
تحت ضوء القمر الذي أنار عتمة الليل وعانق نوره الأرض يمنحها جوًا رومانسيًا هادئًا، داعبت فيه نسمات الهواء البارد ذلك العشب الأخضر، حيث كان يجلس بجانبها يضمها إلى صدره بتملك وسعادة يطالعان النجوم.
وسط حقل الزهور ضمها أكثر، وسط خجلها لتبتعد محرجة، تنظر إليه تتأمل عينيه البنية التي لمعت مع ضوء القمر الذي منحها سحرًا يأسر قلبها.
_ "بحبك"
همس لها بتلك الكلمة لتتورد وجنتاها وتنهض هاربة منه، تركض فيتبعها راكضًا خلفها وسط ضحكاتها التي ملأت المكان، كأنها تحثه على الإمساك بها، خطوة بعد أخرى ابتعدت عنه لكنه ظل يركض خلفها.
التفتت تتأكد من وجوده ، وفي تلك اللحظة التوت ساقها وفقدت توازنها لتسقط في ذلك الوادي العميق.
صرخت تستغيث به وتعالت صرخاتها كلما أظلم المكان، تسمع نداءه الخائف عليها.
_ "بلسم.... بلسم.."
ظلت تصرخ... وتستغيث ونداؤه مستمر.
_ "بلسم.... بلسم"
صوته الذي كان واضحًا تبدل فجأة إلى صوت تعرفه.
_ "بلسم... اصحي يا موكوسة... يلا فزي مافيش وقت يادوب نلحق الفطار"
فتحت عينيها بنعاس قبل أن تعاود إغلاقها تدعكها لتتضح لها الرؤية أخيرًا وهي تجد زوجة أبيها "فردوس" تقف أمامها متخصرة تطالعها بغضب.
_ "إيه مش ناوية تصحي يا هانم"
مسحت على وجهها وقالت متثائبة:
_ "صباح الخير يا خالتي"
لوت شفتها ساخطة تأمرها بضيق ملوحة بيدها تشير نحو الخارج:
_ "صباح الخير يلا عشان تعملي الفطار على ما أحضر الكاميرا شهلي"
_ "حاضر"
اعتدلت في رقودها تراقب مغادرتها الغرفة لتزفر أنفاسها بتذمر.
_ "ربنا ينتقم منك، ده كان بيقولي بحبك"
ثم لطمت جبهتها تضحك ساخرة:
_ "خيبة عليه وعلى حظي، حتى الحلم يا "فردوس" نطيتي فيه"
ابتسمت تتذكر ذلك الحلم وتشرد مرددة بهيام:
_ "بس كان واد يجنن"
تنهيدة حارقة خرجت بحسرة من صدرها:
_ "اصحي يا بنت ده كان حلم وهيفضل طول عمره حلم يا بنت "منيرة""
تابعت حديثها بغصة رافقها الأمل لتردد متمنية:
_ "يارب يتحقق في يوم وأخلص من العيشة الكدابة دي"
أجفلها نداء زوجة أبيها المتكرر لترفع يدها تجمع شعرها وتربطه بإحكام قبل أن تلتقط إسدال الصلاة وتهرول راكضة نحو الخارج حيث وجدتها تثبت الهاتف على الحامل الخاص به، التفتت إليها ما إن شعرت بوجودها تملي عليها بأوامرها:
_ "حضري الفطار خلينا نشغل البث يلا استعجلي ومتنسيش تصوري الطاسة وانت بتقلي البيض ولا أطباق بعد ما تحضريها عشان فيديو اليوتيوب بالليل"
بدأت تنفذ ما طلب منها بسرعة، وقفت تقطع الخضار لتشرُد في ما حدث من سنين عندما توفيت والدتها لتعيش مع والدها وزوجته، تتذكر بحزن كيف كانت تعاملها بقسوة وجفاء كأنها كانت تتعامل مع فتاة راشدة ليس مع فتاة لم تتجاوز الثامنة من عمرها.
حتى تغير كل شيء منذ سنتين عندما أنشأت قناة أسوة بمن ظهر على الميديا لتربح من عرض حياته الخاصة عليها، لتظهرها معها في أحد الفيديوهات تدعي حسن معاملتها لتلاقي كمًا هائلًا من الدعم والتعليقات التي تشيد بها وبطيبتها.
ومن هنا اتخذتها كمحتوى لقناتها تكسب منه وهي تظهر تعاطفها مع ابنة زوجها، ومنذ ذلك الحين أصبحت تعيش حياة ازدواجية فهي تعاملها بلطف أمام الكاميرا وما إن تطفئ تلك الكاميرا تظهر لها وجهها الحقيقي.
