
رواية الملاكم بقلم سهر احمد
رواية الملاكم الفصل الثالث3 بقلم سهر احمد
السر اللي رجع من الماضي... والخصم اللي استنى سيف برّه الحلبة
فيه لحظات في حياة الإنسان بيكون فاكر فيها إنه أخيرًا بدأ يمسك طرف الخيط، وإن الأيام الصعبة اللي عاشها خلاص هتسيبه ياخد نفسه، لكن الحياة أحيانًا بتكون أذكى من توقعاته، وأقسى من إنه يستعد لها.
بتفتح له باب كان مستنيه من سنين، وفي نفس اللحظة بتفتح باب تاني وراه أسرار كان المفروض تفضل مقفولة.
وسيف مراد، اللي قضى عمره بيتعلم إزاي يواجه خصمه من غير ما يخاف من ضرباته، ما كانش يعرف إن أصعب مواجهة في حياته مش هتبدأ بجرس حكم، ولا هتنتهي برفع إيده قدام جمهور بيصفق له.
المواجهة دي بدأت من مكالمة اتقفلت في وشه قبل ما يعرف أصل الحكاية، ومن بنت قابلها بالصدفة، ومن راجل قرر إن الماضي اللي دفنه بإيده لازم يرجع يطالب بحقه.
لكن قبل ما كل ده يحصل، كان فيه صباح عادي جدًا في إسكندرية.
صباح يشبه كل الصباحات اللي عاشها سيف قبل كده، لدرجة إنه ماخدش باله إن اليوم ده بالذات هيكون أول يوم في حكاية مش هيعرف يخرج منها بسهولة.
### صباح ماكانش فيه حاجة تدل على اللي جاي
صوت أمينة وهي بتنادي من المطبخ سبق صوت المنبه بدقايق.
— يا سيف! يا ابني، قوم بقى! هتفضل نايم لحد الضهر؟
سيف دفن وشه في المخدة، ورد بصوت مكتوم:
— خمس دقايق يا أمي.
— الخمس دقايق بتوعك دول لو جمعناهم على بعض كانوا عملوا سنة كاملة!
ضحك وهو لسه مغمض عينه.
— طب والله ما أنا قايم غير لما تدعيلي.
أمينة ظهرت عند باب الأوضة، حاطة إيدها في وسطها، وباصاله بنظرة الأم اللي عارفة ابنها كويس، وعارفة إنه مهما كبر هيفضل عندها نفس العيل اللي كان بيتحجج علشان يزوغ من المدرسة.
— أدعيلك؟ ده أنا بدعيلك من ساعة ما اتولدت، إنما إنت اللي مش عايز تسمع الكلام.
سيف اعتدل في سريره، وشعره منكوش، وابتسامة صغيرة على وشه.
— أهو أنا سامع أهو. ربنا يكرمك يا ست الكل.
قرب منها وباس راسها، وبعدها قام يدور على هدومه.
أمينة فضلت واقفة عند الباب، بتراقبه وهو بيلبس، ولما لاحظت إنه بيفتش في شنطته، سألته:
— بتدور على إيه؟
— الكراسة بتاعتي. كنت كاتب فيها مواعيد البطولة الجديدة، ومش لاقيها.
— على المكتب يا حبيبي، حطيتها لك جنب الساعة.
راح ناحية المكتب، ولقى الكراسة فعلًا مكان ما قالت له.
فتحها على الصفحة اللي كتب فيها موعد الاختبار، وفضل باصص للأرقام شوية.
الأسبوع الجاي.
أسبوع واحد بس، وهيكون قدامه فرصة حقيقية يثبت إنه يقدر يلعب في مستوى أعلى.
ماكانش الموضوع بالنسبة له مجرد بطولة جديدة. كان شايف فيها خطوة ممكن تقربه من حلمه، ويمكن تساعده يخفف الحمل اللي على كتف أبوه، وتخلي أمه تبطل تحسب مصاريف البيت قبل ما تشتري أي حاجة لنفسها.
لكن وهو بيقفل الكراسة، افتكر فجأة الراجلين اللي حاولوا ياخدوا روح.
اتغيرت ملامحه للحظة.
أمينة لاحظت.
— مالك يا سيف؟
— مفيش يا أمي.
— إنتوا كلكم اتفقتوا على الكلمة دي؟ أبوك يقول مفيش، وإنت تقول مفيش، وفي الآخر ألاقي كل واحد فيكم شايل جبل فوق قلبه!
سيف ابتسم، وحاول يغير الموضوع.
— إنتِ عايزاني أقول إيه يعني؟ إن الدنيا جميلة والورد بيغني؟
— لأ يا حبيبي، عايزاك لو فيه حاجة مضايقاك ما تشيلهاش لوحدك.
سيف سكت شوية، وبعدين قال:
— قابلت بنت امبارح في الشارع، واتنين كانوا بيضايقوها. أهلها جم وخلاص الموضوع انتهى.
أمينة عقدت حاجبيها.
— بيضايقوها إزاي؟
— كانوا بيحاولوا ياخدوها معاهم بالعافية.
شهقت أمينة بخوف.
— يا ساتر يا رب! والبنت دي كويسة؟
— أيوه، الحمد لله.
— وأبوها عرف؟
— جه بنفسه وخدها.
أمينة حمدت ربنا، وبعدها بصت له بجدية.
— بص يا سيف، إنك تساعد حد محتاج مساعدة دي حاجة كويسة، وربنا يجازيك خير. بس إوعى تفتكر إن الشجاعة معناها تدخل نفسك في أي خطر من غير ما تحسبها.
سيف هز راسه.
— عارف يا أمي.
— لأ، مش عايزاك تقول عارف وخلاص. أنا عارفة إن قلبك حامي، وإنك لما تشوف حد مظلوم بتنسى نفسك. بس إنت كمان غالي، ومش معنى إنك بتعرف تدافع عن نفسك إنك تقدر تواجه الدنيا كلها لوحدك.
الكلام لمس حاجة جواه.
يمكن لأنها كانت بتقول نفس الكلام اللي الكابتن فؤاد بيحاول يعلمه له من سنين، لكن لما النصيحة بتيجي من أمه، بيحس بوزنها بطريقة مختلفة.
قرب منها، وحط إيده على كتفها.
— ماتقلقيش عليّا. أنا واخد بالي من نفسي.
أمينة بصت له بحنان.
— ربنا يخلّيك ليا يا سيف.
خرج من الأوضة، لكن قبل ما ينزل من البيت، سمع صوت أبوه جاي من الصالة.
— يا سيف، تعالى دقيقة.
مراد كان قاعد على الكرسي، وقدامه ورق حسابات قديم، بيحاول يرتب شوية مصاريف متأخرة.
سيف قرب منه.
— أيوه يا بابا؟
مراد رفع عينه له.
— سمعت إن الكابتن فؤاد وافق يدخلك الاختبار الجديد.
