رواية يوسف وليلي الفصل الرابع4والاخيربقلم اميرة عمرو


رواية يوسف وليلي الفصل الرابع4والاخيربقلم اميرة عمرو

_ أَنـا جايلي عريس .
 
_نَعـــــــــــــم !.
 
صوت "يوسف" الغاضب دَوى في المكان زي ما يكون زلزال ، الكُل التفت لُه بصدمة مِن غَضبه الغير مُبرر ..
 
بَصينا لِيه بتعجُب و دَهشة لأَنه أَول مرة يعطي رَد فعل على حاجة بتحصل ، دايمًا هادي و بارد ، على ما يبدو إِن الغُربة حركت فيه مشاعر البني آم الطبيعية .
 
_عَريس إِزاي يعني ، في قاموس مِين ده ؟.
 
اتكلمت "غادة" بضيق وغِيرة مِن اهتمامهُ بيا و بموضوع العريس:
 
_وأَنتَ مالك يا "يوسف" دي حياتها وهِي حُرة فِيها .
 
_اسكُتي و متدخليش في اللي ملكيش فِيه .
 
رَد "يوسف" عليها خلاني مِن جوايا شمتانة فِيها بصراحة ، يعجبني الزمن حين يدور ، بَصلي بغضب وكَأن في بينا حاجة باستثناء الحادثة القديمة بتاعة عيد ميلادي فَـ هُو لاء ، لَف ليا ووشه إحمر مِن كُتر الانفعال والغضب وهو بيزعق بعصبية شديدة:
 
_عايز أَفهم عريس إِيه اللي جايلك هو اتعمى في عينه عشان يسيب الكل ويمسك فيكي أنتِ .
 
صَدمتي كانت لا تقل عن صَدمة الكل في اللي بيحصل ، مَحدش كان متوقع رد الفعل العَنيف مِن "يوسف" دَه ، اتمالكت نفسي مِن الخوف و رديت ببرود:
 
_والله دي حياتي وأَنا حُرة فيها و أختار اللي يناسبني وزي ما قالت غادة الحربوقة دي حياتي أَنا .
 
_بت متخلنيش أَتغابي عليكِ .
 
هِنا اتدخل عمو "سلطان" الراعي الرَّسمي لقصتنا الفاشلة و بصله بتحذير :
 
_إهدأ يا "يوسف" خلينا نسمعها هتقول إيه ؟
 
بعدين وَجه كلامه لِيا و مافتش عليا نَظرة الحُزن اللي في عنيه:
 
_ها يا "ليلى" إيه حوار العريس ده .
 
جَلس "يوسف" الغاضب مكانه و قال:
 
_واتعرفت عليه فين عشان يكلمها هِي .
 
بابا كان قاعد ماسك نَفسه مِن الضحك زي ما يكون بيتابع مُسلسل كوميدي ، أَحيانًا بشك إِني بنت "عمو سلطان" مِن كتر ما بيهتم بيا و بيعزني أَكتر مِن عِياله المجانين زي ما بيقول ، مِش تقليل مِن بابا على قد ما كلنا اتعودنا نلجأ لعمو بحُكم إِنه الأكبر في الكُبار فبقينا نروحله هو الأول ..
 
دَه ميمنعش إِن رَأي بابا الأَهم بالنسبالي ، فِي حين اتكلم عمو بحدة:
 
_يا ابني إهدأ ومتبقاش عَصبي ، خليك تلاجة زي زمان .
 
وهِنا سَألني "بابا" بكل هدوء و حِنية دايمًا بلاقيها في صوته:
 
_اتكلمي يا "ليلى" .
 
_هو يبقى زميلي في الكلية يا بابا ، و شاب محترم و حقيقي مِن أَكتر الناس اللي ساندتني في دراستي ومفيش بينا أَي حاجة غير كده عشان التفكير الغلط بس وهو لما حب إِن الموضوع يبقى فيه ارتباط دخل البيت من بابه و اتقدملي .
 
_خلاص يبقى يجيب باباه ويشرفونا بعد بكره بلغيه بده .
 
