
رواية عاشق بدرجة بقلم الهام عبد الرحمن
رواية عاشق بدرجة الفصل الثاني والعشرون22والاخير بقلم الهام عبد الرحمن
🌹🌹
بعد خمس سنوات كان يزن يجلس فى حديقة منزله ينظر الى بعض الاوراق باهتمام حينما اتته تلك الفتاة وهى غاضبة بشدة وتقول.....
"ماهو بص بقا ياسى بابا بنتك دى لو مسمعتش الكلام انا... انا.. انا.. ممكن اقعد عليها ابططها يووووه دى رخمة اوى انتم خلفتوها ليه بس؟!"
يزن بابتسامةهادئة:"طيب اهدى بس ياقلب بابا وقوليلى عملتك فيكى ايه البنت الشقية دى وانا هجيبلك حقك منها."
"يابابا كل لما اقولها حاجة تعمل عكسها وبتقعد تغيظ فيا وتستفزنى وبتقعد تلعب فى حاجاتى وتبهدلها "
يزن: طيب بس هدى كدا ياقطتى مش عاوز اشوفك مكشرة وزعلانة بالشكل دا انا هقوم دلوقتي اضربها علقة جامدة عشان متبقاش تزعلك تانى ها كدا مبسوطه قوليلى بقا الاستاذة دى فين دلوقتي؟
"قاعدة فى اوضتى ومش راضية تخرج منها. "
هب يزن من مكانه واخذ ابنته واتجه الى حجرة ابنته الكبرى ليعاقب ابنته الصغرى، وحينما وصلا الى الحجرة نظرت الابنة الصغرى والتى تدعى آسيا بابتسامة بريئة الى والدها واختها، فاتجه والدها بوجه غاضب ناحيتها ورفع يده لكى يضربها ولكن اختها الكبرى وقفت امامها كدرع حماية فى حين ان آسيا احتمت بها وقالت...
"لا يابابا متضربهاش عشان خاطري. "
آسيا بخوف: انا معملتش حاجة يابابى انت عاوز تضربنى ليه؟
جذبها يزن من يدها وهو يبتسم ابتسامه رقيقة واحتضنها بشدة وقال...
"لا ياروحي انا مكنتش هضربك انتى بنوتى الصغيرة مقدرش أأذيكى انا كنت جاى أهزر معاكى أنا واختك مش كدا ياحبيبتى. قالها وهو بنظر الى ابنته الكبيرة والتى نظرت له باستغراب، فاكمل قائلا"
"وبعدين شوفتى اختك خافت عليكى ازاى لما افتكرت هى كمان انى هضربك، شوفتى هى قد ايه بتحبك ومش عوزاكى تتأذى قوليلى بقا ياقطقوطة انتى بتزعلى اختك حبيبتك ليه منك؟ وليه قاعد بتضايقيها وبتلعبى فى حاجاتها؟ "
آسيا بطفولة: يابابى أنا مش بزعلها انا بحب اقعد معاها والعب معاها بس هى مش بتلعب معايا زى الاول وبتزعقلى كتير هى بقت كبيرة وطويلة وانا لسة صغنونة بس انا بحبها اوى حتى بعد ماطولت وبقت قد الشجرة وبحب اغيظها عشان تتكلم معايا بس خلاص مش هزعلها تانى ومش هلعب فى حاجاتها تانى بس قولها تلعب معايا.
يزن لابنته الكبرى: شوفتى ياقلبي اختك مفتقداكى ودا كان سبب تصرفاتها اللى اتضايقتى منها يعنى المفروض انتى الكبيرة كان لازم متبعديش عنها انتم مالكوش الا بعض انتم سند وضهر بعض اوعى فى يوم تتخلى عن اختك او ترفضى تسمعيها خليكى دايما الصدر الحنين شوفتى انتى خوفتى عليها ازاى مهانش عليكى زعلها ولا انى اضربها وعشان كدا وقفتى وحميتيها انا عاوزك كدا دايما ياحبيبتي لحد ماهى تكبر زيك وتفهم دى لسة زرعة صغيرة محتاجة اهتمام توعدينى تخلوا بالكم من بعض فى وجودى او فى غيابى.