سيف ابتسم.
— أيوه، الأسبوع الجاي.
— كويس. بس خليك فاكر إن الفرص مش بتتكرر بنفس الشكل كل مرة.
— هعمل اللي عليّا.
مراد طوى الورق، وسنده على الترابيزة.
— أنا مش عايزك تدخل الاختبار وأنت شايل هم إنك لازم تنجح علشان تثبت لنا إننا ما تعبناش على الفاضي.
سيف استغرب.
— إنت بتقول إيه يا بابا؟
— بقول لك إننا عمرنا ما اعتبرناك حمل علينا. لا إنت ولا أحلامك. إحنا تعبنا علشانك، وده الطبيعي. ما تحولش تعبنا لحبل تلفه حوالين رقبتك كل ما تيجي تعمل حاجة.
سيف فضل باصص له.
كان طول عمره فاكر إن عليه واجب لازم ينجزه بسرعة، وإنه لو اتأخر في تحقيق حلمه يبقى قصّر في حق أهله.
لكن أبوه كان بيحاول يفهمه إن الحب مش دين لازم يسدده.
مراد قام، وحط إيده على كتفه.
— العب يا ابني علشان بتحب اللعبة، واشتغل علشان تبني مستقبلك، وساعدنا على قد ما تقدر. بس ما تنساش تعيش وإنت بتعمل كل ده.
سيف ابتسم ابتسامة هادية.
— حاضر يا بابا.
مراد ضحك.
— أهو رجعنا لحاضر تاني! يلا يا سيدي، روح شوف شغلك بدل ما عم جلال ييجي يشتكيني منك.
سيف ضحك، وسلم على أبوه وأمه، ونزل للشارع.
كان يوم عادي.
على الأقل، ده اللي كان فاكره.
### روح ناصر... لما الأسئلة تبقى أخطر من الإجابات
على الناحية التانية من إسكندرية، كانت روح قاعدة على طرف سريرها، قدامها كتب الجامعة مفتوحة، لكن تركيزها كان بعيد تمامًا عن المحاضرة اللي بتحاول تراجعها.
من ساعة ما رجعت البيت امبارح، وهي حاسة إن فيه حاجة مش مظبوطة.
مش بس بسبب الراجلين اللي وقفوا لها في الشارع، لكن بسبب رد فعل أبوها.
ناصر ماكانش مجرد أب اتخض على بنته. كان فيه خوف تاني في عينه، خوف حاول يخبيه بسرعة، لكنه ماعرفش.
وروح كانت تعرف أبوها كويس.
عارفة إمتى بيكون زعلان، وإمتى بيكون قلقان، وإمتى بيكون بيكدب عليها علشان يحميها من حاجة شايف إنها أكبر من سنها.
المشكلة إن المرة دي، هي ما بقتش صغيرة.
قفلت الكتاب، وخدت موبايلها، وخرجت من أوضتها.
ناصر كان قاعد في مكتبه، بيقلب في ورق قدامه، ولما شافها داخلة، جمع الورق بسرعة وحطه في درج المكتب.
الحركة ما فاتتش عليها.
وقفت قدامه، وعقدت إيديها.
— صباح الخير يا بابا.
رفع عينه وابتسم.
— صباح النور يا روح. مش المفروض تكوني في الجامعة دلوقتي؟
— عندي محاضرة متأخرة.
— طب كويس، اقعدي افطري قبل ما تنزلي.
ما اتحركتش.
ناصر لاحظ إنها واقفة مكانها، فحط القلم من إيده.
— مالك؟
روح ردت من غير مقدمات:
— عايزة أعرف مين الراجلين اللي وقفوني امبارح.
ابتسامته اختفت بالتدريج.
— يا روح، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده.
— لأ يا بابا، إحنا ما اتكلمناش. إنت قلت لي هتتصرف، وإن الموضوع ممكن يكون رسالة ليك. وأنا من ساعتها بحاول أفهم رسالة إيه اللي توصل لحد عن طريق بنته!
ناصر قام من مكانه.
— صوتك واطي.
روح بصت له بصدمة.
— إنت بجد كل اللي شاغلك صوتي؟ مش اللي حصل؟
— أنا مش قصدي كده.
— أمال قصدك إيه؟ أنا مش عايزة أفضل قاعدة في البيت مستنية أعرف مين هيظهر لي في الشارع المرة الجاية، وإنت كل ما أسألك تقولي ما تقلقيش!
ناصر قرب منها، لكن روح رجعت خطوة.
الحركة وجعته، حتى لو ما أظهرش ده.
— إنتِ فاكرة إني مخبي عنك علشان أضايقك؟
— أنا مش عارفة إنت مخبي عني ليه أصلًا!
ناصر سكت.
كانت فيه إجابة يقدر يقولها، وإجابات تانية لو بدأ فيها مش هيعرف يوقف عند حد معين.
بص لبنته، وشاف في ملامحها نفس العناد اللي كان بيظهر فيها وهي صغيرة لما ترفض تنام قبل ما تعرف حكاية النهاية.
لكن دي ما كانتش حكاية قبل النوم.
دي كانت حكاية هو نفسه كان بيحاول ينسى بدايتها.
قال أخيرًا:
— فيه مشاكل قديمة يا روح، وأنا كنت فاكر إنها انتهت.
روح قربت خطوة.
— مشاكل شغل؟
— مش بالضبط.
— مشاكل فلوس؟
ناصر هز راسه ببطء.
— الموضوع أكبر من كده.
روح ضحكت ضحكة قصيرة من شدة ضيقها.
— طبعًا. أكبر من إني أفهم، وأكبر من إني أعرف، وأكبر من إني حتى أسأل!
— روح، اسمعيني...
— لأ، إنت اللي اسمعني. أنا مش هقدر أساعدك وإنت مش بتقول لي حاجة. ولو الناس دي تعرف اسمي وعنواني، يبقى أنا بالفعل جزء من الموضوع، سواء إنت عايز تعترف بده أو لأ.
ناصر ما ردش.
ولأول مرة، ما لاقاش جملة جاهزة يوقف بيها أسئلة بنته.
روح بصت له بحزن أكتر من الغضب.
— أنا مش عايزة أسرارك كلها يا بابا. أنا عايزة أعرف إذا كنت في خطر، وإذا كنت أنا كمان في خطر، وليه فيه ناس شايفين إنهم يقدروا يوصلوا لك عن طريقي.
ناصر نزل عينه.
وبعد لحظات قال:
— أنا وعدتك إني هعرف هما مين.
— وإنت هتقول لي الحقيقة لما تعرف؟
رفع عينه لها.
كان المفروض يقول أيوه.
لكن الكلمة ما خرجتش.
وروح فهمت من سكوته أكتر مما كانت هتفهم من أي إجابة.
لفت علشان تخرج، لكنه ناداها.
— يا روح.
وقفت من غير ما تبص له.
