رواية خادمتي الصامته الفصل التاسع والثلاثون39 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
 رواية خادمتي الصامته الفصل التاسع والثلاثون39 بقلم اسماعيل موسي
 لم ترفع تقى عينيها عن الرجل الذي ظل يتنقل بمحاذاة جدران القصر، فقد كانت تحاول أن تفهم ما الذي يريده، ولماذا يراقب الأبواب والشرفة في ليلة خلت فيها العزبة من أهلها، ولم يكن في وسعها أن تعرف إن كان وحده أم أن هناك آخرين يختبئون في مكان قريب، لكن طريقته في الحركة جعلتها تستبعد أن يكون قد جاء مصادفة، فقد كان يتوقف طويلًا عند بعض المواضع، ثم يغير مكانه بحذر، وكأنه ينتظر فرصة لا يريد أن تضيع منه
ابتعدت عن النافذة، واتجهت إلى الغرفة التي يحتفظ فيها نوح ببعض مقتنياته وأسلحته، وكانت تعرف أن بندقيته المرخصة محفوظة هناك، وأنه اعتاد الاحتفاظ بها في مكان آمن، فلم تتردد في إخراجها، وإن شعرت بثقلها بين يديها على نحو لم تألفه من قبل، فقد سبق لها أن رأت نوحًا يحملها في بعض المناسبات، وعرفت منه ما يكفي لتدرك خطورة العبث بها، لكنها لم تكن تنوي استخدامها إلا إذا اضطرت إلى ذلك، إذ لم تكن تعرف هوية الرجل ولا ما الذي يمكن أن يفعله إذا شعر بأنه قد انكشف.

تأكدت من إحكام قبضتها على البندقية، ثم أطفأت الضوء القريب من الممر حتى لا تكشف حركتها لمن يقف في الخارج، واتجهت إلى الباب الجانبي، حيث توقفت لحظات تصغي إلى ما وراءه، فلم يصلها سوى صوت الريح الخفيفة وهي تحرك أوراق الأشجار، وأصوات الفرح البعيدة التي أخذت تتداخل مع سكون الليل، ثم فتحت الباب بحذر وخرجت إلى الحديقة
كان الهواء دافئًا، وقد احتفظت الأرض بشيء من رطوبتها بعد أعمال الري، بينما امتدت الظلال تحت الأشجار وعلى طول الجدران، ولم تكن المصابيح القليلة القريبة من القصر كافية لتكشف كل ما يحيط به، لذلك أخذت تقى تسير ببطء بمحاذاة الجدار، تحاول أن تجعل خطواتها خفيفة، وتبقي عينيها على المساحات التي يمكن أن يختبئ فيها الرجل، وكانت تعرف أن خروجها من القصر قد يعرضها للخطر، لكنها لم تستطع أن تظل خلف النافذة تراقبه دون أن تفعل شيئًا، وخصوصًا أن غياب أهل العزبة عن المكان كله جعلها تشعر بأن مسؤولية حماية القصر تقع عليها وحدها في تلك الساعة.

وصلت إلى زاوية الجدار، فتوقفت وأمالت رأسها قليلًا لتستطلع الطريق، وهناك لمحته مرة أخرى، على مسافة غير بعيدة منها، وهو يقف قرب الناحية الخلفية للقصر، يحدق في أحد الأبواب قبل أن يلتفت إلى الشرفة، وبدا من حركته أنه لم ينتبه بعد إلى وجودها، فرفعت تقى البندقية وأطلقت رصاصة تحذيرية في الهواء، دوى صوتها في الليل على نحو مفاجئ، فارتد صداه عن جدران القصر وانتشر بين الأشجار، ثم خيم السكون للحظة قصيرة، وكأن العزبة نفسها قد توقفت عن الحركة
لم تنتظر تقى طويلًا، إذ سمعت صوت خطوات سريعة تبتعد عن الجدار، تلاها حفيف متلاحق بين النباتات، فاندفع الرجل هاربًا باتجاه الحقول، ولم تستطع أن ترى وجهه أو تميز ثيابه على نحو واضح، لكنها أدركت أنه يحاول الإفلات منها، فتابعت حركته بعينيها، ثم أسرعت خلفه وهي تحرص على إبقاء البندقية في يديها، دون أن تطلق رصاصة أخرى، فقد كان صوت الطلقة الأولى كافيًا لتنبيهه إلى أنها لن تسمح له بالاقتراب من القصر دون مقاومة
كان الطريق المؤدي إلى الحقول غير مستوٍ، تتخلله كتل من التراب وجداول صغيرة خلفتها أعمال الري، ومع ذلك واصلت تقى سيرها، حتى وصلت إلى حافة حقل الذرة، حيث اختفت الحركة التي كانت تتابعها بين صفوف النباتات الطويلة، وكانت سيقان الذرة قد ارتفعت بما يكفي لتحجب الرؤية عن شخص يقف في الداخل، فلم يعد في وسعها أن تعرف إلى أي اتجاه اتجه الرجل، لكنها استطاعت أن تسمع حفيف الأوراق بين حين وآخر، كأن شيئًا يتحرك في عمق الحقل ثم يتوقف كلما توقفت هي عن السير.