"اوعدك يابابا وانا اسفة يمكن انا زودتها شوية بس خلاص انا فهمت ان الاخوات مالهومش غير بعض ومينفعش نضايق بعض ولازم نتحمل بعض فى كل الاحوال. "
يزن وهو يحتضنها: امورتى الحلوة اللى قلبها ابيض من اللبن الحليب، قوليلى بقا الست ماما فين وسيبانى انا احل مشكلة الشرق الاوسط دى؟
ابنته بضحك: قاعدة فى المطبخ من الصبح بتعمل صينية كيك وكل شوية تعيط وتقول انا بقيت شبه عربية الچيلاتى عشان خاطري روح شوفها يابابا اصل هرمونات الحمل بتاعتها دى هتدخلنا السرايا الصفرا.
يزن بضحك: بنت عيب كدا متتكلميش على حبيبتى بالشكل دا وبعدين هى عجبانى باى شكل وانا ياستى راضى بهرموناتها المتقلبة بس تقوم هى بالسلامة بس.
تركهم وذهب الى المطبخ حيث زوجته ووجدها تنظر الى بطنها وتقول بضيق....
"ايه دا بقيت عاملة زى الكورة كدا يزن معدش هيحبنى يالهوووى ليروح يبص لواحدة تانية يعنى انا كان لازم اتهف فى عقلى واوافقه على كلامه واخلف تانى اهو انا بقيت شبه المفتش كرومبو. "
ضحك يزن بشدة فالتفتت مسرعة له وعضت على شفاهها خجلا حينما علمت انه استمع لما قالته، فاقترب منها واحتضنها من خصرها ونظر لها بابتسامة حب وقال....
"انتى اجمل مفتش كرومبو شوفته فى حياتى واحلى كورة. "
زوجته بعبوس: ايه دا يايزن فى حد يقول كدا اخص عليك بقا انا بجد شبه كرومبو.؟
يزن بابتسامة: لا طبعا انتى اجمل وارق واحده شوفتها فى حياتى انتى الحب اللى نجانى انتى العشق اللى سكن قلبى وروحى سنين وهيفضل جوايا بقيت حياتى انا مقدرش اعيش من غيرك لحظة واحدة ياحبيبتى اللى انتى فيه دا مجرد فترة وهتعدى وحبى ليكى اقوى من انى افكر بالتفاهة دى انا مش مراهق هتأثر بالشكل اللى هو اصلا فى الفترة الحالية مجرد عارض وهيزول واعرفى انك فى نظرى جميلة الجميلات وبعدين انتى هتفضلى تتدلعى كدا كتير عشان متجبليش الكيكة اللى انتى عملتيها لا ياماما انا مش هسكت انا عاوز طبق كبير حالا والا مش هيحصل طيب.
زوجته بضحك: لالالا انا مقدرش على زعلك يا يزن باشا الصينية كلها تحت امرك روح انت استنانى فى الجنينة وانا هعمل الشاي واجيب الكيك واجيلك.
قبلها يزن من جبينها وهم بالذهاب الى الحديقة وحينما وصل جلس على المقعد وامسك هاتفه ونظر الى تلك الصورة على الشاشة والتى لم تكن سوا صورته هو وزوجته وبناته والابتسامة تنير وجوههم، فتنهد قائلا....
"ازاى كنت هحرم نفسى من الحياة الحلوة دى ازاى كنت مغيب بالشكل دا الحمدلله يارب على وقفتك جنبى وانك حققتلى اجمل امنية فى حياتى. "
ثم شرد بذهنه قليلا عائدا بذكرياته لعدة سنوات مضت حينما كان يقود السيارة وبجواره امنية التى انتابها الفزع بعد ان ايقنت حقيقته وخوفها من ان تصاب ابنتها بالأذى فهاهو أسوأ كوابيسها يتحقق الآن.
امنية بخوف: طيب انت مودينا فين دلوقتي؟
يزن بهدوء: هنروح على ڤيلتى فى القاهرة اللى كنتى قاعدة فيها أظن دى آخر مكان ممكن حد يتوقع انك تكونى موجوده فيه.
أمنية ببكاء: ارجوك يايزن رجعنى لجوزى تانى انت عارف ان مستحيل نكون مع بعض وبعدين بنتى ملهاش ذنب.
يزن: ممكن تسكتى لحد مانوصل لان ببساطة مفيش حاجه هترجعنى عن قرارى.
بعد مدة وصلوا جميعا الى فيلا يزن كانت الأجواء خافتة، أضواء خفيفة في الصالة الكبيرة، صوت خافت لأنفاس ثقيلة مشبعة بالغضب والانكسار
أمنية وهي تقف أمامه، عينيها مليئة بالدموع، وتتحدث بصوت متوتر:
"يزن... بالله عليك خلينا نرجع... كل ده غلط، مش من حقك تاخدنى كده، انا متجوزة، وبنتى... بنتى ملهاش ذنب انها تتبهدل البهدلة دى !"
