رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الخامس والثلاثون35بقلم داليا السيد محمد

رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الخامس والثلاثون35بقلم داليا السيد محمد 
آخر الطابور
نزل سفيان من غرفته يبحث عن تمارا فوجدها بغرفة الطعام تطمئن على الإفطار، ابتسمت له وهو يتحرك لها وقبلها وقال "ظننتك رحلت"
جلس فجلست بجواره وقالت "ليس بعد، ليس لدي عمل كثير اليوم، وأنت؟ هل وصلتم لشيء؟ كنت متعب بالأمس"
أجاب وهو يتناول الطعام "لا شيء ولقد رحلنا كلنا بالأمس"
نظرت له وقالت "لكم ثلاثة أيام سفيان"
هز رأسه وقال "أعلم ولكن لا جديد، الأمر لم يكن بالأمس تمارا، لذا راكان عاد بالأمور لوقت الإنشاء"
صمتت ولم تتحدث، ذكر راكان جعلها تصمت وهو استوعب الأمر فقال "هل هاتفتِ ليان؟ رائد قد يحدد موعد عقد قرانهم قبل أن يرحل؟"
ارتاحت لتبديل الحديث وقالت "نعم ولكنها لم تخبرني، قالت إن رائد لا يرغب بإغضاب راكان بتلك المرحلة"
تفهم سفيان وقال "نعم هو محق، الرجل لم يرى زوجته يوما كاملا منذ زواجهم فكيف يخبره برغبته بالزواج بذلك التوقيت"
اضطرت للرد "هي بطلة لتتحمل وضع كهذا، لو كنت مكانها لما تولاني الصمت ولكنت لاحقتك بكل مكان"
رفع نظره لها وقال "لا أنتِ رهف تمارا ولا أنا العمدة، أنا أيضا لا يمكنني قبول ما يفعله بنفسه، العمل كل ما كان يعرفه لذا وجود امرأة لابد أن يأتي بآخر الطابور"
نظرت له وقالت "أنت على حق، أعانها الله"
صمت حل عليهم ثم أخيرا قالت "لم تخبرني عن ابنك؟"
توقف عن الطعام وهو يحدق بها وهي تبادله النظرات حتى قال "نور، اسمه نور، فيم اهتمامك به؟"
عادت للطبق دون تناول طعام وقالت "هو ابن زوجي، أردت معرفة أخباره"
نهض وقال "لا تشغلي بالك به تمارا، لقد منحتك كلمتي وقد وفيت"
رفعت وجهها له وقالت "أعلم سفيان هو مجرد سؤال فيم الغضب؟"
قال وهو ينظر لساعته "لست غاضب تمارا فقط مندهش لحديثك عنه، لابد أن أذهب متى ستذهبين؟"
نهضت وقالت "الآن، بالمساء لدي عرض أزياء وربما أتأخر"
هز رأسه وقال "هاتفيني كي أمر عليك"
ابتسمت فمال وقبلها ورحل وهي تتبعه بنظراتها، هي حقا لا تعرف لماذا أخذها الفضول حول الطفل ولكنه لم يمنحها أي شيء
****
أغمضت عيونها تحت المياه وهي ترغب بالكثير، الصراخ، الاعتراض، البكاء، لكن لا شيء يستجيب داخلها، صوت واحد يردد زوجة العمدة، أنت زوجة العمدة وعليك تحمل اختيارك، لن يضعك بالمقدمة ستظلين دائما بالنهاية
شعرت بيده تمر على خصرها حتى التصق جسده بها وقبلته على عنقها وهو يهمس تحت المياه "تلك اللحظات هي ما أعيش عليها ببعادك عني"
كلماته، لمساته، قبلاته تمحو الغضب من داخلها، ما زال معها فعليها الاستمتاع بتلك اللحظات كي تعيش هي الأخرى عليها وعندما لفها له أحاطته بذراعيها والتقت بعيونه نصف المفتوحة وقالت "وأنا أعيش بها"
انحنى وقبلها بقوة وهو يفهم كلماتها ونظراتها ويدرك ما تعانيه لكن الأمر ليس بيده والآن هو معها ولن يفكر بسواها وبالفعل لم يتركها حتى انتهى وساعدها بكل شيء حتى جفف جسدها ووضع روب الحمام عليها وقبل عنقها ثم خرجا سويا
انتهى من ملابسه وهي تجلس تجفف شعرها وقالت "أرغب بالذهاب للشركة راكان ثم المعهد الجديد"
وضع دبوس ربطة العنق الذي منحته له وقال "اجعليه اسبوع رهف"
لم تنظر له وقالت "الجميع يعرف ما يحدث راكان وأنا أفضل العمل على البقاء بالبيت"
وضع عطره وأسقط الهاتف بالجاكيت والتفت لها وقال "ألا ترغبين بالراحة؟"
رفعت عيونها له وقالت "تعلم أين راحتي"
ظل ينظر له ثم قال "بالعمل والتدريس؟"
صمتها طال حتى أبعدت عيونها لشعرها وقالت "سأنزل الشركة أولا ثم أذهب للمعهد لتحديد بدأ العمل به"
هز رأسه وقال "تعلمين أن هناك سيارة تحت أمرك، لا أجرة رهف، لا تتأخري"
وانحنى ليضع قبلة على وجنتها وتحرك خارجا وهي تتتبعه بالمرآة وهمست "أنت لا تدرك أن راحتي أصبحت بوجودك راكان، العمل كان حياتي والآن أصبحت أنت كل الحياة لكن ليتك تدرك ذلك"
****
ما أن دخل السيارة حتى قال سيف "الأمر معقد راكان"
أبعد وجهه للنافذة وقال "ندى هي سبب كل ذلك"
هز سيف رأسه وقال "نعم ولكن كامرأة كان من الصعب تدبير الأمر وحدها"
هز رأسه بتفهم وقال "لا تخبر سفيان شيء"
تجهم وجه سيف وقال "الجميع ينتظر إجابات يا عمدة"
كان يعلم أن هذا صحيح ومع ذلك قال "أعلم لكنه لو عرف أنه السبب فلن يشعر بالراحة"
هتف سيف "ولكنه السبب حقا راكان"