وقفت عند المدخل تتأمل الظلام الممتد بين الصفوف، وقد أدركت أن العودة إلى القصر دون معرفة الطريق الذي سلكه الرجل لن تمنحها إلا أسئلة أكثر، ومع ذلك لم يكن لديها ما يضمن أن المتلصص قد ابتعد فعلًا، أو أنه لا يزال يختبئ في مكان قريب ينتظر منها أن تتوغل أكثر، فظلت لحظات تصغي إلى الأصوات المحيطة بها، حتى سمعت حركة خافتة إلى يسارها، فاستدارت نحوها، ثم تقدمت بحذر إلى داخل الحقل
كانت أوراق الذرة تحتك بثيابها كلما مرت بينها، وتترك على ذراعيها آثارًا رفيعة، بينما كانت الأرض الرطبة تحت قدميها تحتفظ بآثار كل خطوة، وقد ساعدتها رطوبة الوحل على ملاحظة مواضع انطباع الأقدام، فكانت تنظر إلى الأرض بين حين وآخر، ثم ترفع رأسها لتتفقد المسافة أمامها، ولم تكن خبيرة في تعقب الهاربين، لكنها عرفت من شكل الآثار واتجاهها أن شخصًا مر من ذلك الموضع على عجل، وأنه لم يسلك الطريق المعتاد بين الحقول، بل اندفع عبر صفوف الذرة محاولًا إخفاء أثره بين النباتات.

تقدمت تقى ببطء، تتبع آثار الأقدام التي كانت تظهر في المواضع الطينية وتختفي حين تصبح الأرض أصلب، وأحيانًا كانت تجد ساقًا مكسورة أو أوراقًا انحنت بفعل مرور شخص بينها، فتستدل بها على الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه، ولم يكن في المكان ما يعينها سوى ضوء السماء الخافت، لذلك اضطرت إلى التمهل حتى لا تفقد الآثار أو تتعثر في أحد الأخاديد، فيما أخذت أصوات الفرح تبتعد عنها شيئًا فشيئًا، حتى لم تعد تسمع سوى أصداء متقطعة يحملها الهواء من ناحية العزبة
ومع توغلها داخل الحقل، بدأ القلق يتسلل إلى نفسها على الرغم من محاولتها التماسك، فقد أصبحت بعيدة عن القصر، ولم تعد تعرف كم مضى من الوقت منذ خروجها، كما أنها لم تكن تعلم إن كان الرجل قد واصل الهرب وحده أم أن أحدًا آخر كان ينتظره في الخارج، ومع ذلك واصلت تتبع الآثار، إذ كان الرجوع قبل أن تتأكد من اتجاهه يعني أن يظل غريب مجهول قادرًا على العودة إلى القصر في ليلة أخرى، وربما في ظروف لا تجد فيها فرصة لملاحظته.

وعند طرف الحقل، وجدت الآثار أكثر وضوحًا، فقد تركت الأقدام انطباعات عميقة في بقعة من الوحل المتراكم قرب مجرى صغير للماء، ثم اتجهت نحو الأرض المنخفضة التي تقود إلى النهر، وكانت بعض النباتات هناك قد انحنت على نحو ملحوظ، كأن صاحبها دفعها بيديه ليفتح لنفسه طريقًا سريعًا، فتتبعت تقى ذلك المسار، حتى خرجت من بين صفوف الذرة ووجدت نفسها أمام مساحة مفتوحة تمتد نحو ضفة النهر.

