رواية انت عمري الفصل الرابع4بقلم الين روز
_ خلاص بقي يا سارة لما نتقابل هعرفك كل حاجة!
رجعت خطوة لورا بالراحة وبأقل حركة ممكنة عشان ما يحسش إني كنت واقفة وبسمعه. بلعت ريقي بصعوبة وأنا بحاول أظبط تنفسي وبلف وبدور في الشقة كأني لسه طالعة من الأوضة حالاً ومسكت طرف الحجاب أظبطه قدام المراية، رسمت ابتسامة هادية جداً ومفيهاش أي أثر للشك، وكأني ما سمعتش اسم "سارة" ولا لقطت كلمة واحدة من المكالمة.
_ أنا جهزت يا صهيب، يلا؟
لف وشافني واقفة ببتسم، حط التليفون في جيبه بهدوء وبصلي ثواني بنظرة مركزة، كأنه بيحاول يلمح أي تغيير في وشي، بس لما لقاني طبيعية ابتسم وقال:
_ تمام يا عروسة، يلا بينا.
نزلنا من الشقة وأنا ماشية جنبه، كنت بحاول بكل طاقتي أظهر هادية ومفيش أي حاجة، بس الموقف كان أكبر من قدرتي على التمثيل. عقلي كان شغال بيفكر ويحلل: مين سارة؟ وليه كاتبها سمسم؟ وهل بيضحك عليا بالطريقة الحلوة دي كلها عشان يقضي وقت أو يداري على حاجة تانية؟
ركبنا العربية وركب هو جنب الموتور وتشغل الصوت الهادي للراديو، بس السكوت بيننا كان تقيل جداً. صهيب كان بيسوق وهو مبسوط وبيحاول يفتح كلام:
_ بصي بقى، إحنا هنروح المول نلف شوية وتجيبي كل الهدوم والحاجات اللي ناقصاكي، وبعدين هنعدي على المكان اللي هتحبي تأكلي فيه.
هزيت رأسي بهدوء من غير ما أبص له، وقاطعت نظراته بآني بصيت ناحية الشباك وقلت بصوت واطي ومتقطع:
_ تمام.. اللي تشوفه.
استغرب نبرتي، وبصلي بلمحة سريعة ويرجع يركز في الطريق، وبعدين نزلنا المول. بدأنا نلف بين المحلات، وهو كان ماسك إيدي وبيحاول يفرجني على كل حاجة، يجيب فستان ويقولي "ده هيطلع تحفة عليكِ"، يمسك شنطة ويسألني عن رأيي، بس أنا كان بالي في مكان تاني خالص.
كنت بالمس الهدوم بإيدي وأنا مش حاسة بتفاصيلها، وبرد بإجابات مقتضبة جداً: "كويس"، "عادي"، "اللي يعجبك".
لما حس بجمودي، وقف قدام محل هدوم ومسك إيدي الاتنين، وبص في عيني بتركيز وسألني بنبرة فيها اهتمام حقيقي:
_ ليل.. مالك؟ من ساعة ما نزلنا وأنتِ مش معايا خالص، فيه حاجة مضايقاكي أو تعباكي؟
سحبت إيدي منه ببطء، وبصيت للأرض وأنا بحاول أهرب من نظراته:
_ مفيش يا صهيب.. أنا كويسة، بس التعب بتاع المسشفى لسه مأثر عليا.
_ ليل، أنتِ ملامحك بتقول غير كده خالص، لو المكان مش عاجبك أو مش حابة نشتري حاجة النهاردة قوليلي ونمشي!
_ قلتلك مفيش، يلا كمل عشان نخلص.
مشينا وتخطينا المحلات، بس الجو بيننا كان خلاص اتعكر، هو بدأ يضايق من أسلوبي البارد وتجاهلي المستمر، وأنا العقدة جوايا بتزيد وكل ما تليفونه ينور في جيبه، قلبي يتنفض وأتخيل إن "سارة" هي اللي بتتصل.
