رواية طفلة وحيد الدباغ الفصل الخامس5 بقلم اميرة خالد

رواية طفلة وحيد الدباغ بقلم اميرة خالد
رواية طفلة وحيد الدباغ الفصل الخامس5 بقلم اميرة خالد


وبعد وقت قصير، كان المعلم فواز قاعد في المكتب بيتناقش مع الحاج حمدي.

​المعلم فواز: بقولك ايه يا حاج.. أنا كنت جاي أتكلم معاك في موضوع، ونيجي البيت نقعد سوا.

​حمدي (باستغراب): خير يا حاج فواز؟ في حاجة ولا ايه؟

​المعلم فواز (بابتسامة): ايه ده هو أنتم مش عايزين تشربوا الشاي ولا ايه؟ ولا أنت بخيل يا حاج ولا ايه؟! حمدي ضحك بصوت عالي:

​حمدي: لا طبعا.. تنور في أي وقت!

​المعلم فواز: بصراحة كده.. ابني مروان اللي ماسك الشغل معايا...

​حمدي: ماله يا حاج؟

​المعلم فواز: الحجة كانت بتدور له على عروسة، ومنة أختك كلمتنا وقالت على حورية.

​حمدي (باستغراب): وهي منة بنتك تعرف حورية منين يا حاج فواز؟

​المعلم فواز: طبعا تعرفها، دي صاحبتها المقربة!

​حمدي: طيب يا حاج.. استنى بس عليا، هتكلم مع الحجة النهاردة في البيت وأشوف رأيها وإخواتها هيقولوا إيه، وأتصل عليك أرد لك خبر.

​المعلم فواز: خلاص يا حاج، هستنى تليفونك.

​حمدي (بابتسامة): من عيني يا حاج.

​قام فواز وخرج، ودخل مكانه وحيد وهو مكشر وعينيه بتدور في المكان.

​وحيد: هو أنت طولت في القعده قوي كده ليه مع المعلم فواز يا حاج؟ ده الموضوع كله ما يخدش 10 دقايق!

​حمدي: تعالى يا وحيد.. قاعد ليك أصلاً، عايز أكلمك في موضوع مهم. وحيد قعد بملل:

​وحيد: خير يا حاج؟

​حمدي: بصراحة كده.. الحاج فواز طالب إيد حورية لابنه مروان! وحيد اتسمر مكانه واتعصرت عيناه بصدمة وعصبية مفاجئة:

​وحيد (بعنف): اللي بتقوله ده يا حاج؟! طبعاً ما ينفعش! البنت لسه صغيرة، وكمان ما تنساش إن الحجة هترفض تماماً!

​حمدي (بابتسامة هادئة): ما أنا عارف.. معاك حق، هي دي المشكلة مع إنعام، مع أن الواد زي الفل وماسك شغل أبوه وكويس.

​وحيد (وقفه بعصبية وهو بيشد مفاتيحه): خلاص يا حاج.. أنا ورايا مشوار مهم هروح أخلص وراجع لك! وخرج بسرعة وسبق خطوه على بره، وخد مفاتيحه وعربيته. حمدي وقف مكانه باستغراب وهو بيبص لبابه: 

​حمدي: مالك يا وحيد؟ فيك ايه يا ابني؟!

​وفي العربية، كان وحيد بيسوق بجنون وخبط بإيده الإتنين بقوة على دركسيون العربية وهو بيكلم نفسه بصوت عالي:

​وحيد: مالك يا وحيد؟! اتجننت ليه أول ما عرفت إن في عريس عايز يتقدم لها؟! هو من ساعة ما شفتها وأنت هتتجنن عليها ولا ايه؟! وفضل يخبط بغيظ وعصبيته زايدة جداً مش عارف يسيطر على نفسه.

​أما تحت في شقة إنعام، كانت قاعدة في الصالة بتنظف الخضار، وقعدت جنبها ضحى بحذر:

​ضحى: بقولك ايه يا مرات عمي.. كان في موضوع كده عايزة أقول لك عليه.