— أنا عمري ما حبيت حد في الدنيا قدك.
ردت بصوت هادي:
— وأنا عمري ما شكيت في ده يا بابا. بس الحب مش معناه إنك تقرر عني إيه اللي أقدر أعرفه وإيه اللي لأ.
وخرجت.
فضل ناصر واقف مكانه، وبعدها مد إيده وفتح درج المكتب.
طلع منه ظرف قديم، لونه مصفر، ومكتوب على وشه بخط إيده:
«لو الماضي رجع، ما تخلّيش روح تعرف أي حاجة.»
فضل باصص للجملة طويلًا.
ثم قلب الظرف، وفتح الورقة اللي جواه.
كان فيها اسم واحد.
اسم ما شافوش من سنين طويلة.
والأغرب إن الاسم ده ماكانش المفروض يظهر في حياته مرة تانية.
همس بصوت مبحوح:
— إنت لسه عايش يا...؟
لكن قبل ما يكمل الاسم، سمع صوت موبايله بيرن.
رقم مجهول.
رد.
— أيوه؟
جاله صوت راجل هادي، هدوءه كان مستفز أكتر من أي تهديد.
— صباح الخير يا ناصر.
ناصر اتجمد.
كان عارف الصوت.
حتى لو السنين غيرت نبرته، مستحيل ينساه.
— إنت؟!
الراجل ضحك بخفة.
— أيوه، أنا. شكلك نسيتني بسرعة.
ناصر شد على الموبايل.
— إنت عايز إيه؟
— نفس الحاجة اللي كنت عايزها من زمان.
— اللي بيني وبينك انتهى.
— إنت اللي قررت إنه انتهى. إنما أنا ما وافقتش.
ناصر بص ناحية باب المكتب، وكأنه بيتأكد إن روح مش واقفة وراه.
— اسمعني كويس. بنتي مالهاش دعوة بأي حاجة حصلت.
الراجل رد ببرود:
— دي مشكلتك يا ناصر. إنت طول عمرك فاكر إنك تقدر تفصل بنتك عن ماضيك، كأن الماضي ده ورقة تقدر تمزقها وترميها.
ناصر حس إن نفسه بقى تقيل.
— لو قربت منها، مش هسكت.
الراجل ضحك مرة تانية.
— إنت لسه فاكر إنك تقدر تهددني؟
وسكت لحظة، قبل ما يكمل:
— بص كويس حواليك يا ناصر. المرة دي مش أنا لوحدي اللي رجعت.
المكالمة اتقفلت.
ناصر فضل ماسك الموبايل عند ودنه، حتى بعد ما الشاشة نورت من جديد.
الجملة الأخيرة كانت كفاية تخليه يفهم إن المشكلة أكبر من مجرد راجل رجع يطالب بحاجة قديمة.
كان فيه حد تاني.
حد هو ما يعرفش إذا كان ظهوره هيكون أخطر من ظهور صاحب الصوت نفسه.
ولأول مرة من سنين، ناصر حس إن كل الأبواب اللي قفلها بإيده بتتفتح مرة واحدة.
### محل عم جلال... والمكالمة اللي ماكانش المفروض تحصل
في الوقت ده، كان سيف واقف في محل قطع الغيار، بيراجع طلبية جديدة مع عم جلال.
المحل كان زحمة، والتليفون الأرضي بيرن كل شوية، وعم جلال بيتنقل بين الرفوف وهو بيشتكي من المورد اللي بعت له قطع ناقصة.
— يا ابني، هو أنا كل ما أكبر سنة، الدنيا تصمم تطلع لي مصيبة جديدة؟
سيف كان بيكتب الأرقام في الدفتر.
— ما يمكن الدنيا بتختبر صبرك يا عم جلال.
— تختبر صبري؟ دي لو اختبرت صبري كمان شوية هتلاقيني قاعد على القهوة وبايع المحل!
سيف ضحك.
— طب وأنا هشتغل فين؟
عم جلال بص له بمكر.
— إنت؟ إنت هتروح تبقى بطل عالمي، ولما تنساني وتعمل فلوس، هاجي أقول للناس إني كنت بأكلك ببلاش.
— بأكلني ببلاش؟ ده أنا لو حسبت السندوتشات اللي بتخصم تمنها من يوميتي، هطلع مديون لك!
ضحك عم جلال بصوت عالي.
— يا واد يا قليل الأدب! يلا خلص الحساب بدل ما أخصم منك كمان!
سيف رجع للشغل، وهو بيبتسم.
في اللحظات دي، كان بيحس إن الحياة، رغم تعبها، لسه فيها مساحة يضحك.
لكن الضحكة اختفت لما موبايله رن.
رقم غريب.
رد وهو لسه ماسك القلم.
— ألو؟
ما جاش رد في البداية.
سمع بس صوت نفس هادي، وبعده صوت راجل قال:
— أستاذ سيف مراد؟
سيف اعتدل في وقفته.
— أيوه، مين معايا؟
— أنا واحد عايز أسألك عن موقف حصل امبارح.
سيف سكت لحظة.
— موقف إيه؟
— البنت اللي ساعدتها في الشارع.
إيده اتوقفت فوق الدفتر.
عم جلال لاحظ التغيير في وشه، لكنه ما تدخلش.
سيف رد بحذر:
— إنت مين؟
الراجل تجاهل السؤال.
— البنت دي اسمها روح ناصر، صح؟
سيف حس إن فيه حاجة غلط.
— وإنت عايز منها إيه؟
جاله صوت ضحكة قصيرة.
— أنا ما سألتكش هي عايزة إيه. أنا بس بسألك: شفت إيه امبارح؟
سيف حط القلم على الترابيزة.
— شفت اتنين بيحاولوا ياخدوها بالعافية، ولما الناس اتجمعت، مشيوا. لو ليك علاقة بالموضوع، الأفضل تروح تكلم الشرطة.
الراجل سكت لحظات.
ثم قال:
— واضح إنك شاب شجاع يا سيف.
سيف ما ردش.
— بس الشجاعة ساعات بتخلي الواحد يدخل في حكايات أكبر منه.
سيف شد فكه.
— لو عندك كلام، قوله من غير لف ودوران.
الراجل رد بنبرة باردة:
— نصيحة ليك، خليك في ملاكمتك. الحلبة أضمن لك من الشوارع اللي مش عارف أصحابها.
وبعدين قفل.
سيف فضل باصص للموبايل.
ماكانش التهديد مباشر، لكن الراجل عرف اسمه، وعرف إنه ملاكم، وعرف بالضبط الموقف اللي حصل امبارح.
وده معناه إن اللي حصل لروح ما انتهيش عند هروب الراجلين.
عم جلال قرب منه.
— مين يا ابني؟
سيف حط الموبايل في جيبه.
— واحد غلطان في الرقم.
عم جلال بص له بشك.
— هو الرقم الغلط يخليك تبص للموبايل كأنك عايز تكسره؟
سيف حاول يبتسم.