رمقه بنظرة يعرفها سيف جيدا فتراجع وقال "ماذا ستخبرهم؟"
أبعد وجهه للنافذة وقال "لا يهم، المهم البورصة تهدأ والخسائر تتوقف"
لم يرد سيف وراكان يعلم أنه غاضب لكن سفيان سيدرك أن جنونه أضر بأصحابه لذا سيفعل أي شيء ليكفر عن خطاياه وسيظل مكسور أمامهم وهو لن يقبل بذلك
سيف أكمل وهو يمد له بقرص صلب "هنا كل شيء عن ندى وكل من له يد بالأمر"
جذب القرص منه وأسقطه بالجاكيت وقال "الدكتورة ستبدأ العمل تأكد من حراستها جيدا"
أجاب "حاضر"
رن هاتفه فأخرجه ليرى رائد فأجاب "رائد"
أجاب الآخر "أين أنت؟"
رد راكان "بالطريق للشركة الجديدة"
قال "اتفقت مع وافي على عقد القران بعد الغد هل لديك مشكلة؟"
صمت قليلا ثم قال "لا ومتى سترحل؟"
كان رائد بطريقه لليان فقال "بعدها بيومين، لابد أن أعد للزفاف هناك؟"
قال بجدية "زفاف هنا رائد وليس هناك، هنا بلد الفتاة"
صمت رائد وهو يقود سيارته وهو يستوعب الكلمات تقريبا ليان ألمحت لذلك 
قال "ظننت أن الأمر لن يختلف"
توقفت سيارته وفتح له رجل الأمن فنزل وقال "يختلف رائد، ليان لن تتحدث كي لا تضايقك لكن هذا هو التقليد المتبع"
تفهم رائد وقال "حسنا سأترك الأمر لك ولها، أنت تعلم أني تأخرت هنا كثيرا ولابد أن أعود"
الجميع توقف لرؤيته وهو يتحرك للمصعد وسيف بجواره وهو يقول "سأفعل ما أن تحدد الموعد"
انقطع الاتصال داخل المصعد فنظر لسيف وقال "ألا ترغب بالزواج أنت أيضا سيف؟"
التفت له سيف وقد تفاجأ من الأمر وقال "ماذا!؟"
ابتسم راكان وهو يرى دهشته وقال "لا تخف سأمنحك اجازة جيدة"
انفتح الباب وسيف يقول "أعلم، ساعة بعد الزفاف، لن أكون أفضل منك"
نظر له فلم تتبدل ملامحه وهو يقول "حقا!؟ لن تكون لك تلك الساعة إذن"
نهضت السكرتيرة وسيف يتمتم "هذا لو فعلتها من الأساس"
فتح جاكته وهو يجلس خلف مكتبه وقال "أعلن عن مشروع سيناء كي يخطف الأنظار قليلا عن المبنى السكني"
جلس سيف أمامه وقال "لو تسمح لي لا أظن أنه وقت مناسب، الجرائد الصفراء ستهاجمنا ولن ترحمنا، انتظر قليلا راكان على الأقل حتى تهدأ البورصة"
وضع القرص بالجهاز وقال "البورصة ستهدأ عندما نعلن عن المنتجع سيف، الشركات العالمية ستدرك أننا لم نسقط أمام الأزمة وأن مركزنا لم يتزحزح والجرائد الصفراء لا تعنيني بشيء ولا حتى سأفكر بإخراسها فقط نحتاج لدعاية كافية تجعل الجميع ينسى الحادث"
بالطبع سيف يدرك عقل راكان وهو لا يأخذ قرار إلا وقد درسه جيدا، بيانات ندى كانت تتوالى أمامه على الجهاز حتى قال "شكري خلف!؟"
تراجع بالمقعد وقال "لا بيانات عنه سيف مجرد ابن خالتها"
اعتدل سيف وقال "التقرير اهتم بها هي يا عمدة"
لمعت عيونه وقال "أنت لا تذكره سيف؟" 
تراجع سيف لحظة وقال "هذا يعني أنه مر علينا؟"
لمع الياقوت بإصبعه وهو يعبث بذقنه ثم قال "نعم"
نهض مبتعدا للنافذة وقال "بعهد زيدان سيف"
ظل سيف صامتا فالتفت له وقال "كان يعمل سائق بفرع الشركة هناك وتجاوز مع أحد الموظفات ممن يخصون زيدان هناك ووصل الأمر لجدي بالطبع فعاقبه كالعادة وطرده واختفى ولم أفكر أن قريبته ستكون بيننا بيوم ما"
وقف سيف بجواره وقال "أنت لا تنسى أحد؟"
لاح شبح زيدان على مخيلته وهو يصرخ به "النسيان دمار" فهز رأسه بالنفي وقال "لا يجب أن أنسى"
التفت له وقال "ارسل من يعرف عنه كل شيء، ندى كانت أداة بيده ليحقق مراده وشكري هو الأساس، أريد رؤيته سيف"
هز سيف رأسه ولم يرد 
****
المعاملة اختلفت تماما معها وهي تنزل أمام الشركة وقد كان بإمكانه انتظارها لكنه حتى لم يعرض توصيلها وهو ما يعني أنه لا يربط نفسه بها، الزواج يختلف عن الخطوبة وعليها إدراك ذلك
الجميع وقف لتحيتها وانفتح لها باب المبنى من الحارس والجميع توقف لوجودها وكأن العمدة هو من يدخل
كل العاملين بالقسم نهضوا ومنحوها التهاني وهي ابتسمت للجميع ولم تكن سعيدة بتلك المعاملة بل أرادت أن تعود للبساطة التي كانت تعيش فيها ولكن لا شيء يرتد للخلف
ما أن جلست وفتحت جهازها حتى انهال العمل عليها وتبعه وقت التدريب والتقت بليان فرحبت بها بسعادة حتى انتهوا وتبقت ليان التي قالت "سنعقد قرانا بعد الغد رهف"
ابتسمت ونهضت لها بسعادة واحتضنتها وهي تقول "ألف مبروك حبيبتي"
ثم تركتها وقد تورد وجهها ورهف تقول "هل أنتِ واثقة من رغبتك هذه؟"
جلست أمامها وقالت "نعم، أنا أرغب بأن يكون الأمر رسمي فقط.."
وأخفضت وجهها فسألتها "فقط ماذا ليان؟"
أجابت "رائد يرغب بالزفاف هناك وأنا.."