يزن وقف بعيداً قليلا، ظهره لها، صوته كان هادئ لكن مليئ بالوجع:
"أرجعك؟ بعد كل اللى حصل؟ بعد العمر اللى ضاع؟ بعد ما بعت نفسى وبعت كل حاجة عشانك؟ انتي لسه بتفكرى ترجعى؟"
التفت ناحيتها، عيونه كانت حمراء، ليست من العصبية.. ولكن من الوجع الذى كان محبوساً فى صدره سنوات.
يزن وهو يقترب منها خطوة بخطوة:
"أنا حبيتِك من أول مرة شوفتك فيها... عشقتك وأنتى حتى مش واخدة بالك من وجودى، كل حاجة فيا كانت بتندهلك... انا يرت شخصيتى، كنت بتشكل على مزاجك، بضحك لما تضحكى، وبسكت لما تسكتى، وقلبي بيتقطع كل مرة اشوفك بتتكلمى عن جوزك بحنية، وأنا مش قادر أقولك حاجة..."
أمنية بانكسار:
"أرجوك... يا يزن، الحب مبيتفرضش... أنا محبتكش بالطريقة اللى انت حبتنى بيها... بس عمرى ما أذيتك..."
يزن بصوت عالى لأول مرة وهو بيقاطعها:
"لا! أذيتينى! أذيتينى من غير ما تحسى! أنتى كنتى كل يوم بتموتينى بكلمة، بنظرة، بسكوتك، برفضك اللى مافهوش رحمة! أنا ضيعت سنين من عمرى وانا بلعب دور مش دورى، وببنى عالم خيالى على سراب، كل ده عشانك! انتى كنتى اللعنة اللى علقت فى رقبتى..."
اقترب منها أكثر، ووجه على بعد أنفاس منها، وبصوت مكسور قال:
"أنا سمعتك... آه، سمعتك وإنتى فى النادى بتقولى لمريم... 'حتى لو كان يزن أول واحد فى حياتى، عمرى ما كنت هقبله'... الكلمة دى قطعتنى... كسرتنى... خلت كل لحظة حنيّة كنت بفتكرها منك تطلع كذبة!"
أمنية بصوت باكى:
"أنا مكنتش أقصد.... أنا كنت خايفة من طريقة حبك المتملك مكنش قصدى اوجعك أنا معذورة وغصب عنى دا شعورى !"
يزن برنة وجع مرير:
"خايفة؟ خايفة من إيه؟ من حبى؟ من إنك تكونى مع حد بيتمنى التراب اللى بتمشى عليه؟ ولا خايفة إنك تحسى بشوية مشاعر اتجاهى فتبقى خنتى جوزك؟"
التفت الى الجهة الاخرى ، وكأنه لايستطيع النظر لها أكثر ، وذهب وجلس على أقرب اريكة وهو يهذى بكلمات متقطعة:
"أنا اللى غلطان... أنا اللى استاهل كل اللى حصل... لأنى صدقت إنك ممكن تلتفتى، صدقت إنك ممكن فى يوم تفوقى وتشوفى اللى كان مستنيكى... أنا كنت واهم... كنت مغيب... كنت بحلم... حلم كبير واتكسرت جواه."
أمنية حاولت الاقتراب منه، لكنها تراجعت حينما سمعته يكمل:
"انتى متستحقيش حبى... متستحقيش كل اللى عملته... أنا اللى رخصت نفسى، أنا اللى بعت حياتى عشان واحدة قلبها حجر... واحدة... كانت لعنة... لعنة صابتنى."
أمنية بصوت يترجى ودموع تتساقط:
"كفاية كده يا يزن، أنت بتعذب نفسك بالشكل ده..."
يزن وهو يقوم، ينظر لها بنظرة خالية، شبه منهارة:
"أنا خلاص مش قادر... خلاص... أنا انتهيت من جوايا... ومش عاوز أرجع تانى للدوامة دى... سيبيني أعيش مع جرحى... أهو أهون من إنى أعيش فى وهمك."
صمت لحظة وهو ينظر الى الأرض، وبصوت يكاد يسمع كأنه يتحدث مع نفسه:
"كان نفسى تبقى ليا... بس الطمع فى اللى مش لينا دايمًا بيكسرنا."
