رواية سراب الفصل الرابع4والاخيربقلم يارا علاء الدين
مكنتش أعرف إني كان مستنيني سر كبير أنا مش أده!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسكت الورقة اللي كانت مكتوبة بخط كريم واللي كان فيها:
أنا مش عارف هتشوفي الورقة دي في يوم من الأيام ولا لأ, بس لو لقيتيها.. اوعديني متقريهاش إلا وانتِ مستعدة تماماً لمواجهة كل حاجة."
فتحت الظرف وإيدي بتترعش كان جواه ورقة مطوية.. وصورة فوتوغرافية صغيرة. بصيت للصورة الأول..
كانت صورة لسليم.. نايم في الكرسي الخلفي بتاع العربية، لابس الطقم الأزرق الشتوي بتاعه اللي بحبه، وحاضن دبدوبه الصغير,أما الورقة.. فكانت رسالة طويلة بخط إيد كريم:
"ندى.. حبيبتي ونور عيني..
لو إنتِ بتقري الكلام ده دلوقتي، فغالبًا أنا فشلت أواجهك بالحقيقة في وشك، أو يمكن مكنش من حقي أصلاً. لكن كان لازم أقولك الحقيقة كاملة من غير تجميل.
لازم تعرفي إن الحادثة مكنتش بسبب سرعتي ولا بسبب غلطة مني زي ما قولتلك وزي ما التقرير اتقفل..
يومها يا ندى.. كنتي إنتي اللي بتسوقي العربية مش أنا! إنتِ اللي صممتي تسوقي وتجربي العربية الجديدة وخصوصا إن سليم كان نايم ورا.
بس إنتِ ماكنتيش قاصدة طبعاً إن ده يحصل، كل حاجة حصلت في ثانية واحدة وغصب عنك وعني.. سليم صحي فجأة وصرخ، فإنتِ لفيتي ضهرك تلقائي, بصة واحدة لورا عشان تطمنيه وتعدليله اللعبة.. وفي اللحظة دي العربية انحرفت منا والدريكسيون لف في إيدك، وكل حاجة اتغيرت للأبد!
لما فوقنا في المستشفى بعد الحادثة، كان عندنا كسور بس ساعتها عرفنا إن سليم مات.. وإنتِ دخلتي في انهيار عصبي كامل.
وفضلتي تصرخي وتضربي راسك في الحيطة وتقولي:
أنا قـ.ــتلته! أنا قــ.ـتلت ابني! أنا السبب!
الدكتور النفسي اللي تابع معاكي بعد الحادثة: قال إن عقلك مش قادر يتحمل حجم الذنب القاتـ.ــل ده، ودخل في حالة إنكار مسحت الحادثة بالكامل من ذاكرتك لحمايتك من الانتحار.
وأنا.. أنا الجبان يا ندى.. أنا اللي قررت أساعد عقلك يهرب ويغرق في النسيان! كدبت عليكي.. وزودتلك الدوا أكتر من اللازم عشان يفضل عقلك ناسي.
كنت جبان وأناني.. مكنتش قادر أشوفك عايشة بذنب إنك السبب في مـ.ــوت ابننا، وفي نفس الوقت.. مكنتش قادر أواجه نفسي ولا أقولك إني متقبل اللي حصل.. لأني أنا نفسي مكنتش عارف أسامح نفسي إني سبتك تسوقي وسكت!
أنا غلطت في حقك، وفي حق سليم، وفي حق نفسي. ولو جه يوم وعرفتي الحقيقة كاملة ومقدرتيش تسامحيني.. أنا مش هزعل، وده حقك.
لكن فيه حاجة واحدة لازم تعرفيها وتتأكدي منها طول حياتك:
إنتِ مكنتيش أم وحشة أبداً يا ندى.. ومش إنتِ السبب، دي كانت أقدار ربنا."
الورقة وقعت من إيدي على الأرض.
وقعدت أصرخ بصوت مكتوم وأنا بنهج:
"لاااا! لا لا لا!"
رجعت مسكت الورقة وقرأتها تاني وتالت وأنا مش شايفه الحروف من كتر الدموع اللي بتغرق وشي.
وفجأة..
الذاكرة رجعت! الذكريات المحبوسة اتفكت وضربت في دماغي زي السيل! افتكرت الأصوات! افتكرت الصور المهزوزة!