تفهمت رهف وقالت "ولماذا لم تخبريه أن الزفاف لابد أن يكون هنا وهناك يمكنه تدبر حفل آخر"
توردت أكثر فقالت رهف "يمكنني إخبار راكان ليان، هو صديقه المقرب وبالتأكيد سيتحدث معه"
ابتسمت ليان وقالت "شكرا رهف"
نهضت رهف وجلست أمامها وهي تمسك يدها بحنان وقالت "أنا لا أريد شكر ليان، لابد أن تفهمي أني أعاملك مثل حبيبة فاعتبريني كوالدتك ولا تخجلي مني، يمكنني مساعدتك بكل ما ترغبين به حبيبتي"
اتسعت ابتسامة ليان وقالت "وأنا أحبك جدا رهف وبالفعل لا أشعر إلا بالراحة معك ولدي الكثير لأسألك عنه"
ضحكت رهف وقالت "هيا افعلي"
****
المعهد كان رائع حقا وكل شيء أكثر مما يمكن أن تحلم به ولم تعرف متى تم إعداده ولا كيف، الموظفين تأهبوا لاستقبالها وبدا الاحترام عليهم لدى رؤيتها وهي تعرفت عليهم جميعا وبسرعة حددت معهم كل النقاط التي انتظرتها ومنها لتحديد بداية الدورات واندمجت بالمكان حتى اكتشفت أنها الثامنة 
نهضت مغلقة جهازها والسكرتيرة تدخل وتقول "مدام تمارا بالخارج"
صمتت وقد تفاجأت من وجودها ثم استوعبت نفسها وقالت "لتدخل"
لحظات ورأت تمارا تدخل بتألق فابتسمت وهي ترحب بها وتمارا تقول "هاتفت مكتبك بالشركة فعرفت أنكِ هنا فرغبت أن أبارك لكِ"
جلست أمامها وقالت "شكرا تمارا، هل ترغبين بتناول شيء؟"
ضحكت تمارا وقال "لا، متى ستبدئين؟"
قالت بدهشة غير واضحة "لم أحدد بعد"
تراجعت تمارا وقالت "المكان رائع حقا، العمدة مميز بكل ما يخصه"
كلماتها بالظاهر لا تعني شيء لكن رهف لم ترتاح ومع ذلك احتفظت بابتسامتها وقالت "هو كذلك بالفعل"
قالت تمارا "هل هو مميز معك أيضا؟"
رحلت ابتسامتها وهي لا ترغب بمنح السؤال معاني مختلفة فقالت "لا أفهم سؤالك"
عيون تمارا كانت تحمل معاني كثيرة لكن رهف لم تفهمها وتمارا تجيب "كزوج؟ لقد تركك منذ أول يوم زواج ولم تحصلي على اجازة زواج وها أنتِ بالعمل"
تدخلها الغير مرحب به بحياتها الشخصية ضايقها وهي لم ولن تسمح لأحد بأن يفعل فنهضت وقالت "ما رأيك لو نكمل الحديث بالسيارة؟ لا أرغب بالتأخير"
تبدلت ملامح تمارا لعدم حصولها على ما رغبت به فنهضت وقالت "ضايقك وجودي؟"
ابتسمت بتصنع وهي تتحرك لتجذب حقيبتها التي كانت من ماركة معروفة فهو لم يمنحها فرصة لشراء أي شيء وإنما اختار ونفذ
أجابت "لا، بالطبع لا ولكن حبيبة بالبيت ولابد أن أعود من أجلها"
هزت تمارا رأسها وقالت وهي تتحرك معها "نعم لقد نسيت حبيبة هل تقيم معكم بالقصر؟ أعلم أنه كبير ولا نهاية له"
نظرت لها رهف وهما يخرجان من المكتب وقالت "كل شيء وله نهاية تمارا"
ولم تمنحها إجابة على أي سؤال كان الغرض منه تدخل بحياتها وافترقتا عند السيارة وتمارا تودعها والسائق يفتح لرهف وبدت نظراتها لها غير مريحة ومع ذلك تجنبت أفكارها السيئة عنها
****
تحرك رائد لمكتب راكان ودخل وهو يقول "ألن تذهب؟"
رفع رأسه عن الجهاز وقال "لم أنتهي، لم أراك اليوم؟"
جلس رائد أمامه وقال "كنت مع ظافر، تقريبا كل الجانب الهندسي لا يحمل أي شيء راكان، التلاعب بمواد البناء لكن من الصعب الوصول لليد الأصلية"
أغلق جهازه وقال "حتى لو وصلنا رائد لم يعد ذلك المهم، تعويض الخسائر والبورصة هما الأهم الآن"
شبك رائد أصابعه أمامه وقال "أنت تحملت كل شيء راك فلن تتأثر المجموعة"
نهض وتحرك تجاهه وقال "نعم ولكن الدعاية السيئة تؤثر على سمعة المجموعة رائد"
جلس أمامه فقال رائد "ستتخطى الأمر كعادتك وأشك أنك لا تهتم باليد الأصلية وربما وصلت لها أصلا ولكن لا ترغب بإفشاء السر، عرفت أن الدكتورة كانت هنا اليوم"
هز رأسه وقال "نعم ورحلت للمعهد"
ضاقت عيون رائد ثم قال "ألست سعيد معها؟"
ابتسم وقال "لأننا لم نحصل على اجازة زواج!؟"
رد رائد "هل لديك إجابة أخرى؟ ولا تخبرني أنها تعرف من يكون زوجها لأنها بالنهاية امرأة"
أجاب بهدوء "سأمنحها الاجازة بمجرد الانتهاء من تلك الأزمة"
