
حين وصل باران وديلان إلى المستشفى، كان الممر المؤدي إلى غرفة طارق يعجّ بالحركة. وقف عدد من أفراد الشرطة بالقرب من الباب، بينما كان أحد الضباط يدوّن ملاحظاته بعد أن انتهى طارق من الإدلاء بأقواله بشأن قضية دنيز ومدحت.
كان قد اعترف بكل ما واجهته به الشرطة من أدلة، وكشف ما كان يخفيه طوال تلك السنوات.
وحين اقترب باران من الغرفة، أوقفه أحد الأطباء.
الطبيب: لقد أنهت الشرطة استجوابه، لكن حالته لا تزال حرجة جدًا، وقد اتعبه تحقيق الشرطة معه، ولا ينبغي له أن يتحدث أو يتعرض لأي انفعال، مرة اخرى فهو خطر عليه، لانه مازال ضعيفا ومازال لم يتعدى مرحلة الخطر، فقيمه الحيوية مازالت متدنبة.
ثم نظر إلى ديلان وأضاف:
الطبيب: طلب رؤيتكما بإصرار، ولهذا سمحنا لكما بالدخول، لكن أرجوكما، لا تطيلوا البقاء ولا تجهداه.
أومأ باران، ثم التفت إلى ديلان.
كانت يدها ترتجف قليلًا.
لم تكن تعرف ماذا ينتظرها في الداخل، لكنها كانت تشعر في أعماقها أن هذا اللقاء لن يكون عاديًا.
فتح الطبيب الباب.
دخلت ديلان أولًا، وتبعها باران.
كان طارق مستلقيًا على السرير، شاحب الوجه، تحيط به الأجهزة والأسلاك، وصوت الأجهزة الطبية يقطع الصمت الثقيل من حوله. كانت الممرضة تقف بجواره، تراقب مؤشراته الحيوية وتسجل ملاحظاتها بين حين وآخر.
وما إن وقعت عيناه على ديلان حتى تحركت يده بضعف، وأشار إلى الممرضة.
فهمت ما يريده.
اقتربت منه ونزعت عنه قناع الأكسجين، بعد أن تأكدت من الطبيب الذي كان يقف خارج الغرفة، ثم قالت:
الممرضة: لا تتحدث كثيرًا، حالتك لا تسمح بذلك.
أومأ طارق بصعوبة.
تقدمت ديلان برفقة بضع خطوات، ثم ألقت التحية بصوت خافت.
ديلان و باران: السلام عليكم.
وردّ طارق بصوت بالكاد سُمع:
طارق: وعليكم السلام...
وقف باران إلى جوارها، وكانت عيناه لا تفارقان طارق.
كانت علامات التأثر واضحة على وجه ديلان رغم نقابها؛ ارتجاف عينيها، اضطراب أنفاسها، والطريقة التي كانت تضم بها أصابعها إلى بعضها وكأنها تحاول أن تمنع نفسها من الارتعاش.
أما باران، فكان واقفًا بجانبها كجدار لا يسمح للخوف بالوصول إليها.
قال بصوت حازم:
باران: لقد طلبت حضورنا أنت وديلان، وها نحن أمامك الآن. فما الذي تريده مننا؟.
ظل طارق ينظر إلى ديلان طويلًا.
كان في عينيه شيء لم تره فيه من قبل... انكسار كامل، وكأن كل القوة التي حاول أن يظهر بها طوال حياته قد انهارت في هذه اللحظة.
تحركت شفتاه بصعوبة.
طارق:أولا أردت... أن أطلب من ديلان السماح... قبل أن أغادر هذه الدنيا.
انعقد حاجبا باران، فأضاف طارق..
طارق: وانت أيضا...
وقبل أن يتمكن طارق من إكمال كلامه، قال بحدة:
باران: السماح؟ على ماذا تريدنا أن نسامحك؟ ولماذا؟.
أغمض طارق عينيه لحظة، وكأن مجرد استرجاع الماضي كان ينهكه أكثر من الألم الذي يعتصر جسده.
ثم فتحهما وقال:
طارق: أرجوك... لا تقاطعني، دعني أكمل كلامي... ربما لن أستطيع قول كل شيء بعد قليل.
ساد الصمت ثقيل في الغرفة، لا يقطعه سوى الصوت التي تصدره الاجهزة المحيطة بهم، ونظرات الممرضة والطبيب اللذان كانا يتابعان حالة طارق..
تراجعت حدة باران قليلًا، لكنه بقي متأهبًا.
أما ديلان فكانت تحدق في طارق، وقلبها يخفق بعنف.
بدأ طارق يتحدث، متقطع الأنفاس:
طارق: أريدك أن تسامحيني يا ديلان... وانت أيضا يا باران.... لأنني أنا من تسببت في كل ما حدث لك ولمراد رحمه الله.
شهقت ديلان بصمتفبما إحتدن نظرات باران نحوه.
وأكمل:
طارق: كنت أحبك...
ارتجفت عيناه، وكأنه يخجل من الاعتراف.
طارق: نعم كنت احبك جدا..... وكنت كل يوم اتتبع خطواتك نحو الجامعة..... لكن كنت اعلم ردك من خلا تصرفاتك المتحفظة، ولذلك...ترددت لاتقدم لك وانا ارى الفرق الواضح......بيننا، فأنت فتاة متعلمة وامامك مستقبل زاهر.......وانا شاب ليس لديه شهادة وعاطل.
سكت قليلا يلتقط انفاسه ثم واصل...
طارق: وعندما علمت أن أخي مدحت يريد خطبتك... لم أتمالك نفسي، ووسوست لي نفسي..... اقتربت من أمي، وبدأت أزرع في رأسها الأفكار التي تجعلها ترفضك... وتطلب من أخي أن يبتعد عنك.
توقفت أنفاس ديلان.