دخلنا مطعم هادي عشان نتعشى، قعدنا قصاد بعض، وحط المنيو قدامي وهو بيحاول يلطف الجو للمرة الأخيرة:
_ اختاري اللي تحبيه، ولا اختارلك أنا على ذوقي؟
_ مش جعانة.
صهيب حط المنيو على الترابيزة بصوت عالي شوية، وقعد لورا وربع إيده وهو بيبصلي بنفاذ صبر، ملامحه الهادية اتغيرت وبقت قاسية ومشدودة:
_ وبعدين يا ليل؟ إحنا نازلين نفرح ونغير جو، من أول ما حطينا رجلنا الشارع وأنتِ مبوزة وبتعامليني كأني بعذبك! لو فيه حاجة قوليها بصراحة بدل أسلوب الألغاز ده!
رفعت رأسي وبصيت له بعيون مليانة زعل وغضب مكتوم، وقلت بسخرية:
_ أسلوب ألغاز؟ أنا برضه اللي بتعامل بألغاز يا صهيب؟!
_ أيوه أنتِ! اتقلبِتِ مرة واحدة من غير سبب، وكل ما أسألك تقولي مفيش! هو أنا ساحر عشان أعرف لوحدي إيه اللي دايقك؟
_ ومفيش حاجة تضايق يعني؟! ولا أنت فاكر إن كلمتين حلوين وشوية هدايا هيخلوني أعش دور العروسة الفرحانة وأنسى إن كل حاجة حولي غريبة ومش مفهومة؟!
صهيب قرب بجسمه لقدام على الترابيزة وقال بنبرة حادة وصوت واطي عشان الناس:
_ غريبة إزاي يعني؟! أنا قصرت معاكي في إيه؟ اتكلمت معاكي بقلة أدب؟ جبرتك على حاجة؟ أنا بحاول أعمل كل اللي يقدر عليه عشان أخليكي مرتاحة ومتطمنة، وفي الآخر ب ألقى معاملة أبرد من التلج!
_ أنت بتعمل اللي يعجبك وبس! بتتصرف وكأنك عارف كل حاجة وأنا الهبلة اللي مش فاهمة حاجة! تمثل عليا الحنية بره وجوه…
قاطعني وهو بيضرب إيده على الترابيزة بهدوء غاضب:
_ أنا ممثلتش! ولا عمري كنت منافق معاكي يا ليل! أنتِ اللي عندك عقدة من كل حاجة حلوة بتتقدم لك، بتدوري على النكد بأي طريقة عشان تثبتي لنفسك إنك مظلومة وخلاص!
الكلمة وجعتني في مقتل، دموعي اتجمعت في عيني وقومت وقفت من على الكرسي بسرعة وأنا بترعش من الغضب والوجع:
_ تمام يا صهيب.. أنا نكادية وعندي عقد، ياريت نرجع البيت عشان أنا خلاص مش قادرة أستحمل أكتر من كده!
بصلي بذهول وغضب، وقام وقف وهو بيتنفس بسرعة، مسك المفاتيح والتليفون من على الترابيزة وقال بصوت جاف زي الثلج:
_ اتفضلي قدامي على العربية.. حسابنا لما نرجع الشقة.
ركبت العربية وركبت جنبه من غير ما أنطق كلمة واحدة. كان بيسوق بسرعة، إيده ضاغطة على الدركسيون وعروق إيده بارزة من كتر الغضب المكتوم. الطريق كله كان عبارة عن صمت يقطع النفس، صمت مليان شحن وتوتر بين اتنين كل واحد فيهم شايف إنه مظلوم ومجروح من التاني.