كان الماء يتحرك في الظلام ببطء، تعكس صفحته أجزاء متكسرة من ضوء السماء، بينما ارتفعت من الضفة رائحة الطين الرطب والنباتات المبتلة، وتوقفت تقى عند حافة الحقل، تتفحص الأرض بحثًا عن آثار أخرى، فوجدت أن البصمات تقود إلى ناحية النهر، لكنها لم تستطع أن تعرف على وجه اليقين ما إذا كان الرجل قد واصل السير بمحاذاة الضفة، أم أنه اتجه إلى موضع آخر قبل أن تصل إليه
ظلت واقفة لبعض الوقت، تصغي إلى ما حولها، لكنها لم تسمع وقع خطوات جديدة، ولم ترَ حركة بين الأشجار أو النباتات القريبة، وكان السكون الذي يحيط بالنهر مختلفًا عن سكون القصر، فهنا لم يكن هناك جدار يحميها ولا باب تستطيع إغلاقه، ولم يكن في وسعها أن تتأكد من خلو المكان من الخطر، لذلك لم تشأ أن تواصل البحث في الظلام دون أن تعرف إلى أين يمكن أن يقودها، واكتفت بتفحص الموضع الذي انتهت إليه الآثار، ثم استدارت عائدة من الطريق نفسه
كانت رحلة العودة أطول مما توقعت، فقد بدأت تشعر بتعب ساقيها بعد السير بين صفوف الذرة، كما أن حمل البندقية طوال الوقت جعل ذراعها تؤلمها، لكنها لم تتوقف إلا قليلًا، وكانت تلتفت بين حين وآخر إلى الحقول خلفها، متيقنة من أنها سمعت حركة ما في إحدى اللحظات، ثم لم تجد ما يؤكد شكها، حتى وصلت أخيرًا إلى السور الخلفي للقصر، حيث بدا البناء في الظلام أكثر سكونًا مما كان عليه حين خرجت منه
دخلت من الباب الجانبي وأغلقته خلفها بإحكام، ثم بقيت لحظات تستمع إلى ما وراءه، فلم تسمع شيئًا يوحي بأن أحدًا يحاول الدخول، فحملت البندقية إلى الداخل وأعادتها إلى مكانها، قبل أن تتفقد الأبواب والنوافذ مرة أخرى، وتتأكد من أن كل شيء في موضعه، ولم تجد ما يدل على أن الرجل نجح في الوصول إلى داخل القصر، لكن ذلك لم يمنحها الطمأنينة التي كانت تتوقعها، فقد ظل السؤال الذي خرجت من أجله يرافقها، من يكون ذلك الرجل، ولماذا كان يراقب القصر في ليلة اجتمع فيها أهل العزبة جميعًا في الفرح
وعندما عادت إلى الشرفة، كانت أصوات الاحتفال لا تزال تتردد من بعيد، وكأن شيئًا لم يحدث في تلك الليلة، أما تقى فبقيت واقفة خلف الستارة، تتأمل الساحة المظلمة خارج القصر، وقد أدركت أن ما رأته لم يكن أمرًا يمكنها أن تنساه بسهولة، وأنها ستظل مضطرة إلى مراقبة المكان بعين أكثر حذرًا، حتى تعرف إن كان الرجل قد جاء لسبب عابر، أم أن وراء ظهوره عند جدران القصر أمرًا لم تتكشف لها خيوطه بعد      

لم تنتهِ أفراح العزبة عند زفاف صالح السباعي وخديجة العلاف كما انتهت الأفراح السابقة، فقد حملت تلك الليلة في نهايتها ما لم يخطر ببال أحد، وحين انفضت الجموع بعد ساعات طويلة من الغناء والرقص، وعاد الناس إلى بيوتهم متعبين، كانت أسرة إحدى فتيات العزبة تستعد لاكتشاف غياب ابنتها، دون أن تعرف أن تلك الساعات التي قضتها بين المدعوين ستكون آخر ما تستطيع أن تستعيده من تفاصيل يومها