بابا دايمًا شخص هادي ، مِش بيحب الانفعال والغضب ، طيب قوى لدرجة إِن الكل أَوقات بيستعجب مِن طيبته ، ابتَسملي وهو بيشجعني على قراراتي و بيتقبلها مهما كانت ، دي حياتي و دي تجربتي أَنا وهو عليه النَّصيحة و الإرشاد و بيحميني لو حَس بأي خطر بيقرب مِني .
 
_حاضر يا بابا .
 
وتأتي الرَّياح بما لا تشتهيهِ السَّفُن ، انتفض الثور الهَائج "الثلاجة سابقًا" وهو بيبصلي بتوعد و تهديد أَنا شخصيًا خُوفت مِنه:
 
_ده على جُثتي إِن الجوازة دي تتم ، ابقي قابليني لو الحوار ده تم يا "ليلى" يا بنت "خالد".
 
خَلص كلامه و مَشى و ساب البيت كُله وسط دهشتنا كلنا منه ، اتكلمت بنبرة مَذهولة:
 
_ماله ده ؟.
 
رَد عليا عمو "سلطان" باستغراب هو كمان:
 
_أَنا مش عارف أَلمانيا عملت إيه في الواد التلاجة ده وخليته بُركان .
 
___________________ 
 
تاني يوم اتفقت مَع "إيمان" صاحبتي و "فرح" أُخت "يوسف" عشان نروح المول نشتري مِنه الفستان اللي هَلبسه في الليلة اللي هيتقدم فيها "مروان" ، كانوا البنات مُتحمسين وأَنا كمان ، الحياة مبتوقفش على حد وأَنا قررت أَختار نصيبي بالعقل ، مِش هلتفت للماضي بالعكس هبص لقُدام ـ هَشتري سعادتي و راحتي بدل الألم ..
 
كُنا تلاتنا واقفين في المول قُدام محل الفساتين اللي هَنشتري مِنه ، دَخلنا المحل واخترنا أكتر من فستان عجبوني و دخلت البروفة ولبست أَول وحد ، كان لذيذ بس في نفس الوقت مِش الواو يعني ، خرجت للبنات اللي كانوا مستنيين برا وقولتلهم:
 
_إِيه رَأيكم ؟.
 
وجاني الرد بصوت رجولي :
 
_وِحشِ.
 
شهقت بصدمة والتفت لاقيته "يوسف" واقف بكل برود جنب البنات بيقيم الفُستان بكل بجاحة ..
 
بصيت لُه بغضب وقولت:
 
_أَنتَ إيه اللي جابك هِنا ؟.
 
ابتسم لِيا بسَماجة وقال:
 
_جاي أَساعدك تختاري الفستان اللي هتقابلي بيه المرحوم عَريس الغَفلة .
 
أَنا عَارفة و مُتأكدة إِنه مِش ناوي على خِير :
 
_وأَنا مش محتاجة خدماتك شُكرًا اتفضل مِن هنا بقا .
 
ولما لاقيته واقف ومَعندوش أَي استعداد يتحرك التفت لـ "فرح" وسألتها بانفعال :
 
_أَنتِ اللي عَرفتيه مكاننا صح !
 
فِي ذات اللحظة سَألت "إيمان" الوحيدة اللي متعرفش "يوسف" وهِي بتشاور عليه:
 
_مِين ده ؟
 
جَاوبت "فرح" بصوت مُتلعثم و عيون كُلها خوف:
 
_والله مَا ليا ذنب ، أَول ما عرف إن أَنا هاجي معاكي نختار الفستان صمم يعرف المكان وهددني إني لو مقولتش ليه على العنوان مش هيخليني آجي .
 
_تقومي تقوليله فيقرفني أَنا صح .
 
ابتسمت ليا بـتوتر و بنبرة مُرتبكة قالت:
 
_مالك قافشة كده ليه ، ده "يوسف" مِش حد غريب .
 
_مَا المُصيبة إِنه "يوسف" ، اسكتي يا "فرح" الله يخليكي .
 