تأوهت متألمة عندما جرحتها سكين التقطيع تنهي شرودها، رفعت إصبعها تمتصه بوجع و توبخ نفسها:
_ "آه... أدي يا أختي آخرة السرحان"
رصت الأطباق على المائدة وبدأت تلتقط الصور وتصور فيديوهات كما طلبت منها حتى انتهت لتنادي عليها:
_ "خالتي أنا خلصت"
أتت تتفقد صنيعها لتبتسم برضا واتجهت نحو الهاتف المثبت لتبدأ البث مستخدمة جملتها المعتادة تخاطب متابعيها:
_ "صباح الخير يا حبايبي إزيكم عاملين إيه يارب تكونوا بخير تعالوا شوفوا أنا عملت إيه على الفطار"
قالتها تشير لهم نحو الأطباق الموضوعة على المائدة تشرح لهم مكوناتها، كانت "بلسم" تراقبها بقهر فهي تنسب ما صنعته لنفسها مرة أخرى.
شغلت نفسها بطبق الطعام أمامها تستكفي به عن ما يدور حولها علها تكتم أنين قلبها الصامت الذي بدأت تكوي جراحه علها تميت إحساسه لتعيش بسلام، انتشلها نداء زوجة أبيها وهي ترسم ابتسامة مزيفة تنظر إلى الكاميرا قبل أن تنقل نظرها إليها:
_ "أنا عملت البيض المدحرج عشان "بلسم" حبيبة قلبي بتحبه"
اصطنعت ابتسامة باهتة لتؤدي دورها في هذه المسرحية كي تنال رضاها وهي تقول:
_ "تسلم إيدك يا خالتي تحفة ربنا يحفظك ليا يا غالية"
_ "حبيبتي انت بنتي يا "بلسم""
رمقتها بنظرة متهكمة تردد سرًا ساخرة بحزن من حديثها:
_ "بنتي"
تبًا لتلك الحياة المزيفة التي صارت تمقتها وتلك الكاميرا التي أصبحت تلاحقها في كل مكان تحرمها خصوصيتها وتجردها من حريتها.
عبست "بلسم" حينما لمحت شقيقيها "كريم" و"أكرم" ذوا الخمسة عشر والأربعة عشر، فضلا عنها في كل شيء يعيشان برفاهية حرمت هي منها، بل والأمر من ذلك أنها تعمل كخادمة لهما ويجب عليها تحمل مزاحهما الغليظ دون تذمر فهما مراهقان يمزحان معها كما تخبرها دومًا زوجة أبيها.
تنهدت بحزن وهي ترى تدليل "فردوس" لهما وتفاخرها بأولادها الذكور وكلمة والدها ذلك الذي لا يهتم بها بتاتًا ترن في أذنها عندما تطالب بأبسط حقوقها:
_ "انت بنت مسيرك لبيت جوزك إخواتك الأولاد أولى نوفر لهم مستقبل كويس"
جعدت أنفها وحاجبيها بضيق ونظرت لشقيقيها المتعاليين باشمئزاز وهي تراهما يتصنعان رجولة المبكرة يستعرضان عضلاتهما التي لم تظهر اصلا ويتباهيان بصوتهما الذي بدا يخشن وسط تشجيع والدتهما
*******************
وقفت تبدل ملابسها تستعد للذهاب لعملها وأثناء اندماجها لمحت في انعكاس المرآة ذلك الجرح الذي لا زال يترك أثرًا على جسدها، اقتربت بخطوات بطيئة من المرآة وبحركة عفوية لمست أصابعها ذلك الأثر الذي كان سببًا في تغير حياتها وزيادة ثقتها بنفسها، حركت أصابعها عليه لتعود بذكرياتها إلى الماضي عندما كان وزنها ضعف وزن أقرانها ما جعلهم يتنمرون عليها ويقللون من شأنها رغم تفوقها الدراسي لكن ما كانت تواجهه منهم جعلها تشعر بالنقص بل وأكثر من ذلك أصابها باكتئاب وعزلة اجتماعية.
_ " شيرين مش بتفكر غير في بطنها... لا يا عم مش عاوزة أقعد جنبها أحسن تجوع وتاكلني... يووو انت عاوزة تصعدي السلم على رجليكي انت محتاجة ونش يشيلك... يا حرام مش هتقدري تروحي الحفلة معانا أكيد مش هتلاقي فستان مقاسك"
تسارعت أنفاسها مع تراكم تلك الذكريات لتعتصر عينيها بقوة ورفعت يديها تصم أذنيها عن أصوات الماضي كأنها تطرد تلك الذكرى عن بالها.
