
رواية اثر لم يمحه الحب الفصل الثالث3 بقلم رشا عبد العزيز
ارتحلت عيناه بعفوية نحو صورة شقيقه كأنه يستغيث به من هول ما سمعه، قلبه لا يزال يرفض تقبّل كلماتها التي لم يستطع حتى الآن أن يستوعبها. رمشت عيناه، ابتلع ريقه، يحاول أن يخرج الكلمات بصعوبة بعد أن جفّ حلقه ليسألها ببلاهة:
_ "حنين" مين؟
أجابته بذات الهدوء المريب كأن ما تقوله بسيط:
_ "حنين" بنت خالتك.
تغييرها في المسميات طريقة حاولت فيها تخفيف وطأة ما تطلبه منه، لكنها وجدت عروقه تنفر والدماء تغلي في عروقه حتى اتسعت عيناه تخترقها تلك الخطوط الحمراء كأنه بدأ للتو يستوعب عرضها:
_ قصدك "حنين" مرات أخويا؟
توترت ولم تستطع أن تتكلم، اكتفت بإيماءة سبقت هروب عينيها من مواجهة عينيه الغاضبة، لكن تلك الحركة صبّت الزيت فوق نار غضبه، لترتعش يده كما ارتعشت سائر أوصاله وبدأت أنفاسه تتسارع لتخرج كلماته بحرقة:
_ ماما، أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ واعية لطلبك؟ "حنين" مرات أخويا الله يرحمه، وأخت خطيبتي اللي بحبها وبموت فيها، إزاي عاوزاني أتجوزها؟ أنتِ أكيد بتهزري!
استفزتها آخر كلماته لتنظر له بتحدٍ مؤكدة طلبه:
_ لا مش بهزر يا " خالد"، "حنين" لسه صغيرة، يعني مش هتفضل من غير جواز.
لينفجر صارخًا في وجهها:
_ ومتجوز؟
_ وولاد أخوك يتبهدلوا؟ عاوزانا نضيّع أمانته؟
حاول أن يسيطر على غضبه ليجاهد على خروج صوته متعقلًا يحاول أن يقنعها في العدول عن هذه الفكرة، ليزفر أنفاسه المحترقة:
_ أمي حبيبتي، يتبهدلوا ليه؟ أنا هتجوز خالتهم، يعني حتى لو "حنين" اتجوزت، "حرير" أكتر حد ممكن يحافظ عليهم.
لوت شفتها بغيظ ساخطة تخبره بعدم اقتناع:
_ "حرير" بكرة تخلف، عاوز تقنعني إنها هتعامل ولاد أخوك زي ولادها، ولا هتكون حنينة عليهم زي أمهم؟
مسح على وجهه بيأس وعاد يسحب نفسًا عميقًا عله يطفئ تلك النار الناشبة في صدره ولا ينفجر غاضبًا من تعنتها وأفكارها الغريبة:
_ "حرير" طيبة، عمرها ما هتفرق بين ولادها وولاد أختها، دي روحها فيهم.
_ كلام وبس عشان لسه مخلفتش، يا بني دول أمانة أخوك، حافظ عليها، وبعدين "حرير" لسه صغيرة وحلوة، يعني عندها ألف فرصة غيرك، و"حنين" طيبة كمان وهتسعدك، وبكرة تحبها أكتر ما بتحب أختها دلوقت.
صمت يحدق بها، فما تقوله كارثي، صُدم بما لم يستطع عقله تصديقه، هل تطلب منه أن يتخلى عن حبيبته لتكون لغيره؟ هل تخبره أن يحب شقيقتها؟ هل قلبه ومشاعره لا قيمة لها عندها؟ تطلب منه أن يغيّر حبيبته كما يغيّر قميصه.
شعر بأنه يختنق وأن الهواء قد نُفد حتى بات يشعر جدران هذه الغرفة تطبق على أنفاسه، قبض على رقبته كما قبض على راحة يده يخبرها بقهر:
_ ياااا للدرجادي مشاعري ملهاش قيمة عندك؟ عاوزاني أسيب حبيبتي تتجوز غيري؟ هو قلبي ده إيه؟ دولاب أخرّج واحدة وأدخل التانية مكانها؟
ثم صمت يلتقط أنفاسه المتسارعة يخبرها بحزم:
_ خرّجي الموضوع ده من دماغك وانسي خالص، أنا بحب "حرير" ومش هتجوز مرات أخويا.