فَقدت الأمل إِنه يمشي مِن المكان وأَنا مش هضيع وقتي في خِناق معاه ، أَنا مش عارفة هُو بيعمل كده ليه ؟ ، زَمان مكنش بيطيق وجودي ، إِيه اللي اتغير بقا .
 
وَلأنه جاي و مِخطط يهدم فرحتي و يعكنن عليا ابن عمو "سلطان" كانت هُو اللي بيرد و بيقول رأيه في الفَساتين و البنات اكتفوا بالصمت .
 
والغريب إِنه ردوده كُلها كانت مُستفزة على أَكتر الفستاين الجميلة واللي عجبتني .
 
_لونه فاقع
 
_مفيش لون فُحلقي منه
 
_ضيق
 
_الكُمام شفافة
 
_يع إِيه القرف ده ، غيريه .
 
_أَبيض هتلبسيله أَبيض ، ليه كان كتب كتاب بعيد الشر .
 
_زِفت يا "ليلى" .
 
وِصلت لآخر درجات التحمل من استفزازه ، هُو عايز إيه بجد ؟ ، ولأني شخصية عَنيدة بطبعي اتمسكت بآخر فستان قيسته رغم عدم اقتناعي بيه تمامًا إلا إِنه كان ماشي حاله و بسيط نوعًا ما .
 
_أَنا هاخد ده ، عاجبك مش عاجبك هاخد ده ، أَنتَ بتدخل في حياتي لِيه ، أَنتَ مالك .
 
اتكلمت مَعاه بانفعال شديد ، هيجبلي الضغط ببروده ده ، خاصة لما رد بابتسامة مُستفزة:
 
_أَنتِ اللي ابتديتي مِن زمان في عيد ميلادك التامن فاكرة والا أَفكرك .
 
اتنهدت بانفعال مكتوم وقولت وانا بكز على أسناني بغيظ:
 
_فاكرة ، يادي الذل مكنتش كلمة دي اللي هتذل بيها طول عمري .
 
حَطيت الفُستان على الترابيزة قدام موظفة الكاشير والتفت لُه وقولت بغضب:
 
_اسمع بقا عشان أَنا جِبت أخري مِنك ، أَنا مرتاحة ليه وموافقة عليه .
 
كان باين في عيونه الاستمتاع بانفعالي وغيظي ، مال برأسه شوية بسبب فرق الطول ما بينا واتكلم بهدوء:
 
_وده على جثتي يا "ليلى" و يا أنا يا أنتِ .
 
بَعدها حاسب الموظفة وأخد الفُستان ومشي قدامنا ، أَما احنا فكنا ماشيين وراه ، اتكلمت "إيمان" اللي كانت بتضحك على مُناقرتنا وقالت:
 
_تصدقي إِنه دمه خفيف ما توافقي عليه يا "ليلى" .
 
استنكرت اللي قالتهُ ومكنش عاجبني:
 
_دَمه خفيف ! حقك تقولي كده ما أنتِ محضرتيش أَيام ما كان تلاجة .
 
كان بيصفر باستمتاع صفارة الانتصار وقتها أَدركت اللعبة اللي عملها وإِنه خلاني أَختار أَوحش فستان من الفستاين اللي في المحل فكزيت على سناني وأنا بقول:
 
_يا ابن المجانين ، سوري يا فروح .
 
و"فرح" ردت وهي بتضحك عليا:
 
_عادي ولا يهمك .
 
_________________________________
 
_العريس إتأخر يا "ليلى" .
 
كُنت واقفة مرتبكة وانا قابضة على ايدي بخوف و قلق ، "مروان" كان مكلمني من ساعة بالظبط وقال إِنه في الطريق ومعاه باباه و مامتهُ وهو مش بيرد ..
 
واللي زاد الطين بَلة سؤال بابا ليا ، الكُل موجود أُسرتنا و أسرة عمو "سلطان" كمان ومفيش حد جيه ، رديت عليه وأَنا واقفة في مكاني عند الشباك عيني على الطريق لعل وعسى ألمحه داخل علينا :
 
_مِش عارفة يا بابا في إيه ، من آخر مرة كلمني فيها وانا بتصل بيه مبيردش .
 