فتحت عينيها ببطء كأنها تخشى أن ترى في المرآة تلك الفتاة البدينة أمامها لكن عينيها اتسعتا بفخر وهي ترى فتاة رشيقة بجسد ممشوق تحمل حسنًا وجمالًا يلفت الأنظار وتحمل قوة يحسدها عليها من يعرفها، فتلك العملية التي خلصتها من وزنها الزائد وجعلتها تعيش حياة طبيعية لتكسبها الثقة بنفسها فتسير في طريق مليء بالنجاح فدخولها كلية الصيدلة ومن ثم حصولها على شهادة الماجستير وكأن تلك العملية كانت كارت لنجاح حياتها ليس فقط لتغيرها، التقطت ملابسها ترتديها وتضع لمسات من المكياج على وجهها لتطالع هيئتها باستحسان، حملت حقيبتها واستدارت لتغادر غرفتها لكنها توقفت تلتفت للمرآة مرة أخرى كأنها تؤكد لنفسها أنها اليوم شخص آخر، ابتسمت لنفسها بإعجاب وغادرت تدهس بخطواتها ماضيًا تتمنى أن تمحوه من ذاكرتها.
*****************************************************
تعالى رنين هاتفها لتتململ تفتح عينيها بانزعاج، التقطت الهاتف قبل أن تدعك عينيها وتتثاءب تجيب على المتصل بنعاس:
_ "ألو"
_ "صباح الخير على أحلى كسلانة في الدنيا"
ابتسمت تجيبه بحب:
_ "صباح الخير يا حبيبي"
_ "آسف صحيتك يا روحي"
مسحت على وجهها تزيل آثار النوم قبل أن تعتدل تجيبه بصوت عاشق:
_ "لا يا قلبي ولا يهمك أنا كمان اتأخرت في الصحيان أصل امبارح مجاليش نوم"
ليسألها مشاكسًا:
_ "ومين اللي طير النوم من عينك"
تنهدت تجيبه بهيام:
_ "واحد بحبه وبموت فيه فضل يكلمني وسهرني معاه لغاية الفجر"
قهقه ضاحكًا منتشيًا بحديثها ليمازحها يسألها مدعيًا جهله:
_ "ومين بقى الواحد ده أعرفه"
لتجيبه ضاحكة تجاري مزاحه:
_ "أيوة تعرفه بالأمارة اسمه " خالد" زي اسمك"
_ " خالد أخص عليه الغتت ده كده يسهر القمر ويحرمنا من صوته"
لتنهره بحدة رافضة كلماته:
_ "أنا مسمحلكش تقول عليه كده"
ثم تحولت حدة صوتها إلى دلال تكمل بغنج:
_ "ده قلبي وروحي وحبيبي ونور عيني اللي بعشقه"
غمرته السعادة وكلماتها تأسر قلبه العاشق:
_ "يا روحي وأنا كمان بعشقك يا "حرير""
خفق قلبها بجنون واحمر وجهها بسرور حتى عقد ارتباكها لسانها فذابت الكلمات على لسانها من حرارة مشاعرها المتأججة:
_ "حبيبي اتصلت بيك عشان أقولك إن عندنا شغل كتير في الشركة النهاردة فمش هقدر أرد عليك أو أكلمك"
_ "ربنا يعينك يا قلبي"
_ "هشوفك النهاردة بالليل عند "حنين""
_ "إن شاء الله يا حبيبي هتغدى وأروح على طول وعدت "مالك" إني هجيب له شيكولاتة"
تنهد بحزن يحثها بامتنان:
_ "أيوة يا "حرير" ياريت تزوريهم دايمًا وتخليكي مع "حنين" والولاد دول أمانة "كامل" الله يرحمه"
ابتسمت بألم وقالت تعاتبه:
_ "هتوصيني على أختي وولادها يا "خالد""
ليعتذر لها يبرر حديثه بأسى:
_ "لا يا حبيبتي أنا عارف إنك مش هتقصري معاهم بس انت عارفة "كامل" أخويا وكنت باعتبره أبويا كمان هو اللي سندني وقف جنبي بعد أبويا ما مات ومن بعده بقيت وحيد عاوز أرد له ولو حاجة بسيطة من جمايله عليا وولاده لسه صغيرين محتاجين اللي يقف جنبهم ومن يوم ما مات وأنا عاهدت نفسي ووعدته إني هشيل ولاده في عنيا ومش هخليهم محتاجين حاجة"
اختنق صوته وانسابت دموعه بحرقة فخرجت كلماته بحسرة:
_ "ست شهور ولسه مش قادر أصدق إنه مات ومش راجع تاني"
أشفقت عليه وشعرت بأسى لأجله لتمسح دموعها هي الاخري تواسيه:
_ "ربنا يرحمه يا حبيبي هو في مكان أحسن إن شاء الله وربنا يقدرنا ونحافظ على الأمانة"
مسح دموعه يحاول أن يسيطر على مشاعره أمامها:
_ "طب يا روحي أشوفك بالليل خلي بالك من نفسك"
_ "وانت كمان خلي بالك من نفسك"
صمتت وقبل أن يغلق الهاتف سمع نداءها:
_ "خالد"
_ "أيوه يا حبيبتي"
_ "بحبك أوي"
واستطاعت بكلماتها أن تخفف عنه ليبتسم يخبرها بعشق:
_ "وأنا بموت فيكي يا قلب " خالد""
أغلق الهاتف لتنظر إلى شاشة الهاتف التي احتلت خلفيتها صورته فتقبلها عدة قبل وهي تردد:
_ "بحبك بحبك بحبك"
ثم احتضنت الهاتف بقوة وقلبها يردد ذات الكلمة.
