رواية قلوب علي الهامش الفصل الثالث3بقلم يارا علاء الدين
- عملت شوربة عدس، هتيجي تاكلي معانا ولا مش قادرة زي عوايدك؟
رفعت صفية عينيها عن كوب الشاي وقالت:
- مش قادرة ياسناء والله، الواحد في دوامة من الصبح.
جلست سناء بجوارها وتأملتها قليلًا قبل أن تسأل :
- خير, فيه حاجة حصلت في المدرسة ولا إيه؟
أجابت صفية وهي ترتشف من الشاي:
- أبدًا، زيارة كده من واحد من الناس اللي فوق، بيقولك هيرمم المدرسة ،قال يعني بيهتموا ما كلهم بياخدوا اللقطة وخلاص!
ضحكت سناء وهي تعدّل جلستها:
- طب ما يمكن الراجل نيته خير، إنتِ حكمتي عليه ليه من قبل ما تشوفي شغله؟
التفتت إليها صفية باعتراض:
- يا ستي أنا شوفت أشكال كتير. كلام كتير وصور في الجرايد، وفي الآخر لا المدرسة اتطورت ولا العيال لاقوا ديسكات عدلةيقعدوا عليها!
قبل أن ترد سناء، دخل ياسين إلى الغرفة، طفل في التاسعة من عمره، يحمل كتابًا بين يديه، وقال بصوت فيه رجاء:
- ماما ممكن تقرأيلي القصة دي قبل ما أنام؟
نظرت إليه صفية، وابتسمت ابتسامة دافئة، ثم فتحت ذراعيها:
- تعالى هنا يا حبيبي، نقرأ سوا.
جلس في حضنها، وبدأت تقرأ له القصة بصوتٍ هادئٍ رخيم، بينما سناء تقف عند الباب، تراقبهما بابتسامة فيها شجن... شجن امرأة رأت الحياة تأخذ منها الكثير، لكنها تشكر الله على ما تبقّى.
كان البيت بسيطًا، والأثاث قديمًا، وهموم الحياة لا تنتهي، لكن تلك اللحظات الصغيرة كانت تمنحهم شعورًا بالأمان لا يستطيع المال شراءه.
وحين انتهت القصة، رفع ياسين رأسه وسألها:
- خالتو، إنتِ هتفضلي تقرأيلي كل يوم لحد ما أكبر؟
مررت يدها على شعره:
- لحد ما تكبر وتتجوز كمان، وهقعد أحكيلك حكايات إنت وأولادك.
ضحك الصغير، ثم قفز من مكانه هاربًا نحو غرفته.
أما صفية، فعادت تحتضن كوب الشاي، ونظرت إلى التلفاز دون أن تتابعه.
كانت تعرف أن الحياة لا تمنح الإنسان كل ما يتمنى، لكنها في بعض الأحيان تترك له أشياء صغيرة تكفيه ليواصل الطريق.
ولم تكن تعرف إن كان قلبها سيجد يومًا ما يبحث عنه، أم أنها ستظل تكتفي بما لديها.
ـــــــــــــــــــــــ
2-
أمام مدخل شركة أركان،
كانت رنا تعبر الشارع بخطى متعجلة، تحتضن ملفًا صغيرًا بيدها، وفي الأخرى حقيبتها، فيما يعلو وجهها توتر واضح. نظرت إلى ساعة يدها، ثم رفعت بصرها نحو مبنى الشركة.
لم تنتبه للسيارة المسرعة القادمة من الاتجاه الجانبي، والتي لم يستطع سائقها التوقف في الوقت المناسب.
صوت الفرامل ممزوجًا بصرخة مرتفعة... ثم صدمة... وسقوط.
سقطت أرضًا بجانب الرصيف، وقد ارتطمت ركبتها بالأسفلت بقوة. تهاوت الحقيبة على الأرض، وتناثر الملف منها في اتجاهات مختلفة.
في اللحظة ذاتها، كان نور يهمّ بالخروج من بوابة الشركة، حاملاً كوبًا من القهوة بيد، وهاتفه في الأخرى، حين سمع صوت الارتطام.
التفت سريعًا، واتسعت عيناه...