و عمو "سلطان" اللي كان جالس و أكله الملل وحاطط إيده على خده قال:
 
_عايزين ننام يا بنتي ورانا مصالح بكره مش فاضيين .
 
اتنهدت بإحراج وأنا جوايا مئة سؤال إيه اللي أخرك يا "مروان" ؟ بمتنى ميحرجنيش وسط عيلتي ..
 
انتفضت في وقفتي على صوت رنة تليفوني ، لقيت المُتصل "مروان" فاتنهدت براحة وابتسمت بأمل وأَنا برد عليه:
 
_ثواني يا أونكل هو بيتصل أهوه ، ألو يا مروان أنتَ فين ، كل ده في الطريق ؟.. ظرف إيه اللي حصل .. جدك مات .. إذا كان جدك ميت من سنتين ، قول إنك بتخلع من الحوار .. مش عايز تعرفني ويتقطع علاقتك بيا .. طب سلام يا مروان وأنا اللي مش عايزة أعرفك تاني .
 
اتبدلت ملامحي من السعادة للغضب ثم الحزن ، أَول مرة أتعرض للموقف المحرج ده ، ليه مكتوبلي كده ، وأنا اللي قولت إن الدنيا ابتدت تضحك ليا ..
 
قعدت على الكرسي والكل بيواسيني بعبارات مواساة أغلبها شتيمة في "مروان" اللي يستاهل أكتر من كده كمان ..
 
صوت جرس الباب قطع لحظات المواساة ، اتمنيت يكون "مروان" ويكون مقلب منه لكن لما "فرح" فتحت الباب لاقيناه "يوسف" اللي داخل البيت مُبتسم بسعادة وانشكاح شديدين ..
 
دَه أول واحد هيشمت فِيا أول ما يعرف اللي حصل أكيد ..
 
نَظر لينا بدهشة من جلستنا الكئيبة اللي لا تدل على أي فرح نهائي وسأل باستغراب:
 
_متجمعين عند النبي إن شاء الله ، مالكم لاويين بوزكم كده ليه ، العريس مجاش وخلع والا إيه ؟.
 
رَديت عليه بصوت مليئ بالشك لأنه الوحيد اللي رافض حوار دَه وكمان الوحيد اللي مكنش موجود وقت العريس اللي مجاش ، الشك ابتدأ يتوغل جوايا وأنا بسأله:
 
_وأنتَ عرفت منين ؟
 
راقص حاجبيه وهو بيرد بشماتة واضحة و استفزاز:
 
_إِحساسي يا ليلى.
 
انتفضت من مكاني وانا بصرخ فِيه قدام الكل بانفعال صريح ، مش مكفيه الفستان الزفت اللي خلاني جِبته لاء ده كمان طفشلي العريس:
 
_طفشتلي العريس يا "يوسف" وارتحت .
 
أشار بالسبابة على نفسه وهو بيتكلم بحُزن ونبرة براءة مُصطنعة:
 
_أَنـا يا "ليلى" ، إِن بعض الظن إثم يا بنتي .
 
_لا والله !
 
أومأ برأسه ليا وفِي نَفس ذات اللحظة رن تليفونه ورد :
 
_آلو أيوة شباب .. العريس مجاش .. عاش يا رجالة المهمة تمت و طِفش .
 
قَفل المُكالمة وهو بيسترخي في قعدته بكل برود ، ده بيكيد فِيا قدامهم و بيعرفني إِنه السبب ..
 
الكل جري عَليا ومسكوني قبل ما أتهور وكل اللي على لِسانهم :
 
_إهدئي يا "ليلى" ..
 
لَكن أنا كنت وصلت لأقصي مراحل الغضب ، وأنا بصرخ بغضب و بفك نفسي من إيدهم :
 
_هَموتك يا "يوسف" ..
 
ومسكت أول حاجة قابلتني الفازة و أنا مقررة أدشدشها على دِماغه ، وهو لاحظ ده وهَب من مكانه يجري و أنا وراه :
 
_يا بنت المجانين .
 