ظلت ثوانٍ تتخيله وتسرح بذكرياتهم معًا فهو ابن خالتها وحبيب طفولتها وصباها ولولا وفاة شقيقه لكانت زوجته الآن.
ثم زفرت أنفاسها بقهر تتذكر شقيقتها التي فقدت زوجها ووالد طفليها بين ليلة وضحاهافقد توفي نتجة تعرضه لصعقاً كهربائي أثناء عمله خطفه منهم ليصيب العائلة صدمة وحزن، فـ "كامل" لم يكن مجرد ابن خالة لهم بل كان ذلك الرجل الطيب الذي كان يدلل أختهم ويعاملها بحب كانت تعده شقيقًا لها.
ابتسمت وهي تتذكر كيف كان يوصي شقيقه أن يعاملها بالحسنى وكيف كان يتوعده بالعقاب لو أحزنها يومًا:
_ "ربنا يرحمك يا "كامل" ويصبر قلبك يا "حنين" يا أختي"
نهضت تلم شعرها وتربطه ونهضت ترتب سريرها لتلمح لمعان خاتم خطبتها الذي زين بنصرها لترفع يدها تقبله وخرجت لتتفاجأ بوالدتها تجلس في الصالة تمسك منديلًا وتبكي بصمت، اقتربت منها بقلق وجلست أمامها تسألها بخوف:
_ "مالك يا ماما بتعيطي ليه"
مسحت دموعها تخبرها من بينها بحرقة:
_ "صعبان عليا أختك تترمل في عز شبابها دي 26 سنة شافت من الدنيا إيه عشان تشيل هم عيلين لسه لحمة حمرا دي اللي قدها لسه هتتجوز"
قبلت يدها تمسح على ذراعها تواسيها بعين دامعة:
_ "ده قدرها يا أمي هنعترض على أمر ربنا"
شهقت بقهر تزفر أنفاسها المحترقة حزنًا على فلذة كبدها:
_ "استغفر الله لا اعتراض على حكمك يارب"
ثم مسحت أنفها تكتم عبراتها لكن نار حزنها تأججت أكثر وهي تسترسل بكسرة:
_ "دي يا حبة عيني اتجوزت عيلة بتدرس في ثانوي"
لتنهار تلطم فخذيها تلوم نفسها بقهر:
_ "أنا السبب أنا اللي أصريت عليها وأقنعتها بالجواز قلتلها "كامل" نصيب ميتعوضش ابن خالتك وكسيب وعارفين أخلاقه مع إنها كانت رافضة وقالت أكبر مني بعشر سنين يا أما"
صمتت بعد أن خنقتها حسرتها لتلتقط أنفاسها تكمل بانهيار تعض على أصابعها بندم:
_ "قلتلها الراجل ميعيبوش غير جيبه يا ريتني كنت سبتها تختار حياتها"
انتحبت تنهار دون توقف ليفزعها منظرها فاحتضنتها تواسيها وتحاول أن تهدئها وتخفف عنها رغم بكائها هي الأخرى:
_ "صلي على النبي يا أمي.... مش كده... "حنين" هي اللي اختارت الدبلوم وبعدين "كامل" الله يرحمه كان نعم الزوج ده كان بيحبها وبيموت فيها واحنا كنا بنشوف إزاي بيهتم بيها وأهم حاجة عنده سعادتها"
لتولول بصوت مبحوح وتصرخ بلا وعي:
_ "واهو راح من إيديها يا حسرة قلبي عليك يا ضنايا وعلى كسرتك يا بنتي"
_ "ماما استغفري ربنا إيه الكلام ده انت كده بتعترضي على حكم ربنا"
ركضت نحو المطبخ بعد أن رأت عدم استجابتها وأحضرت قدح ماء لتأخذ القليل وتمسح وجهها الذي أصبح كجمرة متقدة من شدة وجعها:
_ "اشربي يا أمي"
سقتها الماء على دفعات تمسح على رأسها تردد آيات من القرآن لتهدئها حتى استكانت وهدأت لتسألها متوجسة:
_ "أحسن يا أمي"
أومأت لها لتسندها حتى أدخلتها غرفتها لتمدد على تختها كي تستريح من نوبة بكائها، خرجت بعد أن اطمأنت عليها تشعر بالحزن على والديها اللذين أتعبهما حزنهما على صغيرتهما.