قال كلماته وخرج صافعًا الباب خلفه بقوة، لتنظر للباب الذي أُغلق خلفه بغيظ من رفضه، سحبت خيط مسبحتها بعنف حتى قُطع خيطها وتناثرت حباتها تتساقط على الأرض معلنة انفلات زمام الأمور من يدها، لتنظر إلى تلك الحبات التي تدحرجت متباعدة وصوت واحد ينفذ لعقلها بعزم: ستجمع عائلتها تحت جناحها وتلمّهم مهما تباعدت طرقهم.
أما هو فدخل غرفته ينهج أنفاسه الثائرة، يخلل يده بين خصلات شعره يجذبها بقوة، يقطع غرفته ذهابًا وإيابًا يحاول أن يهدأ من موجة غضبه.
مسح على وجهه وأخرج هاتفه من جيبه يتصل بها ليؤكد لقلبه أنه لها، أجابته بسرعة:
_ "خالد".
صوتها الرقيق مسح على قلبه كأنه يطبطب عليه ليخفق بقوة، فيخرج صوته مضطربًا:
_ قلب "خالد" وروح "خالد" وكل دنيته.
_ حبيبي مالك؟ صوتك مش طبيعي.
ابتسم بحزن، إنها تفهمه من صوته:
_ لا يا روحي أنا كويس، بس كنت عاوز أطمن عليكِ.
_ حبيبي أنا بخير.
_ "حرير" أنا بحبك.
كلمة قالها يوثق عهده لها ويشد على مشاعره بثقة:
_ وأنا كمان بحبك يا "خالد".... "خالد" أنت متأكد إنك كويس؟
صوتها الذي حمل نبرة خوف زاد من خفقان قلبه، ليلقي بجسده على السرير يغمض عينيه ويخبرها برجاء:
_ كويس بس عاوز أسمع صوتك عشان أرتاح، اتكلمي يا "حرير" لحد ما أنام.
مازحته قائلة بسخرية:
_ أغنيلك عشان تنام؟
_ لا قولّيلي بحبك يا "خالد"، بحبك وبموت فيك، واحكيلي هتعملي إيه لو اتجوزنا ورجعت البيت تعبان، هتعملي إيه عشان تخففي عني؟
تعجبت من كلماته التي زادت من قلقها عليه، لكنها انصاعت لطلبه لتبدأ في التخيل تخبره بما ستفعله له.
كانت تروي له ما ينعش قلبه كيف تستقبله وتلاطفه وتساعده في تغيير ملابسه، كلمة تلو الأخرى حتى اتسعت ابتسامته كأنه يعيش في الخيال معها، ينسى غضبه وسط حلم يتشاركانه معًا.
*****************
دخل إلى المنزل متجهم الوجه كعادته، صرخ ينادي على زوجته:
_ "فردوس".... "فردوس"....
كانت مندمجة في محاولاتها التي تكررت لصناعة حقيبة الخرز عندما سمعت نداءه لتهرول نحوه مسرعة:
_ نعم يا... بابا، الحمد لله على السلامة.
نظر إليها ببرود وسألها ممتعضًا:
_ "فردوس" فين؟
_ خالتي "فردوس" خدت كريم وراحو بيت أهلها، أختها ولدت و"أكرم" في الدرس وهيرجع بعد ساعة.
لوّح لها آمرًا:
_ حضّريلي العشا على ما أغيّر هدومي وآخد دش.
_ حاضر.
رحلت نحو المطبخ تعد له العشاء ووضعته على الطاولة تنتظره، عاد يسير متبخترًا كطاووس متفاخر بنفسه.
جلس على المائدة وجلست هي على الكرسي القريب منه، كانت تنتظر أن يشرع في تناول طعامه كي تشاركه هي.
بدأ يتناول طعامه دون أن ينطق كلمة أو حتى يسألها عن حالها، وبينما هو مستمر في تناول طعامه عيناه استقرت عليها ليتأملها وكأنه ينتبه لها للمرة الأولى، كم أصبحت تشبه والدتها كأنها نسخة منها حتى في حركاتها.