تنهد رائد وقال "لن يكون لها أي معنى راكان، الدواء يمنح وقت المرض وليس بعد الشفاء والزفاف مر وانتهى وأي شيء ستمنحه لها الآن لن يكون له نفس المذاق، أنت لم تفكر بها وأنت تتركها من أجل العمل وهي ببداية حياتها معك منحتها انطباع سيدوم للنهاية وهو أن عملك بالمرتبة الأولى وهي بعده وهذا سيظل معها للنهاية"
تجهم وجهه من كلمات رائد فأبعد نظراته وقال "وهل كان علي ترك النائب العام يصدر قرار بمنعي من السفر ويظن أني أفر هاربا رائد؟ هل كنت تريدني أن أترك الأمور تنهار لأمنحها اجازة؟"
حدق به رائد ثم قال "كنت ستجد حل راكان، كل الخيوط دائما بيدك، أنت لم تدعي الزواج، الجميع كان يعلم أنه زفاف العمدة وسفرك أمر طبيعي لم يكن ليثير أي شك لكن أنت من تبرر التصرف لنفسك"
نهض وابتعد للنافذة ولم يرد ورائد يتبعه وهو يقول "ظننتك تحبها"
لف وجهه له وعيونه أظلمت وكأنه لمس جزء غريب داخله ولم تتبدل ملامح رائد وراكان يجيبه "الجميع يعلم أني لا أعرف الحب وهي تعرف أيضا، لم أخدعها ولم أمنحها أي وعود زائفة"
هز رائد رأسه وقال "ولكنك منحتها وعد بالسعادة فهل حققت ذلك لها، إنها الثانية عشر الآن وبالطبع لن ترحل لأنك لم تنهي عملك وهذا يعني ليلة أخرى لها وحدها، هي لم تتزوج لتظل كما كانت قبل الزواج راكان، لا تكن أناني"
هتف "كفى رائد، إلى هنا وكفى"
رائد يعرف صديقه جيدا لذا لا يغضب منه أبدا بل قال "أنا سأكف راك لكن وأنت ترى الصورة جيدا لأني صديقك وعلي منحك النصيحة كما اعتدنا، هو ليس تدخل بحياتك ولكن خوفا عليك من أن تخسر شيء جميل بحياتك"
ظل راكان ينظر له حتى أبعد وجهه للنافذة ولم يرى أي شيء من الظلام الخارجي سوى نقط تضيء بالظلام فاستبدل رائد الحديث وقال "غدا سأقوم بتجهيزات عقد القران سيكون ببيت ليان، لا تخبرني أنك لن تكون موجود"
تخطى ما كان ولكنه لم ينظر له وقال "تعلم أني سأكون الشاهد الأول"
ربت رائد على كتفه وقال "سأهاتفك"
وتحرك خارجا وتركه بمكانه والأفكار تنهال عليه بلا رحمة، هو بالفعل تركها ولكنه كان معها بالأمس ولكن ساعات رحلت كلها بالفراش وبالصباح رحل ولم يتناول حتى الإفطار معها ولا أي شيء
هاتفه أعاده فتحرك للمكتب ورأى اسمها فشعر بغضب، هي من تهاتفه؟ هل تؤنبه بطريقتها؟ لا لن تفعل، أجاب محاولا أن يكون هادئا "دكتورة"
كانت تدخل الفراش فقالت "مشغول؟"
جلس وهو يندهش منها فقال "ليس وأنا معك"
صمتت قليلا بدلا من أن تجيب برد غير مستحب ثم قالت "بالتأكيد رائد أخبرك بأمر عقد القران والزفاف"
أدرك أنها تتخطى ما يخصهم فقال "نعم"
قالت "ليان ترغب بأن يكون الزفاف هنا وليس بإيطاليا وهي تخجل من الحديث بالأمر"
تفهم وقال "نعم وأنا أوافق على ذلك وقد أخبرته به وسيترك لنا إعداد الأمر"
قالت "حسنا سأخبرها"
وصمتت لم يعد لديها كلمات وهو لاحظ ذلك فقال "هل أعجبك المعهد؟"
تمددت بالفراش وقالت "نعم هو رائع وكل شيء مناسب، شكرا لك"
اختصاراتها بالكلمات جعلته يغضب وهي لا تمنحه مادة للحديث وطال صمتهم حتى قال "رهف هل أغلقت؟"
كانت تحاول أن تكون متماسكة، هادئة أي شيء غير غاضبة أو حزينة وهي تقول "نعم راكان"
جفاف كلماتها ضايقه فقال "ماذا بكِ؟"
استعادت نفسها وقالت بهدوء "لا شيء، فقط لا أحب أن أشغلك"
ضاقت عيونه وقال "لا شيء يشغلني عنك رهف"
صمتت وهو أغلق عيونه فهو كاذب، لو لا شيء يشغله عنها فماذا يفعل هنا الآن؟ 
عاد وقال "رهف أعلم أني أتركك كثيرا ولكن فقط حتى تمر تلك الأزمة"
حاولت أن تكون قوية وقالت "نعم"
دق الباب ورأى سيف يدخل وهو يقول "شكري.."
نظراته أوقفته ولكنها كانت قد سمعت صوت سيف فقالت "هذا سيف وهو ما يعني أن أرحل أنا، ربما لا آتي الشركة غدا فسأكون مع ليان"
قال باختصار "تمام"
وأغلق كلاهم وقذف الهاتف على المكتب بضيق ونظرات سيف تنتظر كلماته فأغمض عيونه لحظة واحترم سيف صمته حتى فتح عيونه وقال "ماذا به شكري؟"
اقترب سيف من مكتبه وقال "ألا تظن أنك لابد أن تعود البيت؟"
ظل صامتا ثم قال "هذا يتوقف على ما ستخبرني به الآن"
حدق به سيف وقال "يمكنه التأجيل للغد راكان، لا يمكنك.."