في البداية، ظن أهلها أنها لا تزال مع إحدى قريباتها، أو أنها تأخرت في العودة بسبب ازدحام الساحة وانشغال الجميع بالفرح، لكن حين طال انتظارها، وبدأت النساء يسألن بعضهن عنها دون أن يحصلن على إجابة واضحة، أخذ القلق يتسلل إلى القلوب، وراحوا يفتشون في البيوت القريبة من مكان العرس، ويسألون كل من صادفوه إن كان قد رآها وهي تغادر، غير أن الإجابات جاءت متضاربة، فمنهم من تذكر أنه لمحها بين الفتيات قرب بداية الاحتفال، ومنهم من لم يستطع الجزم إن كانت قد بقيت حتى وقت متأخر، أما آخرون فقد كانوا منشغلين بما يدور حولهم إلى حد أنهم لم ينتبهوا إلى غيابها أصلًا
ومع انبلاج الصباح، لم يعد الأمر مجرد تأخر فتاة عن بيتها، فقد مضت ساعات الليل دون أن تعود، وبدأت الأسرة تدرك أن ابنتها قد اختفت بالفعل، فانطلقت النساء إلى البيوت المجاورة، وراح الرجال يسألون في الطرقات وعند مداخل العزبة، بينما أخذت الأخبار تنتشر بين الناس بسرعة، حتى وصل الأمر إلى العمدة الذي طلب من بعض الرجال أن يتوجهوا إلى الحقول القريبة، وأن يسألوا الرعاة والعمال الذين اعتادوا المرور في تلك النواحي مع أول النهار
لكن النهار مضى ثقيلًا، والشمس ارتفعت فوق الحقول، ثم أخذت تميل نحو المغيب دون أن يعثر أحد على الفتاة، ولم يكن هناك أثر واضح يدل على المكان الذي ذهبت إليه، أو على شخص يمكن أن يكون قد رآها بعد انتهاء العرس، وكلما عاد رجل من إحدى الجهات دون خبر، ازداد خوف الأسرة، وراحت أم الفتاة تنتقل من مجموعة إلى أخرى، تسأل السؤال نفسه بصوت يزداد ضعفًا مع مرور الوقت، بينما كان أبوها يحاول أن يتمالك نفسه أمام الناس، لكنه لم يستطع إخفاء الاضطراب الذي أخذ يسيطر عليه
ومع حلول الليل، لم يعد أحد في العزبة مستعدًا للانتظار حتى الصباح، فقد كان احتمال أن تكون الفتاة تائهة في مكان ما، أو أنها أصيبت بأذى ولم تستطع العودة، كافيًا لدفع الجميع إلى التحرك، فتجمّع الرجال عند أحد البيوت، وأحضروا المشاعل والفوانيس، ثم انقسموا إلى جماعات، اتجهت كل مجموعة منها إلى ناحية مختلفة، بينما خرج بعض الشبان نحو الحقول والمراعي، وسلك آخرون الطرق الترابية التي تربط العزبة بالقرى المجاورة، وراحوا ينادون اسم الفتاة بين حين وآخر، لعل صوتًا يصل إلى أذنها فتجيبهم، أو يسمع أحدهم استغاثة تأتي من مكان بعيد
كانت المشاعل تتحرك بين الحقول كخطوط من الضوء المتقطع، تتقدم أحيانًا ثم تتوقف حين يعثر أصحابها على موضع يثير الشك، وكان الرجال يفتشون بين صفوف الزرع، ويتفقدون أطراف الترع ومجاري المياه، وينظرون خلف الأشجار وفي المراعي التي اعتادت الفتاة المرور بالقرب منها، بينما انتشرت النساء في البيوت وساحات العزبة، يسألن من بقي لديه خبر أو معلومة لم تصل إلى الآخرين، لكن الليل كان واسعًا، والحقول تمتد على مساحات يصعب تمشيطها في ساعات قليلة، خصوصًا مع غياب أي دليل واضح يمكن أن يقودهم إلى مكان بعينه
وفي بعض المواضع، كانت الجماعات تتوقف لتستمع، فيخفت الكلام وتبقى أصوات الحشرات وحركة أوراق النباتات تحت نسمات الليل، ثم يعود الرجال إلى النداء بصوت أعلى، قبل أن يتفرقوا من جديد، ولم يكن أحد يعرف ما الذي ينتظرهم في نهاية البحث، لكنهم جميعًا كانوا يدركون أن مرور الوقت لا يزيد الأمر إلا قلقًا، وأن العثور على الفتاة قبل انقضاء الليل قد يكون أهم ما يمكن أن يفعلوه من أجل أسرتها