********************
وسط ضحكات الأطفال المتعالية ولعبهم وصرخات الابتهاج كانت تجلس شاردة الذهن تفكر في تلك الكلمة التي باتت تتعبها وسؤال الناس المتكرر لها متى ستتزوج، هل كونها بلغت الرابعة والثلاثين يعني أن قطار الزواج قد فاتها، تنهدت متذمرة من تلك الفكرة لماذا يربط الناس بين السعادة والزواج لماذا لا يتقبلون فكرة أنها سعيدة بحياتها ولا ينقصها شيء لماذا يعتقدون أن وجود رجل في حياتها يعني نجاحها، ألا يمكن أن يكون هذا الرجل سبب تعاستها هل جميع من تزوجوا سعداء.
ربما الناس لا يعنون لها شيئًا بقدر ما يؤلمها حديث والدتها وهي تخبرها أنها ستصبح عانسًا قريبًا وكأن هذا الأمر بيدها لماذا عليها أن تقبل بأي شخص يتقدم لها فقط لتتزوج.
لمسات رطبة على وجنتها انتشلتها من شرودها لتبتسم ولمسات ذلك الملاك الصغير تتحرك على وجنتها:
_ "ميرال حبيبتي محتاجة حاجة"
لتخبرها بعبوس طفولي:
_ "إيديا اتوسخوا يا مس"
ابتسمت لها تتلمس يدها الدبق فقد لوثها ذلك العصير الذي علق عليها:
_ "طب متزعليش يلا تعالي أغسلك إيدك"
سارت معها ذات الأربع سنوات بطاعة لتنظف يدها ووجهها ثم تقبل وجنتها بحب:
_ "أي خدمة تانية يا قمر"
لتتسع ابتسامتها ببراءة تمسك يدها وتجذبها:
_ "تعالي العبي معايا يا مس "نسرين""
ابتسمت لها وتبعتها تلعب مع الصغار بسعادة تمسك بأيديهم الصغيرة يصنعون دائرة يدورون ويغنون يهتفون فتطربها ضحكاتهم وتنعش قلبها فرحتهم.
وبعد مدة انفضت تلك الحلقة وتحولت إلى سباق جرٍ لتركض فيركضون خلفها يحاولون الإمساك بها حتى أنهكت لتجلس على الأرض تلهث أنفاسها المتعبة فينقضون عليها يمسكون بها هاتفين بانتصار وسط ضحكاتهم:
_ "مسكنا مس "نسرين""
انفجرت ضاحكة وهم يحيطونها ويتقاذفون بأجسادهم عليها يتكدسون على حجرها حتى طرحوها أرضًا.
أوقاتها معهم كانت تبهجها وتشعر أنها تعود طفلة برفقتهم، ابتعدوا عنها لتنهض تنفض ملابسها فشعرت بيد صغيرة تساعدها تمسح على ملابسها لتجدها تلك الصغيرة "ميرال" صاحبة القلب الطيب شكرتها تمسح على شعرها وقبلت وجنتها:
_ "متشكرة يا روحي"
لتبتسم الصغيرة لها بحب تروق لها كلماتها.
****************************
وفي المساء كانت "حرير" تجلس أمام شقيقتها تضع ذلك الصغير "مازن" على حجرها تهدهده كي ينام وتراقب شقيقه الأكبر "مالك" وهو يلهو أمامها بألعابه.
عيناها التي كانت تراقب الصغير انتقلت لتنظر لشقيقتها فاعتصرها قلبها وهي تجد الحزن يكسو ملامحها لقد أخذ منها الحزن مأخذه حتى شحب وجهها وذبلت عيناها فبات من يراها يظن أن عمرها قد تضاعف وشاخت روحها.