اعتدل مقاطعا إياه وقد حسم أمره، هو العمدة وسيظل العمدة حتى ولو كان يرغب بقوة بأن يرحل لها ويظل بين ذراعيها الليل كله "هات ما عندك سيف"
****
خرجت مليكة من الفيلا وهي تعلم أن سيارته تنتظر أمام الباب، تحركت ودخلت بجواره وهو يتحدث بالهاتف فأدار السيارة وقاد وما زال يكمل "نعم ظافر هي معي الآن وسننطلق بالطريق"
هتف ظافر بهدوء "لا تتأخر بها هناك وافي ولا تنسى أن غدا عقد قران أختك؟"
ضحك ظافر وهو ابتسم وقال "كدت أنسى أختي لولاك يا رجل"
ضحك ظافر ثم أغلق كلاهم فنظرت له وقالت "آسفة لأني شغلتك عن ليان"
لم ينظر لها وهو تألق بالجينز وقميص قاتم وجاكيت جلد فاخر وقال "لم تفعلي، هي تحتاج امرأة بتلك الأحوال وليس رجل وأعتقد أن الدكتورة ستكون معها"
أبعدت وجهها وقالت "شخصية رائعة رهف، أحببتها جدا ورأيت كم تهتم براكان كما يفعل هو"
نظر لها فالتقت بعيونه وهو يقول "لكن مهمتها صعبة، العمدة مكانة لا يحملها رجل بسهولة وهي أصبحت زوجته وعليها نفس العبء"
هزت رأسها وقالت "معك حق، ليس كل امرأة يمكنها تحمل ما نالته رهف بعد الزفاف"
لم يرد وسقط صمت بينهم إلى أن قطعه هو "أنا لم أتعمد المجيء ولم أرغب بفرض نفسي لكن ظافر هو من طلب مني ذلك"
تورد وجهها وللحظة كانت غاضبة لأنه يتعمد قول ذلك ولكن كلماتها السابقة له هي ما دفعه لقول ذلك فقالت "وافي أنا"
وصمتت فالتفت لها فلم تنظر له وشعرت برغبة بالبكاء وهو لم يراها وهو يقول "أنتِ ماذا؟ أعلم أنكِ لم ترغبي بذلك لكن"
قاطعته "لا"
التقى بعيونها الدامعة فجمدت ملامحه وهو لا يفهمها وهو يقول "أنتِ تبكين؟ هل أنا السبب؟ يمكنني"
عادت تقاطعه ولم يمكنها وقف الدموع وهي تقول "لا، ليس أنت، هو أنت ولكن ليس كما تظن"
ومسحت دموعها وهو ينطلق بالسيارة بطريقهم للإسكندرية بلا فهم فقال "والآن لا أفهم شيء"
مسحت دموعها وقالت "بل تفهم وافي، تفهم خوفي من ظافر، تفهم خروجي من علاقة فاشلة، تفهم عدم فهمي لما يحدث بيننا، أنت تفهم كل شيء وافي"
ظل ينظر لها لحظة ثم عاد للطريق وهو يعلم أنها على حق بكل شيء فدفع شعره للخلف بيده الحرة منتظرا ليجمع أفكاره ثم قال "ظافر هو من طلب مني التواجد معك مليكة"
هتفت "من باب قاعدة الأخوات التي وضعتموها وافي"
لم ينظر لها وقال "لقد كسر رائد القاعدة لو تذكري، ما بينه وبين ليان حارب القاعدة وحارب فساده وصنع منه رجل صالح يرغب بالاستقرار"
لم تنظر له فنظر لها وأكمل "أتفهم خروجك من علاقة ولكني أفهم أيضا أنكِ من أنهاها وبعقل واقتناع ولم يجبرك أحد على ذلك، أما ما بيننا فنحن لم نمنح أنفسنا حتى الفرصة لنعرف ماذا بيننا مليكة؟ أنتِ رغبت بوقف كل شيء"
أشاحت بيدها وقالت "أخبرتك السبب"
قال بعصبية "سأخبر ظافر إذن، أنا لن أخدعه أو أغشه، هذا لو رغبتِ بالاستمرار"
دق قللها بخوف أكثر وهي تقول "الاستمرار بماذا؟"
التفت لها بحدة ففرت منه وقالت "أخبرتك أني خائفة"
هتف بعصبية "وأنا لن أغتصبك مليكة، أنا هنا لحمايتك"
عادت تبكي فنفخ بقوة ثم حاول أن يهدأ وقال "هل تهدئين؟ لا داعي لكل ذلك يمكنني وقف أي شيء طالما ترغبين بذلك"
قالت وهي تسمح دموعها كالأطفال "وهل أنت ترغب بذلك؟"
لف وجهه لها والتقى بعيونها الباكية وقال "لا مليكة، أنا لا أرغب بوقف أيا ما كان بيننا، أنا أرغب برؤيتك كل يوم وسماعك وأنتِ تعزفين، وأنتِ تتناولين الطعام وكل شيء مليكة، لكن لو كان هذا ضد رغبتك فسأقبل الأمر"
لم تنظر له وهي تقول "لا، ليس ضد رغبتي وافي"
نظر لها فقابلته بنظراته وهي تؤكد كلماتها بنظراتها فهز رأسه وقال "إذن لنترك مسمى ما بيننا لم بعد ونجعل الأيام هي التي تحدد"
هزت رأسها فقال "امسحي تلك الدموع ولنفكر بحفل اليوم وكيف ستبهرين الجميع بعزفك"
ابتسمت فبادلها الابتسامة وهو يعود للطريق وعادت لهما روح المرح التي كانت بينهم وطردوا غضبهم وأفكارهم القديمة بعيدا
****
بالطبع لم تراه منذ ذهب بصباح ذلك اليوم واليوم هي لم تذهب للشركة بل أمضت الصباح كله مع ليان، انتقت لها كل ما احتاجت له كما انتقت ملابس لحبيبة للمناسبة ومروا على مركز التجميل المناسب 
تركتها بعد العصر أمام فيلتها عندما رحلت للمعهد وبدأ المكان الإعلان للدورات الجديدة ومقابلة أساتذة للعمل لديها حتى انتهت بالثامنة فعادت القصر لترى حبيبة تنزل لها وهي تقول 
"رهف، تأخرتِ"
ابتسمت وهي تحيط الفتاة بذراعها وقالت "ما زالت التاسعة حبيبة"
منحتها الأكياس وقالت "أحضرت لكِ هذا"
جذبتهم حبيبة وكم كانت سعيدة بالملابس وهتفت "مناسب كعادتك، شكرا رهف"
جلست وحبيبة تمنحها قبلة بالهواء وخرجت لها الخادمة وهي تسألها "العشاء دكتورة؟"
نظرت لحبيبة وقالت "جائعة!؟"
هزت رأسها وقالت "جدا، لم أرغب بشيء وحدي"
قالت "حسنا سلوى، جهزي العشاء"
جلست حبيبة بجوارها وقالت "أبيه راكان لن يأتي؟"