طارق: كنت أريدك لنفسي.... وكنت أعرف أنك لن تقبلي بي... ما دمت لا أملك عملًا.... ولا مستقبلًا واضحًا......كنت أقول لنفسي إنني سأجد عملًا..... ثم أتقدم إليك.....وربما تقبلين بي حينها...
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم تابع:
طارق لكن أخي سبقني.... وخشيت ان تقبلين به.
نظر إلى ديلان بأسى.
طارق: وأقنعت نفسي بأنك.... لو اقتربت منه أكثر..... ربما اخترته عليّ.....وعندما رفضته..... لأنك لم تكوني تريدين...... الزواج من رجل عاطل.....عن العمل.... لم أتوقف عند ذلك... بل بدأت أزرع الشك في رأسه.
رفع باران رأسه ببطء.
باران: ماذا تقصد؟.
نظر إليه طارق.
طارق: قلت له إنك..... ترينه شخصًا لا يستحقك... وإنك تعتبرينه أقل من طموحك... بل أخبرته أنك ترينه فاسدًا.
تجمدت ملامح باران.
أما ديلان، فشعرت وكأن الماضي الذي عاشت سنوات وهي تحاول فهمه يُعاد أمامها قطعة قطعة.
واصل طارق:
طارق: ثارت أمي عندما..... أخبرتها بذلك..... أرادت الانتقام منك بسبب....... ما ظنته أنك فعلته بأخي.... لذلك تحدثت بسوء عنك.
ثم أخذ نفسًا متقطعًا، وأكمل:
طارق: وعندما خُطبتِ لمراد.... جاءت دنيز إلى الحي.... والتقت بأمي.....أخبرتها بما قلته أنا لها.... وعندما تواصلت معها... طلبت منها مساعدتها.
ارتجف صوته.
طارق: عندها اقترحت على أمي أن تتواصل معها..... وان يساعدها مدحت....ثأرا لكرامته وما إتهمته.... انت به.....حسب روايتي....
تصلبت ملامح ديلان.
طارق: وأنا.... من تطوعت لجمع الأدلة..... التي تدينكي... حسب زعمي...
سقطت الكلمات في الغرفة كالصاعقة.
طارق: كانت الصور والرسائل... انا من إلتقطتها..... بعد ان كنت أتتبعك..... وأنا من كنت أساعد في ترتيبها.... ليرسلها مدحت لمراد..... حسب إتفاقه مع دنيز........ ومدحت كان أثنائها......منشغلًا بالبحث عن عمل......وعندما رأى الصور في البداية رفض أن يتورط...
توقف ليلتقط أنفاسه.
طارق: لكن والدتي أصرت عليه..... طلبت منه أن يفضحك.... وأن يتعاون مع دنيز......لأنها أرادت أن تظهر للناس.....أنك تحاولين تشويه سمعة......أخي في الحي.... حسب ما زرعته أنا برأسها...
ثم أضاف بصوت منكسر:
طارق: وأخي كان قد صدق..... تلك الرواية التي زرعتها في رأسه....وقد صدق تلك الصور التي تلاعبت بها قليلًا... حتى بدت حقيقية.
أخفضت ديلان رأسها.
كانت الدموع قد امتلأت بها عيناها.
كم من المرات سألت نفسها لماذا لم يصدقها مراد؟،
كم من الليالي قضتها وهي تعيد في ذهنها كلماته ونظراته، تبحث عن الخطأ الذي ارتكبته؟،
والآن...
كانت الإجابة تقف أمامها، على سرير الموت.
تابع طارق وهو يلهث وانفاسه تتقطع:
طارق: بعد زواجك من مراد.... ابتعد مدحت عن دنيز..... فقد ظن ان حياتك إستقرت مع مراد..... وقد كان عثر على عمل.... وابتعد عن مسرح الأحداث.......ثم سمعنا أن مراد طردك من المنزل...
ارتجف صوته ليتقط انفاسه بصعوبة ليواصل.
طارق: عندها اتصل أخي بدنيز ...... وهددها بأنه سيكشف كل شيء...... إذا حدث لك أي مكروه.
تغيرت ملامح باران وباغته بسؤال.
باران: وماذا حدث بعد ذلك؟،
أغمض طارق عينيه، كأنه يستحضر تلك الايام وقال:
طارق: طلبت دنيز رؤية مدحت... وأنا... كنت أراقب الأمر.
ثم فتح عينيه، وقد بدا الرعب واضحًا فيهما.
طارق: تبعت أخي إلى المكان..... الذي كان سيلتقي فيه بدنيز.
توقف قليلا وكأن شيئا يجثوا عليه، وكان الصمت هذه المرة أثقل من كل الكلمات، فخرج صوته مخنوقا.
طارق: وعندما وصلت... رأيت مراد يراقبهما.
حدقت ديلان فيه، وقد توقفت أنفاسها.
طارق: خفت.
خرجت الكلمة من فمه كاعتراف طفل مذعور.
طارق: خفت أن ينكشف كل شيء... خفت أن يخبر أخي دنيز بالحقيقة....وأن يعرف الجميع أنني أنا من بدأت كل شيء..... ويصل الامر لمراد....
ثم ارتعشت شفتاه وخرج صوته مهزوزا وشعر بثقل انفاسه وهو يسحبها بصعوبة وقال.
طارق: لذلك... لعبت بفرامل السيارة.
شهقت ديلان.
أما باران فظل يحدق فيه، وكأن عقله يرفض تصديق ما يسمعه.
طارق: جعلت السيارة تبدو وكأنها تعرضت لعطل... وكأن الحادث وقع بصورة طبيعية.
ابتلع طارق ريقه.
طارق: وتوفي مراد بسببي.
انهمرت دموع ديلان أخيرًا.
لم تصرخ.
لم تستطع.
فقط وضعت يدها على صدرها، وكأن قلبها تلقى ضربة مباشرة.