أول ما وصلنا البيت ونزلنا من العربية، مشيت قدامه بخطوات سريعة وصعدت السلم وأنا قلبي بيدق زي الطبول. فتح الباب ودخلت بسرعة وقفت في نص الصالة، وأول ما دخل ورايا وقفل الباب بصوت عالي هز الشقة، لفيت له وأنا خلاص طاقاتي اتنَفَدَت والدموع اللي كنت حابساها طول الطريق بدأت تنزل بغزارة على وشي.
هو وقف وربع إيده، ملامحه كانت حادة وجافة زي الصخر، وبصلي بنفاذ صبر وقال بصوت هادي بس يخوف:
_ أديكِ وصلتي البيت أهو.. اتفضلي بقى اتكلمي وفهميني إيه التهريج اللي حصل بره ده؟ إيه أسلوب الأطفال اللي بتتعاملي بيه ده يا ليل؟
سحبت رجلي لورا ونزلت عيني الأرض ودموعي بتنزل بكسرة، مسحت وشي بكف إيدي ورفعت رأسي بصيت له ونبرة صوتي كلها حسرة ووجع مبحوح:
_ أنت بتتعامل وكأن مفيش حاجة حصلت، وكأن الحياة وردية وفجأة بقينا زوج وزوجة ومطلوب مني أعيش الدور وأضحك وأتبسط! شايف إنك لما تنزل تجيبلي هدوم وتحط الفلوس في إيدي يبقى خلاص كل حاجة بقت تمام ومفيش داعي أزعل أو أفكر! أنت شايف إن الموضوع بسيط، لكن بالنسبة لي مش بسيط خالص يا صهيب.. أنا حاسة إني عريانة قدام نفسي، حاسة إن حياتي كلها اتغيرت في ثانية من غير ما حد ياخد رأيي، وأنت بتتعامل ببرود وكأن ده العادي والربيع مالي المكان!
عقد حواجبه بذهول وقرب خطوة، وبصلي بقلة حيلة ونبرة صوته فيها مزيج من الصدمة والعصبية المكتومة:
_ مش عادي؟! هو أنا اللي جيت فرضت عليكي الظروف دي ولا أنا اللي اخترت الطريقة اللي دخلتي بيها حياتي؟! أنا بحاول ألملم الوضع وأهون عليكِ، بحاول أتعامل بهدوء وحنية عشان متتحسيش إنك غريبة أو مغصوبة، تقومِ تجردي كل محاولاتي دي وتشوفيه برود وتمثيل؟! هو أنا مطلوب مني أجلد نفسي معاكي وأقعد أبكي على اللبن المسكوب عشان تحسي إني حاسس بيكي؟! أنتِ تفكيرك ده رايح فين بالضبط؟!
ضحكت بسخرية ودموعي نازلة، وهزيت رأسي وأنا برجع خطوة لورا وكأني ببعد عنه:
_ تفكيري رايح في الحقيقة اللي أنت بتهرب منها! أنت شايف إنك الشخص المثالي اللي مبيغلطش، وأن أنا النكادية اللي بتبوظ الخروج والبهجة لمجرد إني مش عارفة أستوعب السرعة دي كلها!
_ علشان أنتِ فعلاً بتسدي كل باب بحاول أفتحه!
قالها بصوت عالي وعصبي وهو بيشاور بإيده، وشرر الغضب طالع من عينه:
_ أنا من ساعة ما دخلتي البيت ده وأنا بجي على نفسي عشان أراعي مشاعرك وأمسح كل أثر وحش سابوه أهلك في قلبك! بحاول بكل طاقتي أثبتلك إنك عزيزة وغالية، وأن ليكي قيمة ومحدش يقدر يقلل منك ولا يكسر خاطرك.. أعمل إيه تاني يا ليل عشان تطمني؟ أقطع نفسي عشان تحسي إني بني آدم وبحس، وإني مكنتش السبب في الظروف دي، ومستاهلش منك النفور ده كله؟!
_ ما تعملش! محدش طلب منك تعمل حاجة!