حاولت أن تبدو هادئة وهي تقول "لا أظن، لكان هاتفني"
نظرات حبيبة لها كانت معروفة وهي تقول "رهف هل هذا صواب؟ ما يفعله أبيه معك؟"
لم تمنحها أي ملامح على وجهها وهي تقول "بالنسبة لرجل كالعمدة هو صواب حبيبة، راكان لم يكن له أي حياة خارج العمل ويحتاج للكثير قبل أن يدرك أن هناك حياة أخرى يمكنه أن يعيشها"
قالت الفتاة بتأني "ولا يؤلمك ذلك؟"
كانت ترغب بقول نعم يؤلمني، ويؤلمني جدا ولكنها قالت "لا، كنت أعرفه قبل الزواج حبيبة، كنا لا نلتقي كثيرا فما الجديد؟"
كانت تعلم أنها أجادت الكذب ولكن حبيبة قالت "الجديد أنكِ تحبينه رهف وتبررين تصرفاته ولكن من داخلك تدركين أنك غاضبة ولا يعجبك الأمر، هو لم يتزوجك لينقلك من شقتنا لهنا فقط رهف وأنتِ تدركين ما أقول"
تعصبت وقالت "كفى حبيبة هذا تدخل فيما لا يخصك"
تورد وجه حبيبة وقالت "ما يخصك يخصني رهف هكذا كنا وسنظل وأنا أتألم لكِ"
نهضت واقفة وقالت بحزم "لست بحاجة لذلك حبيبة لأن الأمر ليس كما تظنين، راكان يعرف ماذا يفعل جيدا وليس غيابه هو ما سيغضبني منه ولن يقلل من مكانتي عنده"
وتحركت ولكن حبيبة وقفت وقالت "وأين هي مكانتك عنده رهف؟"
التفتت لها والغضب يملأ عيونها وللحظة تاهت الكلمات وبحثت عن إجابة حتى قالت "زوجته حبيبة، أنا زوجته وهو يقدر ذلك ويضعني بالمقدمة أمام الجميع"
هتفت الفتاة "الجميع رهف لكن فيما بينكم أنتِ بنهاية الطابور، هي حياتك افعلي بها ما يحلو لك لكن لا تندمي بعد ذلك"
ظلت تحدق بحبيبة وهي تدرك أن لا كلمات يمكن أن تجيب بها فالأزمة التي يمر بها شديدة وربما هي تدرك خطورتها جيدا ولكن جزء منها كان يوافق حبيبة من أنها بالفعل بآخر الطابور
الخادمة أعلنت العشاء فأوقفت صراعهم وتنفست هي وهي تقول "لنتناول العشاء"
وتحركت وحبيبة تتبعها والصمت لفهم طوال العشاء وانتهت كل واحدة بغرفتها وهي وقفت أمام شرفتها ودموع تملأ عيونها
هل حقا ستندم بيوم ما على كل ما حدث لها؟ 
أين رغبته بها؟ 
أين الجنون الذي جعله يتزوجها بين ليلة وضحاها؟ 
أين كل ما كان بينهم من عدة أيام لا تعد؟ 
هل حبيبة على حق؟
مسحت دمعتها والتفتت للحمام وهي ترفض الاستسلام لضعفها الواضح وهي حقا تبرر له أفعاله لأنها تحبه ولا تريد أن تغضب كي لا تدمر ما بينهم
****
دخل ظافر مكتب الطبيب المختص بالحمل فابتسم له الطبيب وقال "الوضع مستقر والاثنان بخير عدا الانيميا لكنها تتحسن"
جلس ظافر وانتظر زوجته من غرفة الكشف وهو يقول "والطفل هل سنعرف عنه شيء؟"
نظر له وهي تدخل وتجلس أمامه وقال "سأخبركم متى سنبدأ إجراء التحاليل اللازمة، أهم شيء هو الراحة وأنا واثق أن مدام مي تتبع تعليماتي جيدا"
هزت رأسها وقالت "نعم أفعل، ألا يوجد أي شيء يطمئنني؟"
قال بهدوء "ما زلنا بالأسبوع السابع مدام، لا تتعجلي الأمر"
هزت رأسها فمنحهم تعليماته ثم خرجا سويا وقال "سعيد أنكم بخير، كنت قلق من سفرك بزفاف راكان"
جلست بالسيارة وهو لحق بها فقالت "أنا بخير حبيبي فقط أتمنى أن يكون هو أيضا بخير"
جذب يدها بيده وقال "سيكون أو تكون إن شاء الله"
ابتسمت وقالت "والدتك ستكون سعيدة به"
هز رأسه وقال " نعم، ووالدك"
قالت "ألا توجد أخبار عن والدك ظافر؟ ألا يسأل؟"
تجهم وجهه لذكره وندمت ولكنه قال "لا، وماما تحتفظ بالأمر داخلها أنا سعيد أنكِ على علاقة جيدة بها مي فهذا يخفف عنها حقا"
قالت بصدق "أعلم حبيبي وأنا متعاطفة معها جدا وأراها ما زالت جميلة وتستحق حياة أفضل مما نالت"
نظر لها وقال "حياة أفضل؟ لا أفهم"
رحلت ابتسامتها وقالت "لا، لا شيء أعني وجودها معنا وانتظارها للمولود"
ظل ينظر لها حتى عاد للطريق ولكنه يشعر بمعنى آخر خلف كلماتها وهو لم يدركه
****
أمضت مليكة اليوم بين وافي وبين التدريب وتبديل الملابس بعد أن جلب غداء لهما معا والجو أصبح جميلا ما بين الحكايات والمزاح والضحك حتى استعد الجميع للحفل وما أن خرجت من غرفة الاستعداد حتى جذبها بعيدا ففزعت وقالت 
"ماذا وافي، سأتأخر"
ابتسم وهي تقف أمامه رائعة بملابسها الرسمية وشعرها مرفوع على رأسها فقال "تبدين جميلة"
ضحكت وقالت "وكأنك تراني لأول مرة"
ظل يحدق بها حتى رحلت ابتسامتها فقال "ستكونين الأفضل اليوم أليس كذلك؟"
هزت رأسها وكلماته دائما تدفعها للأمام، ابتسم وقال "ثقي بنفسك مليكة وبموهبتك لأنك حقا موهوبة"
قالت بصدق "شكرا وافي، شكرا حقا لكل ما تفعله معي"
قال مبعدا أفكاره بعيدا "هيا افعليها وأنا بالأسفل أشاهدك"
هزت رأسها فتركها وابتعد وهي تتابعه بعيونها، هذا هو من كانت تتمناه حقا، رجل يكون معها ويدفعها للأمام ويساندها وقت الحاجة
على المسرح، نهضت لتؤدي فقرتها ونظرة له قابلها بواحدة منحتها الثقة أكثر وهي تضع الكمان على كتفها وعيونها على المايسترو الذي منحها الإذن بأن تبدأ 