أما باران، فكان جسده كله قد تصلب حاول ان بقترب،
لكنه لم يتكلم،
إمتدت يده نحو طارق، لكنن توقف حين واصل طارق كلامه..
تابع طارق، وقد أصبح صوته أضعف:
طارق: وبعد زواجك من باران... وبعد حادثة كاظم... رأيت الجميع يحاولون البدء من جديد.
سخر من نفسه بمرارة.
طارق: الجميع كان يمضي في حياته... إلا أنا.
ثم قال:
طارق: دخلت عالم المخدرات.... في البداية كنت مستهلكًا... ثم أصبحت مروجًا......وخسرت كل شيء.
نظر إلى ديلان.
طارق: وعندما اكتشفت دنيز..... الحقيقة كاملة.....لم أفكر في التراجع.
توقف قليلًا.
طارق: أردت الانتقام من الجميع....
قال باران بصوت خافت، لكنه كان يرتجف من شدة الغضب، حيث كان يجاهد ليتحكم بنفسه، حتى يستمع لإعترافات طارق، فألقى عليه سؤالا:
باران: ماذا فعلت؟.
أجاب طارق:
طارق: كنت أرسل دنيز...... عمدًا إلى الأماكن......القريبة من حيكم... حتى يتم القبض عليها هناك......وتتشوه سمعة الجميع... أردت أن أشعر أنني أنتقم....من كل من ظننته.....سببًا في خسارتي.
في تلك اللحظة، انفجر باران.
تقدم نحوه بخطوات غاضبة، وصوته يرتفع وكادت يداه ان تطبق على عنق طارق، لولا تدخل ديلان لتمسكه من يده، خيث كان يهتف قائلا:
باران: أنت لا تنتقم من أحد!.
ارتجف طارق في سريره.
صاح باران:
باران: لقد قتلت أخي!، أخي الذي لم يفعل لك شيئا، ولم يؤذيك أيها الحقير.
اقترب أكثر، وكانت عيناه تشتعلان غضبًا وألمًا.
باران: دمرت حياة ديلان! ،شوهت سمعتها! ،جعلت أخي يعيش في الشك والعذاب حتى آخر أيامه!.
ارتفع صوته أكثر:
باران: ثم لم تكتفِ بذلك! ،ورّطت دنيز في تلك الممنوعات، وحوّلت حياتها إلى جحيم، ثم دفعت أخاك إلى طريق كاد ينتهي بقتلك هو الآخر!.
كانت أنفاس باران متسارعة.
باران: كم شخصًا كان يجب أن تدمره حتى تشعر أنك انتقمت؟!.
لم يجب طارق.
قال باران، والغضب يختلط في صوته بالاشمئزاز والألم:
باران: كل هذا لأنك لم تتحمل أن تكون رغبتك مرفوضة؟، لأنك أردت امرأة لم تخترك؟!.
إندفع الممرضون مع الطبيب ليبعدوا باران حتى يهدأ.
حينها ارتجف جسد طارق،
وفجأة، بدأت الأجهزة تصدر أصواتًا متقطعة.
انتبهت الممرضة إلى تغير المؤشرات، فصرخت:
الممرضة: حضرة الطبيب!...
وفي اللحظة نفسها، اندفع الطبيب وعدد من الممرضين فى الغرفة، مبتعدين عن باران، وتبعهم أفراد الشرطة الذين كانوا يقفون في الخارج، ليدخلوا للغرفة، حتى يتم إخراج باران وديلان، بعد لاحظوا تغير حالة طارق، وصراخ الطبيب عليهم ليخرجوا..
الشرطي: ابتعد عنه!.
أمسك أحد رجال الشرطة، بباران وأبعده عن السرير، بينما أسرعت الممرضات و الطبيب إلى التعامل مع حالة طارق.
الشرطة: أخرجوه من الغرفة! اخرجوا من فضلكم.
قاومت عينا ديلان الدموع وهي ترى الأطباء يحاصرون السرير.
ديلان: باران...
أمسك باران بيدها وسحبها معه إلى الخارج.
باران: تعالي لنخرج فقد إختنقت هنا.
خرجا الاثنين لكنهما لم يبتعدا، بقيا واقفين قرب باب العناية، ينظران لداخل الغرفة عبر الزجاج، حيث ظلت ديلان للحظة تحدق في طارق.
كان الرجل الذي حملت بسببه، سنوات من الخوف والغضب والظلم، يرقد الآن ضعيفًا أمامها، بعد أن كشف الحقيقة التي غيّرت كل شيء.
وخارج الغرفة، وقف باران عاجزًا عن استيعاب ما سمعه.
لم يعد الغضب وحده يملأ صدره.
كان هناك ألم أعمق...
ألم أخيه الذي مات دون أن يعرف الحقيقة كاملة، وألم ديلان التي عاشت سنوات تحمل ذنبًا لم يكن ذنبها أصلًا.
في الداخل، كان الفريق الطبي يحاول إنقاذ طارق.
ارتفع صوت أحدهم:
الطبيب: لا يوجد نبض!.
بدأت محاولات الإنعاش.
مرة...
ثم أخرى...
لكن جسده كان قد استنفد ما بقي فيه من قوة.
توقفت المحاولات بعد دقائق بدت للجميع كأنها دهر كامل.
خفض الطبيب رأسه، ثم نظر إلى الممرضة.
ساد الصمت.
وبعد لحظات، خرج الطبيب من الغرفة وقال بصوت هادئ:
الطبيب: لقد فارق الحياة.
تجمدت ديلان في مكانها،
أما باران فأغمض عينيه،
لم يشعرا بالانتصار،
لم يشعرا بالراحة،
فالحقيقة التي انتظروها طويلًا جاءت أخيرًا...
لكنها جاءت محمولة على موت رجل، وذكريات أخ، وجرح امرأة قضت سنوات وهي تدفع ثمن جريمة لم ترتكبها.
