رواية قلوب علي الهامش الفصل الخامس5بقلم يارا علاء الدين
هو أنا هفضل باصص للموبايل كتير كده؟ ما تتصل يا نور!
دي مكالمة شغل، مكالمة شغل... إيه المشكلة يعني؟!
رفع عينيه عن الهاتف، ثم أعاده إلى أذنه قبل أن يتراجع مرة أخرى.
ضغط زر الاتصال، وما إن جاءه صوتها حتى تبدلت نبرته:
ألو, إزي حضرتك يا آنسة رنا، عاملة إيه دلوقتي؟
ردت بنبرة هادئة متعبة قليلًا:
- الحمدلله، كويسة.
- الحمد لله... أنا.....، يعني خلصت التصاميم المبدئية اللي اتفقنا عليها، وكنت محتاج رأيك فيها قبل ما نكمل.
تابعت بنبرة أخف:
- تحب نقعد في كافيه قريب من الفيلا؟ لإني مش هقدر أتحرك كثير.
- آه طبعًا، تمام جدًا، اللي يناسب حضرتك.
أغلق نور الهاتف، ووضعه على المكتب بهدوء.
لكنه ظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة... كأنه لا يصدق أنه تحدّث معها فعلاً
غريب أمر القلب... أحيانًا يحتاج إلى حجة صغيرة ليقترب ممن يريد!
ــــــــــ
بعد ساعتين، كان الكافيه هادئًا، نوافذه ضبابية من البخار، والهواء مشبع برائحة البن المحمص والفانيليا الدافئة.
جلس نور على أحد المقاعد القريبة من النافذة، كوب النسكافيه أمامه.
كان يرتبك كلما نظر إلى الباب، يحاول أن يبدو طبيعيًا، لكن يده لا تكف عن تحريك الملعقة في الكوب رغم أنه لم يضف سكرًا.
ثم دخلت.
رنا، بمعطف رمادي طويل، وشال كحلي ملتف حول رقبتها...
شعرها مبلل قليلًا من المطر، ووجهها خالٍ من المبالغة... لكن فيه شيء لا يمكن تجاهله.
ابتسمت وهي تضع عصاها بجانب المقعد قبل أن تجلس:
- اتأخرت؟
- لأ خالص... أنا لسه واصل من شوية.
- حضرتك تحبي تشربي حاجة، ااه صحيح نسيت إننا بنشتغل.
ابتسمت، فأضاء وجهها جمالًا قبل أن تقول:
- قلبك أسود أوي.
لاحت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يمد جهازه الحاسوب أمامها:
- اتفضلي دي التصاميم، محتاج أعرف رأيك فيها؟
أخذت تحدق فيها قليلًا قبل أن تقول بجدية:
- تسلم إيدك يا بشمهندس، التصاميم ممتازة حقيقي مش محتاجة أي تعديل.
تنهد براحة:
- الحمدلله مبسوط إنها عجبتك، يعني كده أبلغ المدير بإننا نبدأ في التنفيذ.
أومأت برأسها موافقة:
- في أقرب وقت.
صمتت لحظة قبل أن تردف:
- إنت اللي هتتابع التنفيذ ولا حد تاني؟
- أنا بإذن الله، لو حضرتك معندكيش مانع؟
شعرت ببهجة لم تعرف مصدرها وقالت:
- أكيد لأ، أنا ارتاحتلك وبقيت بثق فيك، مش هنسى كمان اللي عملته عشاني واللى محدش عمله معايا قبل كده.
ابتسم بود:
- صدقيني أي حد مكاني كان هيعمل كده أنا معملتش إلا الواجب.
ساد الصمت وغرق كل منهما في مشاعره التي ظهرت على إستحياء.
كانت النظرات بينهما أثقل من الكلمات.
رغم أن كل منهما يعرف أنه يسير في الاتجاه الخاطيء!
2-
خرجت مريم من المنزل بعد أن توجه نور لعمله، كانت تمشي بخطى سريعة كعادتها، وهي تمسك بطرف الشال بيد، واليد الأخرى تتكور داخل المعطف كأنها تخفي شيئًا... أو تحتضن شيئًا مكسورًا.
وصلت المستشفى، وقلبت نظرها في الوجوه، كلها مستعجلة، تعبة، لكن هي وحدها كانت تشعر أن الزمن لا يمر!
قالت اسمها لممرضة الاستقبال بصوت خافت، وتبعت الإشارة إلى غرفة الطبيب, الذي سألها بدوره:
- حضرتك عملتي الأشعة والتحاليل اللي طلبناها؟
أومأت بصمت، وناولته الأوراق من الحقيبة.