صرخت فيه وأنا بجيب كل الطاقة المكتومة جوايا من أيام، ووقفت قصاده وبصيت في عينه بثبات وثورة مش طبيعية:
_ أنت فاكر إن معاملتك دي هي اللي هتخليني أحبك في يوم من الأيام؟ فاكر إن الكلمتين الحلوين والشوكولاتة والهدايا هيمسحوا حقيقة إنك اتجوزتني غصب عني؟! أنت مصدق نفسك إننا ممكن نعيش قصة حب زهرية؟ صهيب.. إفوق! أنا مش بحبك ومش هعرف أحبك، ولا عمري هحب وجودك ولا اخترتك في يوم، ولو كان في إيدي نص خيار.. نص إرادة بس إني أوافق أو أرفض في اليوم ده.. والله العظيم كنت رفضتك وطردتك أنت وأهلك بره حياتي!
الكلمة نزلِت عليه زي الصاعقة. صهيب اتسمر مكانه، ملامحه الغاضبة اتغيرت في ثانية لجمود مرعب، وعينه اتسعت وهو بيبصلي بذهول كأنه مش مصدق إن الجملة دي طلعت من بؤي. الصالة كلها سكتت، وحتى صوت تنفسنا بقى مسموع ومرتبك.
بلع ريقه بالعافية، ونزل إيده اللي كانت مرفوعة بالبطيء، وبصلي بنظرة قاسية وباردة أبرد من الثلج، مكنتش شفتها في عينه قبل كده أبداً.
قرب مني بخطوات بطيئة، لحد ما بقى واقف قدامي مباشرة، ونزل رأسه لمستوايا وقال بنبرة واطية جداً بس كل كلمة فيها كانت بتنزل زي حجر ثقيل على صدري:
_ كنتِ هترفضيني؟.. ومش بتحبيني ومش هتعرفي تحبيني؟
هزيت رأسي بتحدي وزعل وأنا حابسة دموعي بالعافية:
_ أيوه! كنت هرفضك.. وأنا مش بحبك ومش هعرف أحبك يا صهيب، وما تفكرش إن عشان بقيت في بيتك يبقى خلاص بقيت بملكك أو إن الموقف بقى عادي بالنسبة لي! الموضوع مش عادي، وجوازنا مش عادي، وأنا كل يوم بصحي فيه هنا بحس إني محبوسة في سجن أنت بنيته بحنيتك المزيفة دي!
صهيب فضل باصصلي لثواني طويلة من غير ما يرمش، وقفت عينيه على تفاصيل وشي المنهك ودموعي، وبعدين هز رأسه بهدوء شديد.
_ تمام يا ليل.. تمام جداً.
أخد نفس طويل وطلع تليفونه ومفاتيح العربية من جيبه، وبصلي بابتسامة سخرية مريرة وكسرة داراها ورا جمود ملامحه:
_ أنا آسف إني فرضت نفسي عليكي، وآسف إني صدقت إن القلوب بتتصلح بالحنية. طالما شايفاني سجان وعايشة معايا غصب عنك ومغصوبة ومش هتحبيني.. يبقى أبشري، من النهاردة مش هتشوفي الحنية المزيفة دي تاني، ومش هفرض عليكي وجودي في المكان اللي أنتِ فيه.
لف وجهه وراح ناحية باب الشقة، مسك الإكرة ووقف ثانية من غير ما يلتفت لي، وقال بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر:
_ الهدوم والحاجة اللي جبناها تلزمك، والشقة دي شقتك لحد ما تشوفي عاوزة تعملي إيه في حياتك التعيسة دي.. عن إذنك.
فتح الباب وخرج وقفله وراه بهدوء يرعب، وسابني واقفة في نص الصالة لوحدي….
