رواية ما تبقي من رؤي(رؤي وياسين)الفصل الثالث3بقلم سلسبيل احمد

رواية ما تبقي من رؤي(رؤي وياسين)الفصل الثالث3بقلم سلسبيل احمد


أنا جاي أطلب إيد رُؤى يا عمي..

مش جاي أستأذن، أنا جاي أقولك إن بكتفي بيها عن الدنيا كلها، وعايز أبني معاها بيتنا من بكرة."

​عمي بص لي لحظة بصمت، وبعدين ابتسم ابتسامة هادية وطبطب على كتفي وهو بيدخلني:

— "أنا كنت مستنيك تقولها من زمان يا ياسين.. رُؤى ملهاش أمان ولا سند بعد ربنا غيرك."

​رُؤى كانت واقفة ورا باب المطبخ، سمعت كل كلمة، وطلعت وخدودها حمرا زي الورد اللي شايله. بصت لي بنظرة عمري ما هنسى دفاها.. 
نظرة بتقول: "أخيراً يا ياسين.. أخيراً جيت."

​في ليلة دافية من ليالي الشتا، الشقة كانت مليانة نور وصوت الزغاريد طالع من بلكونتنا للشارع كله.

​كنت لابس بديلتي الكحلي، واقف قدام المأذون، وإيدي في إيد عمي.
 لما المأذون قال جملته الشهيرة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"...

​لفت وشي، لقيت رُؤى طالعة بفستان أبيض بسيط أوي، طرحتها الناعمة مغطية كتفها، وعيونها بتلمع بالدموع والضحك في نفس الوقت. 
قربت منها، مسكت إيدها الصغيرة اللي كانت بترتعش، وبست رأسها قدام الناس كلها وقلت لها :

​— "مبروك عليا أنتِ يا رُؤى.. مبروك على قلبي الحياة."

​سيبنا الهيصة والناس، وأخدتها من إيدها ودخلنا بيتنا الجديد.. 
البيت اللي صممت كل زاوية فيه وأنا بتخيلها معايا.

​شيلتها عند الباب ودخلت بيها، ضحكت بصوتها الرقيق وقالتلي وهي ماسكة في رقبتي:

— "ياسين نزلتني! إيه الجنان ده؟"

​قلت لها وأنا ببص في عينها..

— "أنا مش هنزلك الأرض تاني يا رُؤى.. 
أنتِ مكانك فوق، في قلبي وفي بيتي."

​وعشنا.. 
عشنا سنة كاملة هي أجمل وأحلي  سنة مرت علياا.. 

​سنة كاملة وأنا بصحى كل يوم على ريحة القهوة  اللي بتعملها، وعلى صوت خطواتها الخفيفة في البيت. 
كانت تصحى بدري، تروح المركز بتاعها، وترجع محملة بحكايات الأطفال وضحكهم، وتقعد تحكيلي بالتفاصيل وأنا مركز في كل حركة بتعملها.

​في ليالي الشتا، كنا بنطلع نقعد في البلكونة..
ألفّها ببطانية دافية، وأجيب الكرسي الخشبي وأقعد جنبها.
هي تمسك فنجان الشاي الدافئ، وأنا أطلع النوت بوك الأسود بتاعي 
 اللي كان زمان سر وأقعد أقرأ لها كتاباتي بصوت واطي وهي حاطة رأسها على كتفي:

​"رُؤى ليست امرأة اخترتها..

رُؤى هي النصيب الجميل الذي انتظرته اربعه سنوات،

هي الهدوء الذي يسبق كل عاصفة، والدفء الذي يغمرني في أعتى ليالي البرد.

لو سألوني عن بيتي.. لسردتُ لهم تفاصيل وجهها."

​تلتفت ليا، وبصوابعها الناعمة تمسح على خدي وتقول بصوت كله حنية:

— "عارف يا ياسين؟
 أنا ساعات بكون خايفة من كتر النعيم ده..
 خايفة أكون بحلم وأصحى ألاقيني لسة في دبي ."

​أشدها لصدري وأبوس إيدها وأقولها:

— "مفيش بُعد تاني يا رُؤى.. أنا بيتك، وأنتِ بيتي، ومحدش مش هيبعدنا عن بعض تاني .."

بدأت الغمامة تتسحب لبيتنا الدافئ من غير ما نحس..
ببطء وشديد الخباثة.

​في الأول، كانت أمور بسيطة جداً، حاجات تعدي على أي حد من غير ما يقف عندها.

​رُؤى كانت ترجع من مركز الأطفال تعبانة زيادة عن اللزوم، تقول لي وهي بتخلع الشال عند الباب:

— "ياسين.. أنا حاسة إني مجهدة أوي النهاردة، العيال كانوا شقيين شوية وشكلي عندي أنيميا خفيفة."

​أخدها في حضني، أعمل لها كوباية عصير فريش، وأقولها بنشاط:

— "سلامتك يا قلب ياسين.. 
بكرة ننزل نعمل تحليل هيموجلوبين ونشوف دكتور يكتب لك على شوية فيتامينات وظبط أكل."

​لكن موضوع الصداع هو اللي بدأ يقلقني بجد..

​كان بيجي لها فجأة، نكون قاعدين بنضحك أو بنشاهد فيلم، وفجأة ألاقيها سكتت مرة واحدة.. 
تحط إيدها على راسها، وتغمض عينها بوجع مكتوم وهي بتضغط على أسنانها.

​— "رُؤى؟ 
مالك يا حبيبتي؟
 راسك بتوجعك تاني؟"

​تفتح عينها بالعافية، وتبتسم لي عشان تطمني وهي بتنهد:

— "صداع خفيف يا ياسين.. 
كأنه زغزغة أو ثقل ورا عيني، ما تقلقش روحك يا حبيبي، الإرهاق بس مع قلة النوم."

​تاخد حباية مسكن، وتنام على كتفي في البلكونة.. 
الصداع يروح، فنطمن وننسى.

​حد ما جه اليوم ده.. 
اليوم اللي العالم كله اتهز تحت رجلي.

 في ليلة من ليالي يناير الباردة.
رُؤى كانت واقفة في المطبخ بتعمل القهوة بالنعناع اللي بنحبها، وأنا قاعد في الصالة براجع لوحة.

​وفجأة.. 
سمعت صوت فنجان  وهو بيقع على الأرض ويتكسر، ووراه صوت دبة خفيفة ومكتومة.

​اتنفضت من مكاني:

— "رُؤى!"

                   الفصل الرابع من هنا

تعليقات



<>