الكل خد ركن بيتفرجوا على المُطاردة وبيضحكوا علينا وده زاد مِن غضبي وأنا ببصلهم بغضب:
 
_أنتم مبسوطين باللي عمله ده ، ده طفشلي العريس .
 
وكان الرد مِن عمو "سلطان" اللي كان باين عليه الفخر:
 
_عاش يالا تربيتي ..
 
و "يوسف" زي ما يكون صدق ووقف مكانه وقال:
 
_بتدوري على عريس و أنا موجود يا "ليلي" إخص عليكِ ، شوف بنتك يا عمي "خالد" وعقلها .
 
مَدرتش بنفسي غير وانا برمي الفازة عليه وعلى آخر لحظة تفاداها وهو بيقول بذهول:
 
_يا مجنونـة ..
 
دَخلت أوضتي ورزعت الباب ورايا ودَه كان إعلان بالحرب بينا لأن اللي جاي عليك يا "يوسف" هيكون سواد ، الصــــبر ..
 
_________________________ 
 
كانت الفترة اللي بعد الليلة دي عِبارة عن مُناقرات بينا ، كان ما بيصدق تيجي الفرصة اللي يستفزني بيها وأنا أكيد مش بسكت لُه ، على رأي ماما حطوا البنزين جنب النار فقامت حريقة ..
 
نَاهيك عَن "مروان" الجبان اللي جِيه يعتذر مني و يطلب يحدد معاد تاني لكن أَنا رفضت ، اللي يخاف و يستغنى مَرة هيعملها مَرة تانية و يضحي بيا .
 
أَينعم كُله بسبب "يوسف" اللي استناه هو و صحابه وهددوه بس كان يقدر يقاوم لأن مهما حصل "يوسف" عمره ما كان شخص مُؤذي ، كانت حركة بايخة عاملها عَشان يمشيه .
 
والحمدلله إن الموضوع ماتمش لأني كُنت هَظلم نفسي بالارتباط دَه ..
 
كُنت قاعدة على السطح ، فوق المُرجيحة بتاعتي ، بفتكر ذكريات كتيرة ، مِنها السعيدة و مِنها المؤلم و بيوجع قلبي ..
 
وفِي عِز سرحاني حسيت بإيد بتمسك الحِبال اللي متوصلة بالأرجوحة ، انتفضت بخضة وكُنت لسه هتحرك لكن صوته جِيه يطمني و يهديني وهو بيقول:
 
_أَنـا "يوسف" يا "ليلى" متخافيش .
 
استكنت في مكاني وأنا بتنهد براحة ، حاجة جوايا خلتني أستمتع باللحظة ..
 
افتكرت زمان لما كنت بَجبره إِنه يعمل كده لكن الفرق إِن المرة دي مكنش بطلب مني ولا جات بِـ زَن .
 
وفضولي اتحكم فِيا عَشان كده سألتهُ:
 
_إِيه اللي حصل ، زمان كنت بتكره تزقني وأَنا ركباها ، ايه اللي اتغير ؟
 
و رَدهُ عليا كان غريب جِدًا شبههُ كِده:
 
_عَشان زمان كانت رغبة "ليلى" إِنما المرة دي رغبتي أنا .
 
هَمهمت بتفهم و قررت استمتع بتفاصيل اللحظة اللي بعيشها ، عَشان مش ضامنة ممكن تتكرر تاني وإلا لاء ..
 
وفِي وسط كل ده اتكلم "يوسف" بصوت مبحوح كأنه بيقاوم غصة حزينة جواه:
 
_ليه خلتيهم يخبوا عني موضوع مرضك يا "ليلى" ..؟
 
اتفاجئت مِن سؤاله ، وعادت ذاكرتي للسنة الكاملة اللي عيشتها بين أروقة المستشفى ، بتعالج مِن السرطان ووقتها قررت إِنهم يخبوا عليه و ميقولوش ليه حاجة ..
 
_كان هيفرق في إيه ؟
 
قُلتها بوش شاحب حزين فَرد عليا بتنهيدة:
 
_كان هيفرق كتير ..
 