وضعت ديلان يدها على صدرها، وانسابت دمعة ساخنة على خدها.
لم تعرف هل تبكي مراد...
أم تبكي السنوات التي سُرقت منها...
أم تبكي لأن الحقيقة، مهما تأخرت، كانت أثقل بكثير مما تخيلته يوما.
بعد أن لفظ طارق أنفاسه الأخيرة، خيّم على المكان صمت ثقيل، كأن الغرفة نفسها قد عجزت عن استيعاب ما حدث.
رحل...
رحل تاركًا خلفه عائلة محطمة، وأسرارًا ظلت مدفونة لسنوات، واعترافًا أثقل من أن تحمله قلوب ديلان وباران.
لم تكن ديلان تعرف كيف تستوعب كل ما سمعته.
جلست في أحد المقاعد القريبة من الغرفة، جامدة في مكانها، تحدق أمامها بعينين غارقتين في الدموع، وكأن عقلها ما زال يرفض تصديق أن الرجل الذي كان قبل دقائق يروي لها تفاصيل أكثر أيام حياتها ألمًا قد أصبح الآن جثة هامدة.
كيف يمكن لإنسان أن يعيش سنوات كاملة وهو يحمل ظلمًا لا يعرف مصدره؟،
كيف يمكن أن يقضي عمره وهو يلوم نفسه على شيء لم يرتكبه؟،
لقد عاشت ديلان سنوات وهي تحمل على كتفيها ثقل الاتهامات، وتبحث في ذاكرتها عن خطأ ارتكبته، عن كلمة قالتها، عن تصرف ربما أساء فهمه الآخرون.
كانت كلما تذكرت مراد، عادت إليها تلك الأسئلة نفسها.
لماذا لم يصدقني؟،
أين أخطأت؟،
لماذا انتهى كل شيء بهذه الطريقة؟،
والآن فقط...
عرفت الإجابة.
لم تكن المشكلة فيها،
لم تكن هي الخائنة،
لم تكن الصور حقيقية،
لم تكن الكلمات التي قيلت عنها سوى أكاذيب نسجها رجل بدافع الغيرة، ثم تحولت تلك الأكاذيب إلى خيوط التفّت حول حياة الجميع حتى خنقتهم.
ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها من جديد.
وضعت يدها على وجهها، وأطلقت أخيرًا العنان لكل ما حبسَته في داخلها طوال تلك السنوات.
بكت...
بكت ديلان التي تحملت الاتهامات بصمت.
بكت الفتاة التي اضطرت إلى الدفاع عن شرفها وهي لا تعرف حتى من أين جاء الظلم.
بكت الزوجة التي فقدت زوجها وهي عاجزة عن فهم سبب ابتعاده عنها.
وبكت المرأة التي اكتشفت، بعد فوات الأوان، أنها كانت بريئة طوال الوقت.
لكنها لم تكن تبكي طارق.
كانت تبكي السنوات التي سرقها منها.
تبكي مراد...
وتبكي نفسها القديمة، تلك التي قضت ليالي طويلة وهي تتساءل عما فعلته لتستحق كل ذلك.
كان باران يجلس إلى جوارها، صامتًا.
لم يكن بأحسن حالًا منها.
كان ينظر إليها، ثم يخفض عينيه، وكأن كل كلمة يريد قولها تبدو عاجزة أمام حجم ما تحمله.
مد يده نحوها، وأمسك يدها المرتجفة.
ضغط عليها برفق.
لكن ماذا يمكنه أن يقول؟،
هل يواسيها على السنوات التي عاشتها تحت وطأة الظلم والاتهامات؟،
هل يخبرها أن الحقيقة ظهرت أخيرًا؟،
وكيف يمكن للحقيقة أن تعيد إليها السنوات التي فقدتها؟،
كيف يمكنها أن تعيد إلى مراد حياته؟،
كيف يمكنها أن تمحو الليالي التي قضتها ديلان وهي تبكي وحدها؟،
أطرق باران رأسه.
كان يشعر بأن قلبه ممزق بين ألم لا يعرف كيف يسكته،
كان يريد أن يبكي على ديلان...
وعلى أخيه...
وعلى نفسه أيضًا.
فهو الآن يعرف أن مراد لم يمت في حادث عابر،
لقد كان مقتولًا،
قُتل داخل مؤامرة حيكت حوله وحول ديلان بخيوط دقيقة، حتى بدا كل شيء وكأنه الحقيقة.
قُتل لأن شخصًا واحدًا لم يحتمل أن يخسر امرأة لم تكن له أصلًا.
وقُتلت معه أشياء كثيرة لا يمكن إعادتها.
رفع باران عينيه نحو ديلان، فرأى دموعها تنساب بلا توقف.
قال بصوت متهدج:
باران: ديلان...
رفعت عينيها إليه.
لم تستطع الإجابة.
فقط نظرت إليه بنظرة مثقلة بكل ما لم تستطع الكلمات حمله.
اقترب منها أكثر، ومسح دموعها بإبهامه، ثم قال:
باران: لا أريدك أن تلومي نفسك بعد اليوم.
ارتعشت شفتاها.
ديلان: لكن مراد...
توقفت، وانكسرت الكلمات في حلقها.
أكمل باران عنها:
باران: أعرف.
ثم أطرق رأسه، وأضاف بصوت أثقله الحزن:
باران: أعرف ما الذي يؤلمك.
سكت قليلًا.
باران :وأنا أيضًا لا أعرف هل أبكيكِ على كل ما عشته... أم أبكي أخي على الحياة التي سُلبت منه.
احتضنها.
هذه المرة لم تحاول ديلان أن تتماسك.
انهارت بين ذراعيه، وأخفت وجهها في صدره، بينما راحت شهقاتها تهز جسدها.
ضمها باران إليه بقوة، وأغمض عينيه.
وانهمرت دمعة ساخنة على خده.
لم يحاول إخفاءها.
