا بــــــــت؟ ارتجفت الطبيبة وهي تجيبه: والله لا، ما أقصدش، أنا... كان... كان قصدي بس تقعد ل... لم يسمح لها بإكمال كلامها، بل شد ذراعها أكثر حتى أطلقت صرخة أخرى، ثم قال بحدة: شششش... انطــــــقــي! أجابته بخوف: فاطمة محمود. ألقى بها أسر بعيدًا عنه، حتى اصطدمت بالباب، ثم قال بسخرية: اعتبري نفسك مشطوبة من النقابة... مفيش مستشفيات في مصر هتشوف الـCV بتاعك، مش خطوتك... ثم وقعت عيناه على خاتم الخطوبة الذي يزين إصبعها، فقال باحتقار: وكمان مخطوبة؟! زبالة، هقول إيه... غوري على برة يلا، مشوفش وش أهلك ده! خرجت الطبيبة مسرعة، وهي تكاد تتعثر من شدة خوفها، بينما عاد أسر إلى جوار السرير وجلس عليه بسرعة، واضعًا يده على رأسه بعدما شعر بصداع حاد يكاد يقسم جمجمته إلى نصفين. أخذ يتذكر ما أخبره به الطبيب عن أنواع الصداع، ثم تمتم بضيق: الصداع لو جه في الجبهة بيبقى صداع من الجيوب الأنفية، ولما بييجي ورا الرأس بيبقى الضغط... طب أنا عندي الاتنين دلوقتي، إيه بقى؟ أنتم يا بهايم يا اللي هنا! وفي تلك اللحظة دخل وائل، وقد سمع آخر كلماته، فتوقف عند الباب وحدق فيه بدهشة، ثم قال: بهايم؟!... اصطبحنا على وشوش، استغفر الله منها! خير يا أستاذ أسر، مين اللي ربنا يبارك له اللي ضايقك؟ أسر بصوت مبحوح: شش... استنى يا وائل، أنا مش فايق لك. لم يهتم وائل كثيرًا بحالته، بل اتجه إلى الطاولة الموجودة خلف أسر، وما إن رأى الطعام الموضوع عليها حتى اتسعت عيناه فرحًا، وقال: اللهم صلي على النبي، ده إيه الحلويات دي يا عم؟ جايبين لك كل الأكل ده لوحدك؟ ده أنا ما كلتش بقالي كام يوم بسببك أنت وأبوك، عيلة معفنة! قالها وهو يمد يده إلى الطعام ويبدأ في تناوله دون استئذان. نظر إليه أسر بسخرية، ثم قال: عشان كده مش عارف آكل ح... إنت قلت أبوك؟! ظل وائل منشغلًا بالطعام، واكتفى بالإجابة: ممم. حدق أسر فيه باستنكار، ثم سأله: ماله أبويا؟ وائل: مالهش يا عم، أنتم عيلة كده بتحب وجع الدماغ. أسر بحدة: اخلص، في إيه؟ ترك وائل الطعام للحظة، ثم نظر إليه بجدية وقال: محجوز في العناية المركزة من ساعة ما عرف بالخبر. نهض أسر من مكانه بصدمة، ولم يستطع استيعاب ما سمعه، وحدق في وائل وكأن الكلمات لم تصل إلى عقله بعد، ثم قال: إيــــــــه؟... إنــــــت اتــــــجــــننــت؟ أبــــــو مــيــــــــن اللي فــــــي الرعــــــايــة؟
اقترب وائل منه محاولًا تهدئته، وقال بسرعة: اهدي... اهدي، والله هو كويس، كل يوم بطمن عليه، الدكتور بيقولي كويس وبيتحسن، الحمد لله. لكن أسر لم يكن يسمع سوى كلمة واحدة تتردد داخل رأسه؛ والده... أبوه موجود في المستشفى ومحجوز في العناية المركزة، بينما لم يخبره وائل بشيء. قبض على يده بعنف، ثم صاح فيه: إنــــــت إزاي متــــــقــــــولــــــيــش إنــــــــه هــــنا؟ اقترب وائل أكثر، وقال محاولًا تبرير موقفه: والله ما رضيت أقلقك، هو كويس والله يا أسر. أسر بزعيق: لأ، أنا لازم أروح له! تحرك وائل بسرعة نحوه وقال: استنى بس، أنا جاي معاك. لكن أسر كان قد اندفع خارج الغرفة مسرعًا، ومن حسن حظه أنه وجد الطبيب أمامه مباشرة، فتوجه إليه وصاح: الرعاية المركزة فين؟ نظر الطبيب إليه بدهشة، ثم قال بقلق: ثواني يا حضرتك، إزاي تقوم وتخرج كده؟ يا سعاد... لم يمنحه أسر فرصة لإكمال حديثه، بل اندفع نحوه وأمسكه من ياقة قميصه، دافعًا إياه إلى الحائط، ثم قال بغضب عارم: ورحــــمــة أمــــي لــــــو طــــولــــت مــــعــايــــــا فــــي الكــــلام، لأقــــفــلهــا لــكــــم! انــــطــق، فيــــــن أم الــرعــــايــة؟ وصل وائل في اللحظة نفسها، وحاول إبعاده عن الطبيب، وهو يقول بقلق عليه: اهدي يا بني، والله هو كويس... تعالَ طيب، أنا هوصلك. ترك أسر الطبيب فور سماع كلمات وائل، ثم اندفع نحوه وأمسك بذراعه، وقال بلهفة: يــــــلا!