رَفعت حاجبي باستنكار و أَنا بلتفت لُه بوشي نصف استدارة و رغبة شيطانية إِني أَحاصره في السؤال فاتكلمت:
 
_كنت هتسيب شغلك عشاني ..!!
 
و "يوسف" ابتسَم لِيا وهو بيبص في عيوني و قال:
 
_أَسيب الدنيا كلها علشانك يا "ليلى" ..
 
اتفاجئت ، و ارتبكت ، و غَزى الإحمرار خدودي ، مِش عارفة لِيه في لحظة قررت أمحي الارتباك ده بالغضب وأَنا بقول:
 
_إيه اللي رجعك فجأة يا "يوسف" ؟
 
_رِجعت عشانك يا "ليلى"..
 
هَزيت رأسي باستهزاء ، "يوسف"ده كائن غريب ، غِير متوقع تمامًا ، شاطر في التغفيل و المُفاجئة وأَنا تعبت من تقلباته دي فسألته بصوت حاد:
 
_عشاني ! طب و "غادة" على حد عِلمي إنكم مرتبطين .
 
بَان الاستغراب و التفاجئ على وِش "يوسف" اللي اتكلم برزانة:
 
_مِين قال الكلام ده ، لاء طبعًا مفيش بينا حاجة ، لو قصدك لما سافرت شهر سياحة ألمانيا و قابلتها هناك فكان عشان هِي بنت في بلد غريبة و بحُكم إني راجل يستحيل أسيب بنت عمي لوحدها ..
 
_بس هِي قالت عكس كده .
 
قررت أَستفسر مِنه أكتر ، إِزاي هِي تقول كلام وهو ينفيه:
 
_هِي تقول لكن أنا مقولتش .
 
_طب ما أنا قولت زمان و بتعايرني بيه لحد النهاردة .
 
ابتسم لِيا "يوسف" ابتسامتهُ الجذابة و رَد عليا:
 
_عشان أنتِ غير يا "ليلى" ..
 
كُنت خلاص فَاض بيا مِن اللف و الدوران ، مِنين كان بيهرب مني و مش طايق وجودي زمان ، ومنين دلوقت بيجري ورايا و بيقول كلام حلو و رافض ارتباطي بغيره :
 
_عايز إيه يا "يوسف" وإيه اللي رجعك وليه بتدخل في حياتي بالشكل ده ؟
 
رَد باختصار وهو بيسيب الحبل و بيتحرك من ورايا ويقف قدامي وأنا جالسة على المُرجيحة:
 
_أنا رجعت عشانك .
 
_كداب ، ده مجرد شفقة بس عشان عرفت بموضوع مرضي .
 
قُلتها باهتياج فَـهز رأسه بنفي وأكد على كل كلمة قالها من شوية:
 
_صدقيني لو كنت عرفت في وقتها كنت سيبت كل حاجة عشانك ، أَنتِ الأهم بالنسبالي يا "ليلى" ..
 
في اللحظة دي انهرت و تراكمات السنتين اللي فاتوا من وقت ما اكتشفت مرضي وأنا بقاوم و بحارب لوحدي ، العيلة كلها وقفت جمبي لكنه الدعم مِنه هو بالذات غير ..
 
دفنت وشي في كفوف إيدي وبكيت وأنا بقول بغصة مريرة:
 
_كانت فترة صعبة ، كان بيني و بين الموت شعرة ، العلاج الكيماوي مؤلم و شعري وقع وكل حاجة في حياتي اتدمرت ..
 
وهُو انهار لـ إنهياري فجلس على ركبته قدامي وقال:
 
_أنا أسف .
 
رفعت عيوني اللي احمرت من البُكاء و بصيتله بدهشة:
 
_بتعتذر ليه وأنتَ ذنبك إيه ؟.
 
وكان رَده بصوت مَليان وَجع ، إِني كنت بتألم وهو مِش يعرف ، بصيتله بذهول وأَنا بسمعه بيقول:
 
_لأني مكنتش معاكي وعيشتي الألم ده لوحدك ، تعرفي إنك قوية عشان عديتي كل ده و خرجتي منه و بتكملي لسه أحلامك .
 
