رواية المطاريد الفصل الاول1 بقلم رباب حسين

رواية المطاريد الفصل الاول1 بقلم رباب حسين 
صوت البحر، وأمواجه العتية ترتفع وتعلو ثم تهدأ تحت قدميها تداعبهما بهدوء، النسمات تداعب خصلات شعرها. تقف أمام الشط تغلق عينيها لتتحسس أشعة الشمس وقت الغروب، تودع عشقهما لتذهب وتنير عشقاََ جديد في مكانٍ آخر، مد يده من خلفها وهو يبتسم بسعادة، وضعهما على عينيها فظهرت ابتسامتها فور الأحساس بدفئ راحتيه على وجهها، عبيره تسلل إلى صدرها فالتفت إليه ونظرت إلى عمق عينيه اللتان تحفظهما عن ظهر قلب ولو افترقنا أعواماََ وأعواماََ، ترى ابتسامته تضيء وجهه الجميل بملامحه الرجولية.

قاطع هذه اللحظة صوت طرقات الباب فعقدت حاجبيها وبدأت تتلفت حولها تبحث عن الباب على شط البحر. وبعد عدة طرقات فتحت عينيها بصدمة وبدأت تنظر حولها بتعجب، فوجدت نفسها بغرفتها. ظهر الحزن على وجهها.. "سحقاََ لقد كان حلماََ آخر."

على صوت طرقات الباب بضربات متتالية تحمل غضب من يطرقها. نهضت رهف لترى من الطارق، ربما يكون مريض يحتاج إلى علاج ضروري، وحين وصلها صوت الطارق؛ وقفت واتسعت عينيها من الصدمة عندما سمعته وهو يصيح بغضب قائلًا: إفتحي... إفتحي يا رهف أنا عارف إنك جوا، ومش هتعرفي تهربي مني تاني. مش هسيبك غير لما أقتلك بإيدي. إفتحي.

فتحت رهف فاهها وهي متجمدة مكانها ثم قالت بصوت مرتعش: حازم!

ركضت رهف على الفور بخوف عائدة إلى غرفة النوم، أخذت حقيبة وبدأت تجمع أغراضها القليلة سريعاََ، أمسكت بمعطف ثقيل بيدها وحملت حقيبة الملابس على ظهرها، وحملت الحقيبة الخاصة بها كطبيبة التي تضع بها أدواتها الطبية. فتحت النافذة وسط صياح حازم الذي يحاول كسر الباب ليقتحم المكان. نظرت رهف إلى أسفل، المسافة قريبة ولكن تشعر بالخوف من القفز. فألقت حقيبة ملابسها وقفزت فوقها. وحين ارتطمت بالأرض ظهرت علامات الألم على وجهها قليلاََ، ولكن تحملت حتى نهضت وأخذت حقيبتها. ركضت إلى الطريق العام وأوقفت أول سيارة أجرة قابلتها، صعدت بها وهي تننفس بصعوبة من الخوف الشديد، عيناها تدور بكل مكان بترقب كي تتأكد أنه لا يلحق بها، ثم طلبت من السائق التحرك سريعًا.

بعد قليل، وما إن ابتعدت عن المكان؛ وضعت يدها على قلبها كي تطمئن نفسها وتتنفس الصعداء ثم حل الحزن على ملامح وجهها. فنظر السائق إليها وقال: إنتي كويسة يا أنسة؟

أومأت له رهف بنعم فأردف: طيب تحبي نروح فين؟

بدأت رهف تفكر أين تذهب، فلا مكان تلجأ إليه خاصةََ في هذا الوقت المتأخر. فكرت أن تذهب إلى المشفى التي تعمل بها، ولكن من المؤكد أن حازم سيعلم بعنوانها من مالك الشقة. تذكرت شيئاََ ما فأمسكت هاتفها وقامت بطلب رقم مديرها أيهم وحين سمعت صوته عبر الهاتف قالت: أيوة يا دكتور أيهم. حضرتك كنت طلبت حد يطوع في مركز صحي تبع الحكومة في الصعيد. صح؟

أيهم: أيوة بس الوضع هناك مش حلو للبنات، عشان كده طلبت دكتور يطوع ويروح الصعيد.. 

رهف: أيوة أنا عارفة إنه الوضع هناك مش حلو يعني، وحضرتك قلت عايز دكتور مش دكتورة، بس معلش يعني يا دكتور مين هيسيب القاهرة ويروح الصعيد متطوع يعني؟!