معرفش عدي قد إيه علي غيابه لأنه فعلا مبقاش يجي غير قليل أوي ويادوب يغير هدومه وميتكلمش ،مش عارفه يمكن أنا مضايقه بسبب كده ولا إنه مثل عليا وفيه واحدة في حياته وأنا مش هعرف أسأل عنها حتي لأنه مش حقي!
_ مش هتتغدي.
_ مش عاوز.
_ صُهيب… أنا أسفه علي كلامي بس….
مسك صهيب المفاتيح وبصلي ببرود وقسوة، وكأنه خلاص استسلم وما بقاش عنده طاقة يحاول تاني:
_ بس إيه يا ليل؟ بس آسفة على كلامك؟ لو فاكرة إن كلمتين اعتذار هيمسحوا كرهك لوجودي ورغبتك إنك تطرديني، تبقى غلطانة.. أنا نازل، وعند شغل مش هرجع غير متأخر، والأكل اللي عملتيه كُليه أنتِ بالهنا والشفا.
كان لسه بيلف ظهره ورايح يفتح باب الشقة، بس مقدرتش أستحمل خلاص.
جريت ناحية الباب ووقفت قدامه وأنا بهز رأسي ودموعي نازلة بانهيار، وصوتي طالع بالعافية ومخنوع بالعياط:
_ صهيب.. أرجوك استنى! ما تمشيش وأنت كده!
وقف مكانه ورفع حواجبه بذهول وهو بيبص لدموعي
وشكلي المنهار، بس فضلت ماسكة في دراعه بإيد بتترعش وأنا بمسح دموعي بالإيد التانية وبتنفس بصعوبة:
_ أنا آسفة.. أنا آسفة والله العظيم، بس والله أنا مش قادرة أستوعب! أنا مش عارفة أتأقلم ولا أعرف إزاي أتعامل مع الوضع الجديد ده!
صهيب اتنهد تنهيدة طويلة ومسك إيدي بالراحة ينزلها، وبصلي بقلة حيلة وقال بنبرة هادية بس جافة:
_ وضع جديد إيه يا ليل؟ أنا عملت إيه يضايقك كل ده؟
شهقت بالبكاء وقربت منه أكتر وأنا مش قادرة أخبّي أكتر من كده، ونزلت عيني الأرض وريقي ناشف:
_ صهيب.. أنا سمعتك!
عقد حواجبه باستغراب:
_ سمعتيني إيه؟
_ سمعتك وأنت بتتكلم في التليفون.. سمعتك وأنت بتقول: "خلاص بقى يا سارة لما نتقابل هعرفك كل حاجة"! ولمحت اسمها على تليفونك ومكتوب "سمسم"!
صهيب اتسمر مكانه ثانية، وعينيه اتسعت وهو بيبصلي بصدمة مش مصدق اللي بيسمعه.
كملت وأنا بعيط بهستيرية والدموع مغرقة وشي:
_ أنا معرفش عنك حاجة، ولا أعرف مين سارة دي ولا إيه حياتك قبلي! خفت.. خفت تكون بتحبها، خفت أكون أنا مجرد واجب أو شفقة أو مجبورة عليك وأنت مجبورة عليا، وتكون حنيتك دي كلها كلام وخلاص! أنا من ساعة ما جيت هنا وأنا حاسة برهبة، مش عارفة اتعامل مع فكرة إني بقيت زوجة وفيه حد مسؤول مني وبقى في حياتي فجأة! الخوف واللخبطة هما اللي خلوني أقول الكلام الغبي ده.. بس أنا مش بأكرهك يا صهيب، ولا شايفاك سجان، ولا فيه حد جابرني أكون معاك دلوقتِ إلا إني فعلاً خايفة أضيعك بأسلوبي ده!
مسح صهيب دموعي ببطء، وكان باين في عينيه حنان طالع من وسط زعل هادي.. اتنهد وقال بصوت حاسم بس مليان دفا:
_ تمام يا ليل.. طالما موضوع سارة ده هو اللي عامل كل اللخبطة والخوف ده في دماغك، يبقى الكلام هنا مش هينفع.