ثم سار بعيدا عنها، تركها تقف وحدها، مابين ذنب مميت، وذكرى حب عمره ما اتولد… فقط عاش ومات بداخل شخص اسمه يزن.
كان "يزن" واقفًا أمامها، شبح رجلٍ عاش عمرًا لا يُحصى وهو يحترق في صمت. عيناه زائغتان، وجسده ينتفض، وصوته يخرج منه ضعيفًا، مهزومًا:
– "أنا ضيعت نفسى… ضيعت عمرى عشانك يا أمنية… كنت بحبك أكتر ما كنت بحب نفسى… وكنت فاكر إنك هتحسى، إنك هتشوفى… بس لا، ولا مرة! ولا حتى لما كنت بموت وانتى قدامى…"
ارتجف جسده فجأة، وركبتاه لم تعودا قادرتين على حمله… سقط على الأرض بقسوة، كأن كل الأوجاع القديمة سقطت معه. جسده منكفئ، يهذي بكلمات غريبة، مشوشة، كأنه انفصل عن الواقع:
– "أنا اللى غلطان… كان لازم أبعد من زمان… بس قلبي مكنش بيطاوعني… كنت عايزك… كنت كل يوم ببنى فى حلم وانتى بتهديه… انتى لعنة… لعنة صابتني…"
ركعت "أمنية" أمامه، قلبها يتفتت أمام هيئته المنكسرة، احتضنت وجهه المرتجف بين كفيها، تبكي بحرقة، وتحاول أن توقظه من انهياره:
– "يزن فوق… فوق بالله عليك… متعملش فى نفسك كده… أنا آسفة… آسفة على كل لحظة وجعتك فيها…"
لكن "يزن" لم يكن هناك… عيناه تسبحان في فراغ بعيد، لا يسمع، لا يشعر، لا يعي شيئًا سوى وجعه، وصدى صوته المهشم يتردد:
– "أنا كنت بحبك بجد… أكتر من أي حد… أكتر من أمي… من الدنيا… إنتى موتينى بالحياة…"
وفجأة…
باب الفيلا يُفتح بعنف، ويعلو صوت خطوات غاضبة.
"أحمد" يدخل والموت يتطاير من عينيه.
رأى "يزن" منهارًا على الأرض، و"أمنية" تحتضن وجهه… فتغلى الدماء في عروقه، واندفع نحوه كالإعصار. أمسكه من ياقة قميصه، ورفعه بقوة غاشمة، ثم سدد له لكمة مدوية على وجهه.
– "يا ابن.....! كنت مستنى إنى أغيب؟ كنت مستنى فرصة عشان تدخل حياتها؟!"
"يزن" لم يتحرك… جسده كان خرقة بالية… نظراته جامدة، ودم من فمه يسيل.
لكمة أخرى تسقطه على الأرض.
وأحمد يركله وهو يصرخ:
– "ردّ! إتكلم! قُولِّي كنت عايز منها إيه؟! رجعت تانى من امتى ازاى قدرت تخدعنا كلنا بانك مت؟!"
"أمنية" تصرخ، تبكي، تحاول أن تمسك بيد "أحمد":
– "سيبه!! حرام عليك!! إنت هتموّته! مش شايف حالته؟!"
أحمد يزجرها بقسوة:
– "بعد اللى عمله؟! بعد اللى شوفته؟ عايزانى أسيبه؟!"
– "ده مش عايش أصلاً! ده ميت وكل الناس عارفة كدا يبقى لازم يموت تانى.
"يزن" يهمس بصوت يكاد لا يُسمع، وجفنه يرتعش:
– "سيبونى… سيبونى فـ جحيمى…"
"أمنية" تنكفئ على جسده، تشكل درع حامى له من لكمات زوجها تبكي وتصرخ:
– "ما تموتش… بالله عليك ما تموتش… أنا هنا… سامعني؟ أنا هنا…"
وفي تلك اللحظة، يسود الصمت…
كأن الزمن توقف،
كأن الحياة حبست أنفاسها…
كأن "يزن" رحل إلى عالمٍ لا يُسمع فيه نداءٌ ولا تُبصر فيه دمعة…
"أمنية" كانت تجلس امام جسد "يزن" الملقى على الأرض، الدموع تغرق وجهها، وصوت شهقاتها يعلو وهي تنظر لملامحه التي بدأ شحوب الموت يزحف إليها.