فكر أيهم قليلًا ثم قال: هو أنا فعلًا مش لاقي حد والوزراة عمالة تلح في الطلب. بس... إنتي هتسيبي القاهرة وتروحي الصعيد!

رهف: بصراحة محتاجة أبعد عن جو القاهرة شوية والزحمة، وفرصة أركز على الدكتوراة.

أيهم: فهمت، طيب تمام وقت ما تبقي مستعدة قوليلي وأنا أبلغ إنك رايحة.

رهف: تمام، أنا ممكن أروح دلوقتي وعلى ما أوصل أستلم الصبح. وتكون حضرتك بلغتهم برده.

أيهم: ماشي. روحي وأنا هبلغهم إنك رايحة.

رهف: تمام يا دكتور، شكرًا لحضرتك.

أنهت رهف المكالمة ونظرت إلى السائق وطلبت منه التوجه إلى محطة القطار.

وضعت رهف رأسها على نافذة السيارة وأغمضت عينيها، تتذكر هذا الحلم الجميل وتقول في نفسها: "ألا يوجد إلا النهاية الحزينة حتى في أحلامي!"
فتحت عينيها التي إمتلأت بالدموع وأزالتهم سريعاََ عن وجهها، محاولةََ منها بالتحلي بالقوة ثم قالت في نفسها: "لا تضعفي. ولا تسمحي لأي أحد أن يؤذيكي بهذا الشكل بعد الآن."

بعد وقت وصلت إلى محطة القطار. قطعت تذكرة لخط الصعيد وخاصةََ أسيوط. ثم جلست تنتظر قليلاََ حتى جاء موعد القطار. صعدت به وجلست بجوار النافذة تتفقد بعينيها الركاب، فرأت طفلة صغيرة تلعب مع والدها وتبتسم بسعادة فابتسمت لها وهي تسمع صوت قهقهتها اللطيفة، اختفت ابتسامتها وتذكرت أبيها الذي لم تراه منذ أعوام، ثم عقدت حاجبيها تتذكر كم مضى من الوقت منذ أن رأته آخر مرة، ظلت تتذكر حتى توصلت أنها لم تراه منذ خمسة عشر عاماََ.
وضعت رأسها على جانب القطار تنظر من النافذة وكأنها ترى ما مرت به، تذكرت آخر مرة رأت بها والدها، فكان يقف أمامها بغضب عارم وهي تركض من أمامه وتبكي بشدة، تحاول أن تفر من قبضته وتخبره بالحقيقة، ولكن كانت صدمتة قوية فلم يستمع لما تقول، ولم يعطي لها فرصة لتدافع عن نفسها.

فلاش باك

كانت تقف خلف الأريكة تحمل بيدها وسادة صغيرة لتقي وجهها من الأشياء التي يلقيها والدها عليها من مزهريات وأكواب، وهو يصيح بغضب

عمر : جبتيلي العار.. أعمل فيكي إيه! أودي وشي فين من الناس يا بنت ال***. لازم أقتلك وأغسل عاري بإيدي.

رهف ببكاء وخوف : يا بابا أنا مظلومة. إنت إزاي تصدق إني ممكن أعمل كده! أنا بنتك اللي مربيها على إيدك.

خلع عمر حزام بنطاله واقترب منها ليضربها به وهو يقول : إخرسي. مش عايز أسمع صوتك. ده أنا شايفك في الفيديو مع الرجالة بعيني دي ولسه بتكدبي عليا. أنا حمار إني وثقت فيكي.

هربت رهف من أمامه فحاول عمر أو يلحق بها، ولكن تعثرت قدماه في الطاولة وسقط على وجهه، جرح رأسه، فأخذت رهف كتبها وهربت من المنزل سريعاََ ولم منذ تلك اللحظة.

عودة من الفلاش باك

قطع شرودها صوت الرجل الذي يجلس بجوارها وهو يتحدث في الهاتف ويقول بعشق : وإنتي عارفة إني ماقدرش على زعلك. هروح بس البلد وهرجع على طول..... حاضر أول ما هرجع هشوف أخوكي زعلان ليه منك وأصالحكم كمان.