أما العمدة، فقد ظل يتابع ما يجري، ينتقل بين الرجال ويسأل عن نتائج البحث، ثم يرسل بعضهم إلى جهات لم تُفتش بعد، ولم يكن في وسعه أن يقدم للأسرة وعدًا بالعثور عليها، لكنه لم يشأ أن يترك الناس يستسلمون للخوف، فحثهم على مواصلة البحث، وأوصى بأن تُفتش الأماكن البعيدة عن الطرق المعتادة، بما فيها المراعي وأطراف الحقول القريبة من النهر، حيث يمكن أن يغيب شخص عن الأنظار دون أن يلاحظه أحد
ومع تقدم الليل، أخذ التعب يظهر على وجوه الرجال، وبدأت المشاعل تخفت واحدة تلو الأخرى، فيستبدلون بها أخرى أو يجمعون ما بقي من زيت في الفوانيس، ثم يواصلون السير، ولم تكن الأسرة وحدها التي شعرت بالخوف، فقد امتد القلق إلى بيوت العزبة كلها، وأخذت الأمهات ينادين أبناءهن ليبقوا قريبين من البيوت، بينما راحت النساء يتساءلن عما يمكن أن يكون قد حدث وسط تلك الفوضى التي صاحبت العرس، وكيف أمكن لفتاة أن تختفي دون أن ينتبه أحد إلى اللحظة التي غادرت فيها المكان
ولم يكن لدى تقى ما يبدد ذلك القلق، فقد بلغها خبر اختفاء الفتاة، وعرفت أن أهل العزبة خرجوا للبحث عنها في الحقول والمراعي، لكنها لم تستطع أن تتخلص من إحساس غامض بأن الليلة التي اختفى فيها الناس خلف مشاعلهم قد تحمل أكثر مما يبدو على سطحها، فقد كانت لا تزال تتذكر الرجل الذي راقب القصر في ليلة الفرح، والرصاصة التحذيرية التي أطلقتها، وآثار الأقدام التي تتبعتها حتى النهر، غير أنها لم تكن تملك ما يربط بين الأمرين، ولم تشأ أن تقفز إلى استنتاج لا دليل عليه، فكل ما عرفته حتى تلك اللحظة أن شخصًا غريبًا تسلل إلى محيط القصر، وأن فتاة من العزبة اختفت في ليلة اجتمع فيها معظم أهلها خارج بيوتهم
ولذلك لم تتحدث تقى بما لا تستطيع إثباته، واكتفت بمتابعة ما يصلها من أخبار البحث، وهي تدرك أن خوف الناس يحتاج إلى إجابات، لكن الإجابات لا تأتي لمجرد أن الجميع يتمنى الوصول إليها، وكان أكثر ما يقلقها أن يطول اختفاء الفتاة دون أن يظهر أثر يدل على مكانها، فقد عرفت من خلال ما تولته من مسؤوليات أن الشائعات يمكن أن تنتشر أسرع من الحقيقة، وأن الخوف حين يستقر في قلوب الناس قد يدفعهم إلى تصديق أي تفسير، حتى لو لم يكن له أساس
وفي تلك الأثناء، كانت القاهرة تمضي في إيقاع مختلف، بعيدًا عن الحقول التي أخذ الليل يبتلع تفاصيلها، وعن العزبة التي لم يعد أهلها يعرفون كيف يواجهون اختفاء فتاة من بينهم، وكان نوح باشا قد أمضى أيامًا منشغلًا بلقاءات سياسية متتابعة، تتداخل فيها أحاديث البرلمان مع حسابات الوزراء ومصالح الأحزاب، حتى وجد نفسه أمام فرصة لم يكن يتوقع أن تُعرض عليه بهذه السرعة
فقد التقى مصطفى النحاس باشا، وتناقش معه في بعض الأمور المتعلقة بالشأن السياسي وما يدور في البلاد، وكان اللقاء أطول مما توقع نوح في البداية، إذ امتد الحديث إلى قضايا تتجاوز ما جاء من أجله، وتطرق إلى طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، وإلى ما تحتاج إليه الحياة السياسية من رجال يستطيعون تحمل المسؤولية في وقت تتشابك فيه المصالح والضغوط