رفعت رأسها بسرعة ناحية "أحمد"، وصوتها مبحوح من البكاء:
– "اتصل بالإسعاف… بالله عليك يا أحمد، لسه في وقت… لسه ممكن نلحقه!"
لكن "أحمد" لم يتحرك، كان واقفا كتمثال من نار، عينيه تشتعلان، وصوته يخرج كالرصاص:
– "لأ… خليه يموت! يرتاح ونرتاح منه… أنا مش هسيبه المرة دي إلا لما أتاكد إنه مات!"
صمتت "أمنية" لحظة، كأن كلامه خبطها في صميمها، رفعت عينيها له ببطء، واتسعت نظرتها بذهول، وكأنها لا تعرف هذا الرجل.
– "إيه؟… إنت بتقول إيه؟! الإنسان اللى جواك مات خلاص؟ فين الرحمة؟ فين ضميرك؟ ده بني آدم يا أحمد، مهما عمل، هو بشر… مينفعش نسيبه كده!"
– "بشر؟ ده كان هيبوظ حياتنا… كان عايز ياخدك منى، وأنا ساكت؟ لأ، أنا هخلص عليه بإيدى!"
صرخت، بكل ما تبقى فيها من قوة:
– "لو لمسته تاني، هتبقى قاتل! وأنا عمري ما هبقى مرات قاتل، فاهم؟! دلوقتي حالًا تتصل بالإسعاف، يا إما تنسى إن ليك زوجة اسمها أمنية!"
كان صمت "أحمد" بعدها كأنه دويّ، ينظر لها بجمود، ثم لعينيها التي تفيض بالحزن والغضب.
رأى في عينيها قرارًا لا رجعة فيه… خوفها على "يزن" لم يكن حبًا، بل إنسانية… وكان على حافة فقدها للأبد.
بيدٍ مرتعشة من الصراع، أخرج هاتفه… ضغط الرقم وهو يشيح بوجهه بعيدًا، كأن الندم بدأ يزحف لقلبه…
– "آلو؟… فيه حالة طارئة، شخص مصاب… محتاجين إسعاف فورًا…"
نظرت له "أمنية" بعيون دامعة، وهي تمسح دماء "يزن" من وجهه، وتهمس بصوت مكسور:
– "هتعيش… لازم تعيش…"
وفي الخلفية، بدأ صوت سيارة الإسعاف يقترب…
والحقيقة كانت واضحة على وجوههم جميعًا:
لا أحد سيخرج من تلك الليلة كما كان قبلا.
فى المشفى – بعد عدة ساعات كان الهدوء يخيّم على غرفة العناية المركزة، وحده صوت الأجهزة الطبية هو الذي يقطع الصمت، يعلن أن القلب لا يزال ينبض... لكن الوعي غائب.
"يزن" يرقد على السرير الأبيض، شاحب الوجه، شفتاه جافتان، عيناه مفتوحتان نصف فتحة، لكنهما خاليتان من الحياة... نظرات تائهة، لا يرى بها أحدًا، لا يسمع، لا يشعر… كأنه ما زال غارقًا في ذلك المشهد القاتل… في الانكسار الأخير.
دخلت "مريم" مسرعة، ما إن رأت حالته حتى شهقت بالبكاء، وانكفأت على ركبتيها جواره، تمسك يده الباردة وتغرقها بدموعها.
– "يا يزن… قوم… متعملش فيا كده… ده إنت كنت دايمًا السند… إزاي تنهار بالشكل ده؟! قوم يا حبيبى… رد عليا بس بكلمة… قولِّي إنك سامعني… حتى بص في وشي!"
صوتها كان موجوع، حاد، مليان قهر.
لكن "يزن" لم يتحرك… نظراته ثابتة للسقف… كأن الحياة قررت تسيبه صاحي من غير ما يقدر يعيش.
دخل "أحمد" بخطوات واثقة، وقف عند الباب، عيناه تقطران غضبًا وثباتًا باردًا.
– " متعيطيش عليه… هو اللي جاب لنفسه كل ده."
نظرت له "مريم" بعينين متوسلتين، وهي تقول:
– "حالته تصعب على العدو يا أحمد… ده مابقاش حاسس بحد فينا بقا جسد من غير روح…"
رد بقسوة:
– "المرة دي مش هيفلت. أنا هتابع بنفسي، وهخليه يدفع تمن كل حاجة عملها… مكانه الطبيعى السجن، ولازم يروح له."