كلماته أعادت رهف إلى ذكرياتها مرة أخرى، تذكرت عندما لجئت إليه وكيف خاب ظنها به، ذلك الحبيب الذي ظنت أنه سيكون مصدر الأمان، كانت تظن أنه ملجئها، ولكن هيهات فكان أول من إستغل ضعفها، وأراد أن يسرق منها أعز ما تملك وهي في أضعف حالاتها.

حركت رهف رأسها يمينًا ويسارًا لتنفض هذه الذكريات الحزينة عن رأسها، والتي مهما مر عليها العمر تظل كسكينٍ حاد بقلبها الجريح. فقد قررت أن لا تضعف بسبب الماضي مجددًا وعليها فقط أن تكمل الطريق التي رسمته لنفسها.

ظلت تجلس شاردة إلى أن حدثتها امرأة كبيرة بالسن تجلس أمامها، قالت وهي تنظر إلى حقيبة الطبيب التي معها: هو إنتي داكتورة؟

ابتسمت رهف قليلاََ وقالت : أيوة.

المرأة : زين جوي. ورايحة فين عاد؟

رهف : وحدة صحية في أسيوط في قرية اسمها(.....) 

المرأة بصدمة : واه! بس دي واعرة عليكي جوي.

عقدت رهف حاجبيها بتعجب وقالت : ليه يا خالة بتقولي كده؟ 

المرأة : أصل فيها طار وجتل، والدكتور اللي بيروح هناك مابيكملش بسبب البهدلة.

تنهدت رهف وقالت : شغلنا بقى يا خالة. إدعيلي زي بنتك كده.

المرأة : ربنا ينجيكي منيهم يا بتي، وترجعي لأهلك بخير.

ظهر الحزن على وجه رهف وكأنها تتمنى الموت هناك على أن تموت على يد أخاها حازم أو أباها عمر.

عادت رهف لتضع رأسها على جانب القطار، وأغمضت عينيها واستسلمت للنوم، حتى استيقظت على صوت المرأة التي أمامها، تخبرها بأن القطار قد وصل إلى أسيوط، فنظرت حولها ورأت الشمس قد سطعت، فسألتها كيف تذهب إلى هذه القرية، فدلتها المرأة على الطريق الذي يبدو أنه طويل بعض الشيء.

غادرت رهف القطار لتبدأ رحلتها الجديدة في مكان لا تعرفه، كما فعلت مسبقاََ عندما تركت مدينتها وعائلتها هرباََ منهم وهي فتاة ذات السابعة عشر عاماََ. تنقلت من وسيلة مواصلات إلى أخرى حتى وصلت في النهاية إلى المركز الصحي، ووقفت أمامه تنظر إليه تتنفس براحة بعد أن قطعت تلك المسافة، وجدت المركز صغير، مكون من طابق واحد. أغمضت عينيها وقرأت الفاتحة ثم توجهت إلى الداخل.

رأت بعض الناس يقفون يتسائلون عن وجود طبيب، والممرضة تجيب بأن لم يأتي طبيباََ بعد إلى المركز. حاولت رهف أن تصل إلى الممرضة وسط زحام المرضى الذين يصيحون إعتراضاََ على عدم توفير أطباء كل هذه المدة.

الممرضة : يا جماعة أنا زي زيكم. اتفاجأت إن الدكتور هرب مرة واحدة، جيت الصبح لقيته مشي، طلبنا دكتور في لحظتها من الوزارة ولسه محدش جيه.

مريض : يعني نموت عاد؟!

مريضة : كله من المطاريد. الله يريحنا منيهم.

مريض : وبعدين... عايزين حل. نطلع يعني على المركز ونجدم بلاغ ولا إيه؟

أما رهف فكانت تستمع إليهم وتحاول أن تمر بينهم، حتى وقفت بجانب الممرضة وتنهدت وقالت : أنا الدكتورة الجديدة.

سمعها أهل البلدة وظلوا يصيحون عاليًا مطالبين بالكشف عليهم وعلى أولادهم المرضى، فقالت الممرضة : يا جماعة أصبروا نشوف هي مين ونتأكد.
ثم نظرت إلى رهف وقالت وهي تنظر إليها بتعجب : إنتي متأكدة إنك جاية تشتغلي هنا؟! 

رهف : أيوة متأكدة.

الممرضة : يا دكتورة الوضع هنا صعب عليكي. بلاش أحسن. أرجعي القاهرة.

صاح بها المرضى معترضين فقالت الممرضة : بلاش أنانية يا ناس. إنتوا عارفين اللي ممكن يحصلها. ودي أنسة مش هتنفع مع الناس هنا.