​إنعام (وهي بتبص لها بحنان): قولي يا حبيبتي، سامعاكِ.

​ضحى: عارفة خالتي سعاد؟

​إنعام: مالها يا حبيبتي، تعبانة وعايزة نروح تزوريها؟

​ضحى: لأ.. بس بصراحة كده، كانت بتدور على عروسة لابنها، وماما من ساعة ما شفت حورية حكت لها عليها، وهم حابين يجيوا يتقدموا! إنعام اتعصبت فجأة ووقفت اللي في إيدها:

​إنعام: لا طبعا! حورية مش هتتجوز دلوقتي، وما تخلينيش أزعل منك يا ضحى في الكلام ده!

​ضحى: اهدي بس يا مرات عمي، شوفي الأول، الواد ظابط ومحترم وزي العسل.

​إنعام: إن شاء الله يكون رئيس الجمهورية! بنتي مش هتفارقني ولا هتبعد عني!

​هدير (وهي معدية من جنبهم وبتقول ببرود وسخرية): ما تسيبيها يا مرات عمي تتجوز، ولا عايزاها تعنس جنبك؟!

​إنعام (وهي بتلتفت لها بغيظ وبتجز على أسنانيها): وأنتِ كنتِ فين يا هدير من الصبح وجاية تفتحي بقك بكلام زي الخرا؟! يلا قومي خشي المطبخ شوفي وراكي ايه بدل قعدتكم دي!

​هدير (بتمثيل البراءة): تصدقي إن أنا غلطانة إني خايفة على مصلحتها وبنصحكم!

​إنعام: خافي على مصلحة بيتك يا اختي وعيالك، ومالكيش دعوة بغيرك!

وفي الكلية، كانت حورية واقفة مع صاحبتها منة، وقالت منة بحماس:

​منة: بقولك ايه يا بت.. عندي خبر حلو قوي ليكِ!

​حورية: خير.. خبر ايه؟

​منة: بابا النهاردة هيكون عند عمك حمدي، وهياخد بعضه ويطلب إيدك لمروان اخويا! حورية اتسمرت مكانها واتصدمت:

​حورية: ايه؟! وليه عملتِ كده يا منة؟! أنتِ عارفة إن أنا رافضة موضوع الجواز ده أصلاً! منة كشرت وقالت بزعل واضح:

​منة: هو أنا بقولك عيب؟! ده أخويا، وعايزاكِ تعيشي معايا وفي وسطنا، ده أنا ما صدقت إن بابا وافق يطلبك من غير ما حتى يشوفك! حورية كانت لسه هترد عليها، وفجأة تليفونها رن وكان الاتصال باسم "وحيد".

​حورية: أنا لازم أخرج حالاً.. عشان وحيد بره مستنيني!

​منة (بإصرار): فكري كويس عشان خاطري.. والله مروان زي العسل وهتكوني مرتاحة معاه!

​حورية: مش وقته الكلام ده خالص!

​وسابتها وجريت بسرعة لحد بره الكلية، وركبت العربية جنب وحيد اللي كان قاعد على الأعصاب.

​وحيد (بجفاف): اتأخرت ليه كده؟!

​حورية: كنت واقفه مع منة صاحبتي..

​وحيد: هي دي بنت المعلم فواز؟ حورية هزت راسها بخوف وساكتة. فجأة، وحيد لف جسمه ناحيتها، ومد إيده ومسك دراعها بحزم وقوة: 

​وحيد: إياكي.. إياكي تفكري توافقي لو حد فتح معاكي في الموضوع ده.. فاهمة ولا لا؟!

​عينيها دمعت من شدة الخضة، ومن كتر الضغط والتوتر طلعت منها شهقة خفيفة وهي بتعيط.
وحيد حس بوجع غريب في قلبه لما شاف دموعها، وشال إيده بسرعة بحرج:

​وحيد (بصوت هادئ نسبياً): اهدي.. ما تخافيش! حورية ما قدرت تسيطر على دموعها وفضلت تعيط أكتر. وحيد مد إيده وقفل شبابيك العربية كلها، ورفع النقاب برفق عن وشها: 

​وحيد: ممكن بقى تهدي وتسمعيني؟

​حورية (بدموع وشهقة): والله العظيم ما قلت لهم حاجة.. ولا أعرف أصلاً إنهم جايين، وأنا لسه مزعلة ماما إنعام ومستحيل أسيبها وأمشي!