افتكرت الشارع الضلمة.
افتكرت صوت سليم وهو بيعيط وبيقوم مخضوض في الكرسي اللي ورا.
افتكرت إني كنت مرهقة ومضغوطة..
افتكرت إني لفيت راسي.. عشان أطبطب عليه وأمسك إيده الصغيره!
افتكرت صـ.ـرخة كريم المرعوبة وهو بيمد إيده يمسك الدريكسيون ويصرخ: "حااااسبي يا ندى!"
افتكرت صوت الفرامل المرعب,والخبطة العنيفة..
والد م..
والصوت المكتوم اللي عمري ما نسيته، حتى وأنا فاكرة إني نسيته!
قعدت على أرض الأوضة أعيط.. أعيط بدموع كانت خارجة من أعماق روحي المكسورة.
ضميت فستان الفرح لصدري بكل قوتي كأنه أخر حاجة باقية لي من حياتي القديمة.
وفي اللحظة دي بالذات.. فهمت كل حاجة.
فهمت ليه عقلي خانني وعمل كل اللفة دي.
فهمت ليه كنت بشوف سليم في كل مكان وبحس بريحته.
فهمت ليه كريم عمل اللي عمله.. والجريمة اللي ارتكبها بدافع الخوف والحب والضعف البشري.
وفهمت إن فيه ذكريات مش بتختفي مهما عملنا ومسحناها.. هي بس بتستخبى في أعمق نقطة جواك لحد ما الواحد يبقى قوي كفاية إنه يقف ويواجهها.
بعدها بأسبوع.. في يوم جمعة مشمس وهادي.
روحت المقابر أزور قبر سليم لوحدي.
كانت المرة الأولى اللي أزور فيها القبر، عارفة أنا رايحة لمين ورايحة ليه.قعدت قدام القبر اللي مكتوب عليه اسم ابني.
قعدت وقت طويل أوي.. أتكلم معاه، أحكيله عن أيامي، وأبكي.
وحطيت فستان الفرح الأبيض جنبي على التراب.. نفس الفستان اللي لبسته وأنا فاكرة إني داخلة حياة جديدة ومستقبل ملوش نهاية.. ومكنتش اعرف إن أجمل حاجة فيها، هتكون أول حاجة أخسرها في الطريق.
قولتله وأنا ببتسم من بين دموعي:
"سامحني يا حبيبي.. سامح ماما يا سليم.. ماما خلاص بقيت قوية ومش هتهرب تاني."
سبت الفستان هناك على التراب جنب القبر، وقومت عشان أمشي.
وأنا ماشية في ممر المقابر الهادي، سمعت حد بينده عليا بصوت خافت ومهزوز:
"ندى.. إنتِ نسيتي ده.." بصيت ورايا.. كان كريم.
كان واقف على بعد خطوات، وشه باين عليه علامات التعب والسهر، وفي إيده الدبدوب الصغير الأصفر بتاع سليم.. نفس الدبدوب اللي كان حاضنه وهو نايم في أخر صورة شوفتها ليه. بصيت لكريم وسكت.
ولأول مرة من وقت طويل أوي.. محستش بغضب.. ولا برعب.. ولا بخوف منه..
حسيت بس بحزن هادي حزن عرف طريقه للقلب واستقر فيه من غير ما يكسره.
قرب كريم مني بخطوات بطيئة، ومد إيده بالدبدوب، وقال بصوت واطي ومبحوح:
"أعتقد ده لازم يفضل معاكي إنتِ.."
خدت الدبدوب منه، وضميته لصدري بقوة، وأنا حاسة بدموعي بتنزل سريعة.. بس المرادي مكنتش نفس دموع الانهيار القديمة.
كانت دموع أخف.. أهدى.. كأنها مية بتغسل أخر وجع ساكن جوه الروح. بصيت لكريم في عينيه.. وابتسمتله ابتسامة صغيرة، باهتة، لكنها صادقة.
وساعتها بس.. فهمت إن مش كل وداع بيبقى نهاية حتمية.. أوقات بيبقى الوداع مجرد استراحة طويلة للروح، قبل ما الطريق يجمعنا تاني من جديد..
تمت بحمد الله