ظل المرضى يصيحون بها فقالت رهف : بببس بس.. مالهم الناس ما هم زي الفل أهم. اطمنوا أنا قاعدة مش همشي. يلا خدوا دور وأنا هروح أوضة الكشف ونبدأ على طول.

نظرت رهف إلى الممرضة وقالت : يلا وديني أوضة الكشف يااااا

الممرضة : مي... سمي مي.

رهف : وأنا رهف عمر عرابي. أخصائي بطني.

رحبت بها مي وأخذتها إلى غرفة الكشف. استعدت رهف لإستقبال المرضى، وانشغلت بالعمل حتى إنقضى اليوم. دخلت مي الغرفة وقالت : خلاص كده يا دكتورة مفيش عيانين تاني برا.

زفرت رهف براحة بعد هذا اليوم الشاق وقالت : الحمد لله. أنا خلاص هموت وأنام. هو أنا هنام فين صحيح؟ 

مي : حضرتك طبيب مقيم. يعني هتفضلي هنا في الوحدة الصحية، وليكي أوضة فوق تقدري تحطي حاجتك فيها، عشان لو جات أي حالة تبقي موجودة.

رهف : طيب أنا جعانة.

مي : بنحضر الأكل برا عشان ناكل سوا. تقدري تطلعي تشوفي الأوضة، لو تحبي أنا هوصلك. تغيري هدومك وبعدين تنزلي تلاقي الأكل جاهز.

نهضت رهف وقالت : طيب تمام.. أنا هطلع الأوضة.

ذهبت رهف مع مي ورأت الغرفة. كانت بسيطة ولكن لم يمثل لها مشكلة، فقد رأت أسوء من ذلك منذ أن هربت من المنزل.
وضعت رهف أغراضها وبدلت ثيابها. ثم نزلت إلى أسفل. وجدت الممرضات وعاملين النظافة يتناولون الطعام معًا. فجلست بينهم وتعرفت عليهم. شرعت بالأكل وهي تستمع إلى حديثهم عن أحوال البلد. وبدأت تتسائل عن المطاريد. وقالوا أنهم يسكنون الجبل الذي يقع في أطراف القرية، وهم من المجرمين المطلوبين للعدالة. وهناك مشاكل دائمة بينهم وبين الشرطة.

انتهوا من الطعام وغادروا جميعاََ المركز الصحي عدا ممرضة واحدة وحارس المركز.
صعدت رهف إلى غرفتها ولكن لم تستطع النوم. فا المكان غريب ولا تشعر بالألفة بعد. فنهضت من على الفراش ونظرت عبر النافذة. وجدت المناخ بالخارج جميل. رغم برودة الجو ولكن رائحة المطر المختلطة مع الزرع حول المركز أعطت نسمة رائعة ورائحة مختفة. فارتدت معطفها ونزلت إلى خارج المركز. جلست على أريكة أمام الباب. نظرت السماء فوجدت القمر المكتمل أمامها ونوره أضاء وجهها الأبيض البريء. تذكرت تلك الليلة التي لم تنساها قط، فشعرت بألم قلبها وأغمضت عينيها تتذكر أحداث ذلك اليوم تمر أمامها مجدداََ.

فلاش باك

كانت رهف تركض في الشارع هرباََ من عمر الذي يحاول قتلها بسبب ذلك الفيديو، وهي لا تعلم كيف تم تصويره، تذكرت شيء، فوقفت تلتقط أنفاسها وهي تفتح عينيها متعجبة؛ هل حدث هذا باليوم الذي فقدت وعيي به ولم اتذكر ما حدث؟ عادت تركض بخوف حتى وقفت في منتصف الطريق أمام البحر على كورنيش الأسكندرية، كان البحر غاضبًا كغضبها مما يحدث لها الآن، لا تعلم أين تذهب. فتذكرت حبيبها وقررت أن تلجأ إليه حتى يحميها منهم. فذهبت مسرعة إلى منزله الذي يقطن به وحيداََ.

طرقت الباب وانتظرت قليلاََ، وإذا بيحيى يفتح وعلى وجهه غضب ونظرة لم تفهم معناها. وعندما رأها أسودت عيناه من الغضب وأمسكها من يدها وجذبها إلى الداخل، وهي ترتجف من البرد وتقول : خبيني يا يحيى... هيموتوني.