— معلش يا عم جلال، عندي حاجة لازم أعملها.
— حاجة إيه؟
— هكلم الكابتن فؤاد وأرجع لك.
عم جلال ما اقتنعش، لكنه ما ضغطش عليه.
— ماشي يا سيف. بس اسمع مني، اللي يشغلك عن شغلك لازم تكون عارف هو يستاهل ولا لأ.
سيف هز راسه، وخرج قدام المحل.
فتح سجل المكالمات، وبص للرقم المجهول.
كان ممكن يتجاهله.
كان ممكن يعتبره تهديد فاضي من شخص بيحاول يخوفه.
لكن فيه تفصيلة واحدة ما قدرتش تسيبه يهدأ.
الراجل ما قالش إنه عايز يوصل لروح.
قال إنه عارف إنها روح ناصر.
كأنه كان يعرفها من قبل.
سيف اتصل بالكابتن فؤاد.
رد فؤاد بعد الرنة التانية.
— خير يا بطل؟ لسه بدري على التمرين.
— معلش يا كابتن، كنت عايز أسألك في حاجة.
— قول.
سيف حكى له المكالمة من أولها لآخرها.
فؤاد سكت شوية، وبعدها قال:
— إنت قلت له إيه؟
— قلت له إني شفت اللي حصل، وإنه لو ليه علاقة بالموضوع يكلم الشرطة.
— كويس. اسمعني يا سيف، ما تحاولش تتصل بالرقم ده تاني، وما تدخلش في أي مواجهة مع حد مش عارفه. لو حد هددك بشكل واضح أو حاول يقرب منك، بلغ أهلك والشرطة.
— حاضر يا كابتن.
— وأنا عايزك تركز في اختبارك. إنت مش مسؤول عن كل حاجة بتحصل في الدنيا.
سيف سكت.
فؤاد لاحظ.
— سيف؟
— أيوه يا كابتن.
— إنت بتسمعني؟
— سامعك.
— طب قول لي، هتعمل إيه؟
سيف أخد نفسًا طويلًا.
— مش هروح أدور عليهم، ومش هواجه حد لوحدي. بس لو الموضوع له علاقة بالبنت، مش هقدر أتصرف كأني ماعرفش حاجة.
فؤاد اتنهد.
— أنا كنت عارف إنك هتقول كده.
— يعني إيه؟
— يعني إنت لسه بتتعلم تفرق بين إنك تساعد حد، وإنك تشيل عنه مشكلة مش فاهمها. ساعدها لو طلبت مساعدة، ووجّهها إنها تبلغ أهلها والشرطة، لكن ما تفتكرش إنك لازم تبقى بطل كل حكاية تدخلها.
سيف بص للشارع قدامه.
— فاهم يا كابتن.
— أتمنى المرة دي تكون فاهم فعلًا.
المكالمة انتهت.
وسيف رجع للمحل.
لكنه المرة دي، ما رجعش بنفس الهدوء اللي خرج بيه.
كان فيه سؤال واحد بيلف في دماغه:
مين اللي كان بيراقب الشارع امبارح، وعرف إنه هو اللي تدخل؟
### اللقاء التاني... لما الصدفة تبطل تبقى صدفة
في نفس اليوم، خرجت روح من الجامعة متأخرة عن المعتاد.
كانت مريم ماشية جنبها، بتحكي لها عن مشكلة حصلت بينها وبين واحدة من زميلاتهم، لكن روح ما كانتش مركزة.
مريم وقفت فجأة قدامها.
— إنتِ معايا يا بنتي؟
روح انتبهت.
— أيوه، معاكي.
— لأ، إنتِ جسمك معايا وعقلك في حتة تانية. مالك من امبارح؟
روح ترددت، وبعدها حكت لها اللي حصل، من لحظة ما الراجلين وقفوا لها لحد ما أبوها وصل.
مريم شهقت.
— يا نهار أبيض! وإنتِ ما قولتيليش غير دلوقتي؟!
— ما كنتش عايزة أقلقك.
— تقلقيني؟ ده أنا لو كنت مكانك كنت خدت تاكسي وفضلت أحكي للسواق لحد ما أوصل البيت!
روح ضحكت رغم توترها.
— إنتِ مجنونة.
— مجنونة؟ يا شيخة ده أنا عاقلة جدًا! المهم، أبوكي قال لك مين دول؟
روح هزت راسها.
— لأ. وكل ما أسأله يقول لي إن الموضوع قديم وإنه هيتصرف.
مريم بطلت هزار.
— طب وإنتِ هتعملي إيه؟
— مش عارفة. بس مش هفضل ساكتة.
مريم مسكت دراعها.
— طيب، على الأقل ما تمشيش لوحدك اليومين دول. وخلي بالك من أي حد يقرب منك.
روح اتضايقت.
— أنا مش عايزة أعيش خايفة.
— محدش قال لك عيشي خايفة. بس خدي بالك من نفسك، فيه فرق بين الشجاعة وإننا ندي الناس فرصة يأذونا.
روح ابتسمت بسخرية.
— إنتِ كمان بقيتي بتقولي حكم؟
— أيوه، وبدون مقابل كمان!
وصلوا عند الشارع الرئيسي، ومريم اضطرت تمشي في اتجاه مختلف.
روح كملت طريقها، وكانت ناوية تركب سيارة أجرة، لكنها افتكرت إنها محتاجة تشتري بعض الأدوات لمشروع الجامعة.
دخلت محل أدوات مكتبية قريب، واشترت اللي محتاجاه، ولما خرجت كانت الشمس بدأت تميل للغروب.
وقفت على الرصيف تحاول تطلب سيارة من موبايلها، لكن شبكة الإنترنت كانت ضعيفة.
رفعت عينها تدور على تاكسي، وفي اللحظة دي سمعت صوت مألوف جاي من جنبها.
— هو إنتِ كل ما أشوفك تكوني واقفة في موقف محتاج تدخل؟
لفت بسرعة.
كان سيف واقف قدام محل قطع الغيار المقابل، لابس قميص بسيط، وشنطته متعلقة على كتفه.
روح بصت له باستغراب، وبعدها عقدت حاجبيها.
— هو إنت بتراقبني ولا إيه؟
سيف رفع حاجبه.
— أراقبك؟ أنا شغال هنا يا آنسة، مش ناقصني شغل مراقبة كمان.
روح بصت للمحل، وبعدين له.
— آه، صح. محل قطع الغيار.
— أيوه. وده اسمه شغل، مش خطة سرية.
رغم إنها كانت متضايقة، ابتسامة صغيرة ظهرت على وشها.
سيف لاحظها، لكنه ما علقش.
— إنتِ كويسة؟ حد ضايقك تاني؟
ملامحها اتغيرت.
— لأ، محدش ضايقني. وأنا جاية أشتري حاجات للجامعة.
— تمام.