فهو لم يعد يعرف لمن يبكي.
لديلان التي عاشت تحت الظلم وهي بريئة؟،
أم لمراد الذي مات وهو يحمل صورة مشوهة عن المرأة التي أحبها؟،
أم لتلك السنوات التي كان يمكن أن تكون مختلفة لو لم تُنسج تلك المؤامرة؟،
ربت على ظهر ديلان ببطء، بينما كانت أصابعها تتشبث بثيابه.
ديلان: كان يمكن أن يعيش...
قالتها بصوت مختنق.
أغمض باران عينيه.
باران: نعم...
خرجت الكلمة منه بصعوبة.
ثم أضاف:
باران : كان يمكن أن يعيش لو عرف الحقيقة.
صمتا طويلًا.
وفي ذلك الصمت، لم يكن هناك ما يقال.
فبعض الأحزان لا تحتاج إلى كلمات.
وبعض الحقائق، حين تأتي متأخرة، لا تمنح الراحة...
بل تمنح الإنسان فهمًا مؤلمًا لكل ما خسره.
كانت ديلان تبكي في حضن باران، وهو يحتضنها، وكلاهما يدرك أن اعتراف طارق لم ينهِ جراح الماضي.
لقد كشفها فقط.
كشفها دفعة واحدة، وتركهما أمامها...
بلا أقنعة.
بلا أكاذيب.
وبلا فرصة لاستعادة ما مضى.
انتشر خبر وفاة طارق في أرجاء المستشفى سريعًا، كأن الخبر نفسه كان يحمل في طياته ثقلًا أكبر من أن يحتمله أحد.
حين وصل إلى حنيفة، لم تستطع الوقوف.
تراجعت خطواتها إلى الخلف، ثم انهارت على أقرب مقعد، ووضعت يديها على وجهها، وانفجرت بالبكاء.
لم تكن تعرف كيف تبكيه.
أتبكي ابنها الذي لفظ أنفاسه قبل قليل، بعدما كشف في لحظاته الأخيرة خيوط المؤامرة التي نسجها بيديه، وترك خلفه اعترافًا سيظل يطارد الجميع؟،
أم تبكي ابنها الآخر، مدحت، الذي كانت تعرف أن اعتراف طارق لن يترك له طريقًا للهرب، وأن مستقبله الذي أفسده بيديه قد انتهى، وأن السنوات القادمة قد تبتلعه خلف القضبان؟،
كانت الأسئلة تتصارع داخل رأسها، حتى لم تعد تعرف أين ينتهي حزنها على أحدهما ويبدأ خوفها على الآخر.
صرخت من بين دموعها:
حنيفة: يا أولادي...
ثم عجزت عن إكمال الجملة.
انحنت إلى الأمام، وأخذ جسدها يرتجف تحت وطأة البكاء.
قبل ساعات فقط، كانت تملك ابنين.
والآن...
أحدهما رحل إلى الأبد، والآخر ينتظر مصيرًا لم تعد تملك القدرة على تغييره.
لكن أكثر ما كان يمزق قلبها أنها، للمرة الأولى، بدأت ترى الحقيقة كاملة.
لقد كانت جزءًا من تلك الدائرة.
صدقت ما أراد طارق أن تصدقه، وغضبت ممن لم يكن يستحق غضبها، وساهمت، من حيث لم تدرك، في إشعال نار امتدت حتى أحرقت حياة الجميع.
رفعت وجهها إلى السماء، والدموع تغرق ملامحها.
حنيفة: ماذا فعلنا بأنفسنا؟.
لم يجبها أحد.
ولم يكن هناك جواب يمكنه أن يخفف عنها ما تشعر به.
وفي الجهة الأخرى من المستشفى، كان إبراهيم وصفية يسيران بخطوات بطيئة بعد أن وصلهما خبر وفاة طارق.
كانا مذهولين.
لم يتبادلا كلمة واحدة في البداية.
فالأحداث التي توالت خلال الأيام الأخيرة كانت أكبر من قدرة عقليهما على الاستيعاب.
كل يوم يحمل حقيقة جديدة.
كل ساعة تسقط قناعًا كان الجميع يظن أنه حقيقة.
توقف إبراهيم للحظة، وأسند ظهره إلى الجدار، ثم مرر يده على وجهه.
إبراهيم: لا أستطيع أن أصدق أن كل هذا حدث أمامنا... ونحن لا نعرف شيئًا.
نظرت إليه صفية بعينين زائغتين، وقالت بصوت خافت:
صفية: أشعر وكأننا استيقظنا فجأة لنجد أن كل ما كنا نعرفه عن الماضي لم يكن كما ظنناه.
صمت إبراهيم.
كانت صورة مراد تمر أمام عينيه.
ثم ديلان.
ثم طارق.
ثم كل ما انكشف في ساعات قليلة، لم يكونا قد علماه بعد، لكن ما فعله طارق بإبنتهما كان كافيا، ليقل قلبهما قبل كاهلهما.
قال بحزن:
إبراهيم: كم من الأرواح تحطمت بسبب الطمع والحقد؟.
خفضت صفية رأسها، ولم تجد ما تجيبه.
كانت تشعر بالعجز.
فمهما حاول الإنسان أن يفهم، هناك لحظات تصبح فيها كثرة الأحداث أثقل من قدرة القلب والعقل معًا.
تابعا السير بصمت، حتى لمحا حنيفة من بعيد، منهارة على المقعد، تحيط بها دموعها.
تبادلا نظرة طويلة.
فهم كل منهما ما شعر به الآخر دون أن يتحدث.
اقتربا منها ببطء.
كانت حنيفة لا تزال تبكي، تردد بين شهقاتها:
حنيفة: أبنائي... ماذا فعلوا بأنفسهم؟.
اقترب إبراهيم منها، لكنه توقف للحظة، عاجزًا عن إيجاد الكلمات المناسبة.