ظل يقرأ، يطوي ورقة، ويفتح أخرى... ثم قال، بنفس النبرة التي يستخدمها الأطباء حين يعرفون أن ما سيقولونه سيفتح بابًا لا يمكن إغلاقه:
- فيه كانسر، للأسف في مرحلة صعبة شوية.
لم تقل شيئًا. لم تسأله لكن عينيها اتسعت لحظة، كأنها كانت تعلم!
أكمل، يحاول أن يبدو مطمئنًا:
- بإذن الله الدنيا تتحسن مع الكيماوي، بس لازم نبدأ فورًا.
قالت بنبرة ثابتة أكثر من اللازم:
- وهيبقى فيه أمل؟
قال بيقين:
- الأمل موجود بإذن الله.
ردّت وهي تنهض:
- الأعمار بيد الله، كل واحد مكتوبله يومه مش هيتقدم ولا هيتأخر.
قال الطبيب بهدوء، كأنه سمع هذه الجمل من قبل:
- خلي عندك يقين في ربنا، ومتيأسيش.
قاطعته بابتسامة بها تعب عمرها كله:
- ونعم بالله، تفتكرني زعلانة؟ والله أبدًا ده ربنا حبيبي، ومشوفتش منه إلا الخير، عن إذنك.
خرجت من الغرفة ببطء، مشيت في الممرات والبخار يخرج من فمها في كل نفس، لكنه ليس من البرد، بل من الخوف!
في هذه اللحظة لم تخف على نفسها بل عليه، أن تتركه وحيدًا في هذه الحياة بعد أن كانت حياته كلها، لم تخشى لقاء ربها، بل تمنته وهنيئًا لها أن تلقاه صابرة محتسبة راضية بقضائه.
وبعد الكثير من الأفكار التي ألحت عليها، قررت أخيرًا أن تفعل ماكنت تؤجله لسنين!
3-
كانت الشمس قد غابت منذ ساعة، لكن المدينة لم تلبس ليلها بعد،
ارتجفت هدى رغم أن معطفها الثقيل يغطيها.
توقفت سيارتها عند بوابة الفيلا، في حي راقٍ على أطراف المدينة.
نظرت إلى المدخل... الفيلا ضخمة، نوافذها معتمة، ولا أثر لصوت أو ضجيج حفلة.
أخرجت هاتفها، كادت أن تهاتفه لكنها لم تنتظر كثيرًا، الباب انفتح فجأة...
وظهر زين، بنفس الابتسامة الواثقة، بقميصه الأبيض، والعطر الذي يسبق خطاه.
حدجها بنظرات غريبة:
- دايمًا بتيجي في وقتك مظبوط.
ابتسمت بتوتر وهي تنظر حولها:
- فين الناس؟ هي الحفلة لسه مبدأتش ولا إيه؟ مش قولت هتبدأ 6؟
اقترب منها وهو يشير للداخل:
- كلهم جايين، بس أنتي أول واحدة وصلتي، تعالى ارتاحي لحد ما نبدأ.
ترددت للحظة... ثم دخلت.
كان الممر طويلًا، الإضاءة خافتة، والمكان هاديء بشكل غير طبيعي.
أغلق الباب خلفها بهدوء...
ثم التفت نحوها، وجهه تغير، اقترب منها ببطء:
- إيه رأيك في الفيلا المرة دي مش أحسن من المرة اللي فاتت؟
قالت وهي ترجع خطوة للخلف:
- اه أحسن فعلًا.
لكنه اقترب أكثر، وأمسك بذراعها، كانت يده باردة... وقاسية.
- زين مالك فيه إيه؟ سيبني!
صوتها خرج مرتعشًا، لكنها حاولت أن تبدو قوية.
همس في أذنها بصوت مرعب، وابتسامة مقززة:
- ابقى غبي لو سيبتك المرة دي, ده أنا مستني اللحظة دي من زمان.
دفعها برفق نحو الحائط... يداه تطوقانها... وعيناه مليئتان بنار شيطانية.
سيبني يا زين, عشان خاطري ليه بتعمل كده؟ سيبني!
صرخت، وبدأت تدفعه بكل قوتها.
لكنه كان أقوى... وأكثر إصرارًا:
اصرخي زي ما انتي عايزة، مفيش حد هنا، ولا حد هيسمعك، اليوم ده بتاعنا أنا وإنتي وبس!
وفجأة...