​وحيد ابتسم بحنان غصب عنه، ومد إيده مسح دموعها من على خدها براحة:

​وحيد: شاطرة يا حبيبي... حورية اتصدمت من الكلمة وفتحت عينيها بذهول.

​وحيد: ممكن بقى تنزلي نقابك عشان لازم نمشي؟ حورية فضلت قاعدة متنحة وساكتة مكأنها مش مصدقة. وحيد هو بنفسه عدل لها النقاب ونزله، ومد إيده في جيب بليزر بتاعه وطلع شوكولاتة وقال:

​وحيد: اتفضلي.. دي عشان خاطرك.

​حورية أول ما لمحت الشوكولاتة، نسيت الدموع والتوتر والخضة في ثانية، ومدت إيدها خدتها بسرعة وبدأت تفتحها وتأكلها بسعادة، ووحيد ضحك في سكاته ودار مفتاح العربية وتحرك بيها.

​وبعد وقت قصير، كانت العيلة كلها قاعدة على سفرة الغداء، وحورية قاعدة وهي لابسة نقابها بهدوء.
حمدي بص لإنعام بابتسامة وقال:

​حمدي: بقولك ايه يا حاجة.. في ضيوف عايزين يجوا عندنا بالليل يشربوا الشاي.

​إنعام (وهي بتحط حتة فرخة قدام حورية بحنان): كلي يا قلب أمك... ورجعت بصت لحمدي وقالت: ومنين الضيوف دول يا حاج؟

​حمدي: ده الحاج فواز.. جاي يطلب إيد حورية لابنه مروان!

​إنعام رفعت عينيها فجأة وبصت ناحية وحيد باستغراب، وقالت:

​إنعام: وأنت رأيك ايه يا وحيد؟

​هدير (بسخرية وهي بتقطع الأكل): وهيكون رأيه ايه يعني؟!

​إنعام (بحدة وهي بتجز على أسنانيها): ما قلت لك خليكِ في حالك! لما أتكلم مع ابني، ما تدخليش خالص!

​هدير: أصل الغريبة أنك سيبتي عيالك أمين وأيمن، وسألتِ وحيد لوحده!

​وحيد (بصوت عالي وصارم): مالكِش دعوة يا هدير!

​إنعام (وهي بتبتسم بانتصار لهدير): وأنا هقول لك أنا عايزة أسال ليه، ومشمعنا هو لوحده...

​حمدي (باعتراض): جرى ايه يا إنعام؟! أنا بكلمك أنتِ، وأنتِ رايحة تسألي وحيد!

​إنعام (وهي بتشد حورية لحضنها بحماية): بنتي مستحيل تسيبي البيت ده.. وهتفضل في حضني طول عمرها! وده اللي عندي!

​حمدي: طيب يا إنعام.. ده ردك أنتِ، المهم بقى رأي حورية نفسها ايه؟ وحيد بص لحورية بنظرة قوية وثابتة، وحورية نزلت عينيها وقالت بصوت هادئ:

​حورية: أنا أسفة يا بابا.. بس أنا مش بفكر في الجواز أصلاً. إنعام باحت راسها بحب وفرحة:

​إنعام: شاطرة يا بتي!

​هدير اتدخلت بخبث وهي بتحرك إيدها:

​هدير: مش عارفة العرسان اليومين دول كتروا ازاي كده! ده حتى ضحى كانت جاية بتقول إن ابن خالتها عايز يخطب حورية برضه يا حاج!

​حمدي (وهو بيبص لإنعام بدهشة): والكلام ده حصل يا إنعام؟!