فما الذي يمكن أن يقوله لأم فقدت ابنًا، وتوشك أن تفقد الآخر؟.
مدت صفية يدها إليها، وجلست بجانبها، ثم أمسكت يدها برفق.
لكن حنيفة ما إن شعرت بيدها حتى ازداد بكاؤها.
حنيفة: لم أكن أعرف... أقسم أنني لم أكن أعرف أن الأمور ستصل إلى هنا...
نظرت إليها صفية بحزن.
صفية: نعلم.
لكن حنيفة هزت رأسها وهي تبكي.
حنيفة: لو كنت أعرف... لو كنت أعرف فقط...
ثم انقطع صوتها.
كانت تعرف أن كلمة لو لن تعيد طارق، ولن تنقذ مدحت، ولن تمحو ما حدث لديلان، ولن تعيد مراد إلى الحياة، ولن تعيد لدنيز ما فقدته..
وفي تلك اللحظة، أدرك الجميع حقيقة موجعة:
أن بعض الأخطاء تبدأ صغيرة، لكن حين يتركها الإنسان تكبر، قد تتحول في النهاية إلى مأساة لا يستطيع أحد إيقافها.
بعد أن انتشر خبر وفاة طارق، واستقر في أذهان الجميع أن مدحت لن يجد هذه المرة طريقًا للخروج من السجن، خيّم على المستشفى شعور ثقيل لا يشبه الحزن وحده، بل كان مزيجًا من الصدمة والأسى والإنهاك.
كان الجميع قد استنزفتهم الأيام الأخيرة.
وفي وسط ذلك كله، لم يستطع باران أن يتجاهل حنيفة.
تقدّم نحوها برفقة والده وعمه إبراهيم، وقد كانت جالسة في إحدى زوايا المستشفى، شاحبة الوجه، منهكة الملامح، وكأنها فقدت القدرة حتى على البكاء.
تبادل الرجال الثلاثة نظرة قصيرة، ثم اقترب باران منها.
لم يكن بينه وبينها ما يسمح له بأن يتناسى ما حدث، لكنه في تلك اللحظة لم ير أمامه المرأة التي كانت جزءًا من الماضي، ولا أم الرجل الذي تسبب في كل ذلك...
رأى أمًا فقدت ابنها.
جلس أمامها وقال بهدوء:
باران: عظم الله أجركِ يا حنيفة.
رفعت عينيها إليه، ولم تستطع الرد.
أضاف والده:
عزت: نحن هنا من أجل طارق، وسنقف إلى جانبكِ حتى تتم إجراءات دفنه ومراسم جنازته. مهما حدث، يبقى الميت له حق علينا.
ارتعشت شفتا حنيفة، وانهمرت دموعها من جديد.
حنيفة: بعد كل ما فعله... كيف تستطيعون؟.
أجاب إبراهيم بهدوء:
إبراهيم: ما فعله سيأخذ مجراه، وقد قال الحقيقة بنفسه، والعدالة ستقول كلمتها، لكن الموتى لا يحملون معهم إلا ما قدموه... ونحن لا نريد أن نضيف إلى ما حدث قسوة أخرى.
خفضت حنيفة رأسها، وأجهشت بالبكاء.
أما باران، فظل صامتًا للحظات.
كان في داخله من الغضب ما يكفي لرفض الوقوف إلى جانبها، لكنه كان يعرف أن هذا اليوم ليس يوم الانتقام.
لقد انتهى طارق،
وانتهت معه حياة كاملة من الأخطاء.
أما ما بقي، فعلى الأحياء أن يتعاملوا معه.
وبعد استكمال الإجراءات، رافق باران ووالده وعمه حنيفة في مراسم تجهيز طارق ودفنه.
كانت الجنازة ثقيلة.
لم يكن هناك الكثير من الكلام.
فكل واحد منهم كان يحمل في صدره صورة مختلفة للرجل الذي دُفن للتو.
وبعد انتهاء مراسم الدفن، انصرفوا عائدين إلى المستشفى، مثقلين بما شهدوه.
في المستشفى، كانت صفية تجلس إلى جوار دنيز، بينما كانت ديلان قريبة منها تراقب حالتها بصمت.
كانت دنيز قد بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا.
وجهها لا يزال شاحبًا، وجسدها مرهقًا من آثار الحادث، لكن اضطرابها بدأ يهدأ شيئًا فشيئًا.
دخلت عائشة إلى الغرفة بعد قليل، وما إن اجتمع الجميع حتى بدا المكان وكأنه يحمل بين جدرانه كل ما حدث خلال الأيام الماضية.
اقتربت عائشة من دنيز، وجلست بجانبها، بينما كانت صفية تحاول أن تمنح ابنتها شيئًا من الطمأنينة.
وبعد لحظات، بدأت صفية تخبر دنيز بما حدث.
عن طارق...
عن اعترافاته...
عن المؤامرة التي التي ادخلها بها وكادت ان تنتهي بها داخل السحن بسبب تلك الممنوعات.
كانت دنيز تستمع بصمت، وكلما كشفت والدتها تفصيلًا جديدًا، اتسعت عيناها أكثر.
لم تكن تعرف أن وراء كل ما عاشته من خوف وتهديد ومخدرات، رجلًا كان يراقب خطواتها ويدفعها نحو الهاوية عمدًا.
قالت بصوت ضعيف:
دنيز: كان يفعل كل ذلك عمدا!!... و تلاعب بي أنا أيضًا!!؟.
أومأت صفية بحزن.
صفية نعم.
أغمضت دنيز عينيها.
شعرت بأن صدرها يضيق.
لم تكن تعرف أيهما يؤلمها أكثر؛ أن تكتشف أنها كانت أداة في يد طارق، أم أن تدرك أن ما فعلته بالآخرين كان جزءًا من سلسلة بدأت قبل أن تدرك حتى حجمها..