وفي نهاية اللقاء، عرض النحاس على نوح تولي منصب في وزارته، وهو عرض كان كفيلًا بأن يفتح أمامه بابًا واسعًا للعودة إلى الحياة السياسية من موقع أكثر تأثيرًا، لكن نوح لم يقبل، فقد كان يعرف أن تولي منصب وزاري لا يعني مجرد إضافة لقب جديد إلى اسمه، وإنما يعني التزامات لا تنتهي، ووقتًا يبتلعه العمل العام، ومواقف قد يجد نفسه مضطرًا إلى الدفاع عنها حتى حين تتعارض مع ما يراه صوابًا
ولم يكن رفضه نابعًا من استخفاف بالعرض أو عدم تقدير لمكانة الرجل الذي قدمه، بل كان يدرك تمامًا ما يعنيه أن يتولى مسؤولية في تلك المرحلة، وما قد يترتب عليها من ارتباطات لا يستطيع الانسحاب منها متى شاء، وقد عاد إلى مقر إقامته وهو يفكر في الأمر، مستعيدًا تفاصيل الحديث وما انطوى عليه من احتمالات، ثم وجد نفسه، على غير ما توقع، يقارن بين ما عُرض عليه في القاهرة وبين الحياة التي تركها خلفه في العزبة
هناك، كانت الأيام تمضي وفق إيقاع يعرفه، حتى حين تزداد مشاغل الأرض أو تتعقد أمور العمال، وكانت الأصوات التي تصل إليه في الصباح مختلفة عن ضجيج الاجتماعات، والوجوه التي يلقاها في الحقول لا تخفي خلف كلماتها كل تلك الحسابات التي اعتاد أن يجدها في المجالس السياسية، أما القصر، فقد كان يحمل له معنى يتجاوز الجدران والأثاث، فقد عاد إليه بعد سنوات من الابتعاد عن حياة المدينة، واستعاد فيه شيئًا من السكينة التي افتقدها طويلًا، حتى صار مجرد التفكير في تركه لفترة طويلة يثير داخله ضيقًا لم يكن يعرفه من قبل
وكانت تقى جزءًا من تلك الصورة التي أخذت تستقر في ذهنه كلما طالت إقامته في القاهرة، فقد اعتاد أن يجد منها رسائل تخبره بأحوال العزبة، وما يستجد في الحقول، وما يحتاج إلى قراره، وأحيانًا كانت رسائلها تتجاوز الحسابات والأعمال إلى أحاديث عن الكتب التي تقرؤها، أو عن أمر أثار فضولها في إحدى الصحف، أو عن مشكلة واجهتها ولم تكن تعرف كيف تنظر إليها، وكان يجد في تلك الرسائل شيئًا مختلفًا عن المراسلات التي يتلقاها من رجال السياسة، إذ لم تكن كلماتها محملة بمحاولات إرضائه أو استمالته، بل كانت تكتب ما تفكر فيه بصدق، وتعرض ما تراه دون أن تتظاهر بأنها تعرف كل شيء
ومع مرور الأيام، بدأ يشعر باشتياق متزايد إلى العزبة، إلى هواء الصباح الذي يمر عبر النوافذ، وإلى رائحة الأرض حين تُروى، وإلى الأشجار التي تتبدل ملامحها مع الفصول، وإلى القصر الذي اعتاد أن يجد فيه سكونًا لا يشبه سكون أي مكان آخر، حتى الطعام أخذ يذكره بما تركه خلفه، فقد كان يفتقد الأطباق البسيطة التي تُعد من خيرات الأرض، والخضراوات الطازجة التي تصل إلى المطبخ من الحقول، والخبز الذي يخرج ساخنًا في الصباح، لا لأن الطعام في القاهرة كان سيئًا، بل لأن لكل مكان مذاقه الذي لا يستطيع المرء أن يجده في مكان آخر مهما حاول
وكان كلما جلس إلى مائدة في القاهرة، وجد نفسه يتذكر طعام العزبة، وكيف كانت تقى تسأله أحيانًا عن رأيه فيما يُقدَّم، أو تحرص على أن يعرف ما وصل من المحاصيل الطازجة إلى المطبخ، وقد وجد في تلك التفاصيل الصغيرة ما يفتقده أكثر مما يفتقد كثيرًا من الأمور الكبيرة التي تركها وراءه، فالحياة في القصر لم تكن مجرد راحة أو ابتعاد عن السياسة، بل كانت حياة كاملة أخذت تتشكل من تفاصيل يومية اعتادها دون أن يدرك مقدار تعلقه بها إلا حين ابتعد عنها