​إنعام: أيوه حصل.. وأنا عارفة إن بنتي مش عايزة تتجوز دلوقتي، وعشان كده قفلت الكلام مع ضحى من سكتة، بس مش عارفة ست هدير حشرة خشمها ليه وعايزة ايه بالظبط!

​في اللحظة دي، وحيد ساب معلقته وأكلته فجأة وقام من على السفرة ومشي وعصبيته طاغية عليه.
وحورية أول ما شافته مشي كده، عينيها دمعت وبصت في طبقها بحزن وسكوت.

وفي الورشة، كان واقف وحيد وهو قلع قميصه من شدة الحر والخنقة اللي جواه، وماسك مكنة التقطيع وبيقطع الخشب بعنف وهو عمال يفكر في كل اللي حصل ويغلي من جواه.
دخل عليه أيمن بسرعة وقال:

​أيمن: بقولك ايه يا وحيد.. في فندق طالبين استايلات أوض نوم معينة نعملها لهم، بس طالبين درجات محددة. وحيد كان تايه ومش مركز معاه خالص وساكت.

​أيمن: حتى بص الاستايلات على التابلت أهي... وحيد ما ردش عليه وفضل يقطع الخشب بعصبية. أيمن مد إيده وخبط على كتفه بقوة بعد ما طفّى المكنة: 

​أيمن: ايه يا وحيد؟! عمال أكلمك بقالي ساعة، أنت في إيه ولا إيه؟!

​وحيد (وهو بيبصه بحدة): أنت قفلت المكنة ليه؟! مش شايفني شغال؟!

​أيمن: الفندق اللي هنتعامل معاه باعت لنا صور أوض النوم اللي عايزها. وحيد خد التابلت من إيده وبص في الصور ببرود:

​وحيد: خلاص.. ابعتها للصنايعية عشان يبدأوا في الشغل فوراً.

​أيمن: أنا كلمت أمين عشان يخلي المصنع يبعت لنا الخشب اللي هنحتاجه.

​وحيد: ليه هو المخزن ما فيهوش خشب كفاية؟!

​أيمن: أنت نسيت إنك طلّعته كله آخر مرة في الشغل اللي فات؟!

​وحيد: طب كويس.. انده الواد يخليه يعملي فنجان قهوة مظبوط.

​أيمن: حاضر.

​أما فوق في الشقة، كانت حورية واقفة وهي لابسة ترنج مريح بعد ما أتاكدت إن الرجاله كلها نزلت الشارع، وكانت بتلعب وتهزر مع العيال ببهجة.

​إنعام (وهي بتبص لها بحنان): يا حبيبي ارتاحي شوية.. أنتِ تعبانة وطول الليل سهرانة بتذاكري!

​حورية (بابتسامة شقية): لا يا نونو.. أنا كويسة جداً ومش تعبانة، وهدخل أعمل أحلى كيكة.. ايه رأيك؟!

​إنعام (بابتسامة واسعة): أي حاجة بتعمليها بتبقى زي العسل يا حبيبي. حورية باستها من خدها وجريت زي الأطفال على المطبخ، ووراها بقية العيال عشان يساعدوها بحماس. ضحكت دعاء وقالت بصوت هادئ: 

​دعاء: والله حورية دي هي اللي عملة حس للبيت كله.

​ضحى: معاكِ حق والله.

​هدير (بترقة وسخرية): لا والله؟! مش العيال اللي عاملين حس، دي هي اللي عامله نفسها طفلة بزيادة!

​دعاء (بصوت واطي): اسكتي يا هدير عشان ماما ما تزعلش وتتعصب.

​هدير: يا اختي أنا مش عارفة، من ساعة ما جيت البيت هنا وهي فاكرة إن ده بيتها ومالكة مكاناً!

​إنعام (وهي بتلتفت لها بحدة): بيتها يا هدير! ولو عايزه من الصبح أخلّي حمدي يكتبه باسمها، هعمل كده فوراً!

​هدير اتسمرت مكانها واتصدمت من جراة وقوة كلام إنعام، وبصت لها بذهول من غير ما تعرف ترد.

                    الفصل السادس من هنا
تعليقات



<>