_بس أنا اتغيرت .
 
_يمكن الكل شايفك اتغيرتي بس أَنا لسه شايف فيكي "ليلى" بتاعة زمان اللي شقاوتها وتنطيطتها مالي المكان ، نقول عقلتي ، نضجتي ، لكن اتغيرتي فـ لاء ، لسه زي ما أنتِ روحك جميلة .
 
اتفاجئت مِن كلامه ، هُو إزاي قادر يفهم دواخلي بالشكل ده ، كأنه بيقرأني ، وكأن روحي شفافة قدامه زي لوح الإزاز كده ..
 
اتنهدت و بلعت غصة البكاء واستبدلتها بالدبش و الفظاظة بتوعي وقُلت:
_أنتَ عمال تقول كلام حلو مِن الصبح ، خير اللهم اجعله خير ، أنتَ اتخبطت في نافوخك مع العلم الفازة مجاتش فيك ، أنتَ بتخطط لإيه شكله مقلب.
 
ضِحك على كلامي وهو بيهز رأسه بيأس مِني و اتكلم بهدوء:
 
_ولا مقلب ولا نيلة ، كل الحكاية إني قررت أتكلم و اعترفلك باللي جوايا ، سكوتي كان هيخليني أخسرك ، كل ما أتخيل إني كنت هخسرك مرتين الأولى لما لما مرضتي ومحدش قالي و خوضتي رحلة المرض وأنا مش معاكي ، والتانية عريس الغَبرة فمعنديش استعداد يبقوا تلاتة .
 
اتسعت عيوني بصدمة مِن كلامه ، كأنه مسابش مصر وعاش برا سنين:
 
_غَبرة ! أنتَ كنت في المنيا والا ألمانيا .
 
ذم شفافيه و كز على أسنانه بضيق وهو بيقول:
 
_وده هيفرق يعني ! المهم خليني اعترفلك بقا ونخلص قبل ما اتراجع في كلامي و التزم الصمت .
 
_اتفضل قول .
 
أَخد نفس عميق و زَفره على مهلٍ وباح بكُل اللي جواه :
 
_تعرفي زمان في الليلة اللي قبل سفري ، الكل كان حواليا بيتكلموا و يرغوا ، مُكنتش منتظر ده بالتحديد منهم ، كانت عيني عليكي وأَنتِ قاعدة بعيد في ركن لوحدك ،عيني متشالتش من عليكي ، مستنيكي تقربي و ترخمي ، أَنتِ أكتر حد كنت بتمنى وجوده يومها و في النهاية وأَنتِ ماشية أَلاقيكي بتقوليلي "مع السلامة يا يوسف ، تروح و ترجع بالسلامة" أَنا عِيشت على الجملة دي سبع سنين على أَمل إِني أَرجع و أَتجوزك .
 
اندهشت و ارتبكت مشاعري ، قلبي زادت نبضاته و رغم كده عقلي اللي اتحكم فيا وسألته:
 
_بس أَنتَ عمرك ما قولت إِنك موافق !
 
_عَشان حظك وقع في بني آدم حمار مبيعرفش يعبر عَن اللي جواه .
 
ضِحكت عليه و أكدت على اللي قاله:
 
_كويس إِنك بتعترف إِنك حمار و غَبي كمان .
 
بَصلي بعيونه الحلوين بحدة رافض مُعايرتي ، مِش مهم خليه يدوق شوية مِن معايرة سنين عيشتها بسبب قلبي اللي حبه و لِساني المتبري مِني فقال:
 
_مِش معنى إِني في لحظة ضعف نادرة و بعترفلك بمشاعري يبقى هَسمحلك تذليني !.
 
_كمل يا "يوسف".
 
بَصلي بخُبث وقال:
 
_أَكمل إِيه؟.
 
بيحب اللعب و أَنا وَقحة مبحبش اللف و الدوران ، بحب أكون واضحة طول الوقت:
 
_مِن امتى وأَنتَ بتحبني ؟.
 