كان رده بسيطًا لدرجة إنها استغربت.
كانت متوقعة إنه يسألها عن اللي حصل، أو يكرر نصايحه، أو يتصرف كأنه مسؤول عنها.
لكنه رجع خطوة ناحية المحل، وكأنه هينهي الكلام.
روح لقت نفسها بتسأله قبل ما تفكر:
— هو... محدش كلمك؟
سيف وقف.
بصلها.
— مين؟
— أي حد بيسأل عني، أو عن اللي حصل امبارح.
سيف فهم إنها هي كمان حاسة إن الموضوع مش طبيعي.
تردد لحظة، وبعدين قرر ما يخبيش عنها.
— فيه واحد اتصل بيا النهارده وسألني عن اللي حصل.
روح وشها شحب.
— قال لك إيه؟
— سألني شفت إيه، ولما سألته مين هو، ما ردش. وبعدها قال لي أبعد عن الموضوع.
روح سكتت.
سيف كمل:
— أنا مش عارف هو مين، ومش هخمن. بس لازم تعرفي إن فيه حد عرف يوصل لرقمي، وعارف أنا مين.
روح ضمت الشنطة لصدرها.
— يعني هما ممكن يكونوا بيراقبونا؟
سيف رد بحذر:
— مش هنقدر نجزم بكده، لكن اللي حصل يستحق إنك تبلغي أبوكي بالتفاصيل، وتخلوه يتعامل مع الموضوع من خلال الشرطة.
روح بصت له طويلًا.
— إنت خايف؟
السؤال فاجأه.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— طبعًا بخاف.
روح ما كانتش متوقعة الإجابة.
— إنت؟!
— أيوه أنا. هو الملاكم لازم يبقى ما بيخافش؟ إحنا بنخاف عادي، بس بنتعلم ما نخليش الخوف يخلينا نتصرف بغباء.
روح سكتت لحظة، وبعدها قالت:
— أنا كنت فاكرة إنك مغرور.
سيف حط إيده على صدره بتمثيل مصدوم.
— كنتِ فاكرة؟ يعني لسه بتفكري في الموضوع؟
روح احمر وشها من الغيظ.
— يا أخي إنت مستفز!
ضحك.
— الحمد لله، دي أول حاجة نتفق عليها.
كانت هترد، لكن موبايلها رن.
اسم أبوها ظهر على الشاشة.
ردت بسرعة.
— أيوه يا بابا؟
صوت ناصر كان متوترًا.
— إنتِ فين دلوقتي؟
— خارجة من محل أدوات مكتبية، وراجعة البيت.
— إنتِ لوحدك؟
روح بصت لسيف.
— أيوه... يعني قابلت الشاب اللي ساعدني امبارح بالصدفة.
سكت ناصر على الطرف التاني.
سيف لاحظ التغيير في وشها.
— مالك؟
روح حطت إيدها على الموبايل، وغطت السماعة.
— بابا عايز يعرف إنت معايا ولا لأ.
سيف رجع خطوة.
— قوليله إنك قابلتيني قدام المحل، وإنك هترجعي البيت في طريق عام. والأفضل حد من أهلك ييجي لك.
روح نقلت كلامه لأبوها.
ناصر رد فورًا:
— خليكِ مكانك. أنا جاي لك.
المكالمة انتهت.
روح رفعت عينها لسيف.
— هو جاي.
سيف هز راسه.
— كويس.
وبعدين أضاف:
— وعلى فكرة، أنا مش مغرور.
روح بصت له باندهاش.
— إيه علاقة ده بالموضوع دلوقتي؟!
— حبيت أوضح قبل ما تمشي.
ضحكت غصب عنها.
ولأول مرة من يوم ما قابلته، ضحكت من غير ما تحاول تخبي توترها.
لكن ضحكتها ما استمرتش طويلًا.
لأن عربية سوداء كانت واقفة في الناحية التانية من الشارع.
زجاجها غامق، ومحركها شغال.
ومن ورا الزجاج، كان فيه شخص بيراقبهم.
ولما سيف لف ناحية العربية، اتحركت ببطء، وبعدها اختفت وسط الزحمة.
سيف فضل متابعها بعينه.
روح لاحظت.
— إيه؟
— مفيش... يمكن عربية مستنية حد.
لكن صوته ما كانش مقنعًا حتى لنفسه.
لأنه كان متأكد من حاجة واحدة.
العربية دي ما كانتش موجودة هناك من غير سبب.
### ناصر يوصل... والاسم اللي قلب ملامحه
ناصر وصل بعد حوالي عشر دقايق.
نزل من العربية بسرعة، واتجه ناحية روح، لكنه قبل ما يسألها إذا كانت بخير، وقعت عينه على سيف.
وللحظة قصيرة، اتغيرت ملامحه.
ماكانش تغيير كبير، لكنه كان واضحًا لدرجة إن سيف لاحظه.
ناصر بص له كأنه بيحاول يفتكر حاجة.
وبعدين قرب.
— إنت سيف مراد، صح؟
سيف استغرب.
— أيوه يا فندم.
ناصر هز راسه ببطء.
— غريبة.
روح بصت لأبوها.
— غريبة إيه يا بابا؟
ناصر ما ردش عليها.
فضل باصص لسيف، وبعدين سأله:
— إنت عندك كام سنة؟
— عشرين.
— ووالدك اسمه مراد؟
سيف حس إن الأسئلة بقت أغرب من اللازم.
— أيوه. حضرتك تعرفه؟
ناصر سكت.
كان فيه اسم بيتردد في ذاكرته، ووش قديم مش قادر يحدد إذا كان بيتذكره فعلًا، ولا إن خوفه هو اللي بيحاول يربط بين حاجات مالهاش علاقة ببعض.
قال أخيرًا:
— لأ، مجرد سؤال.
روح تدخلت بضيق.
— يا بابا، إنت بتسأل عن سنه واسم أبوه ليه؟
ناصر لف لها.
— علشان عايز أطمن إن كل حاجة تمام.
— وإيه علاقة اسم أبوه بالاطمئنان؟
ما ردش.
سيف حس إن وجوده بقى تقيل، فقرر ينهي الموقف.
— أنا لازم أرجع شغلي يا فندم. لو احتجتوا أي حاجة، بلغوا الشرطة، وأنا مستعد أقول لهم اللي شفته.
ناصر مد إيده وصافحه.
لكن قبضته كانت مشدودة أكتر من المرة الأولى.
— شكرًا يا سيف. ومعلش لو أسئلتي ضايقتك.
— ولا يهمك يا فندم.
سيف اتحرك ناحية المحل، لكن قبل ما يدخل، سمع ناصر بيناديه.
— سيف!
لف له.
ناصر كان واقف جنب العربية، وعينه ثابتة عليه.
— والدك... مراد ده، شغال إيه؟
سيف استغرب السؤال للمرة التانية.