نغّز قلبه شعور الذنب وهو يتذكر كيف تخلى عن والدتها عندما عُلم بإصابتها بمرض خبيث يخبرها أنه لن يستطيع الإنفاق على علاجها، ليطلقها ويتزوج بأخرى في ذروة احتياجها له غير مبالٍ بها وبمشاعرها.
يتذكر نظرة العتاب التي طالعته بها عندما أخبرها أنه لن يتحمل عبئها وأنه بحاجة لزوجة تهتم به لا زوجة يهتم بها.
يتذكر ذلك اليوم الذي علم بوفاتها عندما جاء أخوها يرمي له ابنته ويخبره أن من تربطهم بها قد ماتت وهو أولى بابنته منهم.
كان يراقبها تختلس النظر إليه كأنها تتمنى منه كلمة، لكنها لا تعلم أنه كلما رآها تذكر والدتها وما فعله بها، وعوضًا عن أخذها بين أحضانه يعوضها حنان والدتها عاملها بجحود كأن لا وجود لها.
عيناه التي كانت تجوب ملامحها وبدلًا أن يرأف بها صرخ قائلًا:
_ قومي اعمليلي شاي.
نهضت مجفلة تنفذ أمره بسرعة، توارت عن عينيه لينظر لأثرها يسأل نفسه لماذا يعاملها هكذا؟ هل لأنها تذكره بوالدتها أم لكونها فتاة وهو دومًا ما كان يكرههن؟ ففي نظره الفتيات لسن سوى حمل ثقيل على أهلهن، إن أخطأن جلبن العار وإن سعدن لن ينتفعون منهن.
وقفت على الموقد تضع إبريق الشاي تنتظر غليانه والتفتت نحو الصالة حيث يجلس والدها تسأل نفسها لماذا يعاملها هكذا؟ ما الجرم الذي ارتكبته؟ تمنت لو سألها يومًا عن حالها عما تحتاج، لكنها دومًا آخر اهتماماته.
******'' '' '' '' '' ***************
وبعد مرور اسبوعين
كانت جالسة أمام ذلك الصغير تحايله كي يتناول طعامه تغني له تارة وتمازحه أخرى تحت نظرات خالتها وشقيقتها التي كانت تتدخل مشتركة معه لتقنعه كي يتناول طعامه.
ليرن جرس الباب فانتفضت بسعادة فهي تعلم هوية القادم، وقبل أن تتجه نحو الباب سمعت صوت خالتها التي سبقتها يمنعها:
_ خليكِ أنا اللي هفتح، ده "خالد" أكيد.
عادت تجلس على الكرسي بخيبة أمل، كانت تود أن تستقبله هي لكن خالتها أحرجتها، تجاهلت ذلك وظلت عيناها تترقب حضوره ليدخل وعيناه هو الآخر تبحث عنها بشوق، ألقى التحية على زوجة شقيقه واتجه نحوها يحمل كيسًا من الشوكولاتة لذلك الصغير الذي هتف لحضوره:
_ عمو "خالد"!
حمله واحتضنه مقبّلًا وجنته وعيناه معلقة بتلك التي تطالعه بخجل:
_ حبيب عمو "خالد".
تلقف الصغير منه الكيس ليعيده مكانه مقتربًا منها يغمز لها خلسة:
_ إزيك يا "حرير"؟
أسبلت أهدابها خجلًا وقلبها ينبض بقوة:
_ الحمد لله.
_ بتاكل إيه يا بطل؟
حجة استعملها ليتمكن من الاقتراب منها حتى انحنى يلتقط الملعقة يدّعي تذوقه للطعام ليهمس لها:
_ وحشتيني يا قلب " خالد".
ابتسمت بسعادة ليبتعد بعد أن أوصل رسالته وعاد يجلس بجانب والدته التي كانت تراقب تحركاته بدقة، فيبدو أن أسبوعين من الضغط عليه وتكرار طلبها لم يجدي نفعًا.
كان مندمجًا في الحديث معها ليسمعوا بكاء الصغير وصوت "حرير" قائلة:
_ خلّص الأكل يا "مالك" وبعدين أفتحلك الشوكولاتة، كده نفسك هتتسد يا حبيبي.
لكن الصغير أبى الإصغاء وظل يبكي يرفرف بيده بإصرار:
_ عاوز شوكولاتة.
لهجتها احتدت قليلًا كي تحاول إقناعه:
_ غلط يا "مالك"، الأكل الأول وبعدين الشوكولاتة.