ثم أخبرتها والدتها بما حدث لمدحت.
ساد الصمت.
ظلت دنيز تحدق في سقف الغرفة طويلًا.
كانت ذكريات ذلك المنزل تمر أمام عينيها؛ الأيام التي عاشتها فيه، الخوف، التهديد، الكذب، والقيود التي لم تكن تعرف كيف تتحرر منها.
ثم قالت بصوت متعب:
دنيز: أريد الطلاق.
التفت الجميع إليها.
قالت وهي تحاول أن ترفع رأسها:
دنيز: أريد من أبي أن يباشر إجراءات الطلاق من مدحت.
اقتربت صفية منها.
صفية: دنيز...
قاطعتها بهدوء:
دنيز: لن أعود إلى ذلك المنزل.
ثم أضافت، وقد امتلأت عيناها بالدموع:
دنيز: لا أستطيع أن أعيش هناك بعد الآن، لا أستطيع أن أعود فردًا في تلك العائلة وكأن شيئًا لم يحدث، اريد ان اطوي صفحة الناضي، لابدأ حياة جديدة، لعل الله يكتب لي الخير هذه المرة.
كانت كلماتها تحمل أكثر من مجرد رغبة في الانفصال.
كانت إعلانًا عن نهاية حياة كاملة.
قالت:
دنيز كلما دخلت ذلك البيت سأرى كل ما حدث... طارق، ومدحت، وكل الأكاذيب التي عشنا داخلها.
ثم انكسرت نبرتها:
دنيز: أنا تعبت يا أمي.
احتضنتها صفية على الفور، وراحت تمسح على شعرها.
أما ديلان فظلت صامتة.
كانت تحمل في صدرها حقيقة أخرى لا تستطيع أن تقولها الآن.
اعتراف طارق الكامل،
اعترافه بما فعله بمراد، وبها، وبكل ما حدث في الماضي،
لم يكن الوقت مناسبًا للحديث عنه.
دنيز بالكاد استعادت وعيها، وجسدها لم يتعافَ بعد، والجميع خرجوا للتو من أيام قاسية لا يزالون يحاولون استيعابها، ولايمكن ان ترمي بتلك الحقيقة امامهم، فيمكنها ايضا ان تمزق تلك الحقيقة عائلة اخرى.
لذلك اكتفت ديلان بالصمت.
نظرت إلى دنيز، ورأت في عينيها امرأة أنهكتها أخطاؤها وأخطاء الآخرين، لكنها تحاول للمرة الأولى أن تختار طريقًا مختلفًا.
ثم دخل باران ووالده و عمه إبراهيم إلى الغرفة.
التقت عيناه بعيني ديلان.
لم يتحدث.
لكن النظرة وحدها كانت كافية.
كان كلاهما يعرف أن الحقيقة التي كشفها طارق لم تنتهِ بعد.
وأن هناك أشياء كثيرة ستحتاج ديلان إلى مواجهتها لاحقًا...
لكن ليس الآن.
الآن فقط، كان الجميع بحاجة إلى أن يلتقطوا أنفاسهم.
وأن يمنحوا جراحهم بعض الوقت قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من حياتهم.
بدأ النهار يلفظ أنفاسه الأخيرة، وراحت الشمس تنحدر ببطء نحو الأفق، تلقي على السماء ألوانًا هادئة توحي بنهاية يوم آخر وبداية ليلة جديدة.
كان يومًا طويلًا أثقل الجميع بما حمله من أحداث، وحين بدأت عائلة باران تغادر أروقة المستشفى، لم يكن أحد منهم يملك الرغبة في الحديث، كان الإرهاق بادياً على الوجوه، وكأن كل واحد منهم يحمل في صدره ما يكفي من الكلام الذي لم يعد قادرًا على قوله.
حيث غادر باران مع زوجته ديلان يرافقهمت والديه، فحين بقي إبراهيم وروني ليمضيا وقتا آخر رفقتها، ثم سينصرفان بعد إنقضاء بعد الساعات من الليل، ليتبقى صفية ترافقها هذه الليلة ايضا.
وبينما كان باران مع عائلته يتجهون نحو المخرج، لمح باران شخصًا مألوفًا يدخل من الباب الرئيسي.
توقف للحظة.
ثم اتسعت عيناه بدهشة قبل أن يبتسم.
باران: سليم!.
رفع الرجل رأسه، وما إن وقعت عيناه على باران حتى أشرق وجهه.
سليم: باران!.
اقترب الاثنان من بعضهما، وتعانقا بحرارة بعد غياب.
كان عناقهما طويلا، يحمل شيئًا من الشوق والفرح الذي بدا غريبًا وسط ذلك اليوم المثقل بالحزن.
قال سليم وهو يربت على كتف صديقه:
سليم: لم أكن أتوقع أن ألتقي بك هنا.
ابتسم باران ابتسامة خافتة.
باران: ولا أنا توقعت أن أراك هنا.
سليم: لكن يا رجل منذ ان عدت إنقطعت اخبارك ختى قلقت عليك، وكنت انوي زيارتك.
باران: لقد صارت مع اشياء واحداث لا يكفي الوقت لاسردها عليك، يمكن في وقت لاحق نجلس ونتحدث، بما عشته طيلة هذه السنة منذ عودتي من سويسرا.
ثم صافح سليم عزت، والد باران، وانحنى باحترام أمام عائشة التي استقبلته بابتسامة دافئة، قبل أن يلتفت باران إلى ديلان.
قال وهو يشير إليها:
باران: وهذه زوجتي... ديلان.
توقف سليم للحظة، ثم ابتسم لها باحترام.
سليم: تشرفت بمعرفتك ياسيدة ديلان.
أجابته ديلان بهدوء:
ديلان: وأنا كذلك.
ثم التفت الى صديقه يضربه عل كتفه ممازحا.
