رواية صابرين الفصل السابع7بقلم امل نصر


رواية صابرين الفصل السابع7بقلم امل نصر

لم تكن تتصور أن شقيقها حين سحبها من غرفتها وأخرجها إلى الصالة كان يدبر لها مقلباً؛ فقد أقنعها بالخروج للجلوس معهم بدلاً من اختناق الغرفة، لتتفاجأ بالشيخ الذي طلب يدها جالساً في الردهة وكأنما كان ينتظرها. وكانت المفاجأة الكبرى أن شقيقها ما إن أجلسها حتى انسحب بخفة تاركاً إياهما بمفردهما. ها هي الآن تجلس أمامه وجهاً لوجه، وتمنت لو أن ساقها كانت سليمة لكانت هربت من أمامه.

​لم يكن توترها وارتباكها خافيين على جاسم، الذي أدرك طبيعة شخصيتها الرقيقة لدرجة الهشاشة، وهي الصفة التي كانت سبباً في كل ما تعرضت له، وما زال يجهل جزءاً منه لكنه حتماً سيعرفه لاحقاً.

​ـ عاملة إيه النهاردة يا صابرين؟ شايف وشك ما شاء الله استرد جزءاً من لونه الطبيعي.

ـ لونه؟!

​رفعت رأسها حين استوقفتها جملته الأخيرة لترد بخجل:

ـ الحمد لله على كل حال.. تشكر على السؤال.

​لولا أنه كان متأكداً من حاسة سمعه الممتازة، لظن أنها تحدث نفسها في الأخيرة حين شكرته بحياء وارتباك جعلاه يبتسم غصباً عنه وهو يرى عينيها تزيغان بعيداً عنه في انتظار ظهور أحد أفراد عائلتها.

​حاول أن يلم شتات نفسه ويرحمها من هذا التوتر بأن يخاطبها بجدية:

ـ صابرين، لا تؤاخذيني، بس أنا اللي طلبت من أخوكِ إني أتكلم معاكِ لوحدنا.. رغم إنها خطوة جريئة مني، بس كنت أبغى أقرب الصورة قدامك عشان ما تتخضّين من موضوع إني غريب عنك، وبرضه لو عندك أي استفسار لا تستحين تطلبيه مني وأنا بجاوبك.

​رفعت نظرها إليه سريعاً، لكن ما إن التقت عيناها ببحر سواد مقلتيه حتى خفضتهما هاربة منه، مما جعله يبتسم مرة أخرى ويستطرد:

ـ طيب، بما إنك ما تكلمتيش، بكمل أنا.. أكيد أخوكِ شرح لك عن حالتي الاجتماعية، بس أكيد ما قالك إني من أول مرة شفتك فيها وقلبي تعلق بجنية النهر اللي ظهرت قدامي.

​ـ (ببراءة رفعت نظرها إليه سريعاً):

ـ جنية مين؟!

​مع ظهور ابتسامته، أدركت مقصده فرجعت تهرب منه سريعاً بخجل طبع وجنتيها القمحيتين بلمحة جميلة من الاحمرار، جعلتها في غاية الرقة والجاذبية في عينيه اللتين كانتا تسجلان كل تفصيلة وكل خلجة، ومع ذلك رد عليها بطول بال:

ـ الجنية هي إنتِ يا صابرين.. خطفتي قلبي من أول وهلة، وكنت كل ما أشوفك بعدها، حاجة جوايا تقول لي: هي دي يا جاسم، اللي عشت عمرك كله تحلم بها، هي دي زوجتك وأم عيالك.

​كان حديثه غريباً على أذنيها لدرجة أنها نسيت خجلها ورفعت عينيها تواجهه:

ـ إزاي يعني؟! إيه الميزة اللي شفتها فيا عشان يجيلك الإحساس ده؟ لا مؤاخذة يعني لو ما حدش قالك.. أنا ما خدتش ولا شهادة، آخري بس أفك الخط وأقرا الكلام على الورقة بصعوبة، إنما لا حلوة زي بنات اليومين دول، ولا حتى بعرف الف التحجيبة، حتى الحاجات اللي بيحطوها ما أعرفش فيها غير القلم الأحمر! دا غير إني كبيرة وعديت سن الجواز!

​قالت الأخيرة بغصة وعيناها تنزلان مجدداً عنه، فرد جاسم يفند كل نقطة بهدوء:

ـ أولاً، اللي جذبني ليكي ما له دعوة بالجمال ولا الشكل، مع إنك ما شاء الله تبارك الله، يعني هذا من نعم ربنا عليكي.. ثاني حاجة، تقولين إنك تعرفين تفكين الخط؟ يا ستي هذا أسهل ما عندي، أستطيع أُمشيكِ خطوة بخطوة بعد الزواج إن شاء الله لو تبين، وإذا ما تبين يكفيني برضه إنك تعرفين تمضين.. ثالث حاجة، ومقارنتك بينك وبين بنات العصر ولفاتهم ولبسهم ولا زينتهم.. من قال أصلاً إني أدور على مظهر يمشي جنبي في الشارع؟! يكفيني طبيعتك يا بنت الحلال، كفاية أتصبح على الوش الـ...

​توقف ليحجم نفسه قبل أن يمعن في الغزل، فتابع برزانة:

ـ قصدي إن طبيعتك جميلة وهذا يكفي.. أما عن العمر يا بنت الناس، إنتِ أخوكِ ما خبرك عن عمري اللي مقارب لثلاثة وأربعين؟ يعني أكبر منك بسنوات، وحتى لو كنتِ أكبر مني برضه أنا قابل وراضي وأتمنى القبول.. ولو على موضوع الاغتراب عن أهلك، أبغي أطمنك إن ما راح أغادر بيكي إلا وأنتِ مطمنة مية في المية.

​كانت تشعر وكأن الأرض تدور بها، غير مصدقة تلك البساطة التي يتحدث بها، وكيف يطير مخاوفها بكل هذه السهولة. كيف لها أن تستوعب أو ترد وهي ترى نفسها كمن تحلم حلماً جميلاً؟

​وكأنه قرأ أفكارها، أردف قائلاً:

ـ صابرين، أنا ما طلبت رأيك حالاً.. أنا أبغى تفكرين براحتك والمدة مفتوحة، إن شاء الله لو بعد سنة، أنا في انتظارك. مسافة بس ما ترسلون لي برجع حالاً من بلدي اللي مسافر لها اليوم.

​ظلت صامتة، لكن ملامحها ارتخت بشكل ملحوظ، وهو ما أدخل الارتياح إلى قلبه فنهض فجأة:

ـ بقوم عشان ألحق الطيارة مع حمد.. يا منتصر!

​ندى بصوت عالٍ من أجل شقيقها الذي كان في الغرفة، وقبل أن يغادر التفت إليها قائلاً:

ـ يا ريت ما تأخري عليّ في الرد، ويا ريت برضه تقبلي لما أتصل عليكِ تردين!

​فتحت فمها وكادت تسأله كيف، فسبقها بابتسامة ماكرة:

ـ أنا أخذت الإذن من منتصر وأعطاني رقمك!

تعليقات



<>