تجاهل حديثها وواصل البكاء مع إصرارها على منعه لتستشيط "سعاد" غضبًا، التفتت نحو "خالد" ترمقه بنظرات كأنها تخبره بصحة حدسها أن "حرير" ستقسو على الصغار، ليطالعها بتوتر، وما زاد الطين بلة قول "حنين":
_ سيبيه ياكل الشوكولاتة يا "حرير"، "مالك" عندي هيفضل يعيط كده.
لكنها استنكرت حديثها:
_ بس ده غلط، كده هو مش هيـ...
_ إيه؟ أنتِ مش بتسمعي الكلام؟ ما تدّيله الشوكولاتة، مش شايفة بيعيط إزاي؟
هكذا صرخت بها خالتها غاضبة لتبْهت ملامحها عندما سمعت هجومها عليها، لتعطي الصغير قطعة الشوكولاتة وتقول متلعثمة بعد أن لسعت عيناها الدموع:
_ آسفة، ماكنش قصدي، أنا بس كنت عاوزاه ياكل.
" خالد" الذي أذهله صراخ والدته لينظر لها كأنه يعتذر منها، حملت الطبق وابتعدت نحو المطبخ تكبح دموعها من السقوط.
وكاد أن ينهض يتبعها لكن نظرات والدته أوقفته ليعتبها:
_ ليه كده يا أمي؟ "حرير" بتعمل لمصلحته.
_ مصلحته؟
كررتها ساخرة قبل أن تخفض صوتها تخبره بهمس:
_ دي لسه معندهاش عيال وبتعامله كده.
يعلم أن كلماتها كانت سهامًا تصيب هدفها ليهز رأسه بيأس ينظر إلى "حنين" التي كانت تعتليها الدهشة من غضبها.
لكنها آثرت الصمت فقط.
وقفت هي على حوض الغسيل تستند إليه تحاول أن تسيطر على دموعها كي لا تهبط، تنفخ أنفاسها عدة مرات.
لتفتح الماء وتغسل وجهها وانتظرت حتى هدأت لتعد له فنجانًا من القهوة وخرجت تحافظ على تماسكها قدر المستطاع.
وضعت فنجان القهوة أمامه وأمام خالتها وشقيقتها، ابتسم لها ابتسامة محرجة وارتشف قليلًا من القهوة ليحاول مراضاتها وهو يرى احمرار أجفانها المحملة بدموع محبوسة قائلًا:
_ تسلم إيدك يا حبيبتي، جميلة.
رسمت ابتسامة باهتة وكادت أن تعقّب لكن سبقتها كلمات خالتها التي محت ابتسامتها وخنقت صوتها قبل أن يخرج:
_ مش بطالة، مش زي قهوة "حنين"، بسم الله ما شاء الله عليها، محدش بيعمل قهوة تعدل المزاج زيها.
ابتسمت "حنين" تجاملها وعينها مسلطة على شقيقتها بتوتر بعد أن أبصرت تجهم وجهها لتدافع عنها:
_ متشكرة يا خالتي... "حرير" كمان شاطرة.
أشاحت "سعاد" وجهها بامتعاض تعلن عدم اقتناعها.
تحرّجها من جديد وبلا مبرر، ارتعشت يدها وامتلأت عيناها بدموع خشيت هطولها لتنهض مستأذنة بعد أن رحمها اتصال شقيقها:
_ عن إذنكم.
نهض يسألها بقلق:
_ على فين يا "حرير"؟
_ "حازم" مستنيني تحت عشان يوصلني.... مع السلامة.
ثم التفتت نحو شقيقتها تخبرها:
_ حبيبتي أنا شطبت المطبخ ورجعت كل حاجة مكانها، لو احتاجتي حاجة كلميني.
_ تسلمي يا حبيبتي.
_ والله ملوش داعي تشيلوا همها، هي يعني مش هتقدر تقوم بشغل بيتها؟ دي شاطرة ولهلوبة وأمك أكيد تعبانة ومحتجاكِ، أنا معاها هنا متخافوش عليها.
تجمّدت ملامحها بصدمة، هل تخبرها ألا تأتي مرة ثانية أم هي تتوهم ذلك؟ ابتلعت ريقها بحرج وادعت عدم تفهمها رسالتها لتخالف توقعاتها وتقول بابتسامة مجروحة:
_ ربنا يحفظك يا خالتي.