زفرت أنفاسها بقلة حيلة فماذا بوسعها أن تفعل لتسليها تخشى أن تواسيها فتجدد ألمها، نظرت نحو الساعة المعلقة على الحائط تتمنى لو تسرع عقاربها كي تلقاه يا إلهي كم تشتاق إليه لم تره منذ يومين:
_ "لسه فاضل ساعة على معاد رجوعه"
هكذا هتفت "حنين" حين رأتها تطالع الساعة مما أصابها بالحرج فقد فهمت شقيقتها سبب تعلق عينيها بمراقبة الوقت، ابتسمت بخجل تخبرها:
_ "هو قال إنه هيجي عشان يشوف الولاد"
ابتسمت "حنين" بشحوب وقالت ممتنة:
_ "كتر خيره مش مقصر معانا دايمًا بيفتكرهم وبيقضي طلبات البيت ربنا يجزاه خير ويسعدكم"
تنهدت بعشق وهي تؤمن على دعائها:
_ "آمين يارب.."
_ "ربنا يتمملكم على خير ويجمعكم في أقرب وقت"
لسعت عينيها الدموع تتخيل تلك اللحظة التي سيجتمعون بها معًا:
_ "آمين يارب.. أنا بحبه أوي يا "حنين" وبحلم باليوم اللي نكون فيه سوا"
ابتلعت غصة مرة وهبطت دموعها بقهر ترافق كلمات حملت كسرة صاحبتها:
_ "نعمل إيه يا "حرير" نصيب كان جوازكم تم لولا..."
لم تستطع إكمال حديثها بعد أن خنقتها عبراتها لتربت "حرير" على قدمها تواسيها:
_ "الله يرحمه يا حبيبتي ادعي له بالرحمة ربنا يعوضك خير بولادك لازم تكوني قوية عشانهم"
مسحت دموعها تنظر إلى صغارها بخوف من المستقبل فهي تعلم أن طريقها لا يزال طويلًا.
*
****************************
دخلت إلى غرفتها بخطى مرهقة يتملكها التعب لتلقي بجسدها على السرير تريح ذلك الجسد المنهك قبل أن تشغل كاميرتها وتنادي عليها ترغمها على الظهور وتمثيل الابتسامة والسعادة.
نصف ساعة أخذتها في الاسترخاء وعيناها تطالع السقف في غرفتها التي احتلت أغراضهم الفائضة نصفها فهي تعيش في مخزن حسب عليها كغرفة.
التقطت هاتفها القديم ذا الشاشة المتشققة وفتحته لتجد إشعار فيديو جديد من قناة الهاند ميد التي تتابعها لتشغله بلهفة وعيناها تمعن النظر بتركيز له تحفظ خطوات صناعة سوار من الخرز وما إن انتهى الفيديو حتى نهضت بشغف تسحب ذلك الصندوق الموضوع تحت سريرها وتخرج علبة الخرز خاصتها فهي تعشق تلك الهواية أخذت تطبق ما تعلمته من الفيديو بدقة حتى انتهت لتنظر لما صنعت باستحسان وتقول فخورة بنفسها:
_ "تحفة يا بنت يا "بلسم" تسلم إيدك والله وبقيتي أستاذة"
وضعت ذلك السوار بجانب ما صنعت سابقًا لتميل برأسها يمينًا ويسارًا تستمتع بتأمل صنيعها لتشجع نفسها:
_ "بكرة أتعلم أكتر وأفتح محل الإكسسوارات اللي نفسي فيه"
لحظة زهو أخذتها بين أروقة أحلامها حتى توقفت فجأة كأن الحقيقة صفعتها لتعود إلى أرض الواقع تسخر من نفسها متمتمة:
_ "أحلامك كبيرة يا بنت "منيرة".. تفتكري "فردوس" هتسيبك تتنفسي وتعيشي حياتك بعيد عنها"
وعلى ذكر الأخيرة سمعت نداءها المتواصل لتنفلت ضحكاتها متهكمة:
_ "يا ريتني كنت جبت سيرة مليون جنيه بدل سيرتك يا وليه انت واقفالي وره الباب"
أعادت ذلك الصندوق مكانه كأنها تحتفظ بأحلامها داخله وهرولت تجيب نداءها.
******************
جلست على الأرض بالقرب منه وهو يلعب مع الصغير بتلك اللعبة التي أحضرها له يركب أجزاء مضمار السيارات قبل أن يضع آخر قطعة وسط حماس الصغير وانتظاره بلهفة.
وضع السيارة وشغلها فانطلقت تعدو في ذلك المضمار ليعلو هتاف الصغير وتصفيقه وهو يراقب حركتها بسرور شاركه "خالد" تلك الفرحة رغم تألمه:
_ "ريري شوفي العربية"
هكذا ناداها الصغير لتشاهد ما صنعه عمه:
_ "الله حلوة أوي يا حبيبي تسلم إيدك يا عمو"
التفت إليها وغمز لها مبتسمًا:
_ "الله يسلمك يا خالتو"
توردت وجنتاها بخجل تشيح بعينيها عنه بحرج وتدعي اندماجها مع الصغير حتى اتسعت ابتسامتها بارتباك وهي تشعر بيده تتسلل تلامس يدها وتجرأ يحرك إصبعًا تلو الآخر حتى احتضن يدها بكفه يعتصرها بدفء خفق له قلبها باضطراب واختلست النظرات نحوه فبادلها بأخرى توقدت عشقًا لتبتسم بحياء.