___________
قاد وائل أسر إلى قسم العناية المركزة، وحين وصلا إلى الغرفة المقصودة، دخل أسر وحده، بينما فضّل وائل الانتظار في الخارج ليمنحه بعض الخصوصية مع والده. دخل أسر بخطوات بطيئة، وقد بدا الجمود واضحًا على ملامحه، وكأنه يحاول التماسك أمام ما ينتظره في الداخل. لكن ما إن وقعت عيناه على والده حتى شعر بشيء داخله ينهار؛ كان مصطفى مستلقيًا على السرير، والنصف العلوي من جسده عاريًا، بينما تحيط به الأجهزة الطبية والأسلاك من كل جانب، وتبدو عليه علامات الإنهاك الشديد. أغلق أسر الباب خلفه بهدوء، وما إن شعر مصطفى بوجوده حتى حرّك رأسه بصعوبة نحوه، وخرج صوته متعبًا ومبحوحًا وهو يناديه بلهفة: أســ...ــر!
تجمد أسر في مكانه، ثم انهمرت دموعه بصمت وهو يسمع اسمه يخرج متقطعًا من فم أبيه، ذلك الرجل الذي مهما فعل ومهما حدث بينهما، سيظل أباه، وسيظل له عليه حق لا يستطيع إنكاره. رأى مصطفى يرفع يده بصعوبة ويشير إليه، محاولًا أن يقول بصوت متقطع: تــ...ــعــ...ــالــ...ــي... مــ...ــتــ...ــعــ...ــيــ...ــطــ...ــش. تحرك أسر نحوه، وجثا على الأرض أمام سريره، محاولًا أن يجعل صوته طبيعيًا، لكن نبرته خانته رغم كل محاولاته، فسأله بصوت مرتجف: إنت كويس؟ نظر إليه مصطفى، وامتلأت عيناه بالدموع، ثم قال بصعوبة: متــ...ــخــ...ــافــ...ــش... أنــ...ــا كــ...ــويــ...ــس يــ...ــا حــ...ــبــ...ــيــ...ــبــ...ــي. ازدادت دموع أسر انهمارًا، ولم يستطع أن يمنعها وهو ينظر إلى والده الذي طالما رآه قويًا، لا ينحني أمام شيء، ثم سأله بصوت مبحوح: حــــاســس... بإيــــه؟ تعــــبــان؟ ابتسم مصطفى ابتسامة واهنة، وفتح ذراعيه له بصعوبة، وما إن رأى أسر تلك الحركة حتى اندفع نحوه واحتضنه بقوة، دافنًا وجهه في صدره، وانفجر في بكاء عميق، بكاء حاول كتمانه طويلًا، لكنه انهار أمام ذلك الحضن الذي اشتاق إليه أكثر مما كان يعترف لنفسه. شعر مصطفى به يرتجف بين ذراعيه، فضمّه إليه بقدر ما سمحت له حالته، ثم قال بصوت متعب، تتخلله أنفاس متقطعة: حـ...ـــاســ....ــس إنـــ......ـي طــ......ــايـ....ـــر يـ....ـــا أســ.....ــــر... مـــ.....ـش قــ....ــادر أصــ....ــدق إنـــ........ـــــك حــ....ضنــ......ــتـ.......ـــني دلــ......ــوقتــ........ــــي... أقــ....ــدر... أروحــ... وأنـــ......ـا مــ.....ــرتـــ.....ـــاح... بـ.....ـــس اسمـــ....ـعـــ.....ـك... اسمـــ....ـعك بتقــ...ــــولـ......ـــي إنـــــ.....ـك مــــســ....ــامــــحنـ........ـــــي. رفع أسر رأسه بسرعة، وهزها بالموافقة، بينما كانت دموعه تغرق وجهه، وقال بلهفة: مســــــامــــحــك والله، مســــــامحــــك، بس متقولش كده! هتقوم وهتبقى كويس، وتسمي حفيدك. ابتسم مصطفى بتعب، وردد الكلمة وكأنه يتذوق حلاوتها: حــ......ــفـــ.......ـيدي... الله... كــــــ.......ــان نفــ......ــــســــ......ــي أشـــ......ـــــــوفـ....ـه وألــ.....ــــاعبـــ......