
اقترب سليم منها بخطوات بطيئة، وعيناه مثبتتان عليها، بينما كانت مريم تحاول إظهار الهدوء رغم دقات قلبها المتسارعة.
— إنت بتبصلي كده ليه؟
لم يرد، بل مد يده فجأة وحملها بين ذراعيه.
صرخت مريم بفزع وهي تتشبث بكتفيه:
— سليم! إنت اتجننت؟! نزلني!
واصل السير دون أن يهتم باعتراضها.
— سليم، بقولك نزلني! إنت هتعمل فيا إيه؟!
نظر إليها بطرف عينه وقال ببرود:
— هتعرفي لما نوصل.
— أنا مش بهزر معاك! نزلني حالًا!
وصل إلى غرفة النوم ودفع الباب بقدمه، ثم اتجه نحو السرير وأنزلها عليه برفق.
اعتدلت مريم بسرعة، وسحبت طرف فستانها، بينما وقف أمامها ينظر إليها بنظرات جعلتها تتراجع فوق السرير.
اقترب منها، فتراجعت أكثر.
— إنت بتقرب ليه؟!
لم يجب.
— سليم، إبعد أحسنلك!
وضع يديه على جانبيها، محاصرًا المسافة بينهما، ثم مال نحوها حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها.
همست بتوتر:
— هتعمل فيا إيه؟
ظل ينظر إلى عينيها لحظات، قبل أن يقول بصوت منخفض:
— مش أنا قولت مفيش خروج؟
رفعت عينيها إليه بعناد رغم ارتباكها:
— وإنت فاكر إنك لما تشيلني بالعافية كده هتخليني أسمع كلامك؟!
ابتسم ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه.
— على الأقل هتبطلي تعاندي.
— أنا مش ملكك يا سليم عشان تتحكم فيا!
اختفت ابتسامته، ونظر إلى شفتيها للحظة قبل أن يعود بعينيه إلى عينيها.
فك أول زرين من قميصه، ثم اقترب أكثر، لكنه توقف على بُعد أنفاس منها.
— قوليلي إنك مش عايزاني أقرب.
تجمدت مريم مكانها.
كانت تريد أن تصرخ في وجهه، أن تدفعه بعيدًا، أن تخبره كم تكرهه بسبب كل ما يفعله بها... لكن قربه أربك الكلمات على لسانها.
همست أخيرًا:
— إنت بتلعب بمشاعري يا سليم.
تغيرت نظراته للحظة، وكأن كلماتها أصابت شيئًا بداخله.
اقترب منها، وحين لم تبتعد، وضع يده خلف رأسها وقبّلها قبلة خاطفة، لكنها كانت كافية لتربك الاثنين.
ابتعد قليلًا، وفتح عينيه ليرى مريم تنظر إليه بصدمة.
وضعت يدها على صدره وأبعدته عنها.
— إنت... إنت عملت إيه؟!
لم يجد إجابة.
للمرة الأولى، كان سليم عاجزًا عن تفسير تصرفاته.
نظر إلى عينيها، ثم ابتعد عنها فجأة ووقف أمام السرير، بينما وضعت مريم أصابعها على شفتيها، غير مصدقة أن الرجل الذي أقسم على كسر قلبها هو نفسه من أربك قلبها بهذه الطريقة.
نهضت مريم من على السرير، ووقفت أمامه قائلة بغضب:
— إنت فاكر نفسك مين؟! إزاي تسمح لنفسك تعمل كده؟!
التفت إليها سليم، محاولًا إخفاء ارتباكه خلف ملامحه الجامدة.
— مريم، أنا مش ناقص خناق دلوقتي.
ضحكت بسخرية، وعيناها تلمعان بالدموع:
— طبعًا! إنت تعمل اللي إنت عايزه، وأنا المفروض أسكت! إنت حتى مش شايفني إنسانة ليها مشاعر!
اقترب منها خطوة، لكنها رفعت يدها تمنعه.
— متقربش مني!
توقف مكانه.
— إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟
نظرت إليه بعدم تصديق.