— كان شغال في ورشة زمان، ودلوقتي صحته مش مساعداه يشتغل زي الأول. ليه يا فندم؟
ناصر اتراجع خطوة صغيرة.
الورشة.
مراد.
السنين القديمة.
كل تفصيلة كانت بتفتح باب في ذاكرته، لكنه ماكانش مستعد يصدق اللي بيخطر على باله.
ابتسم ابتسامة باهتة.
— مفيش يا ابني. ربنا يشفيه ويعافيه.
سيف شكره، ودخل المحل.
ناصر فضل مكانه للحظات.
روح قربت منه.
— بابا، إنت تعرف سيف؟
ناصر هز راسه بسرعة.
— لأ.
— أمال كنت بتسأله ليه كده؟
— قلت لك مجرد سؤال.
روح بصت له بعدم اقتناع.
— إنت بتكدب عليّا.
ناصر فتح باب العربية.
— اركبي يا روح.
— مش هركب قبل ما أفهم!
ناصر لف لها، وصوته ارتفع لأول مرة:
— اركبي يا روح!
اتجمدت مكانها.
مش لأنها خافت من صوته، لكن لأنها ما كانتش متعودة تسمعه بالطريقة دي.
ناصر نفسه اتفاجئ من رد فعله.
أخد نفسًا، وحاول يهدي صوته.
— معلش يا حبيبتي. أنا مضغوط شوية، ومش عايز أتكلم في الشارع.
روح ركبت العربية من غير ما ترد.
لكن قبل ما يقفل الباب، بصت ناحية المحل.
سيف كان واقف عند الباب، بيراقبهم باستغراب.
ولما عينيها قابلت عينه، حسّت إنها عايزة تسأله سؤالًا واحدًا:
إنت مين يا سيف مراد، علشان مجرد اسمك يخلّي أبويا بالشكل ده؟
### في بيت مراد... ذكرى كان لازم تفضل مدفونة
رجع سيف البيت في آخر النهار، وكان لسه بيفكر في تصرف ناصر.
ماكانش من عادته يشغل باله بأسئلة الناس، لكن طريقة الراجل كانت غريبة.
مش بس لأنه سأله عن اسم أبوه.
لكن لأنه، للحظة، بدا كأنه سمع اسم مراد قبل كده.
دخل الشقة، ولقى أبوه قاعد في الصالة، وأمه بتحضر العشا.
— السلام عليكم.
أمينة ردت من المطبخ:
— وعليكم السلام يا حبيبي. تعالَ اغسل إيدك، الأكل قرب يجهز.
مراد بص له.
— مالك؟ شكلك سرحان.
سيف قعد على الكرسي المقابل له.
— قابلت البنت اللي ساعدتها امبارح تاني.
مراد ابتسم.
— خير؟
— خير إن شاء الله. بس أبوها كان بيتصرف بطريقة غريبة.
— غريبة إزاي؟
سيف حكى له عن الأسئلة اللي ناصر سأله إياها، وعن الطريقة اللي اتغيرت بيها ملامحه لما عرف اسمه.
مراد فضل ساكت لحد ما سيف خلص.
وبعدين سأله:
— إنت قلت له اسمك كامل؟
— أيوه. سيف مراد. هو كان عارف اسمي من قبل كده، علشان اللي اتصل بيا الصبح.
مراد رفع عينه بسرعة.
— حد اتصل بيك؟
سيف استغرب اهتمام أبوه المفاجئ.
— أيوه، واحد مجهول. سألني عن اللي حصل مع البنت، وقال لي أبعد عن الموضوع.
مراد قام من مكانه.
— وإنت رديت عليه بإيه؟
— قلت له لو ليه علاقة بالموضوع يروح للشرطة.
مراد مرر إيده على وشه.
— يا رب استر.
سيف وقف هو كمان.
— مالك يا بابا؟ إنت تعرف حاجة؟
مراد بص له.
كان واضح إنه بيحاول يقرر إذا كان يقول له اللي في باله، ولا يفضل ساكت.
أمينة خرجت من المطبخ، ولاحظت إن الاتنين واقفين ووشوشهم متغيرة.
— فيه إيه يا جماعة؟
مراد رد بسرعة:
— مفيش يا أمينة، كنا بنتكلم في شغل سيف.
لكن سيف ما اقتنعش.
— لأ يا بابا، إنت اتغيرت أول ما حكيت لك عن اسم أبوها. هو ناصر ده تعرفه؟
مراد سكت.
وبعد لحظات قال:
— الاسم ده... أنا سمعته قبل كده.
سيف قرب منه.
— فين؟
مراد نزل عينه.
— من سنين طويلة.
— تعرفه شخصيًا؟
— مش متأكد.
سيف عقد حاجبيه.
— يعني إيه مش متأكد؟
مراد رجع قعد، كأن السؤال أخد منه طاقة أكبر من اللي عنده.
— يا سيف، فيه ناس بتعدي في حياتنا، وبعدين بنفتكر إننا نسيناها. لكن ساعات اسم واحد بيخلينا نفتكر حاجات كنا فاكرين إنها انتهت.
سيف قعد قدامه.
— طب والحاجات دي ليها علاقة بيا؟
مراد رفع عينه له.
السؤال كان بسيطًا، لكن إجابته ما كانتش بسيطة.
— مش عارف.
سيف حس بالضيق.
— إزاي مش عارف يا بابا؟ أنا مش طالب منك تحكي لي تاريخ حياتك كله. أنا بس عايز أفهم إذا كان فيه خطر علينا.
مراد سكت شوية.
وبعدين مد إيده ناحية درج صغير جنب الكرسي، وفتحه.
طلع منه علبة معدنية قديمة، كانت مغطاة بطبقة خفيفة من التراب.
سيف بص للعلبة باستغراب.
— إيه دي؟
مراد حطها على الترابيزة، لكنه ما فتحهاش.
— حاجات قديمة تخصني.
— حاجات إيه؟
مراد مرر إيده على الغطاء.
— صور، وأوراق، وحاجات كنت محتفظ بيها من أيام ما كنت بشتغل في الورشة القديمة.
سيف افتكر كلامه عن الورشة.
— الورشة اللي قبل ما تتعب؟
مراد هز راسه.
— أيوه.
— طب افتحها يا بابا. يمكن تفتكر حاجة عن ناصر.
مراد فضل باصص للعلبة.
كان عارف إن فتحها مش هيغير الماضي، لكنه ممكن يغيّر كل حاجة جاية.
وفي الآخر، رفع الغطاء.
كان جواها صور قديمة، ومفاتيح صدئة، وورق مطوي بعناية.
مراد بدأ يقلب في الحاجات واحدة واحدة، لحد ما وقف عند صورة صغيرة.
طلعها، وبص لها.
وشه اتغير.
أمينة قربت منه.
— مالك يا مراد؟
ما ردش.
سيف مد إيده.
— وريني يا بابا.
مراد ناوله الصورة ببطء.