وفي إحدى الأمسيات، جلس نوح إلى مكتبه بعد أن انتهى من مراجعة بعض الأوراق، وأخرج رسالة تقى الأخيرة، فقرأها مرة أخرى، ثم بقي لحظات يتأمل ما كتبته عن العزبة، وعن بعض الأمور التي تحتاج إلى متابعته، قبل أن يسحب ورقة جديدة ويبدأ في كتابة رده، وأخبرها في البداية أنه التقى مصطفى النحاس باشا، وأن الحديث بينهما تطرق إلى بعض الأمور السياسية التي تشغل البلاد، ثم ذكر لها أن النحاس عرض عليه تولي منصب في وزارته، لكنه رفض العرض، لأنه لا يريد أن يربط نفسه في الوقت الحالي بمسؤوليات جديدة قد تبعده أكثر عما بقي له من حياة خارج القاهرة
وتوقف قليلًا قبل أن يواصل الكتابة، فقد أراد أن يخبرها أنه اشتاق إلى العزبة، لكنه لم يكن من الرجال الذين يعتادون الإفصاح بسهولة عن مشاعرهم، ولا سيما حين يتعلق الأمر بشيء لم يتوقع أن يصبح بهذه الأهمية في حياته، فاختار أن يبدأ بما يمكنه قوله دون تردد، وكتب لها عن الهواء الذي يفتقده، وعن سكون الصباح في القصر، وعن رائحة الأرض بعد الري، ثم انتقل إلى الطعام، متحدثًا عن الخضراوات الطازجة التي لا يجد لها مذاقًا يشبه ما اعتاده في العزبة، وعن الأطباق التي افتقدها منذ غادرها
وبعد ذلك، أضاف إلى رسالته أنه بدأ يفكر في احتمال أن تأتي تقى إلى القاهرة لزيارته بضعة أيام، حتى ترى المدينة التي طالما حدثها عنها، وتتعرف إلى بعض ما يحيط بحياته هناك، ثم عاد فخفف من جدية الدعوة بعبارة تحمل شيئًا من المزاح، وكأنه لا يريد أن يجعل الأمر يبدو أكبر مما يحتمل، فكتب لها أنه بدأ يشك في قدرة مطبخ القاهرة على إطعامه كما ينبغي، وأنه ربما يحتاج إلى من يأتيه ببعض خيرات العزبة الطازجة، ويذكره بالطعام الذي اعتاد أن يجده على مائدته
وحين انتهى من الرسالة، أعاد قراءتها، وابتسم ابتسامة خفيفة عند العبارة الأخيرة، فقد كان يعرف أن حجة الطعام لن تخفى على تقى تمامًا، لكنه وجد فيها طريقة مناسبة ليدعوها دون أن يثقل عليها بطلب مباشر، أو يجعلها تشعر بأن عليها أن تأتي لمجرد أنه يريد ذلك، ثم طوى الرسالة ووضعها جانبًا حتى تُرسل في الصباح
أما تقى، فلم تكن تعرف شيئًا عن الرسالة التي كتبها نوح في تلك الليلة، ولا عن عرضه الوزاري الذي رفضه، ولا عن اشتياقه المتزايد إلى القصر والعزبة، فقد كانت مشغولة بما يجري حولها، وبالقلق الذي استقر في قلوب الناس بعد اختفاء الفتاة، وبالرجل الذي رأته يتسلل قرب القصر في ليلة الفرح، وبالأسئلة التي ظلت معلقة منذ عودتها من النهر، دون أن تملك لها جوابًا
وهكذا، بينما كان نوح في القاهرة يفكر في استعادة شيء من حياته القديمة، ويفكر في دعوة تقى إلى زيارته، كانت تقى في العزبة تواجه بداية أمر لم تتضح معالمه بعد، ولم يكن أي منهما يعلم أن الأيام المقبلة قد تحمل إليهما ما يجعل المسافة بين القاهرة والعزبة أكثر من مجرد طريق طويل يفصل بين مكانين
تعليقات



<>