التفت نحو الباب، ومد يده لـ"أمنية" الواقفة مذهولة، تحمل طفلتها بين ذراعيها، وملامحها مكسورة بين وجع الماضي وصراع الحاضر.
– "يلا يا أمنية… إحنا عملنا اللي علينا… والباقي على ربنا والقانون."
"أمنية" نظرت لـ"يزن" للمرة الأخيرة… وقلبها ينزف، دمعة وحيدة انسابت على خدها، ثم مشت بصمت خلف "أحمد"، تحمل ابنتها… وتمضي.
تركت وراءها رجلًا مكسورًا، وجسدًا على قيد الحياة، لكن روحًا… قد تكون ماتت.
بداخل مشفى الأمراض النفسية – بعد عام كامل
مرّت الأيام ثقيلة، لكنها كانت كفيلة بأن تعيد شيئًا من الروح لجسد كان ميتًا بالحياة.
"مريم" لم تفارقه يومًا. جلست إلى جواره، صمتت حين صمت، بكت حين بكى، ولما انفجر غضبًا، احتضنت ضعفه، ولما انهار، أمسكت بيده. كانت له طبيبة ونورًا ومأوى.
قدّمت للمحكمة كل ما يُثبت أنه لم يكن في وعيه حينها، كل التحاليل والتقارير، تشهد بأنه كان مريضًا نفسيًا غارقًا في اكتئاب حاد، مشوش، ضائع بين صدمة حب لم يُكتَب له النجاة منه.
وبرغم العيون التي حكمت عليه، كانت عيناها تنظر إليه كما لم ينظر إليه أحد من قبل… بعين الرحمة والصدق.
ومع الوقت… بدأ يعود.
"يزن" عاد.
لكن ليس كما كان.
عاد أهدأ… أنضج… أكثر وعيًا بقيمته وقيمة من يقف بجانبه.
وفي ظهيرة يوم مشمس، بعدما أذن له الطبيب بالخروج، خرج بخطوات بطيئة… إلى الحياة.
كانت "مريم" بانتظاره خارج بوابة المشفى، تحمل بين يديها وردة بيضاء.
ابتسمت له، فابتسم.
وقف أمامها، صامتًا لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض:
– "تعرفي؟ أنا طول عمري كنت بدور على اللي تحبني وانا ضعيف، مش وانا قوي… على اللي تشوف فيا البني آدم مش الاسم…"
سكت لحظة، عينيه فيها لمعة صافية.
– "أنا وقعت، بس إنتي اللي مددتيلي إيدك وشلتيني… طب مين غيرك يستحق يكون شريكة عمري؟"
اقترب منها خطوة، نزل على ركبته قدامها… وسحب من جيبه خاتم بسيط… كان شاريه من مدة، وهو بيخطط للحظة دي من شهور.
– "مريم… ممكن أبدأ من جديد؟ بس المرة دي وإنتي جنبي… كزوجتي مش الدكتورة اللى بتساعدنى ؟"
"مريم" دمعت عينيها، ضحكت وهي مش مصدقة، وقالت:
– "يعني كل ده ولسه بتسأل؟"
ضحك، ولبسها الخاتم وسط تصفيق طاقم المستشفى اللي كانوا بيراقبوا المشهد من بعيد… قلبها بيرفرف، وهو بيهمس لها:
– "أنا كنت ميت… وإنتي رجعتيلي الحياة… ينفع تبقي حياتي كلها؟"
بعد شهور من الزواج فى ڤيلا يزن ومريم
كانت ليلة شتوية، المطر يسقط على الزجاج، والهدوء ساكن المكان… مريم جالسة على الأريكة، ترتدى بيچاما قطن، وتمسك كتاب في إيدها وكوب قهوة في الأخرى، وشعرها ينساب بحرية على كتفها.
دخل "يزن" الى الحجره، وجهه هادئ… لكن عيونه تلمع بالسكينة التى لم يعرفها من قبل.
اقترب منها، وسحب منها الكتاب ووضعه على الطاولة
قال بابتسامة صغيرة:
– "أنا مش عارف أنا ليه اتأخرت كل السنين دي عشان أوصل ليكي…"
مريم ابتسمت وقالت بهزار:
– "عشان كنت غبي."
ضحك، وجلس بجوارها،ونظر لها بعمق…و حب، وامتنان:
– "أنا فعلاً غبي… بس دلوقتي بقيت أذكى لما حبيتك… وبقيت أعيش مش عشان أتنفس، لأ… عشان أشوفك وانتي بتضحكي كدا."