التقطت عينا "حنين" ذلك المشهد لينغزها قلبها رغم عنها فكم تمنت لو كان زوجها على قيد الحياة ويلاطفها هكذا، هي لم تقصد يومًا أن تحسد أختها لكن " خالد" كان مختلفًا دومًا عن زوجها فهو رومانسي ويظهر مشاعره بجرأة عكس شقيقه الخجول.
نفضت عن رأسها هذه الأفكار وتمنت لشقيقتها السعادة ثم نظرت نحو ولدها السعيد بهدية عمه فحمدت الله أنه قد منحهم بعم حنون مثله لتبتسم ابتسامة مجروحة:
_ "قل لعمو شكر يا "مالك""
امتثل الصغير لطلبها ليحتضن عمه الذي بادله العناق:
_ "متشكر يا عمو"
خرج من أحضان عمه والتفت نحو خالته التي يحبها بشدة فرمى نفسه بين أحضانها يقبل وجنتها عدة قبل وهي تبادله بأخرى مماثلة:
_ "متشكر يا ريري"
أثار هذا المشهد غيرة "خالد" الذي مازحه قائلًا:
_ "ولد سيب خطيبتي وكفاية بوس"
ضحكت "حرير" كما ضحك هو لينحني نحوها هامسًا:
_ "يا بخت "مالك" يا ريتني كنت مكانه"
غزت الدماء وجهها وتراقص فرحًا بتلميحاته فظلت عيناها معلقة بعينيه في حوار نظرات عاشقة حتى قطع هذا التواصل صوت "مالك" الذي هتف ينادي عليهما كي يعودا للعب معه.
**************************
خطواتها الواثقة كانت دومًا محط أنظار الجميع وذكاؤها جعلها مرجعًا للكثير من زملائها.
أمسكت ذلك القلم تخط على علبة الدواء عدد الجرعات وموعد تناولها قبل أن ترفع عينيها نحو المريض:
_ "مرتين يا حاج في اليوم ويستمر لمدة شهر"
التقطه المريض منها شاكرًا:
_ "متشكر يا دكتورة"
ابتسمت تجيبه:
_ "ألف سلامة"
عادت تصف علب الأدوية بجانب بعضها وتدون الملاحظات في دفتر ملاحظاتها حينما سمعت صوتًا ينادي عليها:
_ "مساء الخير على دكتورتنا النشيطة"
التفتت لتجد أستاذها يقف مع شخص آخر لتقول متلهفة باحترام:
_ "دكتور " ماجد" يا أهلًا وسهلًا الحمد لله على السلامة يا دكتور"
_ "الله يسلمك إزيك يا دكتورة"
_ "الحمد لله"
ليشير لها نحو الشخص المرافق له يعرفها به:
_ "دكتور "رشيد" ابن أخويا اتنقل جديد هنا"
_ "أهلًا وسهلًا"
ثم أشار نحوها يعرفه بها:
_ "دكتورة " شيرين" أشطر دكتورة صيدلانية في المستشفى ومعيدة في كلية الصيدلة"
_ "أهلًا وسهلًا يا دكتورة"
اتسعت ابتسامتها بامتنان مع استمرار أستاذها في مديحها وكيف بدأ يشيد له برحلة كفاحها ودراستها يثني على نجاحها وتفوقها وسط إصغاء ذلك الطبيب الجديد الذي كان يرمقها بإعجاب من حديث عمه.
ظل هذا الموقف الذي حدث في الصباح يسكن ذاكرتها لتبتسم بفخر كلما تذكرته وهاهو يطرق ذاكرتها وهي تقف أمام منزلها عائدة من يوم عمل مرهق لتبتسم وهي تفتح الباب وتدخل.
تعجبت هدوء المكان وهي تنادي:
_ "ماما... ماما..."
لكن ليس هناك من مجيب لكن صوت المياه المنهمرة القادم من المطبخ وصوت اصطدام الأطباق ببعضها جعلها تتجه نحو المطبخ لتجد شقيقتها تقف على الحوض تغسل الأطباق واضعة سماعة الأذن مندمجة مع إحدى القصص كعادتها منفصلة عن العالم وهي تصغي لتلك القصص.