— مكبرة الموضوع؟! إنت بجد بتسألني؟!
سكت سليم، ولم يجد ما يقوله.
استدارت مريم واتجهت نحو خزانة الملابس، وأخرجت منها ملابسها، ثم دخلت الحمام وأغلقت الباب خلفها بقوة.
بقي سليم واقفًا مكانه، يمرر يده على وجهه بضيق.
كان يعلم أنه أخطأ، لكنه لم يكن مستعدًا للاعتراف بذلك، حتى أمام نفسه.
بعد دقائق، خرجت مريم وقد بدلت ملابسها، وتوجهت إلى الناحية الأخرى من الغرفة دون أن تنظر إليه.
قال سليم بصوت منخفض:
— مريم...
لم ترد.
— أنا بكلمك.
التفتت إليه أخيرًا وقالت ببرود:
— وأنا مش عايزة أسمعك.
ثم أخذت وسادة وغطاءً واتجهت نحو الأريكة الموجودة بالغرفة.
راقبها سليم بصمت، قبل أن يقول:
— هتنامي هناك؟
— أيوه. عندك اعتراض؟
لم يرد.
استلقت مريم وأدارت ظهرها له، بينما ظل هو جالسًا على طرف السرير، يفكر في القبلة التي لم يستطع إخراجها من رأسه.
أما مريم، فكانت تحاول إقناع نفسها أن ما حدث لم يؤثر فيها...
لكن قلبها كان له رأي آخر.
---
في صباح اليوم التالي...
استيقظت مريم، أخذت حمامها وارتدت ملابسها، ثم خرجت من الغرفة لتجد سليم يجلس على الأريكة ممسكًا بهاتفه.
لم تلقِ عليه حتى تحية الصباح، واتجهت إلى الخارج وهي تحمل حقيبتها.
رفع سليم عينيه إليها، لكنه لم يعلّق.
وبمجرد أن ابتعدت عنه قليلًا، بدأت تتمتم بضيق:
— قاعدلي ليل ونهار معايا... هو مش ليه زوجة أولى؟! ما يروح عندها بدل ما هو كل شوية يلعب بمشاعري! يوم يقرب ويوم يبعد، ويوم يبصلي كأنه بيحبني، ويوم يعاملني كأني عدوه!
كان سليم يسمع كل كلمة، فرفع حاجبه محاولًا كتم ضحكته.
دي مجنونة رسمي!
هز رأسه وهو يبتسم، ثم عاد ينظر إلى هاتفه.
---
في الشركة...
وصلت مريم إلى الشركة، وسارت في الممر المؤدي إلى مكتبها، وما زالت تتمتم بكلمات غير مفهومة، حتى توقفت فجأة عندما وجدت نادين أمامها.
ابتسمت مريم ابتسامة واسعة وقالت:
— بنت حلال! أنا لسه كنت بجيب في سيرتك!
رفعت نادين حاجبها باستغراب.
— نعم؟!
— ولا حاجة يا حبيبتي، صباح الخير!
نظرت إليها نادين من أعلى إلى أسفل، ثم ابتسمت ابتسامة باردة.
— صباح النور يا مريم.
تركتها مريم واتجهت إلى مكتبها، بينما ظلت نادين تتابعها بنظرات ممتلئة بالضيق.
---
داخل مكتب سليم...
دخلت نادين وأغلقت الباب خلفها، ثم اقتربت من مكتبه قائلة:
— سليم، أنا عرفت الحقيقة.
رفع عينيه عن الأوراق التي أمامه.
— حقيقة إيه؟
جلست أمامه وقالت بثقة:
— عرفت سبب جوازك من مريم.
تغيرت ملامح سليم قليلًا، لكنه لم يتحدث.
تابعت نادين:
— إنت اتجوزتها علشان تنتقم من أبوها، صح؟
ظل ينظر إليها بصمت.
ابتسمت نادين بانتصار.
— كنت عارفة! وأنا ممكن أساعدك يا سليم... نقدر نخليها تدفع تمن كل اللي أبوها عمله.
نهض سليم من مقعده واتجه نحو النافذة.