"مريم" قلبها دق… اقتربت منه وأسندت رأسها على كتفه، ورفع يده يلعب في شعرها بحنية وهدوء.
همس:
– "عارفة يا مريم… أنا زمان كنت بعيش عشان أثبت إني أستحق الحب… دلوقتي أنا عايش عشان أديكي حب يطمنك، يريحك، يعيشك في دنيا غير الدنيا…"
سكت لحظة، ثم قال:
– "أنا مش هقدر أوفيكي حقك… بس كل يوم هصحى بحبك أكتر… وكل يوم هحاول أكون سندك، وضهرك، وأمانك."
"مريم" دمعت عنيها، وقالت بهمس:
– "وانا أول مرة في حياتي أحس إن حضني في حضن راجل… راجل بجد…"
ضمها ليه، وقال:
– "مش بس راجل… دا جوزك… ونصك التاني… وسندك لما الدنيا تتهد.
كان يجلس يزن على المقعد الخشبي وسط الجنينة الهادئة، السماء تكسوها ألوان الغروب الساحرة، ونسمة خفيفة تداعب وجهه، بينما عيناه سرحت في نقطة بعيدة كأنها تربطه بالماضي.
يداه مشبوكتان، ووجهه يحمل ملامح رجل نجا من الموت، لكنه لا يزال يتعلم كيف يعيش بعد النجاة.
فجأة، خرجت مريم من باب المطبخ، ترتدي فستانًا بسيطًا يبرز بطنها الحامل، وتحمل في يديها صينية بها كيك مزين بالفراولة والشيكولاتة. ابتسامتها الدافئة كانت كفيلة بإذابة كل ما في قلبه من برد.
قالت وهي تقترب:
– "سرحان فى ايه ياحبيبى؟ أنا مش هسكتلك على فكرة، انا عاملالك الكيك دا مخصوص عشان تركز فيا أنا."
ابتسم يزن، ورفع عينيه ناحيتها، ثم وقف ببطء ومد يده يأخذ الصينية منها ويضعها على الطاولة، وقال بهدوء:
– "أنا كنت بسرح في حظي... إنك لسه هنا... وإن بعد كل اللي عدى، لسه ليا قلب بيحبني بالشكل ده."
جلست بجانبه، وأسندت رأسها على كتفه:
– "وأنا كنت بفكر في كل يوم وقفت فيه جنبي... حتى وأنا متضايقة... حتى وأنا خايفة تسيبنى... كنت شايفة الوجع اللي جواك... وحسيت إني مش هقدر أسيبك تغرق لوحدك."
– "بس أنا غرقتك معايا يا مريم... كتير."
– "بس أنا سبّاحة شاطرة، وطلعت بينا الاتنين."
ضحك بخفة، وقبّل يدها:
– "ووافقتي تتجوزيني... رغم إني قدمتلك عرض جواز وأنا ببكي ومش لاقي قلبي."
– "أحلى عرض جواز في الدنيا، لأنك كنت حقيقي... مش مزيّف."
سكتوا لحظة... وصوت العصافير ملأ الجو من حولهم.
لكن فجأة...
شهقت مريم بقوة، وصرخت وهي تمسك بطنها:
– "يـ... يزن!!"
– "مريم؟! مالك؟!"
– "البيبي... الطلق... يزن أنا هموت الحقنى بوووولد!!"
هب واقفًا مرعوب، قلبه بينط من صدره:
– "يا نهار أبيض!! إنتى بتولدي دلوقتي؟!! طيب استني… استني أنا هنادى لاى حد ييجى يساعدنا!!"
لكنها كانت تصرخ بصوت عالي، والوجع ظاهر على وجهها بشكل خطيى.
ركع امامها، حاول تهدئتها وهو يرتعش:
– "بصيلي يا مريم… انتى قوية، هتقدرى؟! أنا معاكي… مش هسيبك."
صرخت تاني، ودموعها نزلت:
– "هات عربية! بسرعة! أنا مش قادرة! يزن بالله عليك!!"
– "آآه حاضر حاضر! استني هنا! إنتِ وبنتي مش هتجرالكم حاجة... أقسم بالله ما هسيبكم!"
ركض مسرعا واحضر السيارة وساعدها للركوب بها ثم انطلق مسرعا الى المشفى بعد ان اوصى الخادمة بان تراعى شهد وآسيا.