سليم: وقد تزوجت يارجل بدون وبدون ان تعزمني ايضا.
إبتسم باران إبتسامة باهتة وقال..
باران: الم اقلك لك ان الحكاية طويلة، ولن يتسنى لنا الان لأقصها؟.
سليم: أذا وعد نلتقي ونتحدث فقد شوقتني لمعرفة ذلك، وساخبرك انا بما حدث معي بعد عودتك.
لكن عينَي سليم لم تخفيا ملاحظته لبطنها المنتفخة.
نظر إلى باران مبتسمًا، ثم قال:
سليم: يبدو أن لديكما خبرًا سعيدًا لم تخبراني به.
ضحك باران للمرة الأولى منذ ساعات، ووضع يده بحنان على بطن ديلان.
باران: نعم... ديلان أكملت شهرها الخامس.
ابتسم سليم بسعادة صادقة.
سليم: ما شاء الله! مبارك لكما. أسأل الله أن يتمم حملها على خير ويرزقكما طفلًا سليمًا معافى.
باران: آمين، قالها باران بابتسامة امتنان.
ثم نظر إلى صديقه متسائلًا:
باران: ولكن أخبرني، ماذا تفعل هنا؟ ألم تستقر في سويسرا؟.
أومأ سليم.
سليم: نعم، ما زلت هناك، جئت في زيارة قصيرة، وسأعود بعدها إلى سويسرا، لكنني جئت اليوم إلى المستشفى لأزور زوجة أخي.
ثم أضاف مبتسمًا:
سليم: لقد أحضرها أخي إلى هنا لتضع مولودها الثاني، وقد عُيّن أخي حديثًا طبيبا في قسم الولادة بهذا المستشفى.
تغيرت ملامح باران إلى ابتسامة أكثر دفئًا.
باران: مبارك لكم مقدمًا، أسأل الله أن ييسر ولادتها ويرزق أخاك مولوده سالمًا معافى.
باران: آمين.
ثم سأل سليم:
سليم: وأنت؟ هل جئت لزيارة أحد؟
نظر باران إلى ديلان للحظة، ثم قال:
باران: ابنة عمي موجودة هنا أيضًا، في القسم نفسه.
تغيرت ملامح سليم قليلًا.
سليم: هل هي بخير، هل دخلت هي أيضا من اجل الولادة؟.
تنهد باران.
باران: تعرضت لحادث مؤلم، وفقدت جنينها.
ساد الصمت لثوانٍ.
قال سليم بأسى:
سليم: لا حول ولا قوة إلا بالله... أسأل الله أن يعوضها خيرًا، وأن يمنّ عليها بالشفاء.
باران: آمين.
ظل الصديقان واقفين للحظات، وكأن كل واحد منهما كان يريد أن يطيل اللقاء بعد عدة أشهر من الغياب، لكن لكل منهما مريض ينتظره.
قال سليم:
سليم: سأذهب الآن إلى قسم الولادة، فعائلتني كلها هنا، وانا بعد ان وصلت وارتحت قليلا حئت لارى زوجة أخي، واتمنى ان ييسر الله والدتها، وغدًا سأعود لزيارة ابنة عمك، وبالتأكيد سأمر عليك قبل أن أغادر.
ابتسم باران:
باران: سيكون ذلك رائعًا، وأنا سأكون سعيدًا برؤيتك.
ثم أضاف سليم ممازحًا:
سليم: وسأعود لأبارك لكما رسميًا عندما أعرف إن كان القادم أميرًا صغيرًا أم أميرة.
ضحك باران بخفة.
باران: حتى الآن لا نعرف.
رفع سليم حاجبه باستغراب.
سليم: كيف لا تعرفان؟ لقد أكملت زوجتك شهرها الخامس!.
ضحك باران وقال:
باران: الأحداث الأخيرة لم تترك لنا فرصة حتى لزيارة الطبيبة لمعرفة جنس الجنين.
نظر سليم إلى ديلان، ثم قال:
سليم: إذن يمكن لأخي أن يفحصها غدًا هنا، ما دام يعمل في القسم نفسه، وسيخبركما.
ابتسم باران بأدب، ثم هز رأسه معتذرًا:
باران: أشكرك كثيرًا، لكننا لن نغيّر الطبيبة التي تتابع حمل ديلان.
ثم نظر إلى زوجته بحنان.
باران: هي تتابع حملها منذ بدايته، وقد اعتدنا عليها ونثق بها، لذلك سنستمر معها حتى النهاية.
ابتسم سليم بتفهم.
سليم: بالطبع، أتفهم ذلك.
ثم صافح باران مرة أخرى، وقال:
سليم: إذن نلتقي غدًا إن شاء الله.
باران: بإذن الله.
وقبل أن يفترقا، نظر سليم إلى ديلان وقال:
سليم: أتمنى لكِ حملًا هادئًا وولادة ميسرة، وأسأل الله أن يرزقكما طفلًا تقر به أعينكما.
وضعت ديلان يدها على بطنها بابتسامة خجولة.
ديلان: آمين، جزاك الله خيرًا.
افترق الصديقان، واتجه كل منهما إلى وجهته.
توقف باران لحظة وهو يراقب سليم يبتعد داخل أروقة المستشفى، ثم عاد بنظره إلى ديلان.
كانت الشمس قد اختفت تقريبًا خلف الأفق، ولم يبقَ من ضوئها سوى خيوط ذهبية تتسلل عبر زجاج المستشفى.
مد باران يده إليها وأمسك يدها.
كانت الأيام الماضية قد حملت لهما الكثير من الألم...
لكن وسط كل ذلك الألم، كان هناك شيء صغير ينمو بهدوء بينهما.
حياة جديدة لم تولد بعد.
وحين نظر باران إلى بطن ديلان، شعر لأول مرة منذ أيام بأن الغد قد يحمل لهما شيئًا مختلفًا.
شيئًا يستحق أن ينتظراه.