بصيت له باستغراب وأنا بمسح وشي وإيدي بتترعش:
_ نروح فين يا صهيب في الوقت ده؟!
مسك إيدي وشدني بالراحة ناحية الأوضة وقال:
_ ادخلي البسي عبايتك وطرحتك حالاً.. هننزل نروح لـ "سارة"، وهناك هتسمعي وتشوفِ بنفسك، عشان الشك ده ينتهي خالص ونبدأ على نظافة.
بلعت ريقي بكسوف ورجعت خطوة لورا:
_ صهيب خلاص والله أنا مش…
قاطعني وقال بصوت جاد :
_ لأ مش بمزاجك.. أنتِ اتهمتيني وعشتِ ليلة نكد كاملة، يبقى لازم ترتاحي وتتأكدي بنفسك إن مفيش حد في حياتي غيرك.. يلا، قدامك خمس دقائق.
دخلت الأوضة وأنا وشي بيولع من الكسوف. لبست بسرعة ونزلنا، وطول الطريق كان ماسك إيدي بهدوء وبيسوق بإيده التانية وكأنه بيطمني.
بعد ربع ساعة، وصلنا لعمارة قديمة في منطقة هادية، طلعنا السلم ووقفنا قدام باب شقة، ورن صهيب الجرس.
ثواني والباب اتفتح.. خرجت ست كبيرة في السن، ملامحها هادية وطيبة جداً وفيها شبه من صهيب. أول ما شافته عينيها لمعت بفرحة وقالت بلهفة:
_ صهيب حبيبي! يا دي النور.. خطوة عزيزة يا بني!
صهيب باس رأسها وإيدها بكل حب واحترام، وبعدين بصلي وابتسم، وقال وهو بيشاور عليها:
_ دي "سارة".. خالتي، وأحن واحدة عليا.
الست الكبيرة بصتلي بابتسامة دافية أخدت قلبي، وقربت مني حضنتني بحب:
_ أهلاً أهلاً بليل.. العروسة القمر اللي صهيب مش بيكف كلام عنها! ادخلوا يا حبيبتي الشقة نورت.
دخلنا قعدنا في الصالة البسيطة، وصهيب قعد قصادنا، وبصلي بنبرة هادية عشان يفهم الموقف كله بوضوح:
_ خالتي سارة.. أنا مسميها "سمسم" من صغري، وهي
القريبة مني وبحب أروح لها وأخد رأيها في كل حاجة.. ولأن فيه زعل بينها وبين أمي ومش بيكلموا بعض، أنا الوحيد اللي بفضل أروح لها وبتردد عليها عشان مفيش حاجة تقطع بري بيها.
سارة ابتسمت بأسى خفيف لما جاب سيرة أختها، وبعدين مسكت إيدي وطبطبت عليا وقالت بصوت حنون:
_ صهيب ده ابن عمري يا ليل.. وكان جايلي قبل كتب الكتاب بيحكيلي عنك وعن فرحته بيكي، وكان بيطلب مني أدعيلكم وإن ربنا يجعلك العوض والأمان ليه.
في اللحظة دي، حسيت بنار الخجل والندم بتاكل فيا.. نزلت رأسي للأرض ومش قادرة أرفع عيني في عين صهيب، ودموعي نزلت ببطء بس المرة دي كانت دموع كسوف وارتياح.
قرب صهيب وقعد جنبي، ومسك إيدي تحت نظر خالته وابتسم وقال بنبرة مليانة أمان.
_ ها يا ليل؟ عرفتِ مين "سمسم" اللي كنتِ خايفة منها وجايبة لنفسك النكد بسببها؟
ابتسمت من وسط دموعي وهزيت رأسي بكسوف، وشدّيت على إيده بالراحة وأنا بتمنى من قلبي إن الخوف ده ما يخلينيش أظلمه تاني