أغمضت عيونها ورحلت للبستان الذي تلف به وتطير ولكن تلك المرة كان يأخذها بين ذراعيه ويطير بها ونظراته لا تفارق عيونها وهي تلف وتلف بضحكات متعالية تعني السعادة حتى انتهت وظلت صامتة والجميع صامت حتى فتحت عيونها والتصفيقات تتعالى حولها 
ورأته بمكانه، يحييها بقوة وابتسامته لا تتركه، غمز لها فضحكت وهي تحيي الجميع وعادت لمكانها لتكمل العزف وسط الفرقة
نالت الفرقة تشجيع رائع من الحضور والمايسترو نادها "مليكة، الجميع يريدون رؤيتك"
نظرت له بدهشة وقالت "جميع!؟ أي جميع!؟"
ابتسم وقالت "المسؤولين، كبار رجال الدولة معجبين بك، تعالي"
جذبها ولم ترى وافي الذي كان يتحرك لها والرجل يجذبها ليقودها لصالة كبار الزوار وهناك التقت برجال لم تتخيل أن تقف بينهم بأي يوم ولكنها تفعل وتتبادل معهم الكلمات والتهاني والعروض لحضور حفلات بالخارج بمجرد تحديد الوقت 
لم تعرف ماذا تقول سوى أنها كانت تهز رأسها حتى انتهت وتحركت خارجة تبحث عنه وعندما لم تجده لمت حقيبتها وودعت الجميع وخرجت وهي تهاتفه فأجاب "هل انتهيتِ؟"
قالت بقلق "نعم وافي أين أنت؟"
أجاب "سأكون أمامك بالسيارة بعد دقائق"
بالفعل دقائق ورأته يوقف السيارة فدخلت وهي تقول "أين ذهبت وافي؟ لماذا لم تنتظرني؟ لم أجدك عندما خرجت"
ابتسم وقال "رغبت بالقهوة حتى تنتهي من لقائك، كنتِ رائعة، نجمة النجوم"
ضحكت وقالت "حقا!؟"
نظر لها وقال "بالطبع، ألم تسمعي التصفيقات؟"
هزت رأسها ولكنها كانت ترغب بسماعه هو لذا قالت "وأنت؟ هل رأيك مثلهم؟"
أجاب بصدق "بالتأكيد، أنا أراكِ الأفضل من بين الجميع مليكة، كنتِ واثقة من نفسك وتعرفين ماذا تفعلين"
قلبها عاد يدق له بقوة، كل من أثنى عليها لم تهتم به لكن هو كانت سعيدة جدا بكلماته ولا تعلم هل هذا شيء عادي؟ 
لا ليس عادي بل اليوم كله لم يكن عادي
توقف بمحطة الرمل وقال "سأجلب طعام ونتناوله بالطريق كي لا نتأخر"
هزت رأسها ولم تمانع وهي تتابعه وهو ينزل لشراء الطعام، كان يوم رائع، حلم لم تعيش مثله من قبل، كل ما دار معها يسعدها وهو فقط من يجعلها تتقن العزف وتثق بنفسها لذا هي لن تنجح لو لن يكون معها
****
لم تنم بتلك الليلة رغم أنها اعتادت الوحدة لكن اليوم لم يهاتفها ولا مرة واحدة وعندما نظرت للساعة كان الفجر قد أوشك فنهضت والتفت بالروب ووقفت بالشرفة ولون السماء الرمادي يثير رجفة داخلها
كلمات حبيبة ما زالت تهزها، هي حياتك لكن أتمنى ألا تندمي
أغمضت عيونها والنهار يظهر أمامها فعادت للداخل ودخلت الحمام وأطلقت المياه والزيوت الكثيرة التي لا تعرفها ثم جلست بين المياه وشعرت بخدر بجسدها واسترخت وهي تحاول إخبار نفسها أنها على صواب ولا شيء سيحدث لو أمضت بضعة أيام وحدها حتى تمر أزمته ويعود لها
****
أسرعت ليان بالصباح لتجيب الهاتف وهي ترى اسم حبيبها وزوجها المنتظر وأجابته وهو يقول "حبيبتي أين كنت؟"
نظمت أنفاسها وهي تقول "أعد ما يلزم لمتخصصي التجميل، سيصلون بعد ساعة"
ابتسم وقال "من سيكون معك؟"
قالت "سارة ومليكة، رهف كانت معي بالأمس وبالطبع لم يمكنها التواجد قبل العمدة ولكنها تهاتفني كل ساعة، أنا أحبها جدا"
كان بمكتب سفيان وحده وقال "محظوظة"
احمرت وجنتيها ولم ترد فقال "ربما بيوم ما أحظى ببعض الحب أنا أيضا"
لم ترد، تمنت لو تخبره بمشاعرها ولكن خشيت أن تندم فلم تجيب فأغمض عيونه وقال "أعلم أنكِ ما زلتِ لا تثقين بي ليان ولكني أعدك أن أنال ثقتك قريبا"
قالت "سامحني رائد ولكني"
قاطعها "أعلم حبيبتي، أعلم ما يدور بعقلك ويكفيني موافقتك على الزواج مني، أنا لا أعلم ما إذا كنت أستحقك أم لا؟"
قالها وراكان يقف عند الباب يسمعه وتذكر كلماته لها، هل حقا يستحق امرأة مثلها؟
أغلق الباب وعاد لمكتبه وتحدث بالجهاز "أين سيف؟"
قالت الفتاة "بمكتب سيد ظافر يا فندم"
قال "أريده"
أجابت "حاضر يا فندم"
لم يجلس وهو ينظر بالساعة وقد كانت الثانية عشر ظهرا، دق الباب ودخل سيف فقال "هل عثرت عليه؟"
قال سيف "لا"
نظر له بقوة فقال سيف "ما زالت الرجال تبحث، لابد أن يختبئ جيدا فهو يعلم من أنت"
تحرك ووقف أمام سيف وقال "ولأنه أنا فلابد أنا أصل له سيف"
هز سيف رأسه فقال "أنا عائد القصر من أجل قران رائد، هل الرجال تولت كل شيء؟"
ارتبك سيف فرفع راكان رأسه وقال "ماذا هناك؟"
قال سيف "الدكتورة هي من منحتهم أوامرها بما يخص الأمر"
ضاقت عيونه ثم هز رأسه وقال "جيد وهل تم تنفيذ أوامرها؟"
أجاب سيف "بالطبع"
عاد وقال "والفستان؟"
نظر سيف لساعته وقال "دقائق ويكون بالقصر"
هز رأسه وتحرك للخارج وسيف يتبعه كظله 
كانت بالفعل قد هاتفت سيف ومنحته أوامرها بكل ما يخص ليان وقرانها وهو لم يعارضها بشيء وبالظهيرة كانت تجلس خلف المكتب الذي كان موجود بجناحهم تنهي عملها عندما دق الباب ودخلت سلوى بعلبة كبيرة وقالت 