هزت رأسها بقلة حيلة واتجهت نحوها لمست كتفها لتنتفض الأخرى وتصرخ مجفلة:
_ "بسم الله الرحمن الرحيم"
قهقهت ضاحكة على مظهرها وهي تصرخ تعاتبها بامتعض:
_ "حد يخض أخته كده أخص عليك يا " شيرين""
توقفت عن الضحك تجيبها:
_ "وأعملك إيه وانت عايشة في عالم القصص بتاعك"
أغلقت صنبور الماء تجفف يدها مبررة:
_ "ما انت عارفه لما بعمل حلويات بحب أسمع قصة أهو أتسلى"
ثم تنهدت بكسرة:
_ "أهو على الأقل أنسى وأنشغل بحكايات الناس مش مهم تكون حقيقية ولا من خيال صاحبة القناة"
قرأت " شيرين" الحزن في عين شقيقتها فاقتربت منها تمسح على ذراعها وتسألها بقلق:
_ "مالك يا "نسرين" حصل حاجة وإيه نبرة اليأس اللي بتتكلمي بيها"
أغمضت عينيها بيأس تبتلع غصة مرة وسحبت كرسيًا تجلس عليه كأن مشاعرها أثقلت جسدها فخرجت كلماتها بحسرة ترافق ابتسامتها المجروحة:
_ "مافيش يا "شيري" هي القصة نفسها بقت العادي بتاعي أسطوانة ولازم أسمعها"
سحبت "شيرين" كرسيًا لتجلس أمامها وتربت على قدمها وهي تهمس بحقيقة أصبحت تحفظها:
_ "ماما مش كده"
أومأت لها بحزن تخبرها:
_ "النهاردة فرح بنت طنط "ناهد" صاحبتها 25 سنة وانت عارفه ماما ادتني موشح رفض العرسان وإني هعنس وبعدين طلبت مني أروح معاها فرفضت وانت عارفه ماما شايفه الفرح فرصة عشان الناس تشوفني اتعصبت وادتني الموشح التاني بتاع خليكي كده في البيت وإزاي الناس هتشوفك ومين هيخطبك وانت حابسة نفسك كده"
أشفقت "شيرين" على شقيقتها ولم تعلم بماذا تجيبها تعلم أن شقيقتها ترفض الخروج هروبًا من نظرات الناس وأسئلتهم، فركت يدها ببعضها تسألها بشفاه مرتجفة:
_ "هو أربعة وتلاتين يعني عنست
وتابعت بصوت مختنق:
_ "هو أنا لازم أتجوز عشان أكون سعيدة والله أنا مرتاحة
مسحت "شيرين" تلك الدمعة التي تهاوت على وجنتها وعاتبتها بلطف تحاول التخفيف عنها:
_ "طب لما انت مرتاحة بتعيطي ليه دلوقت يعني انت مش عارفه ماما شايله همنا أنا وانت ومش هلوم عليها يا "نسرين" هي ملهاش غيرنا عاوزة تفرح بينا وتطمن علينا متزعليش منها"
مسحت "نسرين" على وجهها وأطرقت رأسها بقلة حيلة:
_ "مش زعلانة يا "شيري" وعارفه إنها بتحبني بس أنا تعبت هو أنا يعني كنت برفض من غير سبب مهو على يدك اللي تقدموا ماكانوش أحسن حاجة بالعكس هي نفسها ماكنتش مقتنعة يعني أنا أتجوز وخلاص عشان أرضي الناس وبس عشان هي تطمن أوافق على أي حد وخلاص"
أخرستها كلمات شقيقتها فهي تعلم أنها محقة لتحاول إنهاء هذا الجدال العقيم لتبتسم وتسألها:
_ "سيبك من ماما وقوليلي عملتي إيه أختك راجعة جعانة وريني عملتي إيه"
سؤال شقيقتها جعلها تحاول أن تتناسى حزنها وتبتسم ابتسامة باهتة وهي تشير لها نحو طبق الكوكيز الذي أعدته تلتقط واحدة وتناولها إياها:
_ "دوقي كده عدلت المقادير"
أخذتها منها لتقضمها وتمضغها بتلذذ هاتفة بفم ممتلئ:
_ "تحفة يا "نسرين" برافو أحلى من المرة اللي فاتت بكتير"
اتسعت ابتسامتها مع إطراء شقيقتها على ما صنعت تخبرها بحماس:_ "بجد الحمد لله ده أنا طلعت عيني على ما ظبط"
كانت تدس قطعة أخرى في فمها مستمتعة بمذاقها وتهز رأسها تؤكد لها دون أن تتكلم لتضحك "نسرين" فمظهر "شيرين" وتلذذها بقطع الكوكيز أسعدها.
حتى قطع هذه اللحظات المبهجة بين الاثنتين صوت الباب الذي فتح فجأة.
يتبع