" خالد" الذي أذهله تصرف والدته، لم تكن يومًا قاسية أو عدائية، لماذا تفعل هذا معها؟ هل تحاول افتعال المشاكل كي تخرب حياته معها؟ حدج والدته بنظرة عتاب وجذب يدها نحو الخارج وهو يقول بحدة:
_ أنا هوصّل "حرير".
ظلت "حنين" توزع عينها بين الباب الذي أُغلق خلف شقيقتها وبين خالتها التي تنظر نحو الباب بوجه ممتعض، تشعر أن هناك شيئًا لا تفهمه، فنظرات متبادلة بين "خالد" ووالدته توحي بذلك.
_ آسف يا "حرير"، متزعليش من أسلوب أمي معاكِ، هي بس أعصابها تعبانة.
كانت هذه أول جملة يخبرها بها بعد خروجهم من شقة شقيقه، ابتسمت تخبره بكسرة حاولت مداراتها خلف ابتسامتها المزيفة:
_ متخافش يا "خالد"، أنا مش زعلانة، خالتي أعصابها تعبانة، ربنا يعينها ويصبرها.
بادلها الابتسامة بامتنان:
_ متشكر يا حبيبتي...
ثم حاول امتصاص ذلك الحزن الذي سكن ملامحها وهو يتغزل بها:
_ هو أنا بحبك وبموت فيكِ من شوية؟ لأ عشان عاقلة وطيبة وزي القمر.
_ عن إذنك اتأخرت على "حازم".
قالتها بتوتر، فحتى كلمات غزله لم تستطع مداواة ذلك الخدش الذي جرح جدران قلبها:
_ استني أوصلك لغاية الباب.
وافقت على مضض فلا تريد أن تنهار أمامه، فدموعها شارفت على الهروب معلنة تمردها على صبرها.
ودعها لتركب بجانب شقيقها فلم تستطع المقاومة وانسابت دموعها بصمت تمسحها بسرعة قبل أن ينتبه شقيقها.
أما هو فمسح على وجهه يزفر أنفاسه بضيق، فيبدو أن والدته تعلن الحرب عليه.
--------------------_-------_
-
أنهكها العمل في هذا الجو الحار حتى انسابت حبات العرق التي تجمعت على جبهتها على وجنتها بإزعاج لترفع يدها تمسحها غافلة عن حامل الهاتف المجهز خلفها، لتشهق مذعورة عندما اصطدمت يدها به ليترنح مهددًا بسقوطه، لتفزع مسرعة تلتقطه قبل أن يهوي ويرتطم بالأرض.
احتضنته ليرتطم جسدها بالأرض عوضًا عنه، أغمضت عينيها تزفر أنفاسها بارتياح عندما اطمأن قلبها أنه بخير.
ظلت منسدحة برهة من الزمن تلتقط أنفاسها المتسارعة قبل أن تعتدل تتفقده لتردد بسعادة:
_ الحمد لله سليم.
مسحت بيدها الرطبة على شاشته وأمسكت بطرف عباءتها تجفف الشاشة ثم قلبته لتنظف كاميرته، تباطأت حركتها عندما تأملت تلك الكاميرا وتتذكر حيلتها المزيفة خلفها.
آه حارقة خرجت بقهر من جوفها، فكم أصبحت تلك الحياة المصنعة تنهكها، ودّت لو تحطمها وتنهي مسيرتها، لكنها على يقين أن نهاية هذه الكاميرا تعني بداية الجحيم بالنسبة لها، فهي الستار الحائل بينها وبين ما تخشاه وما ذاقته سابقًا.
مسحت على وجهها بكسرة ونهضت تعيده مكانه بحذر تتلمسه بلطف كأنها تعتذر منه ونهرت نفسها تلومها، فلولا هذا الهاتف لما شعرت يومًا أن لها وجود في هذه العائلة.
صوت "فردوس" الذي تعالى مناديًا عليها أخرجها من شرودها لتجيبها:
_ أيوه يا خالتي.
_ يلا البسي الإسدال عاوزين نفتح بث.
عقدت حاجبيها بتعجب:
_ بث دلوقت يا خالتي؟
امتعض وجهها وقالت متهكمة:
_ وهو من أمتى له وقت؟ ما إحنا بنفتح وقت ما نحب، إيه اللي جد يعني؟
ارتبكت تخبرها بصوت مرهق:
_ أصل كنت عاوزة أرتاح شوية وآخد شاور.