— الموضوع ده يخصني أنا، ومش محتاج مساعدة من حد.
اقتربت منه نادين، ووقفت بجواره قائلة بنبرة ناعمة:
— ليه بس؟ إحنا بينا عشرة، وأنا أكتر واحدة عارفاك وفاهمة إنت محتاج إيه.
حاولت الإمساك بذراعه، لكنه ابتعد عنها فورًا.
نظر إليها ببرود وقال:
— بطلي تمثيل يا نادين.
تجمدت ابتسامتها.
— تمثيل؟!
— أيوه، تمثيل. إنتِ عارفة كويس إن جوازنا كان جواز مصلحة، وكل واحد فينا كان عارف مصلحته من البداية. متحاوليش تخلطي الأمور ببعض.
اشتعل الغضب في عينيها.
— يعني إيه؟! أنا بالنسبة لك مجرد مصلحة؟!
عاد إلى مكتبه وأمسك بأحد الملفات.
— بالضبط زي ما سمعتِ.
نظرت إليه بصدمة، ثم قالت بحدة:
— واضح إن مريم قدرت تغيرك يا سليم!
رفع عينيه إليها بنظرة حادة.
— اسم مريم ملوش دعوة بالموضوع. وياريت تقفلي الباب وراكي وإنتِ خارجة.
ضغطت نادين على شفتيها بغضب، ثم استدارت وخرجت من المكتب وهي تكاد تنفجر من شدة الغيظ.
---
بعد دقائق...
كان آدم قد وصل إلى الشركة، وبمجرد دخوله لمح مريم تقف بجوار مكتبها، فاقترب منها مبتسمًا.
— صباح الخير يا مدام مريم.
ابتسمت مريم فور رؤيته.
— صباح النور يا أستاذ آدم! إيه الصدفة الحلوة دي؟
ضحك آدم.
— هو أنا لازم أكون صدفة حلوة علشان تسلمي عليا؟
— لا طبعًا، بس أنت الوحيد هنا اللي بيضحكني بدل ما ينكد عليا!
ضحك آدم بصوت عالٍ.
— واضح إن عندك مشاكل كتير مع الإدارة.
— إنت لسه شوفت حاجة!
كان الاثنان يضحكان ويتبادلان الحديث، بينما خرجت نادين من مكتب سليم، وما إن وقعت عيناها عليهما حتى لمعت فكرة خبيثة في رأسها.
اتجهت مباشرة إلى مكتب سليم، وطرقت الباب دون انتظار إجابته، ثم دخلت.
رفع سليم رأسه بضيق.
— مش قولتلك تخرجي يا نادين؟
لم تهتم بكلامه، بل اقتربت من المكتب وقالت بابتسامة مستفزة:
— على فكرة، عندك مشكلة كبيرة بره.
عقد حاجبيه.
— إيه هي؟
أشارت بعينيها نحو الباب الزجاجي وقالت:
— السنيورة بتاعتك شكل قلبها بدأ يميل لآدم.
توقفت يد سليم فوق الملف.
— إنتِ بتقولي إيه؟
ابتسمت نادين وهي تستمتع بتأثير كلماتها.
— مش مصدقني؟ بص بنفسك.
نهض سليم من مكانه واتجه نحو الباب، وما إن نظر إلى الخارج حتى رأى مريم تضحك مع آدم، الذي كان يميل برأسه نحوها مستمعًا لحديثها.
اشتدت ملامحه، وضغط على فكه بقوة.
قالت نادين من خلفه:
— أظن إنك محتاج تراجع حساباتك يا سليم... قبل ما تلاقي نفسك خسرتها.
لم يرد عليها.
فتح الباب وخرج بخطوات غاضبة، وعيناه مثبتتان على مريم وآدم.
كانت مريم لا تزال تضحك، حتى سمعت صوتًا تعرفه جيدًا يأتي من خلفها:
— مريم!
اختفت ابتسامتها تدريجيًا، والتفتت إليه.
أما آدم، فنظر إلى سليم باستغراب.
اقترب سليم منهما، وملامحه لا تبشر بالخير...