ـــــه. حاول أسر أن يمسح دموعه، ثم قال له بإصرار، وكأنه يرفض السماح لأي فكرة سيئة بالاقتراب من عقله: متقولش كده، هتربيه لحد ما يجوز كمان... ظل مصطفى ينظر إليه للحظات، وقد خفتت ابتسامته تدريجيًا، بينما أخذت أنفاسه تتباعد وتضعف. لم ينتبه أسر في البداية إلى التغير الذي طرأ عليه، فقد كان مشغولًا بمحاولة التماسك، وبالتعلق بتلك اللحظة التي أعادته إلى حضن أبيه بعد كل ما مرّ بهما. لكن الصمت طال، ولم يعد يسمع صوت والده، فرفع رأسه ونظر إليه، ليجده ساكنًا على نحو أثار الرعب في قلبه. نهض أسر بسرعة، وعادت الدموع تنهمر من عينيه بغزارة، وهو يناديه: بــــــابــــا... لم يتلقَّ أي رد. اقترب منه أكثر، ووضع يده على كتفه، ثم هزّه برفق وهو يقول بصوت مرتجف: بــــــــابــــــــــا... مــــــــصــــــطــــفى... قــــــــوم، فــــــي إيــــــــه؟ قــــــــــوم عــــــشــــان تــــطمــــن عــــلــــى ليــــــان وتخــــليــها ترضــــى تــــرجــــعلــي... بــــابــــــا! ظل يهزه برفق، ثم أخذ صوته يرتفع شيئًا فشيئًا، بعدما بدأ الخوف يسيطر عليه، بينما بقي مصطفى ساكنًا، وابتسامته الهادئة ما زالت مرسومة على وجهه. سمع وائل صوته من خارج الغرفة، فاندفع إلى الداخل بسرعة، وما إن وقعت عيناه على المشهد حتى تجمد في مكانه؛ كان مصطفى ممددًا على السرير، وعيناه مفتوحتين وابتسامته ما زالت على وجهه، بينما كان أسر يدفن رأسه في صدره ويبكي بطريقة جعلت من يراه يشعر وكأن روحه هي التي تبكي، لا عيناه وحدهما. اندفع وائل نحوه، وحاول أن يرفعه عن جسد والده، لكن أسر دفعه بعنف، وقال بحدة وسط دموعه: ابــــــعد يــــا وائــــــل... سيبنــــــي معــــــاه، هو بــــــــس نــــــــــام شــــوية، صــــــح؟ اقــــــترب وائــــــــل مــــن مــــصطــــــفى، وقد غلبه الحزن، ومد يده برفق وأغلق عيني أبيه المفتوحتين. وما إن رأى أسر ما فعله حتى دفع وائل مرة أخرى، وهو يصرخ بحدة وقد غطت الدموع وجهه: إنــــــــــت بتــــعــــــمل إيــــــــه؟ اتجــــــننــت؟ متــــقــفــــلش عــــينــــه! ممــــاتــش، بقــــولــك! حاول وائل أن يتماسك، لكنه لم يستطع، فقد كان يعلم أن صديقه لن يتحمل تلك اللحظة، وأنه مهما بدا قويًا وقاسيًا أمام الجميع، فهو الآن مجرد ابن فقد أباه وهو بين ذراعيه. أمسكه وائل رغم مقاومته، وجذبه إلى صدره في محاولة لاحتوائه، وأخذ يربت على ظهره برفق، بينما ظل أسر متشبثًا به بقوة، كأنه يبحث عن شيء يمنعه من السقوط في هاوية الفقد. انحنى جسده من شدة الألم، وخرجت صرخته ممزوجة بالبكاء، صرخة حملت في داخلها كل ما عجز عن قوله، وكل ما ندم عليه، وكل الكلمات التي تمنى لو أنه قالها لأبيه قبل فوات الأوان: آآآآآآآآه! ظل وائل يحتضنه بصمت، بينما كانت دموعه هو الآخر تنساب دون توقف، وفي الغرفة التي شهدت آخر عناق بين أب وابنه، خيّم حزن ثقيل، حزن لم تستطع الأجهزة ولا الجدران ولا كل محاولات التماسك أن تخفف من وطأته. كان أسر يرفض تصديق أن ذلك الحضن الذي انتظره طويلًا أصبح آخر عناق بينهما، وأن الكلمات التي سمعها من أبيه قبل لحظات ستكون آخر ما يسمعه منه، وأنه مهما نادى الآن، ومهما توسل إليه أن يفتح عينيه، فلن يأتيه ذلك الصوت المتعب ليجيبه مرة أخرى.