ارتفع صوتها بحدة تنهرها:
_ مش وقت شاور دلوقت، ويلا استعجلي البسي الإسدال وبلاش دلع.
ظلت تنظر إليها ثوانٍ بيأس قبل أن تجر قدمها ترتدي إسدالها مجبرة تستعد لبدء ذلك البث، تلعن في سرها تلك الحياة المزيفة التي تستنزف طاقتها، فما عادت تطيق تسلطها عليها، لكن ما باليد حيلة، فها هي ترسم ابتسامتها الكاذبة مرغمة وتبدأ بتمثيل تلك المسرحية معها.**
*******'' **'**' '**' '' *******'' ***
*
وضعت القهوة أمام جارتهم الثرثارة تدعو الله ألا تتفوه بكلمة تجرحها كالمعتاد، لكن وما إن لامس الفنجان سطح الطاولة حتى سمعتها تقول:
_ تسلمي يا حبيبتي، عقبال ما نشرب الشربات يوم عوضك.
يدها التي وضعت الفنجان تجمدت في الهواء تكتم ضيقها منها وهي تقول:
_ إن شاء الله.
عيناها التقت بعيني والدتها التي كانت تطالعها بعتاب كأن ما يحدث من صنيع يدها، استدارت مغادرة لتتجه نحو الشرفة حيث يجلس والدها، لكنها وقبل أن تخرج وصلها تمتمة تلك السيدة وهي توجه سؤالها لوالدتها:
_ كبدي عليها، حلوة وزي القمر بس هنقول إيه؟ نصيب...
اعتصرها قلبها فأسرعت بخطواتها كي لا تسمع المتبقي.
وصلت الشرفة بوجه شاحب، وضعت القهوة أمام والدها الذي قرأ انكسار ملامحها ففهم أن تلك السيدة الحشرية قد أسمعتها شيئًا أزعجها، ليطلب منها مشيرًا نحو الكرسي بجانبه:
_ تعالي يا "نوسة" اقعدي جنبي، وحشتيني، بقالك نص ساعة بعيد عني.
نجح في رسم ابتسامة على وجهها لتمتثل لطلبه وتجلس على الكرسي بجانبه:
_ أيوه كده، الواحد يشرب قهوته بمزاج، مش بيقولوا القهوة والخضرة والوجه الحسن؟
قالها يشير إلى الفنجان وأصيص الزرع أمامه ثم إليها لتقهقه ضاحكة:
_ يا بابا الماية مش القهوة.
عقد حاجبيه يمثل جهله وهو يقول ساخرًا:
_ بجد؟ يبقى خلاص أهم حاجة الوجه الحسن.
رافق كلماته الأخيرة بقبلة طبعها على وجنتها لتغمرها السعادة، امتلكت أبًا مثله، تأبطت ذراعه وسندت رأسها على كتفه:
_ أنت أحسن أب في الدنيا.. أنا بحبك أوي.
_ وأنا كمان بحبك يا حبيبة بابا.
----------------------
شهقت فرحة عند رؤيتها تهتف متلهفة، فطالما كانت تلك السيدة تعطف عليها وتهتم بها منذ أن رحلت والدتها:
_ طنط "ماجدة"!
احتضنتها "ماجدة" بشوق أثار امتعاض "فردوس" التي كانت تراقب لقاءهم بتهكم تلوي شفتها بضيق من محبة تلك السيدة لها:
_ إزيك يا "بلسم"؟ وحشتيني يا غالية يا بنت الغالية، عاملة إيه يا روحي؟
_ الحمد لله، أنتِ كمان وحشاني يا طنط.
مسحت على وجنتها بلطف تزيل بطرف إصبعها دمعة سكنت أهدابها بحزن لتخبرها بعين دامعة:
_ معلش يا حبيبتي سامحيني، من ساعة ما "عماد" دخل الجيش وأنا مقصرة معاكِ، بس أهي هانت والحمد لله "عماد" خلص، إن شاء الله مش هغيب عنك تاني.
التفتت "ماجدة" نصف التفاتة بعد أن شعرت بمراقبتها لهم لتجد "فردوس" التي وقفت تربع يديها وتطالعها بازدراء، فتلقي عليها التحية باقتضاب:
_ إزيك يا "فردوس"؟
رمقتها بطرف عينها مستهجنة لهجتها:
_ أهلًا.. اتفضلي.