كانت صورة قديمة لثلاثة شباب واقفين قدام ورشة صغيرة.
واحد منهم كان مراد، أصغر بسنين طويلة.
والتاني رجل ما يعرفوش سيف.
أما الثالث...
فكان ناصر.
نفس ناصر اللي قابله النهارده.
سيف رفع عينه لأبوه.
— إنتوا كنتوا تعرفوا بعض فعلًا!
مراد هز راسه ببطء.
— أيوه.
— طب ليه قلت لي إنك مش متأكد؟
مراد ضغط على شفتيه.
— علشان ماكنتش عايز أفتكر.
سيف بص للصورة تاني.
— وإيه اللي حصل بينكم؟
مراد سكت طويلًا، وبعدها قال:
— حصلت حاجة خلت كل واحد فينا يمشي في طريق مختلف. وأنا كنت فاكر إن كل واحد كمل حياته وخلاص.
سيف حط الصورة على الترابيزة.
— والراجل اللي في النص ده مين؟
مراد بص للصورة.
كانت فيه مساحة ممزقة عند طرفها، كأن حد حاول يشيل جزءًا منها بعنف.
قال مراد بصوت واطي:
— ده اللي أنا مش عايز أفتكره يا سيف.
سيف حس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد معرفة قديمة.
— طب هو لسه عايش؟
مراد ما ردش.
لكن قبل ما سيف يكرر السؤال، مد إيده وأخد الصورة من الترابيزة.
قلبها على ظهرها.
كان فيه تاريخ مكتوب بخط قديم، وتحته جملة قصيرة:
«اللي اتدفن في الليلة دي، ماكانش المفروض يرجع.»
سيف قرأ الجملة مرتين.
وبعدين رفع عينه لأبوه.
— إيه معنى الكلام ده؟
مراد أخد الصورة من إيده بسرعة، كأنه ندم إنه خلاه يشوفها.
— اسمعني يا سيف، لو حد سألك عني، أو عن الورشة القديمة، أو عن أي حاجة حصلت زمان، ما تدخلش في كلام معاه قبل ما ترجع لي.
سيف وقف.
— ليه؟
مراد رفع صوته:
— علشان أنا أبوك، وبقول لك خليك بعيد عن الموضوع!
ساد الصمت.
أمينة بصت لمراد بصدمة، وسيف فضل واقف مكانه، مش قادر يصدق إن أبوه اللي طول عمره بيطلب منه يواجه مشاكله، هو نفسه بيطلب منه يهرب من حاجة ما يعرفهاش.
قال سيف بهدوء:
— أنا مش هعمل حاجة من وراك يا بابا. بس لو فيه حد بيهددني أو بيهددك، لازم أعرف أنا بواجه إيه.
مراد غمض عينه للحظة.
وبعدين قال:
— يا ريتني كنت أعرف أحميك من كل حاجة يا ابني.
الجملة خلت غضب سيف يهدأ شوية.
قرب منه، وقعد جنبه.
— إنت مش مطالب تحميني من كل حاجة. بس ماتخلينيش أواجه حاجة وإنت عارف عنها أكتر مني.
مراد بص له، وكان واضح إنه عايز يتكلم.
لكن في اللحظة دي، جرس الباب رن.
أمينة راحت تفتح.
وبعد ثوانٍ، سمعوا صوتها بتقول باستغراب:
— أستاذ ناصر؟ اتفضل.
سيف ومراد بصوا لبعض في نفس اللحظة.
ناصر وصل لحد بيتهم.
### المواجهة اللي بدأت من غير استعداد
ناصر دخل الصالة، وملامحه كانت مشدودة.
أول ما شاف مراد، وقف مكانه.
مراد قام ببطء.
الراجلين فضلوا باصين لبعض، من غير ما حد فيهم يتكلم.
أمينة كانت بتبص بينهم، مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
أما سيف، فكان واقف جنب أبوه، حاسس إنه دخل فجأة في فصل من حكاية قديمة محدش شرح له بدايتها.
ناصر كان أول واحد كسر الصمت.
— إزيك يا مراد؟
مراد رد ببرود:
— كنت أحسن قبل ما أشوفك.
ناصر استقبل الكلام من غير اعتراض.
— من حقك تزعل.
مراد ضحك ضحكة خالية من الفرح.
— من حقي؟ بعد كل السنين دي جاي تقول لي من حقي أزعل؟
ناصر بص ناحية سيف.
— أنا محتاج أتكلم معاك لوحدنا.
سيف تدخل فورًا:
— لو الكلام له علاقة بيا، أنا هفضل موجود.
ناصر بص له، وبعدها رجع بعينه لمراد.
— واضح إنك ما قلتلوش حاجة.
مراد رد بعصبية:
— وإنت جاي هنا علشان تقول له إيه؟!
أمينة قربت منهم.
— يا جماعة، حد يفهمني فيه إيه؟ إنتوا تعرفوا بعض منين؟
ناصر أخد نفسًا طويلًا.
— أنا ومراد كنا نعرف بعض من زمان. كنا شغالين في نفس المكان، وكان بيننا شغل مشترك.
مراد قاطعه:
— شغل مشترك انتهى من سنين.
ناصر هز راسه.
— أنا عارف.
— لأ، إنت مش عارف. لو كنت عارف، ماكنتش جيت لحد هنا.
ناصر سكت لحظات، ثم قال:
— أنا ما جيتش علشان أفتح الماضي. أنا جيت علشان أحذرك.
مراد بص له بحذر.
— تحذرني من إيه؟
ناصر قرب خطوة.
— فيه ناس رجعت تدور على حاجات قديمة. واسمك اتذكر.
سيف حس ببرودة تسري في جسمه.
— مين الناس دي؟
ناصر بص له.
— مش عارف كلهم.
مراد ضرب بإيده على الترابيزة.
— كفاية لف ودوران يا ناصر! إنت كنت عارف إن الموضوع ممكن يرجع، وسكت. دلوقتي بعد كل السنين دي جاي تقول لي إن اسمي اتذكر؟!
ناصر رد بوجع واضح:
— أنا حاولت أقفل الحكاية دي. والله حاولت.
مراد قرب منه.
— وإنت فاكر إنك الوحيد اللي دفع تمنها؟!
الصوت ارتفع، وأمينة حطت إيدها على صدرها.
سيف وقف بينهما.
— خلاص! محدش هيفهم حاجة لو كل واحد فيكم بيزعق للتاني. أنا عايز أعرف حاجة واحدة: إيه علاقة الموضوع ده بيا؟
الراجلين سكتوا.
سيف كرر السؤال:
— ليه حد يتصل بيا ويسألني عن روح؟ وليه أبوها يسأل عن اسم أبويا؟ وليه إنت يا بابا بتطلع صور قديمة مكتوب عليها كلام عن حاجة اتدفنت وماكانش المفروض ترجع؟
ناصر بص لمراد.