نظر لها يحيى وعقد ذراعيه أمام صدره بهدوء كعادته وقال : هما مين؟

رهف : أهلي.. أنا ماعرفش إيه اللي بيحصل ومرعوبة، وماعنديش حد ألجئله غيرك.

تنهد يحيى وقال : ومش خايفة تقعدي عندي هنا وإنتي عارفة إني قاعد لوحدي؟ 

شعرت رهف بالخوف قليلاََ وقالت : بس أنا واثقة فيك. بتخوفني ليه يا يحيى؟

ابتسم يحيى بتهكم وقال : واثقة فيا! طبعاََ ما أنا الوحيد اللي طلعت مغفل فيهم وشفتك بطريقة تانية غيرهم، أو يمكن عشان محترم شفتك زيي. بس تصدقي إني طلعت مغفل أوي. إزاي ماخدتش بالي إنك إنتي اللي قعدت تلمحي إنك معجبة بيا. وكنتي تجري ورايا وماسبتيش فرصة غير لما تقربي مني!

اقترب منها يحيى بخطوات ثابتة وكلما اقترب كلما خطت رهف إلى الخلف وهي تنظر إليه بتوجس من نظراته و حديثة وغضبه.

يحيى : كنت مغفل. بس خلاص مش هبقى مغفل تاني. وطالما لعبتي عليا وخليتيني أقع في حبك وإنتي من أيد ده لأيد ده. يبقى من حقي إني أخد بطاري منك. ولا أنا ماليش نفس؟ 

ثم أنقض عليها ليمسك بها من شعرها. وسحبها إلى الغرفة الداخلية وهي تصيح به بأن يتركها.حاولت أن تتملص من قبضته وهي تترجاه أن يتركها، وتقسم له أنها لم تفعل شيء. فدفعها يحيى إلى الفراش وهو يصيح بغضب عارم لم تراه رهف من قبل وقال : كفاااااية كدب! خدعتيني وكدبتي عليا. تكدبي عليا أنا! يحيى التهامي. أنا بقى هوريكي يحيى اللي قعدتي تلعبي عليه عشان تكسبيه غضبه عامل إزاي.

إنقض عليها وقيد يدها وهي تحاول أن تدفعه عنها، ولكن لم تستطع فهو طويل وقوي البنية وهي ضئيلة الحجم بالنسبة له، فأخذت تبكي وهي تنظر إليه وتقول : لا يا يحيى إنت ماتعملش كده... مش أخلاقك، ولا أنت الراجل اللي يستغل ضعف واحدة قدامه. لو كنت شاكة في أخلاقك ١٪ ماكنتش جيت لحد عندك واتحاميت فيك. معقول أطلب حمايتك وتعمل فيا كده! أرجوك يا يحيى ماتضيعنيش ولا تخسر نفسك بسبب غضبك.

نظر لها يحيى وعينيه تتأمل وجهها الباكي أمامه، لم يستطع أن يفعل هذا بها، فحتى إذا كانت تبيع شرفها لأجل المال فلن يخسر ذاته لأجلها ويصبح مثلها. فنهض من الفراش ووقف أمامها وأعاد خصلات شعره إلي الخلف وقال : أنا مش عايز أشوف وشك تاني.. لو شفتك مرة تانية مش هسيبك وهاخد حق اللي عملتيه فيا. بس أنا أسف مايشرفنيش إني أخلي واحدة زيك في بيتي تسوء سمعتي وسمعة عيلتي. إطلعي برا مالكيش مكان في بيتي.

نهضت رهف وهي تبكي وتحتضن جسدها بخوف مما فعل. كيف صدق ما يقال عنها!بل كاد أن يفعل بها هذا! وما إن اقتربت من الباب حتى سمعت صوته القوي وهو يقول : إستني.

وقفت رهف والفتت إليه فألقى بوجهها معطفه وقال : عشان نبقى خالصين.

أخذته وخرجت من المنزل تركض بالشارع مرة أخرى. 

عودة من الفلاش باك

فتحت رهف عينيها والدموع تنساب على وجهها وقالت في نفسها : "كيف تسكن قلبي حتى الآن! فقد خذلتني في أشد وقت كنت بحاجةٍ إليه به؟ ولا زالتي تحلمي به! وتتمني رؤية نظرة الحب التي كانت تملأ عينيه! كم أنتي مغفلة!