- يا الله, آنسة رنا؟
ركض نحوها، وانحنى فورًا بجانبها، وقد تناثرت القهوة من يده دون أن يشعر.
- إنتي كويسة؟
كان وجهها شاحبًا، تتنفس بسرعة، وتمسك بركبتها اليسرى بقوة.
رجلي... مش قادرة أحرّكها، دماغي كمان واجعاني.
رفع نظره نحو السائق المرتبك الذي ترجل من السيارة:
- شيلها معايا بسرعة نوديها المستشفى.
ثم التفت إليها مجددًا، وصوته أقل حدة:
- متقلقيش هتبقي كويسة.
همست بألم، تحاول أن تبتلع دموعها:
- بجد؟
ابتلع ريقه، وبحزن لم يستطع إخفاءه قال:
- اتماسكي, الموضوع بسيط بإذن الله.
مد يده بهدوء، وسحب جاكيته ليضعه تحت رأسها، ثم جلس بجانبها في المقعد الخلفي من السيارة، قبل أن تنطلق السيارة مسرعة.
في رواق المستشفى، كانت الإضاءة باهتة، والجو مشبع برائحة معقّمات نفّاذة. ممرضون يتحرّكون بخطى سريعة، وأصوات أجهزة المراقبة تنبض برتابة ثابتة.
خلف ستارة بيضاء، كانت رنا ممددة على سرير صغير، ما تزال تحت تأثير الصدمة. ركبتها اليسرى مغطاة بجبيرة بيضاء، وآثار الخبطات واضحة على كفها وجانب وجهها.
وقف نور خارج الغرفة، يراقب من بعيد، تملأ صدره أنفاس متوترة. كان يحاول الاتصال بعائلتها، دون جدوى.
اقترب منه الطبيب شاب يبدو في منتصف الثلاثينيات، وقال بجدية:
عندها كسر بسيط في رجلها الشمال، وكدمات في الدراع.
محتاجة راحة ومتابعة... بس مفيش حاجة خطر الحمد لله.
أومأ نور برأسه وقال:
- طيب... ممكن أشوفها؟
هز الطبيب رأسه إيجابًا، ثم مضى.
دخل نور بخطوات حذرة، ليجدها ممددة، تنظر إلى السقف في شرود.
- آنسة رنا عاملة إيه دلوقتي؟
التفتت إليه ببطء، ملامحها باهتة ومرهقة:
- كويسة, ممكن تجبلي موبايلي لو سمحت أكلم بابا.
اقترب منها وجلس على الكرسي المجاور، نظر في عينيها على استحياء وقال:
- أنا حاولت أتصل بيهم من على موبايلك, بس محدش رد.
ضحكت ضحكة مكسورة فقد توقعت تلك الإجابة:
- لا لا أكيد إنت غلطان، هات الموبايل أنا هكلمهم.
ناولها هاتفها بحزن قبل أن تحتد نبرتها قائلة:
- إنت قاعد معايا ليه؟ هو إنت اللي خبطتني؟ كنت سبتني ومشيت.
قال دون تردد، صوته صادق وبسيط:
- إزاي هسيبك في موقف زي ده, ومفيش حد معاكي.
سكتت للحظة، ثم قالت:
- أنا مش متعودة حد يبقى معايا أنا قوية ومش بحتاج لحد!
كانت كلماتها تشير لعمق كبير، فهمه هو دون أن تتفوه به، قال محاولًا تغيير دفة الحديث:
ممكن ترني على خطيبك، لو والدك ووالدتك مشغولين.
رغبة عارمة انتابتها الآن في البكاء إلا أنها قاومتها بصرامة:
- معاك حق.
لم يمرّ وقت طويل حتى انفتح باب الغرفة بهدوء، ودخل يوسف المنشاوي، أنيقًا كالعادة، لكن ملامحه مشدودة، وعيناه تفتشان الغرفة قبل أن تستقر على رنا الممددة على السرير، وعلى نور الجالس إلى جوارها.
تقدّم بخطى ثابتة، وصوته بارد:
- رنا... إيه اللي حصل؟
رفعت رأسها قليلاً، ملامحها بلا تعبير:
- عربية خبطتني... وأنا داخلة الشركة.