ومراد بص له.
كانت فيه حقيقة واقفة بينهم، وكل واحد فيهم عارف جزءًا منها، لكن مفيش واحد مستعد يكون أول شخص ينطقها.
وأخيرًا، ناصر قال:
— علشان اللي حصل زمان ما انتهيش يا سيف.
سيف رد بسرعة:
— إيه اللي حصل؟
ناصر فتح فمه، لكن مراد قاطعه:
— مش هنا.
ناصر هز راسه.
— عندك حق.
اتجه ناحية الباب، لكنه قبل ما يخرج، وقف وبص لسيف.
— خليك بعيد عن بنتي الفترة دي.
سيف عقد حاجبيه.
— حضرتك بتطلب مني أبعد عنها ليه؟ أنا ما عملتش حاجة غير إني ساعدتها.
ناصر رد بنبرة حزينة:
— وده بالضبط اللي مخليني خايف.
سيف ما فهمش.
— خايف من إيه؟
ناصر بص له نظرة طويلة، ثم قال:
— لأنك لو فضلت قريب منها، ممكن تكتشف حاجات أنا قضيت عمري بحاول أخليها ما تعرفهاش.
مراد اتجمد مكانه.
— ناصر!
لكن ناصر كان فتح الباب بالفعل.
خرج، وقفل الباب وراه.
وساب وراه صمتًا أثقل من أي كلام اتقال.
سيف لف ناحية أبوه.
— أنا مش هقدر أستنى أكتر من كده. عايز أعرف الحقيقة.
مراد رجع قعد على الكرسي، وحط إيده على عينه.
— وأنا مش عارف أبدأ منين.
سيف قرب منه.
— ابدأ من أول حاجة حصلت.
مراد رفع عينه له.
ولأول مرة، ما طلبش منه يبعد عن الموضوع.
لكن قبل ما يتكلم، سمعوا صوت موبايل مراد بيرن.
رقم مجهول.
مراد بص للشاشة، وشه اتغير.
سيف لاحظ.
— مين؟
مراد ما ردش.
الموبايل فضل يرن.
لحد ما سيف مد إيده وقال:
— رد يا بابا.
مراد هز راسه.
— لأ.
لكن المكالمة اتقفلت، وبعدها بثوانٍ وصلت رسالة.
مراد فتحها.
كانت عبارة عن صورة قديمة لنفس الصورة اللي كانت في العلبة المعدنية.
لكن المرة دي، الصورة كاملة.
الثلاثة شباب واقفين قدام الورشة.
مراد.
ناصر.
والرجل الثالث.
وتحت الصورة مكتوب:
«واحد منكم كذب، وواحد منكم سكت، والتالت كان فاكر إن موته هيقفل الحكاية.»
سيف قرب من الموبايل.
— مين الراجل ده؟
مراد فضل باصص للصورة.
وشفتيه اتحركت باسم ما سمعوش سيف منه قبل كده.
— مستحيل...
سيف مسكه من كتفه.
— بابا! مين ده؟!
مراد رفع عينه له، وكان الخوف اللي فيها أكبر من إنه يتخبى.
قال بصوت واطي:
— ده الراجل اللي كلنا اتفقنا إنه مات.
وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة تانية.
«قول لابنك الحقيقة يا مراد... قبل ما يسمعها من الشخص اللي رجع علشان ياخد حقه.»
سيف بص لأبوه، وبعدها للموبايل.
كان طول عمره فاكر إن الماضي مجرد حكايات عاشها أبوه قبل ما يتولد، وإن مستقبله هو اللي هيحدد طريقه.
لكنه بدأ يفهم إن فيه حكايات بتفضل مستنية أصحابها، مهما طال الزمن.
وإن بعض الأسرار ما بترجعش علشان تتحكي...
بترجع علشان تغيّر حياة كل اللي حاولوا يدفنوها.
### النهاية... الاسم اللي ماكانش المفروض يرجع
في مكان بعيد عن بيت مراد، كان فيه رجل قاعد في أوضة هادية، قدامه صورة قديمة وملف بني سميك.
فتح الملف، وطلع منه ورقة مكتوب عليها اسم سيف مراد.
وتحت الاسم، كانت فيه صورة لسيف وهو خارج من مركز النصر، شايل شنطته على كتفه.
الرجل مرر إصبعه على الصورة، ثم رفع موبايله واتصل برقم محفوظ عنده من سنين.
رد صوت راجل من الناحية التانية:
— أيوه؟
قال الرجل بهدوء:
— اتأكدت.
— من إيه؟
— الولد هو ابن مراد فعلًا.
ساد الصمت للحظات.
ثم جاءه الرد:
— وناصر عرف؟
الرجل ابتسم ابتسامة غامضة.
— ناصر بدأ يشك. ومراد فتح الصندوق.
الصوت في الطرف التاني اتغير.
— يبقى لازم نتحرك قبل ما حد فيهم يحكي له الحقيقة.
الرجل قفل الملف، ووقف قدام الشباك.
ومن بعيد، كان صوت قطار بيعدي في الليل.
قال جملة واحدة قبل ما ينهي المكالمة:
— محدش هيفهم الحكاية كاملة... غير لما سيف يعرف مين الراجل اللي رجع من الموت.
وفي اللحظة نفسها، وصل لسيف إشعار برسالة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت صورة قديمة لأبوه وهو شاب، واقف جنب ناصر والرجل الثالث.
لكن تحت الصورة، كان فيه سطر واحد مكتوب:
«لو عايز تعرف أبوك خبّى عنك إيه، اسأل أمك عن اللي حصل ليلة ولادتك.»
سيف رفع عينه ببطء ناحية أمينة.
كانت واقفة عند باب المطبخ، بتبص له، ووشها فقد لونه بمجرد ما شافت الصورة على شاشة موبايله.
سيف وقف مكانه.
— ماما...
أمينة ما ردتش.
قرب منها خطوة، وصوته خرج متغيرًا:
— إنتِ تعرفي الراجل ده؟
أمينة بصت للصورة، وبعدها بصت لابنها.
وانهمرت دموعها فجأة.
همست بصوت مرتعش:
— يا نهار أسود... هو رجع فعلًا؟
سيف حس إن الأرض بتنسحب من تحت رجليه.
لأن أمه، اللي طول عمرها كانت بتطمنه إن ماضيهم انتهى، كانت تعرف الرجل اللي أبوه بيقول إنه مات.
والسؤال اللي فضل واقف في صدره ماكانش عن هوية الرجل وحدها.
كان عن الليلة اللي اتولد فيها.
إيه اللي حصل ليلة ولادته، وخلى أمه تخاف من صورة راجل المفروض إنه مات من سنين؟
وليه كل الناس دي مستعدة تخبي الحقيقة عنه... حتى لو كان تمنها إنه يدخل أخطر معركة في حياته من غير ما يعرف مين خصمه الحقيقي؟