قطع تفكيرها أصوات عالية تقترب من المركز الصحي فقال الحارس بفزع : أدخلي جوا يا دكتورة بسرعة.

رهف : فيه إيه يا إسماعيل؟!

إسماعيل : يا بتي إدخلي جوا عاد الله يرضي عنيكي.

رهف : إستنى بس يا عم إسماعيل مش يمكن حادثة ومحتاجين دكتور.

نظرت رهف بعيداََ فوجدت أحد الرجال يركض إلى المركز الصحي ويحمل بيده سلاح، فعقدت رهف حاجبيها بتعجب، وعندما اقترب منها شعرت بالخوف من هيئته، حاولت أن تهرب منه ولكن أمسكها من ثيابها وقال بصوت أجش : إنتي الداكتورة؟! واه جايبين حريم تمرض إهنيه! الله يستر عليكي. جدامي على الجبل.

سحبت رهف يدها منه بقوة وقالت : جبل إيه إنت مجنون! إبعد عني مش رايحة في حتة.

الرجل : بجولك إطلعي معاي. الرجالة اتصاوبوا فوج وعايزين حكيم، همي عاد.

أمسكها الرجل من ملابسها وجذبها بعنف خلفه، وهي تستغيث لعل أحد ينقذها من يده، وعندما إبتعدا قليلاََ؛ سمعت رهف صوت طلق ناري فسقطت أرضاََ ووضعت كلتا يديها على مؤخرة رأسها. رأت الرجل الذي كان يجذبها عنوة ملقى على الأرض بجوارها قتيلًا. نظرت إليه بعينين مشدوهتين، ثم وضعت يدها على جرحه لوقف النزيف، وهي تتلفت حولها لترى من أين أتى هذا العيار الناري، حتى شعرت بيد تجذبها فوقفت والتفتت إليه، وجدت رجل طويل القامة يجذبها خلفه ولم ترى ملامحه، وقال في صوت قوي : ورايا.

جذبها من يده وهي لا ترى أين تذهب وسط هذه الأراضي، ولا يوجد ضوء كافي. فقالت بتوتر : بس الراجل هيموت! لازم ألحقه.

لم يستمع إليها حتى توقفت وقالت : بقولك أقف الراجل هيموت.

إلى أن وصلا إلى مكان به إضاءة خافتة، فالتفت ونظر إليها، وإذا بضوء سيارة الشرطة تقترب منهما، فأضاءت لهما المكان، نظر بعضهما إلى بعض واتسعت عيناهما، أغمضت عينيها بقوة وأعادت فتحهما لتتحقق مرة أخرى. يحيى يقف أمامها!
ظهر الغضب على وجهه، ثم صاح الضابط بفزع : يحيى إستخبى، المطاريد بيحاصروا المكان.

جذبها يحيى خلف الشجرة وأسند ظهرها عليها وحاوطها بذراعيه. نظر إليها وهو لا يصدق ما يرى، فأصبحت أجمل مما كانت. تاه في بحر عينيها كما كان يفعل سابقاََ. شعر بنبض قلبه لها يعلو كطلاقات الرصاص التي ملأت المكان. تبادل المطاريد والشرطة الأعيرة النارية، ثم لمح أحد رجال المطاريد يحيى من خلف الشجرة، فبدأ يصوب نحو الشجرة، فقطع نظراتهما لبعض. جذبها يحيى إلى صدره يحميها من الرصاص. ثم أخرج سلاحه وصوب على الرجل. فأرداه قتيلًا. رأت رهف ما حدث فنظرت له بصدمة بعد أن رأته قد قتل هذا الرجل دون أن ترف عينيها، فقالت : أحلف!

ثم صاح أحدهم

خالد : أرجع يا يحيى على السرايا. لو المطاريد شافوك هيقتلوك. بسرعة يا يحيى وأنا هغطي ضهرك.

خرج يحيى مسرعاََ وجذب رهف خلفه، ولكن لمحه أحد المجرمين فأطلق الرصاص عليه فسقط يحيى أرضاََ على الفور أمامها. هبطت رهف تنظر إليه بذعر وهي تنادي قائلة : يحيى!

كان الألم الذي مرت به بعيدًا عنها لا يقارن بما شعرت به في تلك اللحظة؛ حين ظنت أنه قد يموت بالوقت الذي رأته فيه بعد فراق خمسة عشر عامًا.
هل ستنقذه رهف؟! أم تخسره!
تعليقات



<>