اقترب أكثر، وعيناه لا تغفلان عن نور، الذي نهض بهدوء من مقعده، دون أن ينطق.
قال يوسف، بنبرة واضحة في فجاجتها:
- مين حضرتك؟ وبتعمل إيه هنا بالظبط؟
أجابه نور بهدوء، صوته ثابت:
- مهندس نور سليمان،، كنت واقف عند باب الشركة... شوفتها وهي بتقع، ونقلتها للمستشفى.
ابتسم يوسف وصافحه بهدوء:
- شكرًا يابشمهندس على شهامتك.
لم يرد نور، فقط نظر إليه، ثم أعاد نظره إلى رنا.
تدخّلت رنا، بنبرة متعبة:
- مسبنيش ولا لحظة من ساعة الحادثة.
نظر إليها يوسف، وشيء أشبه بالغيرة الممزوجة بالاستعلاء ظهر في صوته:
- كتر خيرك يا بشمهندس نور، تعبناك، أنا جيت تقدر تمشي!
نور تنفّس بعمق، ثم قال بنبرة حيادية وهو يتجه نحو الباب:
- أكيد، عن إذنكم، ألف سلامة على حضرتك، ثم خرج.
نظرت إليه رنا طويلًا، بعينين تقولان ما عجز لسانها عن التعبير به، ثم أومأت برأسها بخفة.
يوسف شبك ذراعيه، وابتسم بسخرية لرنا التي كانت على وشك الانفجار:
- شهم أوي نور ده!
رمقته بنظرة حادة:
- مستفز أوي حقيقي، أنا في إيه ولا في إيه؟
صمت لحظات قبل أن تردف:
- أنا عايزة أروح الفيلا دلوقتي لو سمحت، خلي الدكتور يعملي إذن خروج.
اتسعت ابتسامته وهو يشير بسبباته نحو عينيه، واحدة تلو الأخرى، ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
3-
- إيه يا حبيبي، اتأخرت ليه كده؟ أنا قلقت عليك أوي.
ما إن فتح نور باب الشقة حتى خرجت مريم من المطبخ، تمسح يديها في منشفة قديمة.
ابتسم لها ابتسامة متعبة، ثم خلع حذاءه وجلس على طرف الأريكةثم قال بتعب:
حصل موقف غريب أوي النهارده يا أمي.
اقتربت منه بقلق:
- خير؟ احكيلي يا نور قلبي.
جلس على طرف الأريكة، مرّر يده على وجهه، ثم قال:
- فيه بنت... واحدة من العملاء اللي المفروض بشتغل معاهم وهي داخلة الشركة، اتخبطت بعربية. كنت واقف أدام الشركة، ووديتها علطول على المستشفى.
شهقت مريم بقلق:
- يا ربي! طب هي كويسة؟ حصل لها إيه؟
- كسر في رجلها وشوية كدمات، أنا مسبتهاش فضلت معاها لحد ما اتطمنا عليها.
صمت قليلًا، ثم أردف:
- بس اللي صدمني بجد... إن محدش من أهلها جه. لا أمها، ولا أبوها، حاولت أتصل بيهم كتير من تليفونها ولا حد رد ولا كأنها بنتهم.
مريم جلست بجواره وربتت على كتفه:
- يا حبيبتي يا بنتي، معلش لازم نلتمس ليهم العذر يابني، الله أعلم بظروفهم.
همس بخفوت:
- معاكَ حق!
نظرت إليه نظرة بها حنان الدنيا ثم قالت:
- عارف يا نور, قدر ربنا كله خير يا ابني، بتشوف حاجات ظاهرها شر لكنها مليانة خير، ممكن منشوفوش وقتها، بس لازم نبقى متأكدين من كده.
تنهد بعمق، وقال بصوت أقرب للهمس:
- ونعم بالله، عندك حق يا مرمر، قوليلي صحيح الريحة الحلوة اللي مالية الشارع كله دي مسقعة؟
ابتسمت بخجل:
- أه يا حبيبي, يالا بقى قبل ماتبرد, غير هدومك لحد أغرفلك الأكل.
قبّل رأسها:
- ربنا مايحرمني منك ياست الكل.
- ولامنك يا نور قلبي.