تجاهلتها "ماجدة" وجذبت يد "بلسم" لتجلسها بجانبها تضمها إليها وتمسح على وجهها تتفقدها، ترى فيها صورة صديقتها الراحلة وتتذكر وعدها لها في أيامها الأخيرة أنها لن تترك صغيرتها وستساندها، صوتها حُفر في ذاكرتها كأنها تسمع صوتها المتعب الآن:
_ وصيتك "بلسم" يا "ماجدة"، متسبيهاش لوحدها.
تنهدت تطالع ابتسامة "بلسم" السعيدة بوجودها لتقرر أن تفي بوعدها لصديقتها.
وضعت يدها على يد "بلسم" تشد عليها بحنان قبل أن تضع يدها الأخرى فوقها وعيناها لا تفارق وجهها حتى قررت أن تقول ما سيغير حياة تلك الفتاة، التفتت نحو "فردوس" تنظر لها مباشرة:
_ أنا جاية أطلب إيد "بلسم" لابني "عماد".
اتسعت عينا "بلسم" بذهول لا تصدق ما سمعته، هل ستخرج من هذا السجن؟ ستتحرر أخيرًا بل وسيصبح لها عائلة مستقلة، زوج وأولاد، وفي خضم أحلامها أخرجها صوت "فردوس" من هذه الأحلام يجذبها نحو الواقع:
_ البنت لسه صغيرة.
قالتها ببرود استفز "ماجدة" التي قالت بعناد:
_ البنت مش صغيرة يا "فردوس"، وأعتقد أن ليها أب هو اللي من حقه يقبل أو يرفض مش أنتِ.
احتقن وجه "فردوس" بغيظ منها لتقول بحنق:
_ يبقى نستنى رأي أبوها.
ثم صمتت تصوب نظراتها نحوها بتحد:
_ رغم إن رأيي ورأي أبوها واحد، بس هاخد رأيه.
ضحكة انتصار لاحت على ملامح "ماجدة" التي قالت بفخر:
_ أيوه خدي رأيه، قوليله ابن "سالم الشناوي" خطبها وشوفي رأيه.
كانت "ماجدة" تعلم عشق والد "بلسم" للنقود، لذلك لن يرفض اسم زوجها اللامع في سوق الأدوات الكهربائية.
رحلت "ماجدة" وتركت "فردوس" في غيظها و"بلسم" لأحلامها، دخلت غرفتها واستلقت على سريرها تزين وجهها ابتسامة أمل عريضة، لتسرح في أحلامها وهي تتخيل نفسها بفستانها الأبيض، أمسكت خصلة من خصلات شعرها تلفها حول إصبعها وتفكر في ذلك اليوم الذي ستهرب من هذه الحياة ويصبح لها حياتها الخاصة، منزلها، أولادها، زوجها، وعلى ذكر زوجها أخذت تعتصر ذكرياتها كي تتذكر "عماد"، هي رأته مرة أو مرتين منذ سنوات لكنها لا تتذكر ملامحه، ترى هل هو وسيم؟ لتنفض عن رأسها تلك الأفكار فلا يهم إن كان وسيمًا أم لا، المهم أنه سيكون مفتاح الخلاص، وبخت نفسها ساخرة:
_ هتتشرطي كمان يا بنت "منيرة"؟
صوت مفتاح والدها نبهها لحضوره، انتفضت من مكانها واتجهت نحو الباب تسترق السمع لما سيدور بينه وبين "فردوس"، تعلم أنها لن تصبر ستخبره مباشرة.
أنصتت إليها وهي تخبره واستمعت لنبرة صوت والدها التي بدا عليه السعادة وهو يكرر اسم "سالم الشناوي" مما أثار ضيقها:
_ يعني هتوافق يا "عزت" وتجوز البنت؟
_ وما وافقش ليه؟
_ يا "عزت" البنت لسه صغيرة.
_ بس ده "سالم الشناوي"، عارفة يعني إيه؟ ده عنده محلين لأجهزة كهربائية يسدوا عين الشمس.
_ مستعجل ليه؟ بكرة يجيها الأحسن منه.