بداخل غرفة المستشفى بعد الولادة هدأ كل شيء… لم يتبقَّ سوى صوت أنفاس ناعمة تتردد في أرجاء الغرفة البيضاء. أشعة الشمس تسرّبت بخجل من نافذة صغيرة، تراقصت على وجه مريم المرهق، وجبينها المتصبب بالعرق، لكنها كانت تبتسم… تبتسم كأنها خرجت من معركة منتصرة.
يزن دخل الغرفة ببطء، ملامحه مذهولة، وعيناه دامعتان. اقترب منها وهو يخطو كمن يخشى أن يوقظ حلمًا لا يريد أن ينتهي. رآها تحتضن الطفل بين ذراعيها، طفل صغير، ينام بسلام على صدر أمه، وكأنه لم يأتِ إلى الدنيا إلا ليجمع شتاتهما.
اقترب منها، جثا على ركبتيه أمام السرير، مدّ يده ليلمس يد ابنه… ففتح الطفل عينيه فجأة، نظرة صغيرة لكنها كانت كفيلة أن تُزلزل قلبه.
همس بصوت مرتعش:
– «هو… ده ابني؟»
مريم ابتسمت بحنان، وأومأت برأسها.
– "آه يا يزن… ابنك، ابننا…"
أخذ الطفل في حضنه بحذر، كأن بين ذراعيه جوهرة من نور، ثم نظر إلى مريم بعينين زجاجيتين من شدة التأثر:
– "تصدقي؟ أنا كنت فاكر نفسي عشت قبل كده… بس والله أول ما شفت وشه… حسّيت إني اتولدت من جديد…"
– "العيال دول بيعملوا سحر يا مريم… بس السحر الحقيقي… إنك إنتي كنتي جنبي طول الوقت… وقت كنت أنا مش شايفني."
– "أنا كنت غرقان في سواد، وانتي نورتي لي الدنيا… كنتي إيدي اللي مسكتني وأنا بقع، كنتي رحمة ربنا في عزّ قسوة الدنيا عليا."
مريم مدت إيدها ولمست خده:
– "يزن… أنا شوفتك وانت في أسوأ حالاتك، ومع ذلك… قلبي ما بعدش لحظة."
– "لأنك تستاهل تتحب، حتى لو كنت شايف نفسك متكسر."
ضمّ الطفل إلى صدره، واقترب منها أكثر، وقال بصوت ناعم يشوبه البكاء:
– "أنا بحبك يا مريم… بكل لحظة عدت، وبكل نفس جاي… وبوعدك… إن كل يوم هعيشه، هعيشه علشانك، وعلشان ابننا."
– "وعشان آسيا… وشهد… وبيتنا اللي عمره ما هيتقفل طول ما أنا وإنتي مع بعض."
مريم ابتسمت والدموع تسيل من عينيها:
– "وأنا بحبك يا يزن… وهفضل أحبك… لآخر العمر."
انحنى، وقبّل جبينها، ثم جلست إلى جواره ووضعت رأسها على كتفه، بينما الطفل بين أيديهما نائمًا، في سلامٍ يشبه الحكايات الجميلة التي تُروى قبل النوم.
انتهت القصة… وبدأت الحياة.
بعد عدة ايام كانت الفيلا غارقة في البهجة… الزينة تتدلى من السقف، وأصوات الضحك تتعالى من كل ركن. الكيكة في المنتصف، والبالونات بألوانها الزاهية تملأ الأرجاء.
مريم كانت جالسة وسط الاصدقاء والاحباب، تحتضن رضيعها، بينما آسيا وشهد تدوران حولها بفرحة، ويزن يقترب منها بخطوات هادئة، عينيه لا تفارقها.
جلس إلى جوارها، ثم مال نحوها وهمس:
– "أنا قولتلك بحبك النهارده؟"
نظرت له وابتسمت بخجل:
– "لأ، ما قولتش…"
ضحك بخفة، وقبّل جبينها وقال:
– "بحبك يا مريم… بحبك فوق الوصف… بحبك عشان إنتي أماني، وسكني، ونبض قلبي."
لم تنطق، فقط دمعة هادئة انسابت من عينيها، وابتسامة حب ارتسمت على وجهها.
كانت الزغاريد تتعالى، والموسيقى تعزف نغمة دافئة، بينما هو يحتضنها وطفله بين ذراعيه… وكأن كل الألم، وكل الذكريات، قد تلاشت في لحظة واحدة، لتحل مكانها حياة جديدة… مليئة بالحب.
تمت