اعتدل في جلسته و قام وقف قصادي وقال بصوت رخيم:
 
_مِن وقت ما وعيت على الدنيا واكتشفت إِن فيها حاجة حِلوة اسمها "ليلى" ..
 
_بس أَفعالك كانت بتقول عكس ده !
 
_أنـا شخص كتوم يا "ليلى" بعرف أخبي مشاعري كويس و ده أكبر عيب فيا ، كُنت طفل شايفها لعبة حلوة ، رفضي بيخليكي تقربي و تكوني حواليا طول الوقت وده اللي كنت عايزه ، أبان شرير صح .
 
هَزيت رأسي بتأكيد:
 
_أوي كمان .
 
حَط إيده في جيوبه و أخرج مِنها مِنها سلسلة دهب على شكل فراشة جميلة ومد إيده بيها ليا وقال بحنو:
 
_تعرفي إن النهاردة هيكون فات على اعترافك 14 سنة ، كل سنة وأنتِ طيبة يا "ليلى" .
 
لَمعت عيوني مِش للهدية قد ما هو فاكر يوم ميلادي :
 
_أنتَ فاكر عيد ميلادي .
 
_أنا الوحيد اللي فاكره ومحدش افتكرك بحاجة .
 
قالها بثقة في ذات اللحظة اللي أونكل "سلطان" طل برأسه من الباب وصاح بحدة:
 
_يا ابن الغدارة كلنا فاكرين ، دي جزاتي إني سايبك تتلزق بقالي ساعة .
 
وقفت بخضة من صوت أونكل وبصيت لـ "يوسف" بارتباك وانا بسأله بصوت مرتجف:
 
_هما هنا ؟
.
ومأ برأسه لِيا وأجاب وهو بيحط السلسلة في إيدي بسخرية:
 
_أيوة ، فكراني هقعد معاكي هنا كده لوحدينا ، جبت أبويا يقف على الباب تحسبًا لأي غدر منهم .
 
دَخل أونكل "سلطان" والكل وراه وهو بيتكلم بغيظ:
 
_وتقوم تغدر بيا أنا يا كلب ، بت يا "ليلى" سيبك منه وهجوزك الأحسن منه .
 
ضحكت وأنا بوافق على كلامه عشان أغيظ "يوسف" :
 
_وأنا موافقة يا أونكل .
 
اتحرك "يوسف" ووقف جمبي وبص لباباه برجاء وقال:
 
_سماح المرادي أنا ما صدقت لانت .
 
بصله أونكل باستيعلاء و غرور وبعدين اتكلم بعنجهية:
 
_طيب .
 
انهالت عليا المباركات و التمنيات بعيد ميلادي اللي كان أجمل عيد ميلاد بالنسبالي ..
 
كِفاية اعتراف "يوسف" ليا و اللي أظهر مشاعره مرة واحدة..
 
وفي وسط كُل ده مَال "يوسف" عليا واتكلم بابتسامة جذابة:
 
_بقولك ..
 
_إمممم..
 
_ما تصلحي غلطتك و تتجوزيني .
 
بصتله بحاجب مرفوع وبحدة قُلت:
 
_والله ..
 
ضحك على عصبيتي واعترف لي بصوته الرجولي الفخم:
 
_أَنـا بحبك .
 
ولأني شخصية غريبة و عَنيدة ، انتقمت منه على إغاظتي بإني دوست على رجليه بقوة و بعدين رَديت بصوت ناعم:
 
_وأَنـا كمان بحبك و موافقة .
 
_عَنيفة أوي أنتِ يا "ليلى" بس مش مشكلة ، أَنا بحبك .
 
وصوت تصفير الكل من ورانا كان بيكمل لحظة الاعتراف ، وابتسامة كبيرة ومشاعر صادقة مننا أَنهت حدوتنا الجميلة ..يمكن النهايات الجميلة دايما ليها سِحر ودي كانت نهاية قِصتنا إننا بقينا لـبعض أخيرًا ...

                     تمت
تعليقات



<>