لم تخفَ على "بلسم" نبرة صوتها الماكرة في محاولة لإفساد هذا الزواج لتتهكم هامسة بسخرية:
_ خايفة عليا يا "فردوس"؟ قلبك كبير يا مفترية، طبعًا مش عاوزاني أتجوز، مش عاوزة تخسري الخدامة بتاعتك، وبعدين مين هيشغّل قناتك الهايفة بعد كده؟ هتخسري كتير بجوازي.
حكت ذقنها في حيرة تحاول أن تجد طريقة تقنعه كي يوافق حتى لمعت عيناها بانتصار عندما قفزت تلك الحيلة لعقلها، لتتسع ابتسامتها وهي ترفع يدها تدعو برجاء ناظرة إلى الباب الذي تقطن خلفه زوجة أبيها:
_ يارب تقتنعي وأخلص منك يا بعيدة.
-----------------------------
بدأ جسده يتصبب عرقًا ويتشنج بشكل مبالغ، ترفس أقدامه بعشوائية وشفتاه تهمهم بكلمات غير مفهومة حتى صرخ مستيقظًا من ذلك الحلم بفزع:
_ "كامل"...
لفظ اسم شقيقه بأنفاس لاهثة ليعتدل يمسح على وجهه بارتياح بعد أن فهم أنه حلم:
_ استغفر الله.... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
خفق قلبه وهو يتذكر ذلك الحلم بشرود وكيف أمسك شقيقه يده يترجاه باكيًا أن يحافظ على أولاده.
دعك جبهته وكأن ذلك الحلم أنهك فكره قبل جسده يسأل طيف شقيقه الراحل:
_ قصدك إيه يا "كامل"؟ هو أنا قصرت معاهم؟
صوت أذان الفجر كان كدعاء للراحة بالنسبة له ليقرر النهوض والذهاب للمسجد علّ ذلك الثقل الجاثم على صدره ينتهي، نفض عنه غطاءه ونهض يتعوذ من الشيطان وأفكاره.
ذهب إلى المسجد وعاد بعد قليل يصعد درجات السلم ليصل إلى مسامعه صوت ابن شقيقه القادم من شقتهم وهو يبكي بهستيريا ليصيبه القلق ويتجه نحوهم بهلع، طرق الباب عدة مرات يرافقه صوته المذعور:
_ افتحي يا "حنين"، أنا " خالد".
فتحت له الباب والدموع تغطي وجهها ليندفع نحو الداخل بخوف فيجد ذلك الصغير منفجرًا في البكاء يردد كلمات مزقت قلبه:
_ بابا، عاوز بابا.
ليهرول نحوه يجثو على ركبته أمامه ويأخذه بين أحضانه يضمه إلى صدره بقوة:
_ مالك حبيبي؟ مالك يا قلبي؟ مالك يا روح عمك؟
التفت نحو "حنين" التي لم تقل انهيارًا عن ولدها يسألها بخوف:
_ ماله "مالك"؟
لتخبره بصوت بُحّ من شدة البكاء:
_ صحي من النوم مفزوع وكل اللي بيقوله عاوز بابا، ولما قلتله بابا راح السما قال بس أنا شفته في الحلم، ومن ساعتها مبطلش عياط.
لترمي نفسها على الكرسي وتنتحب هي الأخرى باكية بهستيريا، اعتصره قلبه حزنًا على حال الاثنين.
ليظل يتحدث مع "مالك" ويهدئه يقرأ على رأسه آيات قرآنية حتى غفا بين أحضانه، آلمه صوت شهقاته حتى بعد غفوته لكنه حاول طمأنتها:
_ الحمد لله "مالك" نام.
ليجدها تخبره باكية بوجع أحزنه:
_ أنا تعبت والله تعبت، معدتش قادرة أستحمل، هكمّل إزاي؟
وكان سؤالها كخنجر ضرب أوصال قلبه ليربط حلمه بما يحصل ولأول مرة تتجرأ عيناه وينظر لها بطريقة مختلفة، فحدّق بها وطلب والدته بدأ يتسلل إلى عقله ليسأل نفسه:
_ معقولة يكون "كامل" كان عاوز يقنعني بكلام أمي لما قال لي الولاد أمانة عندك حافظ عليهم؟
عادت عيناه تتأمل انهيارها بحزن لتزداد حيرته ما بين عقل يحاول إقناعه وقلب يرفض ذلك.