"هذا وصل الآن سيدتي"
أزاحت منظارها الطبي وقالت "من أرسله؟"
قالت سلوى "العمدة"
بالطبع دائما يمنحها ما يرغب أن يراه عليها، هزت رأسها وقالت "ضعيه بغرفة النوم من فضلك"
وعادت للجهاز، هي كانت قد انتقت فستانها ولكن بالطبع سترتدي ما انتقاه لها، ليس لتحكمه المعروف ولكن لأنها تحب أن تشعره بأن ما يمنحه لها غالي بالنسبة لها
اندمجت بالعمل حتى سمعت الباب يغلق فرفعت رأسها لتراه يدخل وهو يقول "مساء الخير"
عادت للجهاز لتنهي ما بيدها وهي تجيب "مساء النور"
كان قد وصل لها وهي تنتهي ونزعت منظارها وهو ينحني ويبقل عنقها كعادته ويقول "تبدين مشغولة، العمل دائما يأخذك"
حقا؟ هل يسخر منها أم من نفسه أم ماذا؟ 
جذبها له ليوقفها ويأخذ قبلتها وهي لم تمانع، ويده تلفها بقوة حتى راحت أنفاسهم فأبعدها وتأمل ملامحها وهي تفتح عيونها له فمرر يده على وجنتها وقال "تبدين متعبة"
حاولت الابتسام وقالت "كنت أنتهي من بعض العمل وذهني مشغول بليان"
حررها وهو يتحرك لغرفتهم وهي بجواره وخلع جاكته وقال "علمت بتعليماتك"
كاد يبعد الجاكيت فأخذته منه فنظر لها فمنحته ابتسامة هادئة فقال "لا"
توقفت بذهول فالتفت لها وقال "أنتِ ملكة رهف، الجميع يخدمك"
ابتسمت وهي تجذب منه الجاكيت وقالت "ليس معك راكان، معك أنا زوجتك وأحب ما أفعل"
وتحركت بالجاكيت ولكنه أمسك ذراعها وأوقفها وقال "رهف"
توقفت ناظرة له فقال "هذا يحيرني وأنا لا أحب ذلك"
مالت برأسها وقالت "لا تحب أن أتصرف كزوجة تهتم بزوجها!؟"
ظل ينظر لها حتى أبعد وجهه ثم عاد لها وقال "لا أحب محاولاتك إخفاء ما بداخلك بتلك التصرفات"
ظلت ملامحها كما هي بلا تغيير وهي تقول "ومن أين عرفت ما بداخلي راكان حتى تظن أني أحاول إخفاؤه؟ لو ضايقك الأمر يمكنني التراجع"
تمنى لو انفجرت بوجهه غاضبة وصرخت بكلمات عتاب لكنها تفعل العكس مما يغضبه هو وتصرفاتها تشعره بتقصيره معها 
افلتها وقال "لا، فقط لم أعتاد عليه، أحتاج لحمام"
تحرك من جوارها فقالت "هل ترغب بطعام؟"
خلع قميصه وقال "نعم"
وتحرك للحمام وأسقط الماء البارد على جسده وأغلق عيونه وهو يحاول إيقاف غضبه، ليس منها بل من نفسه ومن تصرفاته، هي تمنحه كل شيء وهو لا شيء ولا يتراجع عن تصرفاته وليتها تعترض أو تؤنبه
شعر بيدها تمر على أكتافه فاعتدل وهي تفركهم له وقالت "متعب؟"
التفت لها ليراها تبتسم له فجذبها له وهو يقول "وجودك يذهب أي تعب رهف"
واحتضنها بقوة وهي شعرت أنه هو من ليس على ما يرام فنفضت كل غضبها جانبا واحتوته بحنان حتى عادا للفراش ومعه نست كل شيء وكلاهم يستمتع بالآخر حتى نام بين ذراعيها وظلت تحتضنه وتراقب أنفاسه الهادئة وتتابع عضلاته النابضة تحت ضوء النهار
جسد أخذ مجهود كثير من صاحبه حتى يصل لتلك الدرجة، ندبتين بل ثلاثة بأماكن مختلفة على صدره غير ما رأته بظهره
لمسات على صدره جعلته يمسك باليد التي تلمسه بقوة فهتفت برقة "راكان هذا أنا"
نظم أنفاسه وهو يدرك أنه نام مرة أخرى بلا كوابيس أو أحلام، رفع يدها لفمه وقبل راحتها وقال "أعتذر لو آلمتك"
ابتسمت وقال "لا لم تفعل، إنها الرابعة لابد أن نستعد"
هز رأسه ودفع شعره للخلف وهو يقول "نعم معك حق"
عندما ارتدت الفستان بدت كالأميرة باللون الأخضر القاتم واحتوى جسدها بانسيابية بقماشه الثمين مغطيا كل جسدها وكالعادة رفعت شعرها الذهبي بطريقة بسيطة فقط أجزاء قصيرة تغطي عنقها
رأته يتحرك خلفها بالمرآة وقد انتهى بأناقة معهودة وعيونه تلمع عليها وقال "مليكتي الفاتنة"
ابتسمت وهو يضع العلبة التي عرفتها على المائدة فالتفتت له وقالت "راكان لا"
لم ينظر لها وهو يفتح العلبة لتتألق قطرة المياه بفص الزمرد الأخضر الذي خطف نظرها وأحاطته فصوص من الماس معلقة بحبل من الذهب الأبيض رفعها وقال "تعلمين الرد، استديري رهف"
التقت بعيونه وقالت "أنا لا أرغب بكل ذلك راكان"
أنا أرغب بك أنت ولكنها اكتفت بذلك لنفسها وهو التف بدلا منها وربط الحبل حول عنقها ونفس القطرة الصغيرة بالقرط الذي جذبه ليعلقه بأذنها وقال "أعلم ولكنك تفعلين لأجلي"
وقبل عنقها كعادته والتف ليضع نفس الشكل على الخاتم بإصبعها ورفع يدها لفمه وقبلها وقال "هذا لا شيء رهف، المال والمجوهرات لا تعني لي شيء وأنتِ تعلمين ذلك لكنها تصبح قيمة جدا عندما أراها عليك فأنت من يمنحها قيمتها الحقيقية"
عيونها المظللة بظلال خضراء كانت تلمع ببريق الحب الذي تكنه له وتتمنى لو نطق به لسانها لكن رجل مثله لا يعرف الحب لن تؤثر به كلمة حب لذا هي تكتفي بالأفعال ربما تمنحه فكرة عما تكنه له فقالت 
"ولكنها ثمينة بالنسبة لي راكان ليس لأنها زمرد أو ماس ولكن لأنها منك"
انحنى وقبل شفتيها برقة كي لا يفسد زينتها وهمس "ولأنك تستحقين"
وحررها وهو يقول "هل نذهب